النص المفهرس

صفحات 221-240

الحج ، وكان ابن عمر يرفع بها صوته ، وقال أبو حازم : كان
أصحاب النبي - عليه السلام - لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم
من التلبية . وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي .
واختلفت الرواية عن مالك فروى ابن القاسم عنه أنه لا ترفع
الأصوات بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى ، وزاد في الموطأ:
ولا يرفع صوته في مساجد الجماعات ، [ وروى ابن نافع عنه أنه يرفع
صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة .
واحتج إسماعيل للقولين فقال : وجه القول الأول أن مساجد
الجماعات ] (١) إنما بنيت للصلاة خاصة ، فكره رفع الصوت فيها ،
وليس كذلك المسجد الحرام ومسجد منى ؛ لأن المسجد الحرام جعل
للحاج وغيره ، وكان الملبي إنما يقصد إليه فكان له فيه من الخصوص ما
ليس في غيره ، ومسجد منى فهو للحاج خاصة ، ووجه رواية ابن
نافع أن المساجد التي بين مكة والمدينة إنما جعلت المجتازين ، وأكثرهم
المحرمون فهم من النحو الذي وصفنا .
وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية ، وإنما عليها أن تُسمع
نفسها .
قال المهلب: وقول أنس: ((وسمعتهم يصرخون (بهما) (٢)))
إنما سمع الذين قرنوا خاصة لثبوت الإفراد ، وليس في حديث أنس أنه
سمع الرسول يصرخ بالحج والعمرة ، وإنما أخبر ذلك عن قوم فعلوه،
وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج وقومًا يصرخون بعمرة ، وقد
روى أنس عن الرسول ما يرد روايته هذه ، وهو قوله عليه السلام :
(١) من ((ح)) وكأنها سقطت من ناسخ الأصل عند تحول نظره من كلمة (الجماعات)
الأولى إلى الثانية .
(٢) في (( ح)): بها ، خطأ.
- ٢٢١ -

(( لولا أن معي الهدي لأحللت)). وسيأتي بيان ذلك في باب التمتع
والقران والإفراد بالحج بعد هذا - إن شاء الله .
وفيه : رد قول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما
بين المدينة وذي الحليفة وفي أقل من ذلك ؛ لأنه إنما قصر الصلاة بذي
[٦٨٥/٢-ب] الحليفة؛ لأنه كان خارجًا إلى مكة فلذلك / قصر العصر بذي الحليفة،
بدليل قوله: ((وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)) يعني بالحج
والعمرة، وبين المدينة وذي الحليفة ستة أميال .
باب : التلبية
فيه : ابن عمر (( أن تلبية رسول الله لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك
لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)). وعن عائشة
مثله .
قال المهلب : معنى التلبية ، إجابة دعوة إبراهيم بالحج إذ أمره الله
بالأذان به ، وهو من المواعيد المنتجزة ؛ لأنه تعالى وعده أن يأتوه
رجالا وعلى كل ضامر، وروي عن ابن عباس أنه [قال] (١): (( uk
فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له : أذن في الناس بالحج ، قال : يا
رب ، وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن وعليّ البلاغ ، فنادى إبراهيم :
أيها الناس ، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق ، فسمعه من بين
السماء والأرض ، ألا ترى الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون)) .
وقال أهل اللغة : معنى لبيك لبيك : إجابة بعد إجابة ، من
قولهم: ألب بالمكان : إذا أقام به ، فكأنه قال : أنا مقيم على طاعتك
(١) من (( ح)).
- ٢٢٢ -

وإرادتك ، وكذلك قولهم : سعديك ، أي إسعادًا لك بعد إسعاد ،
أي أنا مساعد لك ومتابع لإرادتك .
واختلف العلماء بتأويل القرآن في قوله تعالى : ﴿ فمن فرض فیھن
الحج﴾ (١) فقال ابن عباس وعكرمة [وعطاء ] (٢) وطاوس : الفرض
الإهلال ، وهو التلبية . قال ابن مسعود وابن الزبير : الفرض :
الإحرام . وعند الثوري وأبي حنيفة أن التلبية ركن من أركان الحج ،
ولا تنوب النية عنها ، كالدخول في الصلاة لا يصح إلا بالنية والتكبير
جميعًا ، إلا أن أبا حنيفة ينوب عنده سائر الذكر عن التلبية كالتكبير
والتسبيح والتهليل ، كما يقول في الإحرام بالصلاة .
وعند مالك والشافعي النية في الإحرام تجزئه عن الكلام ، وكان
مالك يرى على من ترك التلبية الدم ، ولا يراه الشافعي ، والحجة
لمالك أن التلبية نسك ، ومن ترك من نسكه شيئًا أهراق دمًا ، وقال
إسماعيل بن إسحاق : ليس الإهلال للإحرام بمنزلة التكبير للصلاة ؛
لأن الرجل لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالتكبير ، ويكون داخلا في
الإحرام [ بالتلبية ] (٣) وغيرها من الأعمال التي يوجب بها الإحرام
على نفسه ، مثل أن يقول : قد أحرمت بالعمرة أو الحج أو يشعر
(البدن ) (٤) ، وهو يريد بذلك الإحرام ، أو يتوجه نحو البيت وهو
يريد بذلك الإحرام ، فيكون بذلك [ كله ] (٢) محرماً .
وأجمع العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا في الزيادة عليها،
فذكر ابن القصار عن الشافعي قال : [ الأفضل ] (٢) الاقتصار على
تلبية رسول الله وَ ﴾ إلا أن يزيد عليها شيئين: ((لبيك إله الحق)) لأن
(١) البقرة : ١٩٧ .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)) : بالنية.
(٢) من (( ح)).
(٤) في ( ح)) : الهدي .
- ٢٢٣ -

أبا هريرة رواه عن النبي - عليه السلام . والثاني : أن يقول إذا رأى
شيئًا فأعجبه: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة)). كما فعل رسول الله
حين رأى الناس يزدحمون في الطواف ، وإذا زاد هذين كان كمن
اقتصر على تلبية رسول الله وَ﴾ ، واحتج بأن سعد بن أبي وقاص
سمع رجلا يقول: ((لبيك ذا المعارج))، فقال: ما [ كنا ] (١) نقول
هذا على عهد رسول الله .
وقال مالك : إن اقتصر على تلبية رسول الله فحسن ، وإن زاد
عليها فحسن ، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد وأبي ثور ،
وقالوا : يزيد عليها ما شاء ، واحتجوا بما رواه مالك عن نافع ، عن
ابن عمر أنه كان يزيد فيها: « لبيك وسعديك ، والخير بيديك ،
والرغباء إليك والعمل)) .. وروى [ القطان ] (٢) عن جعفر بن محمد،
عن أبيه ، عن جابر قال : (( أهل رسول الله ... )) فذكر مثل حديث
ابن عمر في التلبية قال: (( والناس يزيدون لبيك ذا المعارج ونجوه من
الكلام ، والنبي - عليه السلام - يسمع فلا يقول لهم شيئًا)) ، وأن
عمر كان يقول بعد التلبية : لبيك ذا النعماء والفضل والثناء الحسن ،
لبيك مرهوبًا منك ومرغوبًا إليك . وكان أنس يقول في تلبيته : لبيك
حقا حقًّا [ تعبدًا] (٣) ورقا .
(١) من ( ح)).
(٢) هو يحيى بن سعيد، وجاء في (( ح)): ابن القطان، وفي ((الأصل)): ابن
القصار ، وكلاهما خطأ .
(٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): تعبيدًاً .
- ٢٢٤ -

[٢/ ق٦٩-أ]
باب: ( التحميد والتسبيح) (١) / والتكبير قبل الإهلال
عند الركوب على الدابة
فيه: أنس قال: (( صلى النبي - عليه السلام - ( بالمدينة ونحن
معه)(٢) الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها حتى
أصبح ، ثم ركب حتى استوت به [ راحلته ] (٣) على البيداء حمد الله
وسبح وكبرٍ ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما ، فلما قدمنا أُمَرَ
الناس فَحَلَّوا ، حتى إذا كان يوم التروية أهلُّوا بالحج ، قال : ونحر
النبي - عليه السلام - بدنات بيده قيامًا ، وذبح رسول الله بالمدينة كبشین
أملحين )) .
قال المؤلف : غرض البخاري بهذه الترجمة - والله أعلم - الرد
على أبي حنيفة في قوله : إن من سبح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله،
فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد من النبي - عليه السلام - إنما
كان قبل الإهلال ؛ لقوله في الحديث بعد أن سبح وكبر: (( ثم أهل
بالحج )). ويمكن أن يكون ( فعل ) (٤) تكبيره وتحميده عليه السلام
عند ركوبه أخذًا بقول الله - تعالى - : ﴿ ثم تذكروا نعمة ربكم إذا
استويتم عليه ﴾ (٥) ويمكن أن يكون يعلمنا عليه السلام جواز الذكر
والدعاء مع الإهلال ، وأن الزيادة عليه مستحبة بخلاف قول الشافعي.
قال المهلب : وقوله : (( ثم أهل بحج وعمرة )) فقد رد عليه ابن
عمر هذا القول وقال : كان أنس حينئذ يدخل على النساء وهن
متكشفات ، ينسب إليه الصغر وقلة الضبط حين نسب إلى النبي - عليه
السلام - الإهلال بالقِران .
(١) في (( ح)): التسبيح والتحميد .
(٣) من ( ح)).
(٢) في (( ح)) : ونحن معه بالمدينة .
(٥) الزخرف : ١٣ .
(٤) في (( ح)) : بعد .
- ٢٢٥ -

قال المؤلف : ومما يدل على قلة ضبط أنس للقصة قوله في الحديث:
((فلما قدمنا أمر [ الناس ] (١) فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا
بالحج)) . وهذا لا معنى له ، ولا يفهم إن كان النبي - عليه السلام -.
وأصحابه قارنين كما زعم أنس ؛ لأن الأمة متفقة على أن القارن لا يجوز
له الإحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله - كان معه هدي أو لم
يكن، فلذلك أنكر عليه ابن عمر ، وإنما حل من كان أفرد الحج
وفسخه في عمرة ثم تمتع ، والأملح : الأبيض الذي يشوبه شيء من
سواد ، من كتاب العين .
باب : من أهل حين استوت به راحلته
فيه: ابن عمر: (( أهل النبي - عليه السلام - حين استوت به راحلته
[قائمة] (٢))).
قال الطبري: [ روى ] (٣) ابن إسحاق عن أبي الزناد ، عن
عائشة [ ابنة ] (٤) سعد بن أبي وقاص [قالت ] (٥) : قال سعد:
((كان رسول الله إذا أخذ طريق الفرع أهل ( حين ) (٦) استقلت به
راحلته ، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا علا على شرف البيداء ))
قال الطبري : جعل الله ذا الحليفة ميقاتًا لأهل المدينة ، ومن مر بها
من سائر الناس ، فسوى في جواز الإحرام من أي مكان أحرم منها :
من المسجد ، أو من فنائه بعدما استقلت به راحلته ، أو قبل أن تنهض
به قائمة بعدما علا على شرف البيداء ، أو قبل ، ما لم يجاوز ذا
(١) من ( ح))، وفي ((الأصل)): النبي - عليه السلام. (٢) من (( ح)).
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و، كذا.
(٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): فيه، كذا .
(٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): قال، كذا.
(٦) في (( ح)): إذا .
- ٢٢٦ -

الحليفة ، إذ كل ذلك قد روي عن النبي أنه فعله ، وليس شيء من
ذلك بخلاف لغيره ، وقد يمكن أن يكون فعل ذلك عليه السلام في
عمرته التي اعتمر ، إذ ذلك كله ميقات ، ويمكن أن يكون ذلك على
ما قاله ابن عباس ، وقد ذكرناه في باب الإهلال من عند مسجد ذي
الحليفة .
باب : الإهلال مستقبل القبلة الغداة بذي الحليفة
وكان ابن عمر إذا صلى الغداة بذي الحليفة [ أمر براحلته فرحلت ثم
ركب ، فإذا استوت به ] (١) استقبل القبلة قائماً ، ثم يلبي حتى يبلغ
(الحرم) (٢)، ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طوى بات بها حتى يصبح ، فإذا
صلى الغداة اغتسل ، وزعم أن رسول الله ( فعل ) (٣) ذلك.
وفیه : ابن عمر ( أنه كان إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له
رائحة طيبة ، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب ، فإذا استوت
به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي ثَّ يفعل)).
قال المهلب : أما تلبية ابن عمر إذا ركب راحلته فأراد به إجابة لقوله
تعالى : ﴿ وعلى كل ضامر﴾ (٤). وأما / استقباله القبلة لتلبيته [٦٩٥/٢ -ب]
فلاستقبال دعوة إبراهيم لمكة ، فلذلك يلبي الداعي أبدًا بعد أن يستقبل
بالوجه ؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم [يلبيه](٥)؛
بل يستقبله بالتلبية في موضعه الذي دعا منه .
وقوله : (( ثم يلبي حتى يبلغ الحرم)) فمعلوم من مذهبه أنه كان
(١) من ( ح )).
(٢) في (( ح)): المحرم.
(٤) الحج : ٢٧ .
(٣) في (( ح)): كان يفعل.
(٥) من ( ح))، وفي ((الأصل)): يدعوه .
- ٢٢٧ -

لا يلبي في طوافه ، وكره مالك التلبية في الطواف ، وقال ابن عيينة :
ما رأيت أحدًا يُقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب ،
وسيأتي من أجاز ذلك ومن كرهه في باب الاغتسال عند دخول مكة -
إن شاء الله - وإنما كان يدهن بغير طيب ليمنع بذلك الدواب والقمل.
باب : التلبية إذا انحدر في الوادي
فیه : ابن عباس ( [ ذكروا ] (١) الدجال أنه مكتوب بین عينيه كافر ،
فقال ابن عباس : لم أسمعه ولكنه قال : أما موسى كأني أنظر إليه إذا
انحدر في الوادي یلبي » .
----
قال المهلب : أما قوله في هذا الحديث : ((أما موسى )) فهو وهم
من [ الرواة ] (٢) - والله أعلم - لأنه لم يأت خبر ولا أثر عن موسى
أنه حي ، وأنه سيحج ، وإنما أتى ذلك عن عيسى - عليهما السلام -
فاختلط على الراوي فجعل فعل عيسى لموسى ، وذلك على رواية من
روى ((إذا انحدر)) [ لأنه إخبار عما يكون، وأما من روى (([ إذ](٣).
انحدر)) ] (٤) يحكي عما مضى ، فيصح عن موسى أن يراه النبي -
عليه السلام - في منام ، أو يوحى إليه بذلك - والله أعلم - وفيه من
الفقه أن التلبية في بطن المسيل من سنن المرسلين .
(١) من ((خ))، وفي ((الأصل)): ذكر ، خطأ.
(٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): الرواية. وانظر جواب بعض العلماء على هذا
التوهيم في الفتح (٤٨٤/٣) .
(٣) في (( ح)): إذا، وهو خطأ، صوابه ((إذ)) فهي التي تستعمل ظرفًا الحدث
ماضٍ، وإلا لما كان هناك فرق بين الروايتين، ونقل ابن حجر في «الفتح» (٤٨٥/٣)
عن القاضي عياض قال: إن بعض العلماء أنكر إثبات الألف وغلط رواته، وهو
غلط منه إذ لا فرق بين ((إذا)) و ((إذ)» هنا لأنه وصفه حالة انحداره فيما مضى.
(٤) من (( ح))، وسقط من الأصل.
- ٢٢٨ -

باب : كيف تهل الحائض والنفساء
( أهل : تكلم . واستهللنا وأهللنا الهلال ، كله من الظهور ،
واستهل المطر : خرج من السحاب، ﴿وما أهل لغير الله به﴾ (١)
وهو من استهلال الصبي ) (٢)
فيه : عائشة: (( خرجنا مع النبي في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، ثم
قال عليه السلام: من كان ( معه ) (٣) هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم
لا يحل حتى يحل منهما جميعًا ، فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف
بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى النبي - عليه السلام -
فقال : انقضي رأسك وامتشطي ، وأهلي بالحج ودعي العمرة ، ففعلت ،
فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله مع عبد الرحمن بن أبي بكر
فاعتمرت ، فقال: هذه مكان عمرتك ... )) الحديث .
قال المهلب: قولها: (( فأهللنا بعمرة )) يعارضه رواية عمرة عن
عائشة أنها قالت : (( خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة ، ولا نرى إلا
أنه الحج)). وقال أبو نعيم في حديثه ((مهلين بالحج ، قالت عَمرة:
فلما دنونا من مكة قال النبي - عليه السلام - لأصحابه : (( من لم
يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ، ومن كان معه هدي
فلا)) والتوفيق بين الحديثين أن يكون معنى قولها: ((فأهللنا بعمرة ))
تريد حين دنونا من مكة حين أمر النبي - عليه السلام - من لم يسق
الهدي بفسخ الحج في العمرة ، فأهلوا بها ، وبينت عمرة عن عائشة
ابتداء القصة من أولها ، وعروة إنما ذكر ما آل إليه أمرهم حين دنوا من
مكة وفسخوا الحج في العمرة ، إلا من كان ساق الهدي من المفردين
(١) المائدة: ٣ . وغيرها .
(٢) من ((الأصل)) وهي رواية المستملي والكشميهني كما في الفتح (٤٨٦/٣)،
وليس في ( ح )) .
(٣) في (( ح)): به ، كذا .
- ٢٢٩ -

فإنه مضى على إحرامه من أجل هديه ، ولم يفسخه في عمرة لقول
الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي﴾ (١).
وقولها : (( فقدمت مكة وأنا حائض ، ولم أطف بالبيت ولا بين
الصفا والمروة)). فلا خلاف بين العلماء أن الحائض لا تطوف بالبيت،
ولا تسعى بين الصفا والمروة ؛ لأن السعي بينهما موصول بالطواف ،
والطواف موصول بالصلاة ، ولا تجوز صلاة بغير طهارة .
وقوله عليه السلام: ((انقضى رأسك وامتشطي، وأهلِّي بالحج
ودعي العمرة)) احتج به الكوفيون فقالوا : إن المعتمرة إذا حاضت قبل
الطواف ، وضاق عليها وقت الحج رفضت عمرتها وألقتها واستهلت
بالحج ، وعليها لرفض عمرتها دم ، ثم تقضي عمرة بعد ، قالوا :
وقوله: (( انقضي رأسك وامتشطي)) دليل على رفض العمرة ؛ لأن
القارنة لا تمتشط ولا تنقض رأسها ، فجاوبهم مخالفوهم بأن [ابن](٢)
[٢/ ق٧٠-١] وهب روى عن مالك / أنه قال : حديث عروة عن عائشة ليس عليه.
العمل عندنا قديمًا ولا حديثًا وأظنه وهمًا. يعني ليس عليه العمل في
رفض العمرة ؛ لأن الله - تعالى - أمر بإتمام الحج والعمرة لمن دخل
فيهما ، وقال : ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٣) ورفضها قبل إتمامها هو:
إبطالها .
قال ابن القصار : وكذلك لو أحرمت بالحج ثم حاضت قبل
الطواف لم ترفضه ، [ فكذلك ] (٤) العمرة ، بعلة أنه نسك يجب
المضي في فاسده فلا يجوز تركه قبل إتمامه مع القدرة عليه .
والذي عليه العمل عند مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي
(١) المائدة : ٢ .
(٣) محمد : ٣٣ .
(٢) من (( ح)).
(٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فلذلك ، خطأ.
- ٢٣٠ -
٠

ثور في المعتمرة تحيض قبل أن تطوف بالبيت وتخشى فوات عرفة وهي
حائض ، أنها تهل بالحج وتكون كمن قرن بين الحج والعمرة ابتداءً ،
وعليها ( دم ) (١) القرآن ، ولا يعرفون رفض العمرة ولا رفض الحج
لأحد دخل فيهما أو في أحدهما ، قالوا : وكذلك المعتمر يخاف
فوات عرفة قبل أن يطوف ، لا يكون إهلاله رفضًا للعمرة ؛ بل يكون
قارنًا لإدخاله الحج على العمرة .
ودفعوا حديث عروة عن عائشة [ بضروب من الاعتلال منها : أن
القاسم والأسود وعمرة رووا عن عائشة ] (٢) ما دل أنها كانت محرمة
بحج ، فكيف يجوز أن يقال لها : دعي العمرة ، وقال إسماعيل بن
إسحاق : رواية عروة غلط ؛ لأن ثلاثة خالفوه ، وقال غيره : أقل
الأحوال في ذلك سقوط الاحتجاج بما صح فيه التعارض والرجوع إلى
قوله : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٣).
وأجمعوا في غير الخائف لفوت عرفة أنه لا يحل له رفض العمرة،
فكذلك من خاف فوات عرفة ؛ لأنه يمكنه إدخال الحج على العمرة
ويكون قارنًا ، فلا وجه لرفض العمرة في شيء من النظر ، قال أبو
عبد الله بن أبي صفرة : ولو ثبت قوله عليه السلام: (( دعي العمرة ))
لكان له تأويل سائغ، فيكون معنى قوله: ((أهلي بالحج)) [ أنه ] (٤)
الذي أنت فيه ، أي استديمي ما أنت عليه ودعي العمرة التي أردت أن
يفسخ حجك فيها ؛ لأنها إنما طهرت بمنى ، وقد رهقها الوقوف
بعرفة، وهذا أصل في المراهق أن له تأخير طواف الورود ، ومما يوهن
رواية عروة ما رواه حماد [ بن زيد عن ] (٥) هشام بن عروة ، عن أبيه
(١) في ( ح)) : هدي .
(٣) البقرة : ١٩٦ .
(٢) من (( ح))، وسقط من (( الأصل)).
(٤) من ( ح )) .
(٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : عن زيد بن ، خطأ.
- ٢٣١ -

قال : حدثني غير وأحد أن النبي - عليه السلام - قال ( لها ). (١)
((دعي عمرتك)) فدل أن عروة لم يسمعه من عائشة ، ولو ثبت قوله:
((انقضي رأسك وامتشطي)) لما نافى ذلك إحرامها ولجبرته بالفدية كما
أمر عليه السلام كعب بن عجرة بالحلق والفدية لما بلغ به أذى القمل ،
فيكون أمره لها بنقضها رأسها وامتشاطها لضرورة كانت بها مع الفدية،
هذا سائغ ومحتمل فلا تعارض به الأصول ، وقد يمكن أن يكون أمرها
بغسل رأسها وإن كانت حائضًا لا يجب عليها غسله ولا نقضه لغسل
الإهلال بالحج ؛ لأن من سنة الحائض والنفساء أن يغتسلا عند الميقات
والإهلال بالحج ، كما أمر عليه السلام أسماء بنت عميس حين ولدت
محمد بن [ أبي ] (٢) بكر بالبيداء بالاغتسال والإهلال ، ولو أمر عليه
السلام عائشة بنقض رأسها والاغتسال لوجوب الغسل عليها ، لكانت
قد طهرت فتطوف للعمرة التي قد تركت .
وقوله عليه السلام لها : ((غير ألا تطوفي بالبيت )) يدل أنها لم
تنقض رأسها إلا لمرض كان بها أو لإهلال كما ذكرنا .
باب : من أَهَلَّ في زمن النبي كإهلال النبي - عليه السلام -
قاله ابن عمر عن النبي - عليه السلام
فيه : جابر: (( أمر النبي - عليه السلام - عليا أن يقيم على إحرامه ،
وذكر قول سراقة ، وقال عليه السلام : بم أهلك يا علي ؟ قال : بما أهل
به نبي الله، قال: فَأَهْد وامْكُثْ حرامًا كما أنت )) .
وفيه : مروان الأصفر عن أنس: «قدم علي على النبي - عليه السلام -
(١) في (( ح)): أيضًا .
(٢) من (( ح )).
- ٢٣٢ -

[ من اليمن، فقال: بم أهللت؟ فقال: بما أهل به النبي، فقال ](١):
لولا أن معي الهدي لأحللت )) .
وفيه : أبو موسى : (( بعثني النبي - عليه السلام - إلى قومي باليمن
فجئت وهو بالبطحاء ، فقال : بم أهللت ؟ قلت : أهللت کإهلال
النبي - عليه السلام - قال : هل معك من هدي ؟ قلت : لا ، فأمرني
فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت [ فأتيت ] (٢)
امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي ، فقدم عمر فقال : إن نأخذ
بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، قال تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾(٣)
وإن نأخذ بسنة الرسول وَآير فإنه لم يحل حتى نحر الهدي)).
قصة عليّ وحديث / أبي موسى لم يقل [بهما] (٤) مالك ولا [٢/ ق.٧ -ب]
الكوفيون، وقال بهما الشافعي ، فذهب إلى أن الحج ينعقد بإحرام من
غير تعيين إفراد أو قران أو تمتع ، وله عنده أن يمضي في ذلك الإحرام
ثم يجعله أي وجه شاء من الأوجه الثلاثة ، وله عنده أيضًا أن ينقله من
وجه إلى وجه ، إلا أن يكون قارنًا فليس له أن ينقض إحرامه ؛ لأنه
يخرج مما أوجب على نفسه من الحج والعمرة ، واحتج في ذلك بقوله
عليه السلام لعلي: (( بم أهللت ؟ قال : بإهلال كإهلال النبي))
فأخبره عليه السلام بما أهلّ به ، وهو قوله: ((إني سقت الهدي)).
واحتج الطبري فقال : والدليل على صحة هذا أن أبا موسى لما أهل
لم يعلم بما أهل به النبي - عليه السلام - في وقت ابتدائه الإهلال ؛
لأنه كان باليمن عام حج النبي - عليه السلام - بالناس ، فلما بلغه
خروج رسول الله بالناس للحج خرج من اليمن حتى قدم على رسول
الله فلبى من ميقات أهل اليمن وقال : لبيك بإهلال كإهلال النبي -
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قال.
(٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فأتت.
(٤) في ((الأصل)) و(( ح)): بها .
(٣) البقرة : ١٩٦ .
- ٢٣٣ -

عليه السلام - [ ولبّ بمثل تلبيته ] (١) علي بن أبي طالب، وكان أقبل
معه من اليمن ، فأمر رسول الله أبا موسى أن يجعل إحرامه عمرة إذ لم
يكن ساق معه هديًا، وأخذ مالك وأبو حنيفة بظاهر قوله عليه السلام:
(الأعمال بالنيات))
وقالوا : لا بد أن ينوي المحرم حجا أو عمرة عند دخوله فيه ،
وقالوا : إذا نوى بحجته التطوع وعليه حجة الإسلام أنه لا يجزئه
عنها، وبه قال الثوري ، وإسحاق ، وقال الشافعي : يجزئه من حجة
الإسلام وتعود النافلة فرضًا لمن لم يؤد فرضه في الحج خاصة ، كما
يعود الإحرام بالحج قبل وقته ، وإن نوى به الفريضة تطوعًا . فيقال
له: قد أجمعوا أن من صلى قبل الزوال أربعًا إن نوى بها الظهر أنه.
لا يجزئه ، وهي تطوع ، فكذلك الحج .
قال المهلب : وحديث مروان الأصفر عن أنس موافق لرأي الجماعة
في إفراد النبي - عليه السلام - ويرد وهم أنس أن النبي - عليه
السلام- قرن ، واتفاقه مع الجماعة أولى بالاتباع مما انفرد به وخالفهم
فيه ، وقال أبو عبد الله أخوه: فتسويغ النبي - عليه السلام - الإحلال
لنفسه لولا الهدى يدل أنه كان مفردًا الحج غير قارن ؛ لأنه لا يجوز
للقارن الإحلال كان معه هدي أو لم يكن حتى يفرغ من عمل الحج .
فإن قيل: كيف قال عليه السلام: ((لولا [ أني ] (٢) سقت الهدي
لأحللت)) وهو مفرد ، والمفرد لا يجوز له اليوم الإحلال كان معه
هدي أو لم یکن ؟
فالجواب: أن قوله: ((لأحللت)) : أي لفسخت الحج في
العمرة؛ لأن الفسخ كان مباحًا حينئذ لمن لا هدي له ، فجاز لهم
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)»: وأما بمثل تلبية، كذا وهو خطأ.
(٢) من ( ح)) وفي ((الأصل)) : أن .
- ٢٣٤ -

الإحلال ووطء النساء قبل الشروع في عمل العمرة في وقت فسخهم
الحج ، فأما من كان معه هدي فلم يكن يفسخ لقوله تعالى : ﴿ حتى
يبلغ الهدي محله ﴾ (١) .
قال المهلب: وقول أبي موسى: ((فقدم عمر)) يعني إذا حج
بالناس في خلافته فقال: ((إن نأخذ بكتاب الله فإنه أمر بالتمام )) يعني
أن من أهل بشيء فليتم ما بدأ فيه ولا يفسخه ، وإن نأخذ بسنة رسول الله
وَله فإنه لم يفسخ ما كان أَهَلَّ به أولا من الحج من أجل الهدي
تعظيمًا لحرمات الله ، وإنما أباح عليه السلام الفسخ ردا لقول الجاهلية:
إن العمرة في الحج من أفجر الفجور .
باب: قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ (٢) وقوله: ﴿يسألونك
عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ (٣)
وقال ابن عمر : أشهر الحج : شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة .
وقال ابن عباس : من السنة ألا تحرم بالحج إلا في أشهر الحج ، وكره
عثمان أن يحرم من خراسان أو ( كرمان) (٤).
فيه: القاسم عن عائشة قالت: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - في
أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج ، فنزلنا بسرف فخرج إلى أصحابه .
فقال : من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ،
ومن كان معه الهدي فلا ، قالت : فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه ،
قالت: فأما رسول الله وَل﴾ ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة ، وكان
(١) البقرة : ١٩٦ .
(٣) البقرة : ١٨٩.
(٢) البقرة : ١٩٧ .
(٤) في (( ح)): كرامان ، كذا .
- ٢٣٥ -

[٢/ ق٧١-١] معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة، قالت: / فدخل عليّ رسول الله
وأنا أبكي ، قال : ما يبكيك يا هنتاه ؟ قلت : سمعت قولك لأصحابك
[فَمُنِعْتُ العمرة] (١)، قال: وما شأنك؟ قلت : لا أصلي ، قال:
فلا يضيرك ، إنما أنت امرأة من بنات آدم ، كتب الله عليك ما كتب
عليهن ، فكوني في حجتك ، فعسى الله أن يرزقكيها ، قالت : فخرجنا
في حجته حتى قدمنا منّى فطهرتُ ، ثم خرجتُ من منّى فأفضت
بالبيت، قالت : ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا
معه ، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر [ فقال: اخرج ] (٢) بأختك من
الحرم فلتهل بعمرة ، ثم افرغا، ثم ائتيا [هاهنا ] (١) فإني أنظر كما حتى
تأتياني ، قالت : فخرجنا حتى إذا فرغتُ، وفرغتُ (٣) من الطواف ثم
[جئته بسحر ] (٤) قال : هل فرغتم ؟ قلت : نعم ، فأذن بالرحيل في
أصحابه ، فارتحل الناس ، فمر متوجهًا إلى المدينة)).
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في معنى قوله : ﴿الحج أشهر
معلومات ﴾ (٥) فقالت طائفة : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي
الحجة ، وهو قول ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وروي
عن الشعبي ، والنخعي ، وعطاء ، والثوري ، وأبي حنيفة ،
والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور .
قال ابن القصار : وقد روي مثله عن مالك ، والمشهور عن مالك
أنها ثلاثة : شوال وذو القعدة و[ ذو ] (٦) الحجة كله .
قال ابن المنذر: واختلف عن ابن عباس وابن عمر في ذلك ، فروي
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قال: فاخرج .
(٣) الأولى من الاعتمار ، والثانية من الطواف . وحذف الأول للعلم به . انظر:
الفتح (٤٩٢/٣) .
(٤) من (( ح))، وفي (( الأصل)): جئت سحرًاً.
(٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ذي، كذا.
(٥) البقرة : ١٩٧ .
- ٢٣٦ -

عنهما كما قال ابن مسعود ، وروي عنهما كقول مالك ، وكان الفَرَّاء
يقول : ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (١) قال : الأشهر رفع ومعناه :
وقت الحج أشهر معلومات ، وقال غيره : تأويله أن الحج في أشهر
معلومات .
واختلف العلماء في من أحرم بالحج في غير أشهر الحج . فقال ابن
عباس : لا ينبغي لأحد أن يهل بالحج في غير أشهر الحج لقول الله -
تعالى - : ﴿فمن فرض فيهن الحج ﴾ (١) وهو قول جابر بن عبد الله،
وقال الشافعي وأبو ثور : لا ينعقد إحرامه بالحج ؛ لكنه ينعقد بعمرة ،
وهو مذهب عطاء وطاوس ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ،
واحتجوا بقوله : ﴿ الحج أشهر معلومات﴾ (١) وقالوا : لو انعقد
الإحرام في غيرها لم يكن لتخصيصها فائدة ، واحتجوا أيضًا بقول عائشة:
((خرجنا مع رسول الله في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج)).
وقال آخرون : من أحرم في غير أشهر الحج لزمه ، روي هذا عن
النخعي ، وهو قول أهل المدينة والثوري والكوفيين ، إلا أن المستحب
عند مالك ألا يحرم في غير أشهر الحج ، فإن فعل لزمه ، وهو حرام
حتى يحج .
وقالوا : إِنَّ ذِكْرَ اللهِ في الحج : الأشهر المعلومات ، إنما معناه
عندهم على التوسعة والرفق بالناس ، والإعلام بالوقت الذي فيه
يتأدى الحج ، فأخبرهم تعالى بما يقرب من ذلك الوقت ، وبيَّن ذلك
بقوله عليه السلام : (( الحج عرفات )) وبنحره يوم النحر ، ورميه
الجمار في ذلك اليوم وما بعده ، فمن ضيق على نفسه وأحرم بالحج
قبل أشهر الحج فهو في معنى من أحرم بالحج من بلده قبل الميقات ،
ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (٢) وقوله: ﴿وأتموا
الحج والعمرة لله ﴾ (٣) ولم يخص محرمًا من محرم .
(١) البقرة : ١٩٧ .
(٣) البقرة : ١٩٦ .
(٢) سورة محمد : ٣٣.
- ٢٣٧ -

قال ابن القصار : ولا يمتنع أن يجعل الله الأشهر كلها وقتًا لجواز
الإحرام فيها ، ويجعل شهور الحج وقت الاختيار، وهذا سائغ في
الشريعة .
قال المهلب: وقول عائشة: ((نزلنا بسرف)) فإنما ذكرت المآل ؛
لأن سرف هو أول حدود مكة ، ولم تذكر ما كانوا أحرموا به [ من
ميقات ذي الحليفة ؛ ولأن في الحديث دليل على ما كانوا أحرموا به](١)
أولا ؛ لأنه قال: (( من لم يكن معه هدي فليجعلها عمرة)). وهذا
يدل أنها كانت حجة مفردة ، ولو كانت قرانًا لقال: [فليجعلهما](٢)
[عمرة] (٣)، وإنما أمر بالفسخ من أفرد، لا من قرن ولا من أهل
بعمرة ، ( لأنهم ) (٤) أمرهم كلهم أن يجعلوها عمرة ليتمتعوا بالعمرة
إلى الحج ..
وقولها : (( حتى قدمنا مِنِّى فطهرت)) تريد ثاني يوم النحر ؛ لأن
أيام منى ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وسيأتي اختلاف الناس في الرفث
والفسوق في الجزء الثاني من الحج - إن شاء الله .
وقوله: (( يا هنتاه )) هي كلمة يكنى بها عن اسم الإنسان يقال
للمرأة : يا هنتاه ، أي يا مرأة ، وللرجل يا هناه ، أي يا رجل ،
ولا ( يستعمل ) (٥) في غير النداء ، ذكره سيبويه وقال : هو مثل قولهم:
يا غدار ويا لكاع ويا فساق ، ولا يستعمل ذلك إلا في النداء خاصة.
(١) من ( ح))، وسقط من ((الأصل)).
(٢) من (ح))، وفي (( الأصل)): فليجعلها ، خطأ.
(٣) من ( ح )).
:
(٤) هكذا في ((الأصل)) و(( ح)) والظاهر أن الصواب: ((لا أنه )) والله أعلم.
(٥) في (( ح)): يستعملان.
- ٢٣٨ -

[٢/ ق٧١-ب]
باب : التمتع والإقران / والإفراد [ بالحج ] (١)
وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي
فيه: الأسود عن عائشة: (( خرجنا مع الرسول ولا نرى إلا أنه الحج ،
فلما قدمنا تطوفنا بالبيت ، فأمر النبي من لم يكن [ ساق ] (٢) الهدي
أن يحل ، فحل من لم ( يكن ساق ) (٣) الهدي ، ونساؤه لم يسقن
فأحللن ، قالت عائشة : فحضت فلم أطف بالبيت ، فلما كانت ليلة
الحصبة قلت ( لرسول الله) (٤) : يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع [أنا
بحجة ] (٥) قال : وما طفت ليالي قدمنا مكة ؟ قلت : لا ، قال : فاذهبي
مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ، ثم موعدك كذا كذا ، قالت صفية:
ما أراني إلا حابستهم، قال: عَقْرَى حَلْقَى، أو ما طفت يوم النحر ؟
قالت : قلت : بلى، قال : فلا بأس انفري )) .
وفيه : عروة عن عائشة: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - عام حجة
الوداع ، فمنا من أَهَلَّ بعمرة ، ومنا من أَهَلَّ بالحج ، وأَهَلَّ رسولُ الله
بالحج ، فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة لم يحلوا حتى كان
يوم النحر )) .
وفيه مروان قال: «شهدت عثمانَ وعَليا، وعثمانُ ينهى عن المتعة وأن
م
يُجمع بينهما ، فلما ( رآه) (٦) علي أَهَلَّ بهما لبيك بعمرة وحجة ، قال :
ما كنت لأدع سنة النبي - عليه السلام - لقول أحد )) .
وفيه: ابن عباس قال: (( كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): في الحج.
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): معه .
(٣) في (( ح)): يسق.
(٤) في (( ح)): يا رسول الله .
(٥) من (( ح))، وفي (( الأصل)): بالحجة.
(٦) في (( ح)): رأى ذلك.
- ٢٣٩ -

الفجور [ في الأرض] (١) ، ويجعلون المُحَرَّمَ صفر ويقولون: إذا برأ
الدّبَر ، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبي -
عليه السلام - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن
يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله ، أي الحل ؟
قال : حل كله )) .
وفيه : أبو موسى قال: (( قدمت على النبي - عليه السلام - فأمره
بالحل )) .
وفيه : حفصة أنها قالت: (( يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا بعمرة
ولم تحلل أنت من عمرتك ؟ قال : إني لبدت رأسي ، وقلدت
[هَدْبي](٢)، فلا أحل حتى أنحر)).
وفيه : أبو [ جمرة] (٣) نصر بن عمران الضبعي قال: ((تمتعت فنهاني
ناس ، فسألت ابن عباس فأمرني ، فرأيت في المنام كأن رجلا يقول لي :
حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن عباس فقال : سنة النبي - عليه
السلام - فقال لي: أقم عندي ( أجعل ) (٤) لك سهمًا من مالي ، فقال
شعبة : قلت : لم ؟ قال : الرؤيا التي رأيت)).
وقال أبو شهاب عبد ربه بن نافع : قدمت مكة متمتعًا بعمرة ،
[فقدمنا](٥) قبل التروية بثلاثة أيام ، فقال لي (أناس) (٦) من أهل مكة:
تصير حجتك الآن مكية ، فدخلت على عطاء أستفتيه فقال : حدثني
جابر بن عبد الله أنه حج مع رسول الله يوم ساق البدن معه وقد أهلوا
بالحج مفردًا ، فقال لهم : أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): هدي.
(٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): حمزة، خطأ. (٤) في ( ح)): فأجعل.
(٦) في (( ح)): ناس.
(٥) في (( ح)) : فدخلنا .
- ٢٤٠ -
.. ..