النص المفهرس

صفحات 241-260

والمروة وقصروا ، ثم أقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا
بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة ، فقالوا : كيف نجعلها متعة وقد
سمينا الحج ؟ فقال : افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت
مثل الذي أمرتكم، و( لكني ) (١) لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي
محله ، ففعلوا )) .
قال المهلب: أشكلت أحاديث الحج على الأئمة و[ صعب] (٢)
تخليصها ونفي التعارض عنها ، وكل ركب في توجيهها غير مذهب
صاحبه ، واختلفوا في الإفراد والتمتع والقران أيها أفضل ، وفي الذي
كان به النبي - عليه السلام - محرمًا من ذلك .
فذهبت طائفة إلى أن إفراد الحج أفضل ، هذا قول مالك وعبد العزيز
ابن أبي سلمة والأوزاعي و[ عبيد الله ] (٣) بن الحسن ، وهو أحد
قولي الشافعي ، وبه قال أبو ثور ، ومن روى أن النبي - عليه السلام-
أفرد الحج جابر وابن عباس وعائشة ، وبهذا عمل أبو بكر الصديق ،
وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعائشة ، وابن مسعود بعد
النبي - عليه السلام .
وقال أبو حنيفة والثوري : القران أفضل ، وبه عمل النبي - عليه
السلام - واحتجوا بحديث أنس أن النبي - عليه السلام - لما استوت
به راحلته على البيداء أهل بحج وعمرة ، وهو مذهب علي بن أبي
طالب ، وطائفة من أهل الحديث ، واختاره الطبري ، وقال أحمد
ابن حنبل : لا شك أن الرسول كان قارنًا ، قال : والتمتع أحب إلي،
لقول النبي - عليه السلام -: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما
(١) في ( ح)): لكن .
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): صفة ، كذا .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عبد الله، ويظهر أنه عبيد الله بن الحسن بن
حصين بن أبي الحرّ البصري القاضي ، وهو ثقة فقيه .
- ٢٤١ -

سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)) . وقال آخرون : التمتع أفضل ،
[٢/ ٥ ٧٢ - أ] وهو (قول ) (١) ابن عمر وابن عباس / وابن الزبير ، وبه قال عطاء،
وهو أحد قولي الشافعي ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ، واحتجوا
بحديث ابن عمر أن النبي - عليه السلام - تمتع في حجة الوداع ،
وبقول حفصة: (( ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك)).
قال المؤلف : وأما ما جاء من اختلاف ألفاظ حديث عائشة مما
يوهم القرآن والتمتع فليس ذلك بموهن الإفراد ؛ لأن رواة حديث الحج
عنها : الأسود ، وعَمرة ، والقاسم ، وعروة ، فأما الأسود وعَمرة
فقالا عنها : (( خرجنا لا نرى إلا الحج)) ، وقال أبو نعيم في حديثه :
(مهلين بالحج)). وقال القاسم عنها: ((خرجنا في أشهر الحج وليالي
الحج وحرم الحج)) . وفي رواية مالك في الموطأ عن القاسم ، عن
عروة، عن عائشة: ((أن رسول الله أفرد الحج))، وكذلك صرح
عروة عنها أنه عليه السلام أفرد الحج ، ويشهد لصحة روايتها بالإفراد
أن جابرًا وابن عباس رويا الإفراد عن النبي - عليه السلام - ، فوجب
رد ما خالف الإفراد من حديث عائشة إلى معنى الإفراد لتواتر الرواية
به عن النبي - عليه السلام .
قال الطحاوي : وقد روى عبد العزيز بن عبد الله ، وحماد بن
سلمة ، ومالك بن أنس ، وعمرو بن الحارث ، ومحمد بن مسلم
الطائفي عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة في:
إحرامها الذي كانت مع النبي - عليه السلام - فيه أنه كان حجة ،.
وأنها قدمت مكة على النبي على ذلك ، وزاد عمرو [ و] (٢) ابن أبي
(١) في ( ح)) : مذهب:
(٢) من (( ح)) وحذفها خطأ، وابن أبي سلمة هو عبد العزيز بن عبد الله المذكور.
آنفًا ويعرف بالماجشون .
--
- ٢٤٢ -

سلمة ، وحماد بن سلمة ، ومحمد بن مسلم [على ] (١) مالك ((أن
النبي - عليه السلام - وأصحابه ( كانوا ) (٢) أيضًا في حجة حتى
قدموا مكة فأمرهم أن يجعلوها عمرة)) . وكذلك في رواية عمرة
والأسود موافقة القاسم عن عائشة بالإفراد .
وقولها: ((لا نرى إلا الحج)) إنما هو على معنى لا نعرف إلا
الحج؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج ، فخرجوا
محرمين بالذي لا يعرفون غيره ، [ قال : والأشبه عندي أن يكون
إحرام النبي - عليه السلام - كان بالحج خاصة لا بالحج والعمرة ؛
لأنه قد أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة ] (٣) ، ولا يجوز أن يكون
أمرهم بذلك وهم في حرمة عمرة أخرى ؛ لأنهم يرجعون بذلك إلى
أن يصيروا في حرمة عمرتين ، وقد أجمع المسلمون على المنع من
ذلك، ومحال عندنا أن يجمعوا على خلاف ما كان من أمر رسول الله
وَالر ، ما لم يكن مخصوصًا به ، وما لم ينسخ بعد فعله إياه .
قال المهلب : وقد أشكل حديث عائشة على أئمة الفتوى ، فمنهم
من أوقف الاضطراب فيه عليها ، ومنهم من جعل ذلك من قبيل ضبط
الرواة عنها ، ومعناه يصح إن شاء الله بترتيبه على مواطنه ووقت
إخبارها عنه في ( المواقيت ) (٤) التي ابتدأ الإحرام منها ، ثم أعقب
حين دنا من مكة بما أمر من لم يسق الهدي بالفسخ .
فأما حديث الأسود عن عائشة فإنها ذكرت فيه البداءة وأنها أهلت
بحجة مفردة بذي الحليفة ، و[ أهل ] (٥) الناس كذلك ، ثم لما دنوا
من مكة أمر النبي من لم يكن ساق الهدي أن يجعلها عمرة ، إذ
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عن.
(٣) من (( ح)).
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): هل ، كذا .
(٢) في (( ح)) : كان .
(٤) في (( ح)): المواضع.
- ٢٤٣ -

--
أوحى الله إليه بتجويز الاعتمار في أشهر الحج فسحة منه تعالى لهذه
الأمة ورحمة لهم بإسقاط أحد السفرين عنهم ، وأمر من لم يكن معه
هدي بالإحلال بعمرة ؛ ليري أمته جوازها ، ويعرفهم بنعمة الله عليهم
عيانًا وعملا بحضرة النبي - عليه السلام .
وفي حديث عروة عن عائشة ذكرت أنهم كانوا في إهلالهم على
ضروبِ : مِنْ مُهلٌّ بحج ، ومن مُهلِّ بعمرة ، وجامع بينهما ،
فأخبرت عما آل أمر المحرمين ، واختصرت ما أهلوا به في ابتداء
إحرامهم ، ولم تأت بالحديث على تمامه كما جاء في حديث عمرة
عنها ، فإنها ذكرت إحرامهم في الموطنين ، ولذلك قال القاسم :
أنتك بالحديث على وجهه . يريد أنها ذكرت الابتداء بالإحرام والانتهاء
إلى مكة ، وأول حدودها (( سرف ))، وما أمر به من الفسخ بعمرة .
قال الطحاوي : ودل حديث عروة أنهم عرفوا العمرة في أشهر
الحج بما عرفهم به رسول الله ، وأمرهم به بعد قدومه مكة .
!
قال المؤلف : واحتج من قال بالإفراد بقول مالك : إذا جاء عن
النبي - عليه السلام - حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا
بأحد الحديثين وتركا الآخر ، فإن في ذلك دلالة على أن الحق في ما
عملا به .
وقال الزهري : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال في قوله تعالى :
[٢/ ٧٢٥ - ب] ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال: من تمامها / أن تفرد كل واحدة من
الأخرى . وقال ابن حبيب : أخبرني ابن الماجشون قال : حدثني
الثقات من علماء المدينة وغيرهم أن أول ما أقيم للناس الحج سنة ثمان
مرجع رسول الله من حنين ، فاستخلف رسول الله على مكة عتاب بن
أسيد فأفرد الحج ، ثم حج أبو بكر بالناس سنة تسع فأفرد الحج ، ثم
- ٢٤٤ -

قبض رسول الله فاستخلف [ أبو ] (١) بكر فأفرد الحج خلافته سنتين ،
ثم ولي عمر بن الخطاب فلم يشك أحد أن عمر أفرد الحج عشر
سنين، [ وولي عثمان فأفرد الحج اثنتي عشرة سنة] (٢). قال ابن
الماجشون : وحدثني ابن أبي حازم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه،
عن جابر أن [ عليا ] (٣) أفرد الحج ، وأفرد ابن عمر ثلاثين سنة
متوالية ، ما تمتع ولا قرن إلا عامًا واحدًا ، وأفردت عائشة كل عام
حتى توفيت ، قال ابن الماجشون : فعلمنا أن الإفراد هو الذي فعل
رسول الله كاليقين ؛ لأنا نعلم بفعل أصحابه بعده ، وهم بطانته ،
أنهم لا يتركون ما فعل ، وهكذا قال لي المدنيون والمصريون من
أصحاب مالك .
وأما نهي عثمان عن المتعة والقران وإهلال علي بهما ، فإن عثمان
اختار ما أخذ به النبي - عليه السلام - في خاصة نفسه وما أخذ به أبو
بكر وعمر ، ورأى أن الإفراد أفضل عنده من القران والتمتع .
والقران عند جماعة من العلماء من معنى التمتع لاتفاقهما في
المعنى، وذلك أن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده كما يصنع
المتمتع [ الذي يحل من عمرته ] (٢)، وكذلك يتفقان في الهدي
والصوم لمن لم يجد هديًا عند أكثر العلماء .
قال المهلب : وأما قول من اختار القران ؛ لأنه الذي فعل النبي -
عليه السلام - فإنه يفسد من وجهين : أحدهما : توهين قول أنس بما
رواه مروان الأصفر عن أنس نفسه أن النبي قال لِعَليِّ: (( لولا أن معي
الهدي لأحللت )) فبان بهذا أن النبي - عليه السلام - لم يكن قارنًا ؛
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أبي ، كذا .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)) : علي ، كذا .
(٢) من (( ح)).
- ٢٤٥ -

لأن القارن لا يجوز له الإحلال ، كان معه هدي أو لم يكن، وهذا
إجماع .
والوجه الآخر: أن التمتع والقران رخصتان ، والإفراد أصل ،
ومحال أن تكون الرخصة أفضل من الأصل ؛ لأن الدم الذي يدخل
في التمتع والقران جبران، وهو [ يجب ] (١) لإسقاط أحد السفرين
أو لترك شيء من الميقات ؛ لأنه لو لم يقرن وأتى بكل واحدة منهما
مفردة بعد ألا تكون العمرة فعلت في شهور الحج ، وأتى بكل واحدة
من ميقاتها ، لما وجب عليه دم .
وقد أَنْكَر القرانَ على أنس : عائشةُ وابنُ عمر وجعلاه من وهمه،
وقالا : كان أنس يدخل على النساء وهن منكشفات [يصفانه ] (٢)
بصغر السن وقلة الضبط لما خالف فيه الجماعة ، هذا قول المهلب ،
قال: وأما حجة من قال بالتمتع وأن النبي - عليه السلام - كان متمتعًا
بحديث ابن عمر ، فهي مردودة بما رواه البخاري في حديث ابن عمر
[ ما ] (٣) يرد به على نفسه ، وهو حديث مسدد ، قال : حدثنا بشر
ابن المفضل ، حدثنا حميد الطويل ، حدثنا بكر أنه ذكر لابن عمر أن
أنسًا حدثهم ((أن النبي - عليه السلام - أهل بعمرة وحجة ، فقال ابن
عمر : أهل الرسول بالحج وأهللنا به ، فلما قدمنا مكة قال النبي -
عليه السلام - : من لم يكن معه الهدي فليجعلها عمرة ، وكان مع
النبي - عليه السلام - هدي ... )) . وذكر الحديث .
ذكره البخاري في المغازي في باب: (( بعثه عليا وخالد بن الوليد
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يدخل ، خطأ.
(٢) من (( ح))، وفي ( الأصل)): يضعفانه ، كذا .
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): ما .
.
- ٢٤٦ -

إلى اليمن قبل حجة الوداع))، وأيضًا قوله في حديث عائشة: (( لو
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة ))
(وهذا نص قاطع أنه عليه السلام لم يهل بعمرة ، وليس في قوله :
((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، ما سقت الهدي ، ولجعلتها
عمرة)) ) (١) دليل أن التمتع أفضل من القران كما زعم أحمد بن
حنبل، وإنما قال ذلك من أجل ما كَبُرَ عليهم مخالفة فعله لفعلهم حين
بقي على إحرامه ولم يحل معهم حين أمرهم بفسخ الحج والإحلال
وإصابة النساء ، فشق ذلك عليهم وقالوا : لما [ لم ] (٢) يكن بيننا
وبين عرفة إلا خمس ، أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر
مذاكرنا المني ، فآنسهم النبي - عليه السلام - وقال لهم : (( قد علمتم
أني أصدقكم الله وأبركم ، ولولا [ هديي ] (٣) لتحللت كما / تحلون»
فسكنوا إلى قوله وطابت نفوسهم ، وسأذكر ما روي عن عروة ، عن
عائشة مما يوهم أن النبي - عليه السلام - تمتع ، في باب : من ساق
(الهدي) (٤) معه - إن شاء الله - وأبين الشبهة فيه .
[٢ / ق٧٣-١]
وأما قول أهل مكة لأبي شهاب حين قدم مكة متمتعًا : تصير
حجتك الآن مكية ، فمعنى ذلك أنه ينشئ حجه من مكة إذا فرغ من
تمتعه كما ينشئ أهل مكة الحج من مكة ؛ لأنها ميقاتهم للحج ؛ لأن
غير أهل مكة إن [ أحلوا ] (٥) من العمرة في أشهر الحج ، وأنشئوا
الحج من عامهم دون أن يرجعوا إلى أُفُقِهم أو أُفُقِ مثل أُفُفهِم في
البعد، فعليهم في ترك ذلك الدم .
ولو خرج إلى الميقات بعد تمام العمرة ليهل بالحج منه لم يسقط
ذلك عنه الدم عند مالك وأصحابه إلا أن يكون الميقات أُفُقه أو مثل
(١) ساقط من (( ح)).
(٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : هدي.
(٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)»: حلوا.
(٢) من (( ح )).
(٤) في (( ح)) : البدن .
- ٢٤٧ -

أُفقه، وأما حديث حفصة وقولها : (( ما شأن الناس حلوا ولم تحل من
عمرتك)) فإنه يوهم أنه عليه السلام أهل بعمرة وأنه تمتع ؛ لأن
الإحلال كان لمن تمتع ، فهو توهم فاسد، وذكر (( عمرتك )) في هذا
الحديث وتركها سواء ؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج
ليفسخوه في عمرة ، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة ؛ لأن
المعتمر يحل بالطواف والسعي والحلاق ، لاشك في ذلك عندهم ،
وقد اعتمروا مع رسول الله عُمَرًا ، وعرفوا حكم العمرة في الشريعة ،
فلم يكن يعرفهم بشيء في علمهم ، بل عرفهم بما أحل الله لهم في
عامهم ذلك من فسخ الحج في عمرة لما أنكروه من جواز العمرة في
زمن الحج .
:
وللعلماء في قول حفصة: (( ما شأن الناس حلوا ولم تحل من
عمرتك ؟)) ضروب من التأويل، فقال بعضهم: إنما قالت له ذلك
لأنها ظنت أنه عليه السلام كان فسخ حجه [ في عمرة ] (١) كما أمر
بذلك من لا هدي معه من أصحابه وهم الأكثر ، فذكر لها عليه
السلام العلة المانعة من الفسخ ، وهي سوقه للهدي ، فبان أن الأمر
ليس كما ظنته .
وقيل : معناه ما شأن الناس حلوا من إحرامهم ، ولم تحل أنت من
إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة ، بدليل قوله: (( لو استقبلت
من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة)) . فعلم بهذا
أنه لم يحرم بعمرة ، هذا قول ابن القصار .
وقيل : معناه : لِمَ لَمْ تحل من حجك بعمرة كما أمرت أصحابك ؟
وقالوا: قد تأتي (من)) بمعنى ((الباء))، كما قال تعالى :
(١) من ((ح))، وفي (( الأصل)): بعمرة.
- ٢٤٨ -

﴿يحفظونه من أمر الله﴾ (١) أي بأمر الله ، تريد لم تحل أنت بعمرة
من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجتك .
وأما قول ابن عباس لأبي [ جمرة ] (٢) في المتعة : هي السنة ،
فمعنى ذلك أن كل ما أمر النبي بفعله فهو سنة ، وكذلك معنى قول
علي لعثمان في القران : ما كنت لأدع سنة النبي - عليه السلام -
لقول أحد ، يعني : سنته التي أمر بها ؛ لأن النبي فعل في خاصته
غيرها وهو الإفراد .
و[أما ] (٣) فسخ الحج في عمرة فهو في حديث عائشة وابن عباس
وجابر وغيرهم ، فالجمهور على تركه ، وأنه لا يجوز فعله بعد النبي -
عليه السلام - وليس لأحد دخل في حجة أن يخرج منها إلا بتمامها ،
ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف ولا غيره ، وإنما أمر
به أصحابه ليفسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر
الحج ؛ [ لأنه خشي عليه السلام حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها
عمرة في أشهر الحج ] (٤) .
فلما لم يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله من قرب أجله،
أمرهم بالفسخ وأحل لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك ، وقد قال
أبو ذر: ما كان لأحد بعده أن يحرم بالحج ثم يفسخه في عمرة. رواه
الأعمش عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، ورواه الليث
عن [ المرقع بن صيفي ] (٥) الأسدي ، عن أبي ذر ، وروي ذلك عن
عثمان بن عفان ، رواه أبو عوانة عن معاوية بن إسحاق ، عن إبراهيم
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): حمزة ، خطأ.
(١) الرعد : ١١ .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): إنما .
(٤) من (( ح))، وسقط من ((الأصل)).
(٥) في ((الأصل)): مرقع بن ضبعي، وفي (( ح)): المربع بن صيفي، وكلاهما
خطأ والصواب ما أثبت ( تهذيب الكمال : ٣٧٨/٢٧).
- ٢٤٩ -

التيمي ، عن [ أبيه] (١)، عن عثمان ، وعن عمر بن الخطاب أنه
قال: ((إن الله - تعالى - كان يخص نبيه بما شاء ، وإنه قد مات
فأتموا الحج والعمرة لله تعالى)).
وقال جابر: «المتعتان فعلناهما على عهد رسول الله ، نهى عمر
عنهما فلن نعود إليهما )) يعني: فسخ الحج ومتعة النساء.
[٢/ق٧٣-ب)
وروى ربيعة بن عبد الرحمن عن الحارث / بن بلال بن الحارث
المزني، عن أبيه قال: قلت: (( يا رسول الله ، أفسخ الحج لنا
خاصة أم لمن بعدنا ؟ قال : بل لنا خاصة)) .
قال الطحاوي . ولا يجوز للصحابة أن يقولوا هذا بآرائهم ، وإنما
قالوه من جهة ما وقفوا عليه ؛ لأنهم لا يجوز لهم ترك ما فعلوه مع
النبي - عليه السلام - من الفسخ إلا بتوقيف منه إياهم على الخصوصية
بذلك ، ومنع من سواهم منه ، فثبت أن الناس جميعًا بعدهم ممنوعون
من الخروج من الحج إلا بتمامه إلا أن يُصَدُّوا .
ووجه ذلك من طريق النظر أنه من أحرم بعمرة فطاف لها وسعى أنه
قد فرغ منها ، وله أن يحلق ويحل ، هذا إذا لم يكن ساق هديًا ،
ورأيناه إذا ساق الهدي ( لمتعته ) (٢)، فطاف لعمرته وسعى لم يحل
حتى جاء يوم النجر فيحل منها ومن حجته إحلالا واحدًاً ، فكان
الهدي الذي ساقه ( لمتعته ) (٢) التي لا يكون عليه فيها هدي إلا بأن
يحج ؛ يمنعه من أن يحل بالطواف إلا يوم النحر ؛ لأن عقد إحرامه
هكذا ؛ كان أن يدخل في عمرة فيتمها ، فلا يحل منها حتى يحرم
بحجة ثم يحل منها ومن العمرة التي قدمها قبلها معًا .
وكانت العمرة لو أحرم بها منفردة حل منها بعد فراغه منها إذا حلق
(٢) في (( ح)): لتمتعه .
(١) من ( ح)).
- ٢٥٠ -

ولم ينتظر يوم النحر، وكان إذا ساق الهدي لحجه يحرم بها بعد فراغه
من تلك العمرة بقي على إحرامه إلى يوم النحر ، فلما كان الهدي
الذي هو من سبب الحج يمنعه الإحلال بالطواف بالبيت قبل يوم
النحر، كان دخوله في الحج أحرى أن يمنعه من ذلك إلى يوم النحر .
قال المؤلف : ولم يُجِزْ فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن
عباس، وتابعه أحمد بن حنبل وأهل الظاهر ، وهو شذوذ من القول،
والجمهور الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل هم الحجة [التي ] (١)
يلزم اتباعها .
قال المهلب : في حديث عائشة [ الأول ] (٢) في قولها: (( فلما
قدمنا تطوفنا بالبيت)) تفسير لقول من قال في العمرة : (( صنعناها مع
رسول الله )) يعني : أنه عليه السلام صنعها أمراً لا فعلا ؛ لأنه معلوم
أن عائشة لم تطف لأنها كانت حائضًا ، وإنما حكت عمن طاف .
وقوله : (( ما طفتِ ليالي قدمنا مكة)) يعني لم [ تُحِلِّي] (٣) من
حجتك بعمرة كما حل الناس بالطواف بالبيت والسعي ، قالت : ((لا،
فأمر أخاها فأعمرها إذ لم تعتمر قبل)). وقول صفية: ((ما أراني إلا
حابستهم )) أي حتى أطهر من حيضتي وأطوف طواف الوداع؛ لأنها قد
كانت طافت طواف الإفاضة المفترض وهي طاهر ، قال مالك : والمرأة
إذا حاضت بعد الإفاضة فلتنصرف إلى بلدها ، فإنه قد بلغنا في ذلك
رخصة من النبي للحائض ، يعني حديث صفية ، وستأتي مذاهب
العلماء في من ترك طواف الوداع في باب : إذا حاضت المرأة بعدما
أفاضت - إن شاء الله .
قال المهلب : وأما قوله في حديث ابن عباس : (( كانوا يجعلون
المحرم صفر)) فهو النسيء الذي قال الله - تعالى - يحلون الشهر
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الذي.
(٣) في ((الأصل)) و(( ح)): تحلل.
(٢) من (( ح)).
- ٢٥١ -

الحرام أعني المحرم، ويحرمون الحلال: صفر ، [ أي ] (١) يؤخرون
حرمة الحرام إلى الحلال صفر .
قوله: ((فتعاظم ذلك)) أي تعاظم مخالفة العادة التي كانوا عليها
من تأخير العمرة عن أشهر الحج ، فسألوه عن الإحلال فقالوا : (( أي
الحل ؟ )) إحلال الطيب والمخيط كما يحل مَنْ رمى جمرة العقبة وطاف
للإفاضة أم غيره ، فأخبرهم أنه الحل كله بإصابة النساء .
وقول أبي موسى: (( قدمت على النبي - عليه السلام - فأمره
بالحل )) يريد أنه أمره بالفسخ لما لم يكن معه هدي ، كما أمر أصحابه
الذين لا هدي لهم ، وأما أبو [ جمرة ] (٢) فإنه خشي من التمتع
[حبوط] (٣) الأجر ونقصان الثواب للجمع بينهما في سفر واحد
وإحرام واحد ، وكان الذين أمروه بالإفراد إنما أمروه بفعل النبي - عليه
السلام - في خاصة نفسه لينفرد الحج وحده ، ويخلص عمله من
الاشتراك فيه ، فأراه الله الرؤيا ليعرفه أن حجه مبرور وعمرته متقبلة في
حال الاشتراك ، ولذلك قال له ابن عباس: (( أقم عندي)) ليقص
على الناس هذه الرؤيا المثبتة لحل التمتع ، وفي هذا دليل أن الرؤيا
الصادقة شاهد على أمور اليقظة .
وفي قوله : (( أجعل لك سهمًا من مالي )) أن العالم یجوز له أخذ
الأجرة على العلم - والله أعلم .
وقوله : (( عَقْرَى حَلْقى)) دعاء عليها ، وقد اختلف في معناه ،
فقيل : معناه : عقرها الله وأصابها بوجع في حلقها ، وقيل : هو من
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): ولم، كذا.
(٢) من (( ح))، وفي (الأصل)): حمزة، خطأ.
(٣) من ( ح))، وفي( الأصل)): هبوط، خطأ.
- ٢٥٢ -

حلق الرأس ، وسأذكر أقوال أهل اللغة في هذه الكلمة وأتقصاه في
كتاب الأدب فإنه بوب لها بابًا - إن شاء الله .
/ باب : من لبى بالحج وسَمَاه
[٢/ ق ٧٤- ٢]
فيه : جابر: (( قدمنامع النبي - عليه السلام - ونحن نقول : لبيك
بالحج، فأمرنا رسول الله فجعلناها عمرة )) .
وفيه : عمران: (( تمتعنا على عهد رسول الله ونزل القرآن ، قال رجل
برأيه ما شاء )» .
قال المؤلف : السنة لمن أراد الحج أن ينويه ويسميه عند التلبية به ،
وكذلك في التمتع والقران ، وعلى هذا جمهور الفقهاء ؛ لقوله عليه
السلام: (( الأعمال بالنيات)) وهذا الباب خلاف على الشافعي ، فإنه
يجيز أن ينعقد الحج بإحرام من غير تعيين إفراد أو قران أو تمتع ، وقد
تقدم هذا مستقصى في باب : من أهل في زمن النبي - عليه السلام -
كإهلال النبي .
ومعنى حديث عمران في هذا الباب كمعنى حديث جابر في التلبية
بالحج والتسمية له ، ووجه ذلك أن ( عمران ) (١) لم يكن ليقدم على
القول عن نفسه وعن أصحابه أنهم تمتعوا على عهد رسول الله إلا
وأنهم قد أسمع بعضهم بعضًا تلبيتهم للحج وتسميتهم له ، ولولا ما
تقدم لهم قبل تمتعهم من تسمية الحج والإهلال به لم يعلم عمران إن
كانوا قصدوا مكة بحج أو عمرة ، إذ عملهما واحد إلى موضع
الفسخ، والفسخ لم يكن حينئذ إلا للمفردين بالحج ، وهم الذين
تمتعوا بالعمرة ثم حلوا ثم أحرموا بالحج ، فدل هذا كله على أنه لابد
(١) في (( ح)): عمرانا.
- ٢٥٣ -

من تعيين الحج أو العمرة عند الإهلال ، وإن كان ذلك مفتقرا إلى النية
عند الدخول فيه .
قال المهلب : وقول عمران: ((تمتعنا على عهد النبي - عليه السلام-
ونزل القرآن)) فإنه يريد أن التمتع والقران معمول به على عهد الرسول
لم ينسخه شيء ، ونزل القرآن بإباحة العمرة في أشهر الحج في قوله
تعالى : ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ﴾ (١)
وقوله : (( قال رجل برأيه ما شاء )) يعني : من تركه والأخذ به، وأن
الرأي بعد النبي - عليه السلام - باختيار الإفراد لا ينسخ ما سَنْهُ من
التمتع والقِران .
۔۔
باب : قول الله تعالى : ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري
المسجد الحرام ﴾(١)
فيه : ابن عباس: (( أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون
والأنصار وأزواج الرسول في حجة الوداع وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال
رسول الله : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قَلَّدَ الهدي، [فطفنا](٢)
بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، وقال : من قلد
الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ، ثم أمرنا عشية التروية أن
نهل بالحج ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة
فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى : ﴿ فما استيسر من الهدي
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ﴾ (١) إلى
أمصاركم ، الشاة تجزئ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن
الله [ أنزله ] (٣) في كتابه وسنة نبيه ، وأباحه للناس غير أهل مكة قال :
(١) البقرة : ١٩٦.
(٢) من (( ج))، وفي (( الأصل ) : طفنا
(٣) من (( ح))، وفي (الأصل)): أنزل.
- ٢٥٤ -

ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ (١) وأشهر الحج
[التي] (٢) ذكر الله: شوال وذو القعدة و[ذو](٣) الحجة، فمن تمتع في
هذه الأشهر فعليه دم أو صوم )) والرفث : الجماع ، والفسوق :
[المعاصي] (٤)، والجدال : المراء .
اختلف العلماء في حاضري المسجد الحرام مَنْ هُمْ ؟ فذهب طاوس
ومجاهد إلى أنهم أهل الحرم ، وقالت طائفة : هم أهل مكة بعينها ،
روي هذا عن نافع مولى ابن عمر، وعن عبد الرحمن الأعرج ، وهو
قول مالك، قال : هم أهل مكة، ذي طوى وشبهها ، وأما أهل منى
وعرفة والمناهل مثل قديد وعسفان و[ مَرَّ ] (٥) الظهران فعليهم الدم .
وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة ،
وقال مكحول : من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فهو من حاضري
المسجد الحرام ، وأما أهل المواقيت فهم كسائر أهل الآفاق ، روي هذا
عن عطاء ، وبه قال الشافعي بالعراق ، وقال الشافعي : من كان من
الحرم على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة ، فهو من حاضري المسجد
الحرام .
قال الطحاوي : ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فوجدنا أصحابنا
الكوفيين يقولون : لكل من كان من حاضري المسجد الحرام دخول
مكة بغير إحرام ، إذ كانوا قد جعلوا المكان الذي هم [ من أهله/] (٦) [٧٤٥/٢-ب]
كمكة ، واحتجوا فيه بما روى مالك عن نافع ، عن ابن عمر (( أنه
أقبل من مكة حتى إذا كان بقديد بلغه خبر من المدينة ، فرجع فدخل
(١) البقرة : ١٩٦ .
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): الذي.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : ذي - كذا.
(٤) من ( ح )).
(٥) من (( ح))، وهو الصواب، انظر كتاب: معجم ما استعجم (١٢١٢/٢)،
وفي (( الأصل)) : ممر .
(٦) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فيه من أهل مكة.
- ٢٥٥ -

مكة حلالا )) ؛ فدل هذا على أن أهل قديد كأهل مكة ، وقد روي عن
ابن عباس خلاف هذا ، روى عنه عطاء أنه كان يقول: لا يدخل أحد
مكة إلا محرمًا، وقال ابن عباس: ((لا عمرة على المكي إلا أن
يخرج من الحرم فلا يدخله إلا حرامًا وإن خرج قريبًا من مكة)) ، فهذا
ابن عباس قد منع الناس جميعًا من دخول مكة بغير إحرام، فدل هذا
أن من كان من غير أهل مكة فهو عنده مخالف لحكم أهل مكة ،
ويدل على صحة هذا المعنى قوله عليه السلام: (( إن الله حرم مكة يوم
خلق السموات والأرض، لم تحل لأحد [قبلي ] (١) ، ولم تحل لي
إلا ساعة من نهار)). أو لا ترى أن رسول الله قصد بالحرمة إلى مكة
دون ما سواها ، فدل ذلك أن سائر الناس سوى أهلها في حرمة
دخولهم إياها سواء ، فثبت بذلك قول ابن عباس ، وفي ثبوت ذلك
ما [ يجب به ] (٢) أن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة خاصة ،
كما قال نافع والأعرج ، لا كما قال أبو حنيفة وأصحابه .
قال إسماعيل بن إسحاق : ومن الحجة لمالك أن حاضري المسجد
الحرام أهل القرية التي فيها المسجد الحرام خاصة ، وليس أهل الحرم
كذلك ؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز لأهل مكة إذا أرادوا سفراً أن
يقصروا الصلاة حتى يخرجوا عن الحرم كله ، فلما جاز لهم (قصر)(٣)
الصلاة إذا خرجوا عن بيوت مكة ، دل ذلك على أن حاضري المسجد
الحرام هم أهل مكة دون الحرم ، قاله الأبهري .
قال إسماعيل : وأما قول من قال : من كان أهله دون المواقيت ،
فإن المواقيت ليس من هذا الباب في شيء ؛ لأنها لم تجعل للناس ؛
لأنها حاضرة المسجد ؛ ألا ترى أن بعض المواقيت بينها وبين مكة مسيرة
۔۔
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): قبل.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) كأنها: يجزيه. (٣) في ( ح)): قصروا ..
- ٢٥٦ -

( ثمان ) (١) ليال ، وبين بعضها وبين مكة مسيرة ليلتين ، فيكون من
كان دون ذي الحليفة إلى مكة [ من ] (٢) حاضري المسجد الحرام وبينه
وبين مكة ثمان ليال ، ومن كان منزله من وراء قرن مما يلي نجد ألا
يكون من حاضري المسجد الحرام ، وإنما بينه وبين مكة مسيرة ليلتين
وبعض أخرى ، وإنما الحاضر للشيء من كان معه ، فكيف يجعل من
هو أبعد حاضراً ومن هو أقرب ليس بحاضرٍ ؟
ودليل آخر ، وهو قوله تعالى : ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن
المسجد الحرام والهدي معكونًا أن يبلغ محله﴾ (٣) فهذا يدل أنه المسجد
الحرام نفسه ، وإنما صد المشركون النبي عن المسجد وعن البيت ، فأما
الحرم فقد كان غير ممنوع منه ؛ لأن الحديبية تلي الحرم ، وهذا قاطع
لطاوس ومجاهد .
قال المؤلف: وأما قول ابن عباس في التمتع: (( فإن الله أنزله في
كتابه وسنة نبيه ، وأباحه للناس غير أهل مكة )» فإن مذهبه أن أهل مكة
لا متعة لهم ، وذلك - والله أعلم - لأن العمرة لا بد في الإحرام بها
من الخروج إلى الحل ، ومن كان من أهل مكة فهي داره لا يمكنه
الخروج منها ، وهي ميقاته في الإحرام بالحج ، وقد صرح بذلك ابن
عباس فقال: (( يا أهل مكة ، لا متعة لكم ، إنما يجعل أحدكم بينه
وبين مكة (٤) بطن واد، ويُهِلَّ )).
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، قالوا : ليس لأهل مكة تمتع
ولا قران ، فإن فعلوا فعليهم الدم، وأوجب ابن الماجشون الدم للقران
ولم يوجبه للتمتع ، واعتل ابن الماجشون بأن القارن قارن من حيثما
حج ، والمتمتع إنما هو المعتمر من بلده في أشهر الحج المقيم
(١) في ( ح)): تسع.
(٣) الفتح : ٢٥ .
(٢) من (( ح)).
(٤) في ((الأصل)): وبين أهل مكة . وهو وهم من الناسخ .
- ٢٥٧ -

بمكة حتى يحج ، ومن كان من أهلها فهي داره لا يمكنه الخروج منها
إلى غير داره ، وقد وضع الله ذلك عنه ، ولم يذكر القارن .
قال ابن القصار وهذا خطأ ؛ لأنه إذا جاز التمتع لأهل مكة فقد
[جاز] (١) لهم القران ؛ لأنه لا فرق بينهما، واحتج أبو حنيفة بأن
الاستثناء عنده في الآية راجع إلى الجملة لا إلى الدم ، قال : ولو
رجع إلى الدم لقال: (( ذلك على من لم يكن أهله)) ، وقول القائل:
إن لفلان كذا يفيد نفي الإيجاب عليه ، ولهذا لا يقال : له الصلاة
والصوم ، وإنما يقال : عليه الصلاة والصوم .
قال ابن القصار محتجا لمالك : قوله تعالى : ﴿فمن تمتع ﴾ لفظ
يقتضي إباحة التمتع ، ثم علق عليه حكمًا وهو الهدي ، ثم استثنى
في آخرها أهل مكة، والاستثناء إذا وقع بعد فعل قد علق عليه حكم
انصرف إلى الحكم المعلق على الفعل لا [ إلى ] (٢) الفعل نفسه،
فأهل مكة وغيرهم في إباحة التمتع الذي هو الفعل سواء ، والفرق
بينهم في الاستثناء يعود إلى الدم ؛ لأنه الحكم المعلق على التمتع ،
[٢/ ٧٥-١) وهذا بمنزلة قوله عليه السلام: (( من دخل دار أبي سفيان / فهو آمن،
ومن دخل منزله فهو آمن )» فلو وصله بقوله : ذلك لمن لم يكن من
أهل [ القينتين ] (٣) أو لغير ابن خطل لم يكن ذلك الاستثناء عائدًا إلا
إلى الأمر ، لا إلى الدخول ، ولا يكون سائر الناس ممنوعين من
دخول منازلهم ومنزل أبي سفيان ، بل إن دخلوا فلهم الأمان كلهم إلا
ابن خطل و[القينتين ] (٣) ومن استثنى معهم.
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أجاز.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): على.
(٣) من (( ح)) ومعناه : المغنيتان، وكانتا لابن خطل ، تغنيان بهجاء رسول الله
وَّله، فأمر رسول الله وَّهو بقتلهما مع ابن خطل، انظر السيرة لابن هشام:
(٢٩/٤)، وفي ((الأصل)): الفينين، وهي خطأ.
- ٢٥٨ -

وقوله : ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلي الحج ﴾ [ لو تجرد من تمامه لم يعد
كقولك : زيد ] (١) لا يفيد بانفراده حتى يخبر عنه بقائم أو قاعد أو
غيره ، [ فكذلك ] (٢) قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ لا يفيد
شيئًا حتى يخبر عن حكمه ، وقوله : ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ هو
الحكم الذي به تتم الفائدة .
والفوائد إنما هي في الأحكام المعلقة على أفعال العباد لا على
أسمائهم ، ومثله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ (٣)
معناه : فإنه لم يسجد فلم تكن الفائدة في الاستثناء راجعة إلا إلى نفي
السجود الذي به يتم الكلام .
قال غيره : فإنما أوجب الله الدم على المتمتع غير المكي ؛ لأنه كان
عليه أن يأتي مُحْرمًا بالحج من داره في سفر ، وبالعمرة في سفر
[ثان] (٤)، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين أوجب الله عليه الهدي ،
فكذلك القارن هو في معنى المتمتع لإسقاط أحد السفرين ، ودلت
الآية على أن أهل مكة بخلاف هذا المعنى ؛ لأن إهلالهم بالحج خاصة
من مكة ، ولا خروج لهم إلى الحل للإهلال إلا بالعمرة خاصة ، فإذا
فعلوا ذلك لم يُسْقِطُوا سفرًا لزمهم فلا دم عليهم، ففارقوا سائر [ أهل
الآفاق] (٥) في هذا، وقد تقدم اختلافهم فيمن أحرم من مكة بالعمرة
ولم يخرج إلى الحل للإحرام في باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة.
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : فلذلك.
(٣) الحجر : ٣٠ - ٣١ .
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ثاني.
(٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): الناس.
- ٢٥٩ -

باب : الاغتسال عند دخول مكة
فيه : ابن عمر: (( أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ، ثم يبيت
بذي طوى ، ثم يصلي به الصبح ويغتسل ، ويحدث أن نبي الله كان
يفعل ذلك » ..
:
قال ابن المنذر: الاغتسال لدخول مكة مستحب عند جميع
العلماء، إلا أنه ليس في تركه عامدًا عندهم فدية ، وقال أكثرهم :
الوضوء يجزئ منه ، وكان ابن عمر يتوضأ أحيانًا ويغتسل أحيانًا ،
وروى ابن نافع عن مالك أنه استحب الأخذ بقول ابن عمر في الغسل
للإهلال بذي الحليفة ، وبذي طوى لدخول مكة ، وعند الرواح إلى
عرفة .
قال : ولو تركه تارك من عذر لم أر عليه شيئًا ، وقال ابن القاسم
عن مالك : إن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام ثم مضى من فوره
إلى ذي الحليفة فأحرم، فإِنَّ غسله يجزئ عنه، قال: وإن اغتسل بالمدينة
غدوة وأقام إلى العشي ثم راح إلى ذي الحليفة فلا يجزئه ، وأوجبه
أهل الظاهر فرضًا على من أراد أن يحرم وإن كان [ طاهرًاً] (١)،
والأمة على خلافهم ، وروي عن الحسن : إذا نسي الغسل للإحرام
يغتسل إذا ذكر ، واختلف فيه عن عطاء ، فقال مرة : يكفي منه
الوضوء ، وقال مرة غير ذلك .
قال المهلب : وإنما أمسك ابن عمر عن التلبية في أول الحرم ؛ لأنه
تأول أنه قد بلغ إلى الموضع الذي [ دعي ] (٢) إليه، ورأى أن يكبر الله
ويعظمه ويسبحه ؛ إذ قد سقط عنه معنى التلبية بالبلوغ ، وكره مالك
التلبية حول البيت ، وقال ابن عيينة : ما رأيت أحدًا يُقْتَدى به
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): طاهر.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): دعا.
- ٢٦٠ -