النص المفهرس

صفحات 281-300

وقد تقدمت مذاهب العلماء في الصلاة في الكعبة في أبواب القبلة
في كتاب الصلاة في باب قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم / [٢/ ٧٩٥-١]
مصلى﴾ (١) فأغنى عن إعادته .
وقال ابن المنذر : اختلف بلال وأسامة في صلاة النبي في الكعبة ،
فحكم أهل العلم لبلال على أسامة ؛ لأنه شاهد ، وأسامة ناف غيرُ
شاهد ، وكذلك الفضل أيضًا ناف ، والشاهد أولى من النافي ؛ لأن
الشاهد يحكي فعلا حفظه ، والنافي غير حافظ لشيء يؤديه ، وقد
روينا حديثًا هو كالدليل في هذا الباب على أن أسامة كان يغيب عن
النبي - عليه السلام - فيحتمل أن يكون صلى في غيبته .
حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا عاصم بن علي قال : حدثني
ابن أبي ذئب ، عن عبد الرحمن بن [ مهران ] (٢) ، عن عمير مولى
ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال: ((رأى النبي - عليه السلام -
صوراً في الكعبة ، قال : فكنت آتيه بماء في الدلو ويضرب به الصور،
وقال : قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون )) . وروى موسى بن
عقبة عن سالم بن عبد الله أن عائشة كانت [ تقول: ((عجبًا لمن يدخل
في الكعبة كيف ] (٣) يرفع رأسه إعظامًا لله وإجلالا ، دخل رسول الله
الكعبة فما خلف بصره موضع سجوده » .
(١) البقرة : ١٢٥ .
(٢) من (( ح)) وهو الصواب، انظر تهذيب الكمال (٤٤٥/١٧)، وفي ((الأصل)):
شهاب . خطأ .
(٣) من (( ح)).
- ٢٨١ -

باب : من لم يدخل الكعبة.
و کان ابن عمر یحج كثيرًا ولا يدخل .
فیه : ابن أبي أوفى قال: ((اعتمر رسول الله (ێ فطاف بالبيت ، وصلى
خلف المقام ركعتين ، ومعه من يستره من الناس ، فقال له رجل : أَدَخَلَ
رسول الله الكعبة ؟ قال: لا)).
ليس دخول الكعبة من مناسك الحج ؛ ألا ترى أن النبي عليه
السلام لم يدخلها حين اعتمر ، فمن دخلها فهو حسن ، ومن لم
يدخلها فلا شيء عليه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : دخول الكعبة
ليس من نسككم .
باب : من كبر في نواحي الكعبة
فيه: ابن عباس ((أن رسول الله لما قدم أبى أن [ يدخل ](١) البيت وفيه
الآلهة ، فأمر بها فأخرجت ، وأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في
[أيديهما] (٢) الأزلام، فقال رسول الله: قاتلهم الله، [ أما ] (٣) والله قد
علموا أنهما لم [ يستقسما ] (٤) بها قط ، فدخل البيت فكبر في نواحيه
ولم [ يصل ] (٥) فيه )) .
قد تقدم في باب الصلاة في الكعبة ، وفي كتاب الصلاة أن الناس
تركوا رواية ابن عباس وأسامة، وأخذوا بقول بلال: (( أنه عليه
السلام صلى في الكعبة )) وقد روي عن ابن عباس في هذه المسألة أنه
قال : فترك الناس قولي ، وأخذوا بقول بلال . فهذا يدل على أن
العمل على الحكم للمثبت وترك النافي ، وعليه جمهور الفقهاء .
(١) من ( ح))، وفي ( الأصل)): يقدم.
(٢) من (( ح))، وفي (الأصل)): أيديهم ..
(٣) من (( ح))، وفي ( الأصل)): أم ، كذا .
(٤) من (( ح))، وفي (الأصل)): يقسما.
(٥) من (( ح))، وفي ( الأصل)): يصلي.
- ٢٨٢ -

وفي هذا الحديث من الفقه أنه يجب على العالم والرجل الفاضل
اجتناب مواضع الباطل ، وأن لا يشهد مجالس الزور ، ويتزه نفسه
عن ذلك . قال الطبري : وفيه من الفقه الإبانة عن كراهة دخول النبي
بيتًا فيه صورة ، وذلك لأن الآلهة التي كانت في البيت يومئذ إنما كانت
تماثيل وصورًا ، وقد تظاهرت الأخبار عنه عليه السلام أنه كان يكره
دخول بيت فيه صورة ، فإن قال قائل : [ أفحرام ] (١) دخول البيت
الذي فيه التماثيل والصور ؟ قيل : لا ، ولكنه مكروه ، وسأتقصى
الكلام في ذلك في كتاب اللباس والزينة في باب : من كره القعود
على الصور، وفي باب : لا تدخل الملائكة [ بيتًا ] (٢) فيه صورة -
إن شاء الله .
قال الطبري: والأزلام جمع (زلم) (٣)، ويقال: (زلم) (٣)،
وهي قداح كانت الجاهلية يتخذونها يكتبون على بعضها : نهاني ربي ،
وعلى بعضها : أمرني ربي ، وعلى بعضها : نعم ، وعلى بعضها :
لا، فإذا أراد أحدهم سفرًاً أو غير ذلك ، دفعوها إلى بعضهم حتى
يقبضها ، فإن خرج القدح الذي عليه أمرني ربي مضى ، وإن خرج
الذي عليه مكتوب نهاني ربي كَفَّ عن الذي أراد من العمل .
والاستقسام : الاستفعال من قسم الرزق والحاجات ، وذلك طلب
[أحَدِهم] (٤) بالأزلام على ما قسم له في حاجته التي يلتمسها من
نجاح أو حرمان ، فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أنه فسق ، وإنما
جعله فسقًا ؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التي يعبدونها
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فحرام.
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): بيت.
(٣) ضبطت الزاي بالفتح والضم، مع فتح اللام فيهما، كذا في ((مشارق الأنوار ))
للقاضي عياض (٣١٠/١) وغيره .
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أخذهم ، كذا .
- ٢٨٣ -

ويقولون : يا إلهنا ، أخرج الحق في ذلك ، ثم يعملون بما خرج فيه،
فكان ذلك كفرًا بالله ، لإضافتهم ما يكون من ذلك من صواب أو
[٢/ ق٧٩ - ب] خطأ إلى / أنه من قسم آلهتهم ، فأخبر رسول الله عن إبراهيم
وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام ، وإنما كانا يفوضان
أمرهما إلى الله الذي لا يخفى عليه علم ما كان وما هو كائن ؛ لأن
الآلهة لا تضر ولا تنفع .
باب : کیف کان بدء الرمل
فيه: ابن عباس: (( قدم رسول الله وأصحابه فقال المشركون : إنه يقدم
عليكم وقد وهنتهم حُمى يثرب، [ فأمرهم ] (١) النبي - عليه السلام -
أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم [ يمنعه] (٢)
أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم».
ذكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن الجريري ، عن
أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس : ((ألا تحدثني عن الرمل ، فإن
قومك زعموا أنه سنة ، قال : صدقوا وكذبوا ، قلت : ما صدقوا
وكذبوا ؟! قال : قدم رسول الله مكة فقال أهل مكة : إن محمدًاً
وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا من الهزل ، وأهل مكة ناس حُسّد،
فبلغ ذلك النبي - عليه السلام - فاشتد عليه فقال : أَرُوهُمُ اليومَ منكم
ما يكرهون ، قال : فرمل رسول الله وأصحابه الثلاثة الأشواط،
ومشوا الأربعة)) وروى فطر عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس («فكان
رسول الله يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني ، فإذا توارى عنهم
مشى)) . ففي هذا الحديث أن الرمل كان من أجلهم ، لا لأنه سنة ..
(١) من ((ح))، وفي (الأصل)): وأمرهم.
(٢) من ( ح)).
- ٢٨٤ -

قال المهلب : وفيه من الفقه أن إظهار القوة للعدو في الأجسام
والعدة والسلاح ، ومفارقة الهدوء والوقار في ذلك من السنة ، كما
أمر النبي - عليه السلام - بالخب في الثلاثة الأشواط ، ومثله إباحته
عليه السلام [ للحبشة ] (١) اللعب في المسجد بالحراب لهذا المعنى ،
والمسجد ليس بموضع لعب، بل هو [ موضع ] (٢) وقار وخشوع لله-
تعالى - ، لكن لما كان من باب القوة والعدة والرهبة على المنافقين
وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه في المسجد ؛ لأنه أمر من أمر
جماعة المسلمين ، والمسجد لجماعة المسلمين ، وقال صاحب الأفعال:
رمل رملا : أسرع في المشي ، وقال صاحب العين : الرمل : ضرب
من المشي ، والشوط : جري [ مرة ] (٣) إلى الغاية، والجمع
أشواط، وقال الطبري: يقال: [ شاط] (٤) يشوط شوطًا، إذا عدا
غَلْوَةً (٥) بعيدة .
باب : استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول
ما یطوف ویرمل ثلاثا
فيه: ابن عمر (( رأيت النبي - عليه السلام - حين يقدم مكة إذا استلم
الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة ( أشواط ) (٦) من السبع)).
سنة الطواف أن يبدأ الداخل مكة بالحجر الأسود فيقبله إن استطاع،
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): الحبشة.
(٢) من ( ح)) .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): مدة ، خطأ.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): شوط.
(٥) الغَلْوَةُ: مقدار رمية سهم ، وتقدر بثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة . المعجم الوسيط
(٢/ ٦٦٠) .
(٦) في (( ح)) : أطواف.
- ٢٨٥ -

[ أو ] (١) يمسحه بيمينه ويقبلها بعد أن يضعها عليه ، فإن لم يقدر قام
بحذائه فكبر ثم أخذ في طوافه ، ثم مضى على يمينه على باب الكعبة.
إلى الركن الذي لا يستلم ، ثم [ إلى ] (٢) الذي يليه مثله، ثم إلى
الركن الثالث ، وهو اليماني الذي يستلم ، ثم إلى الركن الأسود ،
وهذه طوفة واحدة ، يفعل ذلك ثلاثة أطواف يرمل فيها ، ثم أربعة
لا يرمل فيها ، وهذا إجماع من العلماء أنه من فعل هذا فقد فعل ما
ينبغي ، فإن لم يطف كما وصفنا ، وجعل البيت عن يمينه ومضى من
الركن الأسود على يساره فقد نكس طوافه ، ولم يجزئه عند مالك
والشافعي وأبي ثور ، وعليه أن يرجع من بلاده ويطوف ؛ لأنه کمن
لم يطف ، لخلافه سنة النبي - عليه السلام - في طوافه ، ومن خالفه
فَفعْلُه رد ، والمردود غير مقبول .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يعيد الطواف ما كان بمكة ، فإذا بلغ
الكوفة أو أبعد كان عليه دم ويجزئه ، واحتجوا بقوله تعالى :
﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٣). قالوا : ولم يفرق بين طواف
منكوس أو غيره ، فوجب أن يجزئه ، والخب : ضرب من العَدْو ،
يقال : خبت الدابة تخب خبا ، إذا أسرعت المشي وراوحت بين
[قدميها ] (٤)، وكذلك تقول العرب للخيل إذا وصفتها بسرعة السير:
مراوحة بين أيديها ، فأما إذا رفعت أيديها معًا ووضعتها كذلك فذلك
التقرين لا الخَبَب .
(١) من ((ح))، وفي (الأصل)): و، خطأ.
(٢) من (( ح)).
(٣) الحج : ٢٩ .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: قدمها.
- ٢٨٦ -
.. --

[٢/ ق ٨٠-١]
/ باب: الرَّمَل في الحج والعمرة
فيه : ابن عمر: (( سعى النبي - عليه السلام - ثلاثة أشواط ، ومشى
[أربعًا] (١) في الحج والعمرة)).
وفيه: عمر أنه قال للركن: (( أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر
ولا تنفع ، ولولا أني رأيت النبي استلمك ما استلمتك ، فاستلمه ثم
قال: وما لنا وللرَّمَل، إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله، ثم
قال: شيء صنعه رسول الله فلا نُحب أن نتركه )).
وفيه: ابن عمر قال: (( ما تركت استلام هذين الركنين في شدة
ولا رخاء مذ رأيت رسول الله يستلمهما)) . قلت لنافع : أكان ابن عمر
يمشي بين الركنين ؟ قال : إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه .
واختلف أهل العلم في الرمل هل هو سنة لا يجب تركها في الحج
والعمرة أم لا ؟ فروي عن أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ،
وابن مسعود ، وابن عمر أن الرمل سنة لكل قادم مكة في الثلاثة
الأطواف الأول ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والثوري ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وقال آخرون : ليس الرمل سنة ، ومن شاء فعله ، ومن شاء تركه،
روي ذلك عن ابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، والقاسم،
وسالم .
واختلفوا فيما يجب على من تركه ، فروي عن ابن عباس - وهو
المشهور عنه - أنه لا شيء عليه، وبه قال عطاء ، ورواه ابن وهب عن
مالك ، وهو قول أبي حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد،
وإسحاق ، وأبي ثور .
(١) في ( ح)): أربعة .
- ٢٨٧ -

وقال الحسن البصري : عليه دم ، وهو قول الثوري ، ورواه
[معن](١) عن مالك ، وقال ابن القاسم : رجع عن ذلك مالك،
وذكر [ ابن ] (٢) حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم أن
عليه الدم في قليل ذلك وكثيره ، واحتج بقول ابن عباس : من ترك
من نسكه شيئًا فعليه دم . وهذا الاستدلال خطأ ؛ لأن الأَشْهَر عن ابن
عباس أن من شاء رمل ، ومن شاء لم يرمل ، ومذهبه أن من ترك
الرمل فلا شيء عليه .
وقال الطبري : قد ثبت أن النبي - عليه السلام - رمل ولا مشرك
يومئذ بمكة يرائى بالرمل ، فكان معلومًا أنه من مناسك الحج ، غير أنا
لا نرى على من تركه عامدًا (ولا) (٣) ساهيًا قضاء ولا فدية ؛ لأن
من تركه فليس بتارك لعمل ، وإنما هو تارك منه لهيئة وصفة ، كالتلبية
التي من سنة النبي - عليه السلام - فيها العج ورفع الصوت ، فإن
خفض الصوت بها كان غير مضيع للتلبية ولا تاركها ، وإنما ضيع صفة
من صفاتها ، ولا يلزمه بترك العج ورفع الصوت قضاء ولا فدية .
وأجمعوا أنه لا رَمَل على النساء في طوافهن بالبيت ولا هرولة في
سعيهن بين الصفا والمروة، وكذلك [ أجمعوا ] (٤) أنه لا رمل على
من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها ؛ لأنهم رملوا في حين
دخولهم مكة حين طافوا للقدوم .
واختلفوا في أهل مكة هل عليهم رمل ؟ فكان ابن عمر لا يراه
عليهم ، واستحبه مالك والشافعي للمكي .
وعلة من لم ير الرمل للمكي أنه من سنة القادم ، وليس المكي
(١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): معين، وهو خطأ.
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): أبو ، خطأ .
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): اختلفوا، خطأ.
(٣) في (( ح)): أو .
- ٢٨٨ -

بقادم ، وعلة من استحبه للمكي في طواف الإفاضة ؛ لأنه طواف
ينوب عن طواف ( القدوم ) (١) وطواف الإفاضة ، فاستحب له الرمل
[ ليأتي] (٢) بِسنّة هي في أحد الطوافين، فتتم له السّنّةُ في ذلك ،
كما أنه [ يسعى ] (٣) بين الصفا والمروة في طواف الإفاضة ، وغير
المكي لا يسعى بين الصفا والمروة إلا [ مع ] (٤) طواف الدخول.
*
باب : استلام الركن بالمحجن
فيه : ابن عباس: (( طاف النبي - عليه السلام - في حجة الوداع على
بعير، يستلم الركن [ بمحجنه ] (٥) )) .
يحتمل أن يكون استلامه الركن بمحجنه لشكوى كان به ، وقد روى
ذلك أبو داود في مصنفه ، وروي في ذلك وجه آخر ، روى الطبري
من حديث هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة قالت : « طاف
رسول الله حول البيت على بعير يستلم الركن بمحجنه ، كراهية أن
يصرف الناس عنه)) . فترك الرسول استلامه بيده إما لشكواه ، وإما
كراهة أن / يُضَيِّق على الطائفين ويزاحمهم ببعيره، فيؤذيهم بذلك، [٢/ ق ٨٠ -ب]
أو لهما جميعًا ، فركب راحلته وأشار بالمحجن ، وقد روي في ذلك
وجه ثالث سأذكره في باب : التكبير عند الركن - إن شاء الله .
قال المهلب : واستلام الرسول ( الركن ) (٦) بمحجنه يدل على أن
استلام الركن ليس بفرض ، وإنما هو سنة من النبي ؛ ألا ترى قول
(١) في (( ح)): الدخول .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الثاني، خطأ.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): سعى.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): في .
(٥) في (( ح)): بمحجن .
(٧) في ( ح)) : الحجر.
- ٢٨٩ -

عمر: (( لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك))، وسيأتي
الطواف على الدابة بعد هذا في موضعه - إن شاء الله .
وقال أبو عبيد : قال الأصمعي : المحجن : العصا المعوجة الرأس.
وقال صاحب العين : هي عصا يجتذب بها العامل ما نأى عنه من
( ... ) (١) معوجة الرأس . قال الطبري : ومنه قولهم : احتجن فلان
كذا، إذا أخذه ، وأصله إمالته إلى نفسه ، كالمحجن الذي أُميل طرفه
إلى معظَمِهِ وعُطفَ عَلَيْهِ .
قال الطبري: وقوله: ((يستلم)) يعني: يصيب [السَّلام) (٢)،
والسلام هو الحجر ، وإنما يستلم ( يستفعل ) (٣) منه ، فمعنى الكلام:
طاف النبي على راحلته يومئ بالمحجن الذي معه إلى الحجر الأسود
حتى يصيبه ويكبر ، ثم يقبل من محجنه الموضع الذى أصاب الحجر
منه .
باب : من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين
فيه: جابر بن زيد قال: (( ومن [ يتقي ] (٤) شيئًا من البيت ؟ وكان
معاوية يستلم الأركان ، فقال له ابن عباس : إنه لا يُستلم هذان الركنان ،
فقال : ليس شيء من البيت [ مهجورًاً ] (٥) ، وكان ابن الزبير
(يستلمهن كلهن) (٦))) .
(١) كلمة لم أستطع قراءتها ، رسمها : الشهد ، فالله أعلم .
(٢) من ( ح))، وفي (( الأصل)): السلم ، كذا .
(٣) كتب ناسخ (( ح)) فوق هذه الكلمة ((كذا)) ثم علق في الهامش بقوله: ((هذا
خطأ في التصريف وصوابه : يفتعل ، ولو كان يستفعل لكان يستسلم )) .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تقفى ، كذا .
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): بمهجور .
(٦) في ((ح)): يستلم الأركان".
- ٢٩٠ -

وفيه : ابن عمر: (( لم أر النبي عليه السلام - يستلم من البيت إلا
الرکنین الیمانین » .
قال الطحاوي : إنما لم يستلم النبي إلا الركنين اليمانيين ، لأنهما
مبنيان على منتهى البيت مما يليهما، والآخران ليسا كذلك ؛ لأن الحجر
وراءهما و[ هو ] (١) من البيت ، وذلك أن قريشًا قصرت بهم النفقة
عن قواعد إبراهيم فتركت منه في الحجر ستة أذرع ، وقد أجمعوا أن
[ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم؛ لأنه ليس] (٢) من قواعد إبراهيم،
فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الركنان الآخران لا يستلمان ؛
لأنهما ليسا من قواعد إبراهيم ، فليسا بركنين للبيت .
قال الطحاوي : وقد [ نزع] (٣) ابن عمر بمثل ما [ نزعنا ] (٤) به
في ذلك ، وذلك لأنه لما أخبرت عائشة بقول النبي لها: (( ألم تري
أن قومك حين بَنَوا الكعبة اقتصروا ( عن ) (٥) قواعد إبراهيم قالت :
قلت : يا رسول الله ، ألا تردها على قواعد إبراهيم ... )) وذكر
الحديث ، قال ابن عمر: لو كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله،
ما أرى رسول الله ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر ، إلا أن
البيت لم يتم على قواعد إبراهيم .
وجمهور العلماء على استلام الركنين اليمانين ، وهو قول مالك ،
وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقد روي عن أنس
وجابر ومعاوية وابن الزبير [وعروة ] (٦) أنهم كانوا يستلمون الأركان
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): هما.
(٢) من (( ح)) وهو موافق لما في شرح معاني الآثار (١٨٤/٢)، وجاء في ((الأصل)):
((أن الركنين اليمانيين يستلمهما لأنهما من قواعد إبراهيم ... )) كذا.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): نزغ، خطأ.
(٤) من ((ح))، وفي ((الأصل)): نزغنا ، كذلك.
(٥) في (( ح)): على.
(٦) من (( ح)).
- ٢٩١ -

كلها ، والحجة عند الاختلاف في السنة ، وكذلك قال ابن عباس
لمعاوية حين قال له معاوية : ليس شيء من البيت [ مهجورًا ] (١)،
فقال ابن عباس : ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ (٢)
باب : تقبيل الحجر
فيه : عمر : « أنه قبل الحجر وقال : لولا أني رأيت رسول الله قبلك ما
قبلتك )) .
وفيه : ابن عمر: (( أنه سأله رجل عن استلام الحجر قال : رأيت النبي
يستلمه ويقبله ، قال : أرأيت إن زحمت ، أرأيت إن غلبت ؟ قال :
اجعل أرأيت [ باليمن ](٣) ، رأيت النبي يستلمه ويقبله)).
لا يختلف العلماء أن تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن
الحج لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر عليه وضع يده عليه مستلمًا ثم رفعها
إلى فيه ، فإن لم يقدر قام بحذائه وكبر ، فإن لم يفعل فلا أعلم أحدا
أوجب عليه فدية ولا دَمَا .
قال المهلب: وقول عمر: ((لولا أني رأيت رسول الله (يقبلك)(٤)
ما قبلتك)) . إنما قاله دفعًا لأمر الجاهلية وما كانوا يعبدونه من
الأحجار، فأعلم الناس أن تقبيله للحجر ليست عبادة له ، إنما هي
عبادة لله باتباع سنة رسوله ، والحجر لا يضر ولا ينفع ، إنما ينفع
[٢/ ق٨١-١] الاستنان برسول الله في تقبيله، وقد تقدم هذا المعنى للطبري /،
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): بمهجور.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : فاليمن ، كذا .
:
(٢) الأحزاب : ٢١ .
(٤) في (( ح)) : قبلك.
- ٢٩٢ -

وروى ابن المنذر عن إبراهيم بن مرزوق قال : حدثنا عفان ، حدثنا
حماد بن سلمة ، عن عبد الله بن عثمان بن [ خثيم ] (١) ، عن سعيد
ابن جبير ، عن ابن عباس أن نبي الله قال: « ليبعثن اللهُ الحجَر يوم
القيامة له عينان ولسان ، يشهد لمن استلمه بحق)).
باب : التكبير عند الركن
فيه : ابن عباس قال: ((طاف النبي - عليه السلام - بالبيت على بعير ،
کلما أتی الر کن أشار إليه بشيء عنده و کبر )) .
قد تقدم أن التكبير عند الركن دون استلام لا يفعل [ اختياراً] (٢)،
وإنما يُفعل [ لعذر ] (٣) مرض أو زحام الناس عند الحجر.
واختلفوا في الطواف راكبًا أو محمولا ، فقال الشافعي : لا أحب
لمن أطاق الطواف ماشيًا أن يركب ، فإن طاف راكبًا أو محمولا من
عذر أو غيره فلا دم عليه ، واحتج بحديث ابن عباس هذا أن النبي -
عليه السلام - طاف على راحلته ، وبما رواه ابن جريج عن [ أبي ](٤)
الزبير ، عن جابر (( أن النبي - عليه السلام - طاف في حجة الوداع
بالبيت وبين الصفا والمروة على راحلته ليراه الناس ، وليشرف [لهم](٥)
وليسألوه ؛ لأن الناس غَشَوْهُ)).
وذهب مالك والليث وأبو حنيفة إلى أن من طاف بالبيت راكبًا أو
محمولا فإن كان من عذر أجزأه ، وإن كان من غير عذر فعليه أن يعيد
(١) في ((الأصل)"، (( ح)): خيثم ، وهو تصحيف.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: اختيار .
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لضرر.
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : ابن ، خطأ.
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عليهم .
- ٢٩٣ -

إن كان بمكة ، وإن رجع إلى بلاده فعليه دم ، وحجتهم ما رواه أبو
داود قال : حدثنا مسدد ، حدثنا خالد بن عبد الله ، حدثنا يزيد بن
أبي زياد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس (( أن رسول الله قدم مكة وهو
يشتكي ، فطاف على راحلته ، كلما أتى الركن استلمه بمحجن ، فلما
فرغ من طوافه أناخ فصلى)) . قالوا : فدل أن طوافه راكبًا كان
لشكوى كانت به .
باب : من طاف بالبيت إذا قدم [ مكة ] (١) قبل أن يرجع
إلی بیته ، ثم صلی ر کعتین ، ثم خرج إلى الصفا
فيه: عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - أول شيء بدأ به حین قدم أنه
توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ، ثم حج أبو بكر وعمر مثله ، ثم
حججت مع [ أبي ] (٢) الزبير [ بن العوام ] (١) ، فأول شيء بدأ به
الطواف ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه ، وقد أخبرتني أمي أنها
أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حَلّوا».
وفيه : ابن عمر (( كان عليه السلام إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما
(يقدم) (٣) [سعى] (٤) ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، ثم يسجد سجدتين،
ثم يطوف بين الصفا والمروة ، [ وكان يسعى في بطن المسيل )).
غرضه في هذا الباب أن يبين سنة من قدم مكة حاجا أو معتمرًاً أن
يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ] (١)، فإن كان معتمراً حلق.
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) والقائل: ثم حججت مع أبي الزبير ... هو عروة بن الزبير الذي
يروي عن عائشة هذا الحديث. وجاء في ((الأصل)): ابن الزبير وهي رواية
الكشميهني، قال القاضي عياض: وهو تصحيف. وراجع فتح الباري لابن حجر
(٥٥٩/٣) .
(٣) في ( ح)): تقدم .
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يسعى.
- ٢٩٤ -

وحل ، وإن كان حاجا ثبت على إحرامه حتى يخرج إلى منى يوم
التروية لعمل حجه ، و( لذلك ) (١) قال مالك: إذا دخلت المسجد
فلا تبدأ بالركوع ، ولكن تستلم الركن وتطوف ، وكذلك فعل النبي-
عليه السلام .
وقوله: (( ثم لم تكن عمرة )) يعني أن النبي طاف بالبيت ثم لم
يحل من حجه بعمرة من أجل الهدي ، وكذلك فعل أبو بكر وعمر
أفردا الحج .
وقال ابن المنذر : سَنَّ رسول الله للقادمين المحرمين بالحج تعجيل
الطواف والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم ، وفعل هو ذلك على
ما روته عائشة [ عنه] (٢)، وأمر من حَلَّ من أصحابه أن يحرموا إذا
انطلقوا إلى منى ، فإذا أحرم من هو منطلق إلى منى فغير جائز أن
يكون طائفًا وهو منطلق إلى منى .
فدل هذا الحديث على أن من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم أن
السنة أن يؤخروا طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر ، خلاف فعل
القادمين ؛ لتفريق السنة بين الفريقين ، وأيضًا فإن أهل العلم سموا هذا
الطواف : طواف الورود ، وليس من أنشأ الحج من مكة واردًا بحجه
عليها ، فسقط بذلك عنهم تعجيله .
وكان ابن عباس يقول : يا أهل مكة ، إنما طوافكم بالبيت وبين
الصفا والمروة يوم النحر ، وأما أهل الأمصار فإذا قدموا ، وكان يقول:
لا أرى لأهل مكة أن يحرموا بالحج حتى يخرجوا ، ولا أن يطوفوا بين
الصفا والمروة حتى يرجعوا ، هذا قول ابن عمر وجابر ، وقالوا : من
أنشأ الحج من مكة فحكمه حكم أهل مكة .
قال ابن المنذر : وهذا قول مالك وأهل المدينة وطاوس ، وبه قال
(١) في (( ح)): كذلك.
(٢) من ( ح )) .
- ٢٩٥ -

أحمد وإسحاق ، واختلف قول مالك فيمن طاف وسعى قبل خروجه
(٢/ ٨١٥-ب] فكان يقول : يعيد إذا رجع ولا يجزئه طوافه الأول / ولا سعيه،
وقال أيضًا : إن رجع إلى بلاده قبل أن يعيد فعليه دم .
ورخصت طائفة في ذلك ، ورأت المكي ومن دخل مكة إن طافا
وسعيا قبل خروجهما أن ذلك جائز ، هذا قول عطاء والشافعي ، غير
أن عطاء كان يرى تأخيره أفضل ، وقد فعل ذلك ابن الزبير ،
[أَهَلَّ](١) لما أَهَلَّ هلالُ ذي الحجة، ثم طاف وسعى وخرج ، وأجازه
القاسم بن محمد ، وقال عطاء : [ منزلة ] (١) من جاور بمنزلة أهل
مكة، إِنْ أَحْرَمَ أَوَّلَ العشر طاف حين يُحرم، وإن [ أحرم يوم ] (٢)
التروية أخر الطواف إلى يوم النحر ..
واختلفوا فيمن قدم مكة فلم يطف حتى أتى منى ، فقالت طائفة
عليه دم ، هذا قول أبي ثور، واحتج بقول ابن عباس: (( من ترك
من نسكه شيئًا فليهرق لذلك دمًا)) . وحكى أبو ثور عن مالك :
يجزئه طواف الزيارة لطواف الدخول والزيارة والصدر ، وحكى غيره
عن مالك أنه إن كان مراهقًا فلا شيء عليه ، فإن دخل غير مراهق
فلم يطف حتى مضى إلى عرفات فإنه يهريق دما ؛ لأنه فرط في
الطواف حين قدم حتى أتى إلى عرفات ، وقال أبو حنيفة،
والشافعي، وأشهب: لا شيء عليه إن ترك طواف القدوم .
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من ترك طواف القدوم
وطاف للزيارة ثم رجع إلى بلده أن حجه تام ، ولم يوجبوا عليه
الرجوع كما أوجبوه عليه في طواف ( الإفاضة ) (٣)، فدل إجماعهم
(١) من ( ح)) .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أحرم إلى يوم
(٣) في (( ح)): الزيارة
- ٢٩٦ -

على ذلك أن طواف القدوم ليس بفرض ، وكان ابن عمر وسعيد بن
جبير ومجاهد والقاسم بن محمد لا يرون بأسًا إذا طاف الرجل أول
النهار أنه يؤخر السعي حتى يبرد ، وكذلك قال أحمد وإسحاق إذا
كانت به علة ، وقال الثوري : لا بأس إذا طاف أن يدخل الكعبة ،
فإذا خرج سعی ..
وقوله : ((فلما مسحوا الركن حَلُّوا)). يريد [ بعد ] (١) أن
[سعوا] (٢) بين الصفا والمروة؛ لأن العمرة إنما هي الطواف بالبيت
والسعي بين الصفا والمروة ، ولا يحل من قدم مكة بأقل من هذا ،
فخشي البخاري أن يتوهم متوهم أن قوله: (( فلما مسحوا الركن
حلوا)) أن العمرة إنما هي الطواف بالبيت فقط، [ وأن ] (٣) المعتمر
يحل من عمرته بالطواف بالبيت ، ولا يحتاج إلى سعي بين الصفا
والمروة ، وهو مذهب ابن عباس ، وروي عنه أنه قال : إن العمرة
الطواف . وقال به إسحاق بن راهويه ، ويمكن أن يحتج من قال بهذا
بقراءة ابن مسعود: ((وأتموا الحج والعمرة إلى البيت)) . أي أن
العمرة لا يجاوز بها البيت .
فأراد البخاري بيان فساد هذا التأويل بما أردف في آخر الباب من
حديث ابن عمر (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا قدم مكة للحج أو
العمرة طاف بالبيت ، [ ثم ] (٤) سعى بين الصفا والمروة)). وعلى
هذا جماعة فقهاء الأمصار .
*
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): بين، كذا.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يسعوا.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فإن ، خطأ .
(٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): و.
- ٢٩٧ -

باب : طواف النساء مع الرجال
فيه : عطاء أنه قال لابن هشام إذ منع النساء الطواف مع الرجال : كيف
يمنعهن وقد طاف نساء النبي - عليه السلام - مع الرجال ؟ قال : أبعد
الحجاب ( أم ) (١) قبل ؟ قال : لقد أدركته بعد الحجاب ، قلت : كيف
يخالطن الرجال ؟ قال : لم يَكُنَّ [ يخالطن] (٢) ، كانت عائشة تطوف
(حَجْزة) (٣) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة : انطلقي نستلم يا أم
المؤمنين ، قالت : انطلقي عنك وأبت ( أن تستلم ، قال : وكن ) (٤).
يخرجن متنگرات بالليل فیطفن مع الرجال ، ولکنهن کن إذا دخلن
البيت قُمْنَ ( حين ) (٥) يدخلن [ وأخرج ] (٦) الرجال ، وكنت آتي
عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير ، قلت : وما
حجابها ؟ قال : هي في قبة تركية لها غشاء ، وما بيننا وبينها غير ذلك ،
ورأيت عليها درعًا مُوَرَّدًا .
وفيه : أم سلمة قالت: (( شكوت إلى رسول الله أني أشتكي ، فقال:
طوفي من [ وراء ] (٧) الناس وأنت راكبة ، فطفت ورسول الله حينئذ
يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ: ﴿والطور وكتاب مسطور﴾)).
قال المهلب : قول عطاء : قد طاف الرجال مع النساء ، يريد أنهم
(١) في (( ح)): أو .
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): يخالطهن، خطأ.
(٣) من ((الأصل))، وفي (ح)): بالراء المهملة، وما في الأصل هي رواية
الكشميهني وكذا عبد الرزاق كما ذكره ابن حجر في (( فتح الباري» (٥٦٢/٣).
(٤) ليس في ( ح)).
(٥) في ( ح)): حتى، وهي رواية الكشميهني ، وكذا هو للفاكهي ، كما نبه عليه
ابن حجر .
(٦) من (( ح))، وعدلت في ((الأصل)) إلى يخرج.
(٧) من (( ح))، وفي (الأصل)): ورأى ، كذا.
- ٢٩٨ -

طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال ؛ لأن سنتهن أن يطفن
ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم ؛ لقوله عليه السلام : (( طوفي من
وراء الناس وأنت راكبة )) .
وفيه : أن السنة إذا أراد النساء دخول البيت أن يخرج الرجال عنه ،
بخلاف الطواف حول البيت ، وفيه المجاورة بمكة وهو نوع من
الاعتكاف ، وهو على ضربين : مجاورة بالليل والنهار ، فهو
الاعتكاف ، ومجاورة بالنهار وانصراف بالليل على حسب نيته وشرطه
[ فيها ] (١) .
وفيه جواز المجاورة في الحرم كله ، وإن لم يكن في المسجد الحرام؛
لأن [ ثبيراً] (٢) [ خارج عن مكة، وهو في طريق منى، وقراءة
رسول الله ﴾ بالطور كانت في صلاة الفجر ، كذلك بوب له
البخاري في كتاب الصلاة ، وذكره بعد هذا في باب : من صلى
ركعتي الطواف ] (٣) / خارجاً من المسجد : أن النبي - عليه السلام-
قال لأم سلمة: (( إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس
يصلون)» .
[٢/ ق٨٢-١]
وابن جريج هو راوي الحديث عن عطاء ، وهو السائل له عن هذه
القصة ، وبينهما جرى الخطاب ، وعطاء هو القائل : وكنت آتي
عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير ، قال : ورأيت
عليها درعًا موردًا وأنا صبي ، وروى عبد الرزاق هذا الحديث عن ابن
جريج أتم من رواية البخاري ، وقال فيه : فأبت أن تستلم ، قال :
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): تبير ، بالمثناة في أوله، وهو خطأ.
(٣) من ( ح))، وهو ساقط من الأصل.
- ٢٩٩ -

وكن يخرجن متنكرات بالليل، وقال فيه أيضًا: (( كن إذا [دخلن](١).
البيت [ سترن حين يدخلن] (٢)))، مكان: ((قمن حتى يدخلن)).
وقوله: حجرة (٣) ، يعني ناحية من الناس معتزلة ، وقال عبد الرزاق:
يعني محجوزًا (٣) بينها وبين الرجال بثوب ، والتركية : قبة صغيرة من
لبود .
باب : الكلام في الطواف
فيه : ابن عباس: (( أن النبي - عليه السلام - مَرّ وهو يطوف بالكعبة
بإنسان ربط يده إلى إنسان بسير أو بخيط أو بشيء غير ذلك ؛ فقطعه
النبي - عليه السلام - بيده ثم قال: قده ( بيده) (٤))) .
وترجم له باب إذا رأى سيرًا أو شيئًا يكره في الطواف قطعه .
ا
قال ابن المنذر : أَوْلى ما شَغَلَ المرءُ به نفسَهُ في الطواف ذكرُ الله
وقراءة القرآن ، ولا يشتغل فيه بما لا يجدي عليه منفعة في الآخرة ،
مع أنا لا نحرم الكلام المباح فيه ، غير أن الذكر فيه أسلم ؛ لأن من
تخطى الذكر إلى غيره لم يأمن أن يخرجه ذلك إلى ما لا تحمد عاقبته،
وقد قال ابن عباس: (( الطواف صلاة ، ولكن قد أذن الله لكم فيه
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): دخلت.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): سرن حتى يدخل.
(٣) في ((الأصل))، و(ح)): بإهمال الراء، وهو الصواب هنا، الموافق لتفسير
المؤلف ، راجع الفتح (٥٦٢/٣) وسبق وقوع (( حجزة)) في الأصل بالمعجمة،
وأن ذلك رواية الكشميهني. لكن قال ابن حجر في (( الفتح)، (٥٦٢/٣).
وهي رواية عبد الرزاق - يعني المعجمة - فإنه فسره في آخره فقال : يعني
محجوزًا بينها وبين الرجال بثوب. اهـ فمقتضى كلامه أن يكون ما نقله المؤلف:
عن عبد الرزاق هنا بالمعجمة لكن المؤلف لم ينبه على الخلاف في ضبط هذه
الكلمة فالله أعلم بصواب الضبط عنده .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): بيدك.
- ٣٠٠ -