النص المفهرس

صفحات 301-320

بالكلام ، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)) . وقال عطاء : كانوا يطوفون
ويتحدثون . وقال مالك : لا بأس بالكلام فيه ، فأما الحديث فأكرهه.
واختلفوا في قراءة القرآن ، فكان ابن المبارك يقول : ليس شيء
أفضل من قراءة القرآن . وكان مجاهد يقرأ عليه القرآن في الطواف،
واستحبه الشافعي وأبو ثور ، وقال الكوفيون : إذا قرأ في نفسه .
وكرهت طائفة قراءة القرآن ، وروي ذلك عن عروة والحسن البصري
ومالك بن أنس ، وقال مالك : وما القراءة فيه من عمل الناس
القديم، ولا بأس به إذا أخفاه ، ولا يكثر منه . قال عطاء : قراءة
القرآن في الطواف محدث . وقال ابن المنذر : والقراءة أحب إلي من
التسبيح ، وكُل حَسَن ، ومن أباح قراءة القرآن في الطرق والبوادي
ومنعه الطائف متحكم مدع لا حجة له .
وينبغي أن يفتتح الطواف بتوحيد الله كما يفتتح الصلاة بالتكبير ،
ويخشع لربه ، ويعقل بِبَيْتِ مَنْ يطوف ، ولمعروف من يتعرض ،
وليسأل غفران ذنوبه والتجاوز عن سيئاته ، و[ يشغل ] (١) نفسه بذلك
وخواطره ، ويترك أمور الدنيا، كما فعل ابن عمر حين خطب إليه
عروة بن الزبير [ ابنته ] (٢) في الطواف، فلم يرد عليه كلامًا ، فلما
جاء إلى المدينة لقيه عروة فقال له ابن عمر: (( أدركتني في الطواف
ونحن نتراءى الله بين أعيننا، فذاك الذي منعني أن أرد عليك ، ثم
زوجه)» ، والذي سأل عروةُ باب من أبواب المباح ، فأبى ابن عمر أن
يجيبه تعظيمًا لله - تعالى - إذ هو طائف ببيته الحرام .
وفي قطعه عليه السلام السير من يد الطائف من الفقه أنه يجوز
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): شغل.
(٢) من (ح))، وفي ((الأصل)) كأنها: أخته.
- ٣٠١ -

للطائف فعل ما خف من الأفعال ، وأنه إذا رأى منكرًا فله أن يغيره
بيده، وإنما قطعه - والله أعلم - لأن القود بالأزمَّة إنما يفعل بالبهائم،
وهو مُثْلَة ، وقد روى ابن جريج عن سليمان الأحول، عن طاوس ،
عن ابن عباس ((أن الرسول مَرّ وهو يطوف بالبيت بإنسان يقوده إنسان
بخزامة في أنفه ، فقطعه عليه السلام وأمره أن يقوده بيده )) .
باب : لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك
فيه : أبو هريرة (( أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أَمَّرَهُ عليها
رسول الله قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس : [ ألا
يحج ] (١) بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)» .
قال المهلب : أراد عليه السلام أن ينظف [ له ] (٢) البيت من
[٨٢٥/٢-ب] المشركين والعراة ، ويكون حجه ( بهم ) (٣) عليه السلام / على نظافة
( البيت ) (٤) من هاتين الطائفتين ، وقد اختلف الناس في حجة أبي
بكر هذه إن كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضه لقوله تعالى: ﴿ و لله
على الناس حج البيت ﴾(٥) أو إن كانت على حج الجاهلية ومواسمها،
والذي يعطي النظر أن حجة أبي بكر بالناس كانت حجة الإسلام وبعد
نزول فرضه ؛ لأن وقوفه كان بعرفة مع الناس كافة ، وإنما كان الحمس
وهم قريش يقفون بالمشعر الحرام ، فلما خالف أبو بكر العادة بقريش،
وأخرجهم من الحرم إلى عرفات ، دل أنه إنما وقف بأمر رسول الله ،
فإن النبي إنما امتثل قوله تعالى : ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض
الناس﴾ (٦) يعني العرب كافة ، وقوله تعالى هذا هو متقدم بفرض
الحج ووصف شرائعه كلها .
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ألا لا يحج.
(٣) ليس في (( ح)) . .
(٥) آل عمران : ٩٧ .
(٢) من (( ح)).
(٤) في (( ح)) : الحرم .
(٦) البقرة : ١٩٩ .
- ٣٠٢ -

فثبت بهذا أن حجة أبي بكر على حج الإسلام ، مع أنه أيضًا حج
في ذي الحجة ، وكانت العرب لا تتوخى بحجها إلا ما كانت عليه
من النسيء ، يحلونه عامًا ثم يحرمونه عامًا آخر ، ودليل آخر أنه حج
حجة الإسلام بعد نزول فرضه ؛ بعثته عليه السلام لعلي في أثره لينادي
المشركين ببراءة ، ولينبذ إليهم عهدهم بكتاب الله ، وكذلك أمره ألا
يطوف عريان ولا يحج مشرك ؛ لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس
فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ (١) وفي هذه السورة ذكر
النسيء وذكر شرائع الحج ، وهذا يدل أن الحج لازم للمسلمين ، ليس
على الفور ولا على وقت معين كالصلاة والزكاة والصيام ، بل في
العمر كله مرة متى وجد إليه سبيلا، لا يتعلق بوقت دون وقت ؛ لأن
الرسول لم يحج عند [ فور ] (٢) نزول فرض الحج عليه ، بل أخر
ذلك إلى عام آخر .
قال ابن خواز بنداد : وقد اختلف في هذه المسألة أصحاب مالك ،
وأصحاب أبي حنيفة ، وأصحاب الشافعي على قولين ، فقال مالك :
إذا كانت المرأة صرورة أجبر الزوج على الإذن لها في الحج ولا تعجل
عليه وتؤخر عامًا بعد عام .
قال : وسئل سحنون عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر ذلك سنين
كثيرة مع قدرته على الحج ، هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته ؟
قال : لا يفسق وإن مضى من عمره ستون سنة يؤخر فيها الحج وهو
قادر على فعله ، فإذا جاوز الستين سنة فسق وردت شهادته ، قال :
وتحصيل مذهبنا أن الحج يجوز تأخيره مع القدرة عليه، ورأينا أصحابنا
العراقيين من المالكيين يقولون : هو على الفور ، ولا يجوز تأخيره مع
القدرة ، وهو قول أبي يوسف والمزني ، وروي عن محمد بن الحسن
أنه على التراخي ، وكذلك روي عن أصحاب الشافعي القولان جميعًا.
(١) التوبة : ٢٨ .
(٢) من ( ح )).
- ٣٠٣ -

باب : إذا وقف في الطواف
وقال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه : إذا سلم
يرجع [ إلى ](١) حيث قطع عليه [ فيبني ] (١) ، ويذكر نحوه عن ابن
عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر (٢) .
طاف النبي - عليه السلام - وصلى لسبوعه ركعتين .
وقال نافع : كان ابن عمر يصلي لكل [ سبوع ] (٣) ركعتين. وقال
إسماعيل بن أمية : قلت للزهري : إن عطاء يقول : تجزئه المكتوبة من
ركعتي الطواف ، قال : السنة أفضل ، لم يطف النبي سبوعًا قط إلا
صلی رکعتين .
فيه: [عمرو] (٤): ((سألنا ابن عمر أيقع الرجل على امرأته في
العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة ؟ قال : قدم رسول الله فطاف
بالبيت سبعًا ، ثم صلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة
وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٥))).
وسألت [ جابرًا](7) فقال: (( لا يقرب امرأته حتى يطوف بين الصفا
والمروة )) .
وترجم له باب من صلى ركعتي الطواف خلف ( المقام) (٧)
(١) من (( ح)).
(٢) إلى هنا انتهى الباب بدون ذكر أحاديث مرفوعة، نبه على ذلك الحافظ ابن حجر
(٥٦٦/٣) وقال: قد أسقط ابن بطال من شرحه ترجمة الباب الذي يليه ،
فصارت أحاديثه لترجمة (( إذا وقف في الطواف)) ثم استشكل إيراد كونه عليه
الصلاة والسلام طاف أسبوعًا وصلى ركعتين في هذا الباب .
.
(٣) من (( ح))، والـ: سُبُوع، لغة قليلة في الأسبوع، كما قاله الحافظ في الفتح
(٥٦٧/٣) وفي (( الأصل)): سبوعي، كذا .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : عمر ، خطأ.
(٦) من (( ح ))، وفي ( الأصل)): جابر.
(٧) في ( ح)): الإمام، وهو تحريف .
- ٣٠٤ -
(٥) الأحزاب : : ٢١ .

قال المؤلف : قال مالك : لا ينبغي الوقوف ولا الجلوس في
الطواف، فإن فعل منه شيئًا بنى فيما خف ولم يتطاول وأجزأه .
وقال نافع : ما رأيت ابن عمر قائمًا قط إلا عند [ استلام ] (١)
الركن ، وقال عمرو بن دينار : رأيت ابن الزبير يطوف فيسرع ، قال
نافع: ويقال : القيام في الطواف بدعة ، وطاف ابن عمر في يوم
حار ثم قعد في الحجر ، ثم استراح ، ثم ( أتى ) (٢) ما بقي ،
وأجاز عطاء أن يجلس ويستريح في الطواف ، فإن قيل : فما معنى
ذكره أن النبي - عليه السلام - طاف لسبوعه وصلى ركعتين في باب
إذا وقف في الطواف ؟ قيل : معناه - والله أعلم - / أنه صلی الله
عليه حين طاف [ و] (١) ركع بأثره ركعتين لم يحفظ عنه أنه وقف ولا
جلس في طوافه .
[٢/ ق ٨٣-١]
ولذلك قال نافع : إن القيام فيه بدعة إلا أن يضعف فلا بأس
بالوقوف والقعود اليسير فيه للراحة ، ويبني عليه ، وإنما كره العلماء
القعود فيه والوقوف لغير عذر - والله أعلم - لأن من أجاب دعوة أبيه
إبراهيم على بُعدِ الشقة وشدة المشقة لا يصلح إذا بلغ [ إلى ] (١)
العمل أن يتوانى فيه بوقوف أو قعود لغير عذر ، ولهذا المعنى - والله
أعلم - كان ابن الزبير يسرع في طوافه .
وجمهور العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء على طوافه إذا
فرغ من صلاته ، روي ذلك عن ابن عمر ، وعطاء ، والنخعي ،
وابن المسيب ، وطاوس ، وبه قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور إلا الحسن البصري فإنه قال : يبتدئ
الطواف .
قال ابن المنذر : وحجة الجماعة أن الخارج إلى الصلاة المكتوبة
(١) من ( ح)).
(٢) في ( ح )) : أتم .
- ٣٠٥ -

معذور قد حيل بينه وبين أن يتم طوافه ، فإذا فرغ ووجد السبيل إلى
إكماله أكمله ، وغير جائز أن يبطل عمل الطائف بغير حجة .
وفي المسألة خلاف آخر ذكره عبد الرزاق عن أبي الشعثاء ، أنه
أقيمت عليه الصلاة وطاف خمسة أطواف فلم يتم ما بقي، وعن سعيد
بن جبير مثله ، وعن عطاء : إن كان الطواف تطوعًا وخرج في وتر
فإنه يجزئ عنه ، وكذلك إن عرضت له حاجة فخرج فيها . وعن ابن
عباس : من بدت له حاجة فخرج لها فليخرج على وتر من طوافه ،
ويركع ركعتين ولا [يَعُدْ ] (١) لبقيته .
وقال مالك : من طاف بعض طوافه ثم خرج لصلاة على جنازة ،
أو خرج لنفقة نسيها ، ( فليستأنف ) (٢) الطواف ولا يبني ، ولا يخرج
من طوافه لشيء إلا الصلاة الفريضة ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ،
وقال أشهب : يبني إذا صلى على جنازة ، وهو قول أبي حنيفة ،
وقال ابن المنذر : لا يخرج من بِرَّ هو فيه إلى بِرُّ ، وليتم طوافه ..
واختلف العلماء فيمن طاف سبوعًا ثم وافق صلاة مكتوبة هل تجزئه.
من ركعتي الطواف ؟ فروي عن ابن عمر أنه أجاز ذلك خلاف ما ذكره.
البخاري عنه أنه كان يفعله ، وروي مثله عن سالم وعطاء وأبي
الشعثاء، قال أبو الشعثاء : ولو طاف خمسة . وقال الزهري ومالك
وأبو حنيفة : لا يجزئه .
قال ابن المنذر : ويشبه مذهب الشافعي ، وهو قول أبي ثور ،
واحتجاج ابن شهاب على عطاء في هذا الباب بأن النبي - عليه
السلام- لم يطف سبعًا قط إلا صلى ركعتين في أنه لا تجزئه المكتوبة
من ركعتي الطواف ؛ مغن عن غيره ، وكان طاوس يصلي لكل سبوع
أربع ركعات، فذكر ذلك لابن جريج فقال: حدثنا عطاء أن رسول الله
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يعيد.
(٢) في (( ح)): فليبتدئ .
- ٣٠٦ -

كان يصلي على كل سبوع ركعتين . وعلى هذا مذاهب الفقهاء . قال
ابن المنذر : ثبت أن النبي طاف بالبيت سبعًا وصلى ركعتين .
وأجمعوا أن من فعل فعله عليه السلام فهو متبع للسنة ، ورخصت
طائفة أن يجمع أسابيع ثم يركع لها كلها ، روي ذلك عن عائشة
وعطاء وطاوس ، وبه قال أبو يوسف وأحمد وإسحاق ، وكره ذلك
ابن عمر والحسن البصري وعروة والزهري ، وهو قول مالك
والكوفيين وأبي ثور ، وهذا القول أولى ؛ لأن فاعله متبع للسنة .
قال ابن المنذر : وأرجو أن يجزئ القول الأول ، وهو كمن صلى
وعليه صلاة قبلها ، أو طاف وعليه صلاة ثم صلاها بعد طوافه ، قال:
وثبت أن النبي - عليه السلام - صلى ركعتي الطواف عند المقام .
وأجمع العلماء أن الطائف ( يجوز ) (١) أن يركعهما حيث شاء إلا
مالكًا فإنه كره أن يركعهما في الحجر ، وقد صلى ابن عمر ركعتي
الطواف في البيت ، وصلاهما ابن الزبير في الحجر ، قال مالك :
(ومن)(٢) صلى ركعتي الطواف [ الواجب] (٣) في الحجر أعاد
الطواف والسعي بين الصفا والمروة ، وإن لم يركعهما حتى يبلغ بلده
أهراق دمًا ولا إعادة عليه .
قال ابن المنذر : ولا يخلو من صلى في الحجر ركوع الطواف أن
يكون [ قد ] (٤) صلاهما ، فلا إعادة عليه، أو يكون في معنى من لم
يصلهما فعليه أن يعيد أبدًا ، فأما أن يكون بمكة في معنى من لم
يصلهما وإن رجع إلى بلاده في معنى من قد صلاهما ، فلا أعلم
لقائله حجة في التفريق بين ذلك ، ولا أعلم الدم يجب في شيء من
أبواب الطواف .
(١) في (( ح)): يجزئه.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الواجبة.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)) : من .
(٢) في ( ح)): فإن.
- ٣٠٧ -

[٢/ق٨٣-ب)
/ باب : من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى
(عرفات ) (١) ويرجع بعد الطواف الأول
فیه : ابن عباس : ( قدم النبي - عليه السلام - مکة فطاف وسعی بین
الصفا والمروة ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه [ بها ] (٢) حتى رجع من
عرفة )) .
قال المهلب : معنى قوله : من لم يقرب الكعبة ، يريد من لم يطف.
طوافًا آخر تطوعًا غير طواف الورود ؛ لأن الحاج لا طواف عليه غير
طواف الورود حتى يخرج إلى عرفات وينصرف ويرمي جمرة العقبة ،
وكذلك يطوف طواف الإفاضة الذي هو الفرض ، وهذا معنى حديث
ابن عباس ، وهو اختيار مالك لا يتنفل بطواف بعد طواف الورود
حتى يتم حجه ، وقد جعل الله في ذلك توسعة ، فمن أراد أن يطوف
بعد طواف الورود فله ما شاء من ذلك ليلاً ونهاراً ، ولا سيما إن كان
من أقاصي البلدان ، ومن لا عهد له بالطواف بالبيت فقد قال مالك :
إن الطواف بالبيت أفضل من صلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد
البعيدة ؛ لقلة وجود السبيل إلى البيت . وروي عن عطاء والحسن
قالا: إذا أقام الغريب بمكة أربعين يومًا كانت الصلاة أفضل له من
الطواف ، وقال أنس : الصلاة للغرباء أفضل .
باب : من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد ،
وصلى عمر خارجًا من الحرم
فيه : أم سلمة (( أن نبي الله قال لها وهو بمكة وأراد الخروج ولم [ تكن
طافت ] (٣) بالبيت وأرادت الخروج: إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي
(١) في (( ح)": عرفة .
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): فيها.
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : يكن طايف ، كذا.
- ٣٠٨ -

على بعيرك والناس يصلون ، ففعلت ذلك فلم [ تصل ] (١) حتى
خرجت)) .
قال ابن المنذر : واختلفوا في من نسي ركعتي الطواف حتى خرج
من الحرم أو رجع إلى بلاده ، فقال عطاء والحسن البصري : يركعهما
حيثما ذكر من حِلَّ أو حَرَم ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ، وهو
موافق لحديث أم سلمة ؛ لأنه ليس في الحديث أنها صلتها في الحرم أو
في الحل ، وقال الثوري : يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من
الحرم. قال مالك : إن لم يركعهما حتى تباعد أو رجع إلى بلاده عليه
دم . وقال في المدونة: من طاف في غير [ إبّان] (٢) صلاة [أَخَّرَ] (٣)
الركعتين ، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه ويجزئانه ما لم ينتقض
وضوءه ، فإن انتقض قبل أن يركعهما وكان طوافه ذلك [ واجبًا ] (٤)
رجع فابتدأ بالطواف بالبيت وركع ؛ لأن الركعتين من الطواف تُوصَلا
به إلا أن يتباعد ، فليركعهما ويهدي ولا يرجع .
قال ابن المنذر : ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة ، وليس على من
تركها إلا [ قضاؤها] (٥) حيث [ ذكرها ] (٦) .
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : تصلي.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ايان.
(٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): أجزأ .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): واجب.
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): قضاءها .
(٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تركها، خطأ.
- ٣٠٩ -

باب : الطواف بعد الصبح والعصر
وكان ابن عمر يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس ، وطاف
عمر بعد الصبح ، فركب حتى صلى الركعتين بذي طوى . يعني بعد
طلوع الشمس .
فيه: عائشة (( أن ناسًا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح ، ثم قعدوا إلى
الذكر حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون)).
وفيه : ابن عمر: ((سمعت النبي - عليه السلام - ينهى عن الصلاة عند
طلوع الشمس وعند غروبها )) قال عبد العزيز [ بن رفيع ] (١) : رأيت
ابن الزبير يطوف بعد الفجر ويصلي الركعتين ، وكان يصلي بعد العصر
ركعتين ، ويخبر عن عائشة (( أن النبي - عليه السلام - لم يدخل بيتها
قط إلا صلاهما)».
قال المؤلف : قد ذكر البخاري الخلاف في هذه المسألة عن
الصحابة، وكان [ ابن عمر ] (٢) يصلي بعد الصبح والعصر ركعتي
الطواف ، وهو قول عطاء ، وطاوس ، والقاسم ، وعروة ، وإليه
ذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وحجتهم حديث
[٢/ ق٨٤-٢] ابن عيينة / عن أبي الزبير ، عن عبد الله بن بابيه ، عن جبير بن
مطعم ، أن النبي - عليه السلام - قال: (( يا بني عبد مناف ، لا تمنعنِ
أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار )) . فَعَمَّ
الأوقات كلها .
وروي عن أبي سعيد الخدري مثل قول عمر بن الخطاب : لا بأس
بالطواف بعد الصبح والعصر ، ويؤخر الركعتين إلى بعد طلوع
الشمس وبعد غروبها رواه سفيان عن [ الزهري، عن عروة ] (١)،
(١) من (( ح)).
(٢) في ((الأصل))، و(( ح)) : ابن عباس ، وكتب بعضهم أمامها في حاشية
الأصل: ابن عمر . ووضع بجواره حرف (( ح)) إشارة إلى أنها حاشية
وليست من الأصل ، وهذا هو الصواب ، فأثبته .
- ٣١٠ -

عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال : طاف عمر بالبيت بعد الصبح
[فلم] (١) يركع ، فلما صار بذي طوى وطلعت الشمس صلى
ركعتين، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري .
قال الطحاوي : فهذا (٢) عمر - رضي الله عنه - لم يركع حين
طاف ؛ لأنه لم يكن عنده وقت صلاة ، وأخر ذلك إلى أن دخل عليه
وقت الصلاة ، وهذا بحضرة جماعة من أصحاب النبي - عليه
السلام- فلم ينكره عليه منهم أحد ، ولو كان ذلك الوقت عنده وقت
صلاة الطواف لصلى ، ولما أخر ذلك ؛ لأنه لا ينبغي لأحد طاف
بالبيت إلا أن يصلي حينئذ إلا من عذر .
وقد روي ذلك عن معاذ بن عفراء ، وعن ابن عمر ، حدثنا ابن
خزيمة ، حدثنا حجاج ، حدثنا همام ، حدثنا نافع أن ابن عمر قدم
عند صلاة الصبح فطاف ولم يصل إلا بعد ما طلعت الشمس ، فهذا
قول آخر عن ابن عمر في المسألة غير ما ذكره عنه البخاري .
قال المهلب : وما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يركع ركعتي
الطواف ما لم تطلع الشمس ، وهو يروي نهي النبي - عليه السلام -
عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، فيدل - والله أعلم -
أن النهي عنده عن ذلك إنما هو عند موافقة الطلوع والغروب ، فأما إذا
أمن أن يوافق ذلك فله أن يصلي ركعتي الطواف ؛ لأن الوقت لهما
واسع ، ومن سنتهما الاتصال بالطواف .
وقد بين ذلك ما رواه الطحاوي قال : حدثنا أحمد بن داود [ قال :
نا ] (٣) يعقوب بن حميد، حدثنا ( ابن أبي غنية ) (٤)، عن عمر بن
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ما لم ، خطأ.
(٢) جاء في (( الأصل)): فهذا قول ، وهي زيادة مقحمة.
(٤) في (ح)): ابن غنية، والصواب ما في الأصل.
(٣) من (( ح)).
- ٣١١ -

ذر ، عن مجاهد قال : كان ابن عمر يطوف بعد العصر ويصلي ما
كانت الشمس بيضاء حية ، فإذا اصفرت وتغيرت طاف طوافًا واحدًا
حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي ويطوف بعد الصبح ما كان في غلس،
فإذا أسفر طاف طوافًا واحدًا ثم يجلس حتى ترتفع الشمس ويمكن
الركوع ، وهذا قول مجاهد والنخعي وعطاء ، وهو قول ثالث في
المسألة ذكره الطحاوي .
باب : المريض يطوف راكبًا
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - طاف بالبيت على بعير ،
کلما أتی الر کن أشار إليه بشيء كان في يده و کبر )) .
--
وفيه : أم سلمة قالت : (( شكوت إلي النبي أني أشتكي فقال : طوفي
من وراء الناس وأنت راكبة ، فطفت ورسول الله إلى جنب البيت ، وهو
يقرأ بالطور وكتاب مسطور )) .
: [ قد تقدم ] (١) في باب التكبير عند الركن حديث مسدد عن
ابن عباس [ من ] (٢) رواية أبي داود (( أن نبي الله كان مريضًا)) ولذلك
طاف راكبًا ، وعلى هذا تأوله البخاري ، ولذلك ترجم لحديث ابن
عباس باب : المريض يطوف راكبًا ، وذكر معه حديث أم سلمة ، وأنه
عليه السلام إنما أباح لها الطواف راكبة لشكواها .
قال ابن المنذر : وأجمع أهل العلم على جواز طواف المريض على
الدابة ومحمولا ، إلا عطاء روي عنه فيها قولان : أحدهما : أن
يطاف به ، والآخر ؛ أن يستأجر من يطوف عنه، وقد تقدم [ قول](٢)
(١) من ((ح)) وفي (( الأصل)): وهو قد بينه .. وما في (( ح)) أحسن.
(٢) من (( ح)).
- ٣١٢ -

من أجاز طواف الصحيح راكبًا لغير عذر في باب التكبير عند الركن ،
واختلافهم في الطواف راكبًا لغير عذر .
قال المهلب : وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد بالبيت في وقت
صلاة الجماعة إلا من وراء الناس ، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت
فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم ، وفيه : أن ترك أذى المسلم أفضل من
صلاة الجماعة ، ومثله قوله عليه السلام: (( من أكل من هذه الشجرة
فلا يقربن [ مسجدنا ] (١))).
مـ،
باب : سقاية الحاج
/ فيه: ابن عمر: ((استأذن العباس رسول الله أن يبيت بمكة ليالي منى [٨٤٥/٢-ب]
من أجل سقايته ، فأذن له )) .
وفيه : ابن عباس « أن النبي - عليه السلام - جاء إلى السقاية
فاستسقی ، فقال العباس : یا فضل ، اذهب إلى أمك فائت رسول الله
بشراب من عندها ، فقال : اسقني ، قال : يا رسول الله ، إنهم يجعلون
أيديهم فيه ، قال : اسقني ، فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون
ويعملون فيها ، قال : اعملوا فإنكم على عمل صالح ، ثم قال : لولا أن
تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، يعني: [على ] (٢) عاتقه)).
قال جماعة من أهل السير : كانت السقاية للعباس مكرمة ، يسقي
الناس نبيذ التمر ، فأقرها النبي - عليه السلام - في الإسلام ، وروي
عن طاوس قال : شُرْبُ نبيذ السقاية من تمام الحج ، وقال عطاء :
لقد أدركت هذا الشراب ، وإن الرجل ليشربه فتلتزق شفتاه من
حلاوته، فلما ( ذهب الخزنة وَوَلِيَهُ ) (٣) العبيد تهاونوا بالشراب
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): مساجدنا.
(٣) في (( ح)): ذهبت الحرية ووليته.
(٢) من ( ح)).
- ٣١٣ -

واستخفوا به، وروى ابن جريج عن نافع ، أن ابن عمر لم يكن
يشرب من النبيذ في الحج .
وروى الطبري حديث ابن عباس في قصة السقاية أتم مما ذكرها
البخاري فقال : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن
يزيد بن أبي زياد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : (( لما طاف
رسول الله أتى العباس وهو في السقاية فقال : اسقوني ، قال
العباس: إن هذا قد مرث ، أفلا نسقيك مما في بيوتنا؟ قال : لا ،
ولكن اسقوني مما ( شرب ) (١) الناس ، فأتي به فذاقه فقطب ، ثم
دعا بماء فكسره ، ثم قال : إذا اشتد نبیذکم فاکسروه بالماء )»
فاستدل أهل الكوفة بهذا الخبر على جواز شرب النبيذ المسكر ،
قالوا: وقد روي عن عمر وعلي مثل ذلك ، قال الطبري : فيقال
لهم: إن تقطيبه منه لم يكن لأجل أنه كان مسكرًا ، ولا أن قوله: (( إذا
اشتد نبيذكم فاکسروه بالماء )) [ أن ] (٢) معناه : إذا اشتد فصار يسكر
شرب كثيره ؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان ذلك إباحة منه عليه السلام
شرب الخمر إذا صب ( عليه ) (٣) الماء ؛ لأن الخمر لا تصير حلالا
بصب الماء عليها ، بل تفسد الماء الذي يخالطها ويزول عن حد
الطهارة .
فدل أن تقطيبه منه عليه السلام إنما كان من حموضته لا من إسكاره،
وأن قوله: ((إذا رابكم منه شيء)). يعني إذا خفتم ( تغييره ) (٤) إما
إلى حموضة، وإما إلى إسكار ، فاكسروه قبل ( تغييره ) (٤) إلى
ذلك؛ کي لا يفسد علیکم ، وهذا من أدل الدليل على تحريم شرب ما
(١) في ((ح)): يشرب.
(٣) في ( ح )) : عليها
(٢) من (( ح))، وفي (( الأصل)): ليس، خطأ
(٤) في ( ح)) : تغيره .
- ٣١٤ -

أسكر كثيره ؛ لأنه أمر بكسره بالماء إذا صار إلى حد يريب شاربه ، فلو
حل شربه بعدما يصير مسكرًا لم يأمر بعلاجه بالماء قبل مصيره مسكرًا،
بل كان يقول عليه السلام : إذا رابكم منه شيء فانتفعوا به واشربوه ،
ولا تكسروه .
وإنما أمر بكسره ؛ لأنه كان قد ( بدت ) (١) فيه الاستحالة إلى
[الخَلِّية] (٢) بما حدث فيه من الفساد والحموضة، وذلك موجود في
الأشربة التي تنتقل إلى الحموضة قبل دخول الحال التي تصير بها
خمرًا، فكسره بالماء ليهون عليه شربه ، ومثل هذا المعنى ما روي عن
عمر وعلي في ذلك ، حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ،
عن أسامة بن زيد ، أنه سمع [ نافعًا ] (٣) يقول: إن عمر قال ليرفأ:
اذهب إلى إخواننا الثقفيين فالتمس لنا عندهم شرابًا ، فأتاهم فقالوا :
ما عندنا إلا هذه الإداوة وقد تغيرت ، فدعا بها عمر فذاقها ، فقبض
وجهه ، ثم دعا بالماء فصب عليه فشرب .
قال نافع : والله ما قبض وجهه إلا أنها تخللت . قال ابن وهب :
وحدثنا عمرو بن الحارث ، أن ( سلام بن حفص ) (٤) أخبره ، أن
زيد بن أسلم ، أخبره أن أصحاب النبي - عليه السلام - كانوا إذا
حمض عليهم النبيذ كسروه بالماء . وروى إسماعيل بن أبي خالد عن
قيس قال: حدثنا عتبة بن فرقد قال : دعا عمر بعس من نبيذ قد كاد
يكون خلا ، فقال لي : اشرب ، فأخذته فجعلت لا أستطيع شربه ،
فأخذه من يدي فشرب حتى قضى حاجته .
قال المهلب : وإنما أذن النبي للعباس في المبيت عن منى ، ولم
يوجب عليه الهدي من أجل السقاية ؛ لأنها عمل من أعمال الحج ،
(١) في (( ح)) : بدأت.
(٢) من ((ح))، وفي (الأصل)): الحلولة .
(٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): نافع.
(٤) هكذا في ((الأصل))، و(( ح)) ولم أعرفه، وأخشى أن يكون محرفاً أو غير
ذلك .
- ٣١٥ -

[٢/ ٨٥-١) ألا ترى قوله عليه السلام / إذ ورد زمزم وهم يسقون : (( اعملوا
فإنكم على عمل صالح)) وقوله عليه السلام: ((لولا أن تغلبوا
لنزلت)) يعني : لنزلت لاستقاء الماء ، فهذه ولاية من النبي - عليه
السلام - للعباس وآله السقاية ، وإنما خشي أن تتخذها الملوك سنة
يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس .
باب : ما جاء في زمزم
فيه : أبو ذر قال عليه السلام: ((فرج سقفي وأنا بمكة فنزل جبريل ،
ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة
وإيمانًا فأفرغها في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج إلى السماء
الدنيا ... )) الحديث .
وفيه : ابن عباس قال : (( سقيت رسول الله من زمزم ، فشرب وهو
قائم، فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير )) .
قال المهلب : فيه أن شرب ماء زمزم من سنن الحج لفضله وبركته ،
وقد قال ابن عباس : إن ماء زمزم لما شرب له ، وقال مجاهد : إن
شربته تريد الشفاء شفاك الله ، وإن شربته تريد أن تقطع ظمأك
قطعه الله ، وإن شربته تريد أن يشبعك أشبعك الله ، وهي هزمة
جبريل، وسقيا الله إسماعيل . وقال وهب بن منبه : تجدها في كتاب
الله . [ يعني: زمزم ] (١) شراب الأبرار ، وطعام طعم ، وشفاء
[من]. (١) سقم، ولا [ تُنْزَحُ ولا تُذَمُّ] (٢)، من شرب منها حتى
يتضلع أحدثت له شفاء ، وأخرجت منه داء .
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي (( الأصل)): ترج ولا تذم. كذا وهو تصحيف. ولا تنزج
يعني : لا يستأصل ماؤها نزحًا ، ولا تذم يعني : لا يقل ماؤها من قولهم :
بئر ذمة أي : قليلة الماء .
- ٣١٦ -

وروى ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في
الحج ، ومعنى ذلك أنه كان قد شرب منه ولم يواظب على شربه ؛
لئلا يظن به أنه كان [ يرى ] (١) شربه من الفرض اللازم ، ولا يجوز
أن يتأول عليه أنه ترك شيئًا فعله النبي - عليه السلام - لأنه لم يكن
أحد أتبع منه لآثار رسول الله .
قال ابن عباس : ينبغي أن يأخذ الدلو ، ويستقبل القبلة ،
و(يدعو)(٢) الله ، ثم يشرب ويتنفس ثلاث مرات ، ويتضلع منها ،
فإني سمعت رسول الله يقول: ((إن آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم
لا يتضلعون من زمزم » .
قال معمر عن الزهري : إن عبد المطلب لما انبط ماء زمزم بنى عليها
حوضًا ، فطفق هو وابنه الحارث ينزعان ، فيملآن ذلك الحوض
فيشرب فيه الحاج ، فيكسره أناس من حسدة قريش بالليل ، ويصلحه
عبد المطلب حين يصبح ، فلما أكثروا [ إفساده ] (٣) دعا عبد المطلب
ربه ، فأري في المنام فقيل له : قل : اللهم إني لا أحلها لمغتسل ،
ولكن هي لشاربٍ حِل وبِل ، ثم كفيتهم. فقام فنادى بالذي أري فلم
يكن أحد يفسد عليه حوضه بالليل إلا رمي بداء في جسده ، ثم تركوا
له حوضه وسقايته، قال سفيان: ( حِل بل ) (٤) ( محل ) (٥).
*
#
باب : طواف القارن
فيه: عائشة: (( خرجنا مع رسول الله في حجة الوداع، [ فأهللنا] (٦)
بعمرة ثم قال : من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة ، ثم لا يحل حتى
(١) من (( ح)).
(٢) في (( ح)): يسمى .
(٤) في (( ح)) : بل حل .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فساده.
(٥) في (( ح)): محلل .
(٦) من (( ح))، وفي (( الأصل)): وأهللنا.
- ٣١٧ -

يحل منهما جميعًا ، فقدمت مكة وأنا حائض ، فلما قضینا حجنا
أرسلني مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت فقال : هذه مكان
عمرتك، فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ، ثم طافوا طوافًا آخر بعد
أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة [ فإنما ] (١)
طافوا طوافًا واحدًا » .
وفيه : ابن عمر : ( إن یحل بيني وبین البیت أفعل کما فعل رسول الله،
ثم قال : [ أشهدكم ] (٢) أني قد أوجبت مع عمرتي حجا ، ثم قدم
فطاف لهما طوافًا واحدًا )) .
في خبر آخر عن ابن عمر : « وأهدي هدیًا ، ولم يزد على ذلك ، ولم
ينحر ، ولم يحل من شيء حرم منه ، ولم يحلق ولم يقصر حتى كان
يوم النحر نحر وحلق ، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه
الأول، [ ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًاً](١))).
اختلف العلماء في طواف القارن ، فروي عن ابن عمر وجابر بن
عبد الله أنه يجزئه طواف واحد وسعي واحد ، وروي [ ذلك ] (١) عن
[٢/ ق ٨٥-ب] عطاء وطاوس والحسن ، وهو قول / مالك والشافعي وأحمد وإسحاق
وأبي ثور ، وحجتهم [ أحاديث ] (٣) هذا الباب.
وقالت طائفة : على القارن طوافان وسعيان . روي ذلك عن علي
وابن مسعود ، وعن [ الشعبي ] (٤) وابن أبي ليلى ، وإليه ذهب
الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي ، واحتجوا بأن العمرة إذا أفردها لزمته
أفعالها ، فلم يكن ضمها إلى الحج بموجب لسقوط جميع أفعالها ،
دلیله ( التمتع ) (٥).
(١) من ( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أشهدتكم .
(٣) من ((خ))، وفي ((الأصل)»: بأحاديث.
(٤) من ((ح))، وفي ( الأصل)): الشافعي، وهو خطأ.
(٥) في (( ح)): المتمتع.
- ٣١٨ -

قال ابن القصار : فيقال لهم : هذا ينتقض بالحلق ؛ لأن المتمتع لما
كان عليه حلاقان ، كان عليه طوافان ، ولما كان القارن [ يكفيه ] (١)
حلق واحد كفاه طواف واحد ، فإن قالوا : قياسكم الطواف على
الحلق لا يسلم ؛ لأن المستحق في الحلق عن كل إحرام مقدار الربع
فمتى حلق جميع رأسه فقد أتى بما يقع لكل واحد منهما ؛ ولأنه
يجري الموسى على رأسه بعد الحلق ، فيقوم مقام الحلق الآخر عند
العجز ، فيقال لهم : ما تقولون إن اقتصر القارن على حلق ربع رأسه
ولم يتجاوزه ، ولم يجر الموسى على رأسه ، هل يجزئه أو يحتاج إلى
زيادة ربع آخر ، فإن قلتم هذا ، فليس هو مذهبكم ، وإن كفاه
واحد، فقد ثبت ما قلناه ، وأيضًا فإن القارن إن قتل صيدًا واحدًا فعليه
جزاء واحد .
قال غيره : والحجة الكوفيين لازمة بحديث عائشة وابن عمر ؛
لأنهم يأخذون بحديث عائشة في رفض العمرة مع احتماله في ذلك
للتأويل، ويتركونه في طواف القارن ، وهو لا يحتمل التأويل ، قال
ابن المنذر : والرواية عن علي لا تثبت ؛ لأن [ راويها ] (٢) أبو نصر
عن علي ، وأبو نصر مجهول ، ولو كان ثابتًا لكانت سنة رسول الله
أولى .
وذكر عبد الرزاق عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي قال :
((القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد )) بخلاف رواية أهل العراق
عنه، و(قول) (٣) ابن عمر: ((إذا أصنع كما صنع رسول الله))
يعني: حين صُدَّ عليه السلام عام الحديبية، فَحَلَقَ ونَحَرَ وحَلَّ ، فلم
يصد ابن عمر فقرن الحج إلى العمرة ، وكان عمله لهما واحدًا
(١) من ( ح))، وفي ((الأصل)): عليه.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): رواتها.
(٣) في (( ح)): قال .
- ٣١٩ -

وطوافًا واحدًا ، وقد احتج أبو ثور لذلك فقال : لما لم يجز أن يجمع
بين عملين إلا الحج والعمرة فأجزنا ومن خالفنا لهما سفرًا واحدًا،
وإحرامًا واحدًا ، وكذلك التلبية ؛ كان كذلك يجزئ عنهما طواف
واحد وسعي واحد
باب : الطواف على وضوء
فيه : عروة عن عائشة: (( حج النبي - عليه السلام - فأول شيء بدأ
[به](١) حین قدم أنه توضأ ، ثم طاف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة، ثم حج
أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف [ بالبيت ] (١) ، ثم لم تكن عمرة،
ثم عمر كذلك ... )) وذكر الحديث .
هذا الحديث حجة لمن [ اختار ] (٢) الإفراد بالحج وأن [ ذلك] (١)
كان عمل [ النبي ](١) - عليه السلام - وأصحابه بعده ، لم يعدل
أحد منهم إلى تمتع ولا قران ؛ لقولها: ((ثم لم تكن عمرة)).
وفيه ما ترجم به أن سنة الطواف أن يكون على طهارة ، واتفق
جمهور العلماء على أنه لا يجزئ بغير طهارة كالصلاة ، وخالف ذلك
أبو حنيفة فقال : إن طاف بغير طهارة ، فإن أمكنه إعادة الطواف
أعاده، وإن رجع إلى [ بلاده ] (٣) جبره بالدم.
قال ابن القصار: والحجة للجماعة قول عائشة: ((أول شيء بدأ
به النبي - عليه السلام - أنه توضأ ثم طاف بالبيت)) وفعله على
الوجوب إلا أن تقوم دلالة ، وأيضًا فإن فعله خرج مخرج البيان لقوله
تعالى : ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٤) لأن الطواف مجمل يحتاج
إلى بيان صفته ؛ لأنه يقتضي طوفة واحدة .
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح )، وفي ((الأصل)) : أجار .
(٤) الحج : ٢٩ .
(٣) من (( ح))، وفي ( الأصل)): أهله .
: - ٣٢٠ -