النص المفهرس
صفحات 161-180
وأجمع العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في ( المساجد ) (١) لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٢)، وقال حذيفة: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة [ أو ] (٣) المدينة [ أو ] (٣) بيت المقدس. وقال سعيد بن المسيب : لا عتكاف إلا في مسجد نبي ، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد ، وهو ما بناه نبي ؛ لأن الآية نزلت على النبي - عليه السلام - وهو معتكف في مسجده ، فكان (القصد ) (٤) والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي ، وذهبت طائفة إلى أنه لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه [ الجمعة ] (٥)، روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود ، وعروة ، وعطاء ، والحسن، وابن شهاب ، وهو قول مالك في المدونة ، ، قال : أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع ، قال : وأقل الاعتكاف عشرة أيام ، وروى عنه ابن القاسم في العتبية : لا بأس بالاعتكاف [ يومًا أو] (٦) يومين ، وقد روي أن أقله يوم وليلة ، وقال في المدونة: لا أرى أن يعتكف أقل من عشرة أيام ، فإن نذر دونها لزمه . وقالت طائفة : الاعتكاف في كل مسجد [ جائز ] (٧) ، روي ذلك عن النخعي، وأبي سلمة والشعبي، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري، والشافعي ، وأحمد ، وهو قول مالك في الموطأ ، قال : لا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها ، إلا كراهية أن يخرج المعتكف [ من ] (٨) مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة ، فإن كان (١) في ( ح)): مسجد . (٢) البقرة : ١٨٧ . (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و. (٤) في ( ح)) : المقصد. (٥) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الجماعة، والصواب ما في ( ح)). (٦) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يوم و. (٧) من (( ح)). (٨) من (( ح))، وفي ((الأصل)): إلى - خطأ. - ١٦١ - مسجدًا لا يجمع فيه ، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه ، فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه ؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿ولا تباشرون وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١) فعم المساجد كلها ولم يخص منها شيئًا ، ونحوه قال الشافعي : المسجد الجامع أحب إلي ، وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة . قال المهلب : وقول أبي سعيد في هذا الحديث: ((حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه)) فليس معارضًا لما روي في حديث أبي سعيد ((أن النبي - عليه السلام - خرج صبيحة عشرين فخطبهم )) والمعنى واحد ، وذلك أنه قد روى جماعة هذا الحديث وقالوا فيه : وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه . وهذا هو الصحيح ؛ لأن يوم عشرين معتكف فيه ، وبه [تتم ] (٢) العشرة الأيام؛ لأنه دخل في أول الليل فيخرج في أوله، فيكون معنى قوله: (( في ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها )) يريد الصبيحة التي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التي بعدها إلى الليلة ، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه ، سواء كان فيه أو بعده ، وإن كانت العادة في نسبة الصبيحة إلى الليلة التي قبلها ؛ لتقديم الليل على: النهار ، فإن نسبة الشيء إلى ما بعده جائز بدليل قوله تعالى : ﴿لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ (٣) فنسب الضحى إلى ما بعده ، ويبين ذلك رواية من روى عن أبي سعيد (( فخرجنا صبيحة عشرين )» [٥٨٥/٢-١] فلا إشكال في هذا بعد بيان أبي سعيد أنها صبيحة عشرين / وبعد قول من روى : (( في ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج فيها (١) البقرة : ١٨٧. (٢) النازعات : ٤٦ . (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): تم". - ١٦٢ - من الاعتكاف )) ، وسيأتي حكم خروج المعتكف في بابه - إن شاء الله . وقوله: ((وكان المسجد [ على ] (١) عريش)) قال صاحب العين : العريش شبه الهودج ، و[عريش ] (٢) البيت سقفه، وقال الداودي: كان الجريد قد [ بسط ] (٣) فوق الجذوع بلا طين ، فكان المطر يسقط داخل المسجد ، وكان عليه السلام قال لبني النجار: ((ثامنوني بحائطكم هذا . فقالوا : لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . فأخرج قبور المشركين ، وقطع النخل التي كانت فيه ، فجعل منها سواري وجذوعًا وألقى الجريد عليها ، فقيل له بعد ذلك : يا رسول الله ، ألا تبنيه ؟ قال : بل عريش كعريش موسى )) . * باب : الحائض ترجل المعتكف فيه : عائشة قالت : (( كان النبي يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد ، فأرجله وأنا حائض )) . قولها: (( [ كان ] (٤) يصغي إلى رأسه)) يعني أنه كان (يدخل)(٥) رأسه وكتفيه إلى الحجرة فترجله ، لئلا يخرج من المسجد ما وجد المقام فيه؛ لأن الحائض لا تدخل المسجد ، وقد ترجم له باب ((المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل))، وقال فيه: (( كانت عائشة ترجل النبي- عليه السلام - وهي حائض ، وهو معتكف في المسجد ، وهي في (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): من . (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عرش. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): سقط - خطأ. (٤) من ( ح )). (٥) في (( ح)) : يخرج . - ١٦٣ - حجرتها يناولها رأسه))، وفيه جواز ترجيل رأس المعتكف ، وفي ذلك دليل على أن اليدين من المرأة ليستا بعورة ، ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه ، ويشهد لذلك أن المرأة تُنْهى عن لبس القفارين في الإحرام ، وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها ، وهكذا. حكمهما في الصلاة ، وفيه من الفقه أن الحائض طاهر إلا موضع النجاسة منها ، والجوار والاعتكاف سواء عند مالك ، حكمهما واحد إلا من جاور نهارًاً بمكة ، وانقلب ليلاً إلى أهله فلا صوم فيه ، وله أن يطأ أهله ، قال : وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله كالرباط والصيام، وقال عمرو بن دينار : الاعتكاف والجوار واحد . وقال عطاء : هما مختلفان ، كانت بيوت النبي - عليه السلام - في المسجد ، فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بیوته إلى بطن المسجد فاعتکف فیه، والجوار بخلاف ذلك - إن شاء [ الله ] (١) - جاور بباب المسجد أو في جوفه إن شاء . وقال مجاهد : الحرم كله مسجد يعتكف في أيه شاء ، وإن شاء في منزله ، إلا أنه لا يصلي إلا في جماعة . باب : لا يدخل البيت إلا ( لحاجة ) (٢) : فيه : عائشة قلت : (( وإن كان رسول الله ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة [ إذا كان معتكفًا . قولها: ((وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة)) ] (٣) تريد الغائط والبول، وهكذا فسره الزهري وهو راوي الحديث ، ورواه مالك عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عمرة ، عن عائشة وقال فيه : ((وكان (١) من (( ح)). (٢) في ( ح)): لحاجته. (٣) من (( ح)): كأنه سقط من ناسخ ((الأصل)) لانتقال البصر. - ١٦٤ - لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) . وقال أبو داود : لم يتابع أحد مالكًا في هذا الحديث على ذكره عمرة ، واضطرب فيه أصحاب ابن شهاب ، فقالت طائفة عنه عن عروة ، عن عائشة [ وكذلك رواه ابن مهدي عن مالك ، وقالت طائفة : عن عروة وعمرة جميعًا عن عائشة] (١) . وكذلك رواه ابن وهب عن مالك، [ وأكثر الرواة عن مالك عن عروة ، عن عمرة ، فخطؤه في ذكر عمرة ، قال المؤلف : ولهذه العلة - والله أعلم - لم يدخل البخاري حديث مالك] (١) ، وإن كان فيه زيادة تفسير ، لكنه ترجم للحديث بتلك الزيادة إذا كان ذلك عنده معنى الحديث . وقولها : ((وكان لا يدخل [ البيت ] (٢) إلا لحاجة الإنسان)) يدل أن المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصلوات وتلاوة القرن وذكر الله ، ولا يخرج إلا لما [ له ] (٢) إليه حاجة ، وفي معنى ترجيل رأس رسول الله جواز استعمال الإنسان كل ما فيه صلاح بدنه من الغذاء وغيره ، ومن جهة النظر أن المعتكف ناذر جاعل على نفسه المقام في المسجد لطاعة الله ، فواجب عليه الوفاء بذلك ، وألا يشتغل عنه بما يلهيه ، ولا يخرج إلا لضرورة كالمرض البيّن ، والحيض في النساء، وهذا في معنى خروجه لحاجة الإنسان . واختلفوا في خروجه لما سوى ذلك ، فروي عن النخعي والحسن البصري / وابن جبير أن له أن يشهد الجمعة ، ويعود المرضى ، ويتبع [٥٨/٢-ب] الجنائز ، وذكر ابن الجهم عن مالك أنه يخرج إلى الجمعة ، ويتم اعتكافه في الجامع ، وقال عبد الملك : إن خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه . ومنعت طائفة خروجه لعيادة المريض والجنائز ، وهو قول - (١) من (( ح))، ويقال فيه كالتعليق السابق. (٢) من ( ح ) . - ١٦٥ - عطاء ، وعروة ، والزهري ، ومالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يخرج المعتكف إلا إلى الجمعة ، والبول والغائط خاصة . وقال مالك : إن خرج المعتكف (لعذر ضرورة ) (١) مثل أن يموت أبوه أو ابنه ، ولا يكون له من يقوم به ، فإنه يبتدئ اعتكافه ، والذين منعوا خروجه لغير حاجة الإنسان [أسعد ] (٢) باتباع الحديث. قال ابن المنذر: قولها: ((وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) فيه دلالة على منع المعتكف من العشاء في بيته ، والخروج من موضعه إلا لحاجة الإنسان لبول أو الغائط، قال ابن المنذر: واختلفوا في ذلك، فكان الحسن وقتادة يقولان : له أن يشترط العشاء في منزله . وبه قال أحمد بن حنبل ، وقال الشافعي : إن كان المعتكف في بيته فلا شيء عليه . وقال أبو مجلز : ليس له ذلك ، وهو يشبه [مذهب ] (٣) المدنيين ، وبه نقول؛ لأنه موافق للسنة ، وذلك قول عائشة : ((وكان لا يدخل [ البيت] (٤) إلا لحاجة الإنسان)). وفي العتبية لابن القاسم عن مالك في الرجل يأتيه الطعام من منزله ليأكله في المسجد ، قال : أرجو أن يكون خفيفًا ، قال ابن المنذر : وفيه دليل على أن من حلف لا يدخل دارًاً ، فأدخل بعض بدنه أنه غير حانث ؛ لأن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد ، ففي إدخاله رأسه لترجله عائشة دليل على إباحة ذلك ، وعلى إباحة غسل المعتكف رأسه ، ولو أراد المعتكف حلق رأسه فأخرجه إلى الحلاق ليحلقه ، كان ذلك عندي في معنى هذا ، والله أعلم . * (١) في ( ح)): لعذر غير ضرورة. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أشعر - كذا . (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): مذاهب. (٤) من ( ح ) - ١٦٦ - باب : غسل المعتكف فيه : عائشة : كان النبي - عليه السلام - يباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض)) . غسل رأس المعتكف جائز كترجيله على نص هذا الحديث ، وغسل جسده في معنى غسله ( رأسه ) (١) ، ولا أعلم في ذلك خلافًا ، وروى ابن وهب عن مالك قال : لا بأس أن يخرج إلى غسل الجمعة إلى الموضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه. وقولها : (( كان يباشرني وأنا حائض)) تريد غير ( معتكف ) (٢)؛ لأن المعتكف لا تجوز له المباشرة لقوله تعالى : ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ (٣) ، وإنما ذكرت المباشرة في هذا الحديث لتدل على جواز غسلها لرأسه وهي حائض ، ويدل على طهارة بدن الحائض . باب : الاعتكاف ليلا فيه : ابن عمر: (( أن عمر سأل النبي - عليه السلام - قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال : (فأوف) (٤) بنذرك » . وترجم له باب ((إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم )) ، وباب ((من أجاز الاعتكاف بغير صيام))، فقياس قوله أن يجيزه ليلا ، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في بابه - إن شاء الله - وقال (١) سقط من (( ح)). (٣) البقرة : ١٨٧ . (٢) في ( ح)): معتكفة . وهو خطأ . (٤) في (( ح)) : أوف . - ١٦٧ - مالك : من نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة. وقال سحنون : لا شيء عليه إن نذر اعتكاف ليلة ؛ لأنه لا صيام في الليل ، قال : ومن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة ، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يُجْزِهِ، وإن أضاف [ إليه ] (١) الليلة المستقبلة . وقوله عليه السلام: ((أوف بنذرك)) محمول عند الفقهاء على الحض والندب لا على الوجوب ؛ بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله ، وقد حمل الطبري قوله عليه السلام: (( أوف بنذرك )) على الوجوب وقال : إنما أمر النبي - عليه السلام - [ عمر ] (١) بالوفاء في الإسلام بنذر كان نذره في الجاهلية إذا كان ذلك لله برا في الإسلام ، فالواجب أن يكون نظيره كل نذر نذره في حال كفره مما هو طاعة في الإسلام أن عليه الوفاء لله به في حال إسلامه قياسًا على أمره عليه السلام عمر أن يفي بنذره الذي كان نذره في الجاهلية في حال إسلامه ، وسيأتي في [٥٩/٢-١] كتاب الأيمان والنذور / من حمل ذلك على الوجوب ، ومن حمله على الندب من العلماء ، وبيان أقوالهم - إن شاء الله - . قال المهلب : وفيه دليل على تأكيد الوفاء بالوعد ؛ ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج من حال الجاهلية إلى حالة الإسلام ، وإن كان عند الفقهاء [ أن ] (١) ما كان في الجاهلية من أيمان وطلاق وجميع العقود ، فإن الإسلام يهدمها ، ويسقط حرمتها . (١) من (( ح)). - ١٦٨ - باب : اعتكاف النساء فيه: عائشة قالت: (( كان النبي - عليه السلام - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، فكنت أضرب له خباءً فيصلي الصبح ثم يدخله . فاستأذنتْ حفصةُ عائشةَ أن تضرب خباءً ، فأذنت لها فضربت خباءً ، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباءً آخر ، فلما أصبح النبي رأى الأخبية فقال: ما هذا؟! فأُخبر . فقال عليه السلام: آلبر (تقولون ) (١) بهن ؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر ، ثم اعتكف عشراً من شوال )) . اختلف العلماء في اعتكاف النساء ، فقال مالك : تعتكف المرأة في مسجد الجماعة ، ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها . وقال الشافعي : تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا ؛ لأنه لا جمعة عليهم . وقال الكوفيون : لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ، ولا تعتكف في مسجد الجماعة ، وذلك مكروه . واحتجوا بأن النبي - عليه السلام - نقض اعتكافه إذ تبعه نساؤه ، وهذا إنكار منه [عليهن](٢)، قالوا: وقد قال عليه السلام: (( صلاة المرأة في بيتها أفضل)) فإذا منعت المرأة من المكتوبة في المسجد مع وجوبها ، فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى ، ولما [ كانت ] (٣) صلاة الرجل في المسجد أفضل ، كان اعتكافه فيه أفضل ، قال ابن القصار: وحجة مالك أن النبي - عليه السلام - لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة وحفصة في ذلك ، وقد جاء هذا مبينا في باب (( من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)) ، ولو كان المسجد غير موضع اعتكافهن لما أباح ذلك لهن معه ، ولا يجوز أن يظن به عليه السلام أنه نقض اعتكافه ، ولكنه أخره تطييبًا لقلوبهن لئلا يحصل معتكفًا وهن غير معتكفات ، وإنما فعل ذلك لأنه كره أن يكن مع الرجال في مسجده عليه السلام ؛ (١) في ((ح)): تُرَون. وهما روايتان. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عليهم. (٣) من ((ح))، وفي (الأصل)): كان. - ١٦٩ - لأنه موضع الاجتماع ، والوفود ترد عليه فيه ، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف في الأوقاف الخالية ، وكما يكره ( للشابات ) (١) منهن الخروج للجمع والأعياد ، فإذا أردن أن يصلين الجمع لم يجز إلا في الجامع مع الرجال ، وقال ابن المنذر : في هذا الحديث إباحة اعتكاف النساء ؛ لأنه عليه السلام أذن لعائشة وحفصة في ذلك ، وفيه دليل أن المرأة إذا أرادت اعتكافًا لم تعتكف حتى تستأذن زوجها ، ويدل على أن الأفضل والأعلى للنساء لزوم منازلهن ، وترك الاعتكاف مع إباحته لهن ؛ لأن ردهن ومنعهن منه يدل على أن لزوم منازلهن أفضل من الاعتكاف . باب : الأخبية في المسجد وذکر حدیث عمرة ( أن النبي - عليه السلام - أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبية : خباء عائشة ، وخباء حفصة ، وخباء زينب ... )) الحديث . قال المهلب : فيه من الفقه أن المعتكف يجب أن يجعل لنفسه [في المسجد ] (٢) مكانًا لمبيته ، بحيث لا يضيق على المسلمين ، كما فعل الرسول في الصحن إذ ضرب فيه خباءه ، وفيه من الفقه أن المعتكف إذا أراد أن ينام في المسجد أن يتنحى عن الناس ؛ خوف أن يكون منه ما يؤذيهم من آفات البشر . وقال ابن المنذر : وفيه دليل على إباحة ضرب ( الأخبية ) (٣) في المسجد للمعتكفين . وقال مالك في المجموعة : وليعتكف في عجز المسجد ورحابه ، فذلك الشأن فيه وقال الخطابي: وقوله: (( أكبر تقولون بهن ؟ )) معناه : أكبر تظنون بهن؟ قال الشاعر : (١) في (( ح)): للشباب. (٣) فى (( ح)): الأبنية .. (٢) من (( ح)). - ١٧٠ - [٢/ق٥٩-ب] / متى تقول القُلُصَ الرواسما يلحقن [ أم عاصم وعاصمًا ](١) أى : متي تظن القُلُص (يلحقهما ) (٢)، ولذلك نصب القلص ، قال الفراء : والعرب تجعل ما بعد القول مرفوعًا على الحكاية فتقول : عبد الله ذاهب ، وقلت : إنك قائم ، هذا في جميع القول إلا في أتقول وحدها في حروف الاستفهام ، فإنهم ينزلونها منزلة أتظن ، فيقولون: أتقول إنك خارج ، ومتى تقول : إن عبد الله منطلق وأنشد: فمتى تقول الدار تجمعنا أما الرحیل فدون بعد غد بنصب الدار كأنه يقول : فمتى تظن الدار تجمعنا ، وأجاز سيبويه الرفع في قوله : الدار تجمعنا على الحكاية . باب : هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد فيه : صفية (( أنها (٣) جاءت النبي تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب فقام النبي - عليه السلام - معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على النبي - عليه السلام - فقال لهما النبي : على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي . فقالا: سبحان الله يا رسول الله ، وكَبُرَ عليهما ، فقال عليه السلام : إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم شيئًا )). (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عاصمًا أو أم عاصم. (٢) في (( ح)): تلحقهما . (٣) جاء في ((الأصل)): قالت . وهي زيادة مقحمة . - ١٧١ - وترجم له باب (( زيارة المرأة زوجها في اعتكافه ))، وذكر أن بيت صفية كان في دار أسامة خارج المسجد ، فخرج النبي - عليه السلام - معها . لا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غنى به عنه ، وإنما اختلفوا في المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف ، فأجاز ذلك الزهري، ومالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وروي عن ابن عمر ، والنخعي ، وعطاء أنه لا يدخل تحت سقف ، وهو قول إسحاق ، وقال الثوري والحسن بن حيي : إن دخل بيتًا غير المسجد بطل اعتكافه ، إلا أن یکون ممره فيه . وكذلك اختلفوا في اشتغاله بالأمور المباحة ، فقال مالك في الموطأ: لا يأتي المعتكف حاجة ولا يخرج لها ، ولا يعين أحدًا عليها، ولا يشتغل بتجارة ، ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ماله وصلاح ضيعته وقال أبو حنيفة [ والشافعي] (١): له أن يتحدث ويبيع ويشترى في المسجد، ويتشاغل بما لا يأثم فيه ، وليس عليه صمت . وقال مالك : لا يشتري إلا ما لا غنى له عنه من طعامه إذا لم يكن له من يكفيه . وكره مالك والليث للمؤذن الصعود على [ المنارة قالا ] (٢): ولا يصعد على ظهر المسجد ، وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي ، قالا : ولو كانت المنارة خارج المسجد . وكذلك اختلفوا في [ حضوره ] (٣) مجالس العلم ، فرخص في ذلك كثير من العلماء ، روي ذلك عن عطاء والأوزاعي والليث والشافعي ، وقال مالك : لا يشتغل في مجالس العلم ، وكره أن (١) من (( ح)). (٢) من (( ح))، وفي (( الأصل)): المنار قالوا. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): حضور. وما في (( ح)) أحسن. - ١٧٢ - يكتب العلم . وقال ابن المنذر : طلب العلم من أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض لانتشار الجهل ونقصان العلم ، وذلك إذا أراد الله به طَالِبُهُ ، وعمل البر لا ينافي الاعتكاف . وقال غيره : مجالس العلم شاغلة له عن اعتكافه ، ومالك أسعد بأصله ؛ لأنهم يوافقونه في أن المعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ، وذلك من عمل البر ، واحتج الطحاوي على جواز اشتغال المعتكف بالمباح من الأفعال بشغله عليه السلام في اعتكافه بمحادثة صفية ومشيه معها إلى باب المسجد ، قال المهلب : وفيه من الفقه أنه لا بأس بزيارة أهل المعتكف له في اعتكافه ، وفيه أنه لا بأس أن يعمل في اعتكافه بعض العمل الذي ليس من الاعتكاف من تشييع قاصد، وبر زائر، وإكرام [ مفتقر] (١)، وما كان في معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه . [٢/ ق ٦٠ - ٢] باب : الاعتكاف وخروج / النبي - عليه السلام - صبيحة عشرين فيه : أبو سعيد: (( اعتكفنا مع النبي - عليه السلام - العشر الأوسط من رمضان ، قال : فخرجنا صبيحة عشرين ، قال : [ فخطبنا ] (٢) النبي - عليه السلام - [ صبيحة ] (٣) عشرين فقال: إني أريت ليلة القدر ... )) الحديث . قد تقدم في أول [ كتاب ] (٤) الاعتكاف أن قول أبي سعيد في هذا (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): معتقد - كذا. (٢) من (ح))، وفي ((الأصل)): فخطب . (٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): ليلة . (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): باب. - ١٧٣ - الحديث: ((فخرجنا صبيحة عشرين)) أنه بيان للرواية التي فيها (( حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه)» أنه يريد الصبيحة التي قبل ليلة إحدى وعشرين، إذ قد يجوز إضافة الشيء إلى ما قبله وما بعده ، وسيأتي حكم خروج المعتكف في بابه بعد - إن شاء الله . باب : اعتكاف المستحاضة فيه: عائشة قالت: (( اعتكفت مع رسول الله امرأة من أزواجه مستحاضة ، فكانت ترى الحمرة والصفرة فربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي » . حكم المستحاضة كحكم الطاهر ، ولا خلاف بين العلماء في جواز اعتكافها ، وفيه أنه لا بأس أن تعتكف مع الرجل زوجته إذا كان لها موضع تستتر فيه ، وأما المعتكفة تحيض ، فقال الزهري ، وربيعة ، ومالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي : تخرج إلى دارها ، فإذا طهرت فلترجع ثم تبني على ما مضى من اعتكافها ، وقال أبو قلابة : تضرب خباءها على باب المسجد إذا حاضت . باب : هل يدرأ المعتكف عن نفسه فيه: صفية (( أنها أتت النبي - عليه السلام - وهو معتكف ، فلما رجعت مشى معها فأبصره رجل من الأنصار ، فلما أبصره دعاه فقال : تعال هي صفية - وربما قال سفيان : هذه صفية - فإن الشيطان يجري - ١٧٤ - من ابن آدم مجرى الدم)) . قلت لسفيان : أتته ليلا ؟ قال : وهل هو إلا ليلا؟ )) . قال المهلب : فيه من الفقه تجنب مواضع التهم ، وأن الإنسان إذا خشي أن يسبق [ إليه ] (١) بظن سوء أن يكشف معنى ذلك الظن ، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذي يوسوس بالشر في القلوب ، وإنما خشي عليه السلام أن يحدث على الرجل من سوء الظن فتنة ، وربما زاغ بها فيأتم أو يرتد ، وإن كان النبي - عليه السلام - منزها عند المؤمنين من مواضع التهم، ففي قول النبي: ((إنها صفية )) السنة الحسنة لأمته، [ و] (١) أن يمتثلوا فعله ذلك في البعد عن التهم ومواقف الريب ، وكما جاز أن يدرأ المعتكف عن نفسه بالقول ، كذلك يجوز أن يدرأ عن نفسه بالفعل من يريد أذاه ، وليس المعتكف أكثر من المصلي ، وقد أبيح له أن يدرأ عن نفسه في صلاته من يمر بين يديه فكذلك المعتكف . باب : من خرج من اعتكافه عند الصبح فيه: أبو سعيد: (( اعتكفنا مع النبي - عليه السلام - العشر الأوسط ، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا ، فأتانا رسول الله فقال : من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه ، فإني أريت هذه الليلة ... )) الحديث . قال المهلب : ترجم البخاري ( لما سبق ) (٢) من ظاهر الأحاديث في خروج المعتكف في صبيحة عشرين ، وبين لك أن الذي [ يظنه] (٣) الناس من ظاهر الحديث من خروجه صبيحة عشرين ، أنه ليس (١) من (( ح)). (٢) في (( ح)): بما يسبق. (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): يطلبه . - ١٧٥ - بخروج من الاعتكاف ، وإنما هو خروج بالمتاع الذي كانوا يبيتون فيه ، ويأكلون ويشربون فيه ، إذ لا حاجة لهم بشيء من ذلك في يوم عشرين الذي به ينقضي اعتكافهم للعشر الأوسط ، فإذا انقضى اليوم بمغيب الشمس خرجوا ليلة إحدى وعشرين إلى بيوتهم خفافًا من. أثقالهم ، وقد بين ذلك أبو سعيد بقوله: (( فلما كان صبيحة عشرين. نقلنا متاعنا)) ولم يقل : خرجنا من اعتكافنا ، فأخبر الله - تعالى - نبيه أن الذي تطلب أمامك، فقال: (( من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فإني أُريت هذه الليلة ... )) الحديث. قال غيره : وأجمع العلماء أنه من اعتكف العشر [ الأول أو ] (١). الأوسط أنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه ، وفي إجماعهم على ذلك [ ما ] (١) يوهن رواية من روى في ليلة إحدى وعشرين أنه يخرج من صبحها [ أو ] (٢) في صبيحتها ، وأن الصواب. [٢/ ق٦٠-ب] رواية من روى / يخرج فيها من اعتكافه ، يعني بعد الغروب ، وإجماعهم يقضي على ما اختلفوا فيه من الخروج لمن اعتكف العشر الأواخر . قال النخعي : كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر حتى يكون غدوه منه إلى العيد ، وهو قول أبي قلابة وأبي مجلز ، وبه قال. مالك ، وحكاه عن أهل الفضل ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وذكر: ابن وهب عن الليث ، عن عقيل ، ( أن ) (٣) ابن شهاب كان لا يرى. بأسًا أن ينصرف المعتكف إلى أهله إذا غابت الشمس ليلة الفطر ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وروى ابن القاسم عن مالك في العتبية : إن خرج من معتكفه ليلة الفطر أنه لا شيء عليه ، وهذا (١) من (( ح)). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): و. (٣) في (( ح)): عن . - ١٧٦ - هو الصحيح ؛ لأن ليلة العيد ويوم العيد ليس بموضع اعتكاف ، [والعشر يزول بزوال الشمس ] (١)، والعشر يزول بزوال الشهر، والشهر ينقضى بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان ، فدل هذا أن قول مالك الأول أنه استحباب ليتصل له نسك بنسك ، لا أنه واجب . باب : الاعتكاف في شوال فيه: عائشة قالت: (( كان النبي - عليه السلام - يعتكف في كل رمضان ، ( فإذا) (٢) صلى الغداة (دخل ) (٣) مكانه الذي اعتكف فيه، قال : فاستأذنته عائشة أن تعتكف ، فأذن لها فضربت فيه قبة ، فسمعت بها حفصة فضربت قبة ، فسمعت زينب فضربت قبة ، فلما انصرف رسول الله من الغداة رآها ، فأمر بنزعها ، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال )) . قال المؤلف : الاعتكاف في شوال وسائر السنة مباح لمن أراده . وقال المهلب : هذا الحديث الذي جاء بدخول المعتكف إلى اعتكافه إذا صلى الصبح يوهم أنه كان يدخل ذلك الحين الاعتكاف ، وليس ذلك على ما يوهم ظاهره ؛ لأنه عليه السلام إنما كان يدخل الخباء الذي يضرب له لينظر كيف ترتيب مكان نومه ومصلاه وحوائجه ، ثم يخرج في حوائجه ، فإذا صلى المغرب دخل معتكفه ، ولا يمكن أن يدخل بنية الاعتكاف ثم ينصرف عنه ؛ لأنه لا يحل قطع الاعتكاف البتة بعد أن يدخل فيه ، ولا يجوز أيضًا أن يقطع اعتكاف غيره لا سيما وقد كان عليه السلام أذن لعائشة وحفصة في ذلك ، ودليل آخر وهو أنه إن (١) من (( ح))، وأخشى أن يكون الصواب: واليوم يزول بزوال الشمس. (٣) في (( ح)): حل . (٢) في ( ح)): وإذا . - ١٧٧ - كان دخل للاعتكاف بعد صلاة الصبح فقد دخل في بعض النهار ، ولا يجزئه ذلك من اعتكافه حتى يثبت أنه دخل الخباء قبل انصداع. الفجر بنية الاعتكاف ، وذلك [ معدوم في الروايات ] (١). وقال غيره: ويمكن أن يكون دخوله صبيحة عشرين متطوعًا بذلك ، وكان اعتكافه كله تطوعًا ، ومن زاد في التطوع فهو أفضل ، وإنما يقع التحريم في النذر ، ولو أن امرأ نذر اعتكاف العشر الأواخر ما لزمه أن يدخل إلا ليلة إحدى وعشرين عند الغروب ، ويخرج صبيحة ثلاثين عند الغروب . واتفق مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد أن المعتكف إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر أنه لا يدخل إلا عند غروب الشمس ، وهو قول النخعي ، وقال الأوزاعي بظاهر الحديث يصلي الصبح ثم يقوم إلى معتكفه ، وما ذكرناه في هذا الباب يرد قوله . واختلفوا إذا نذره يومًا أو أيامًا ، فقال مالك : يدخل قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم ، وقال الشافعي : إذا أراد اعتكاف يوم دخل قبل طلوع الفجر ، وخرج بعد غروب الشمس ، خلاف قوله في الشهر ، وقال أبو ثور : إذا أراد أن يعتكف عشرة أيام دخل في اعتكافه قبل طلوع الفجر ، وإذا أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل غروب الشمس ، وقال الليث وزفر وأبو يوسف : يدخل قبل طلوع الفجر ، واليوم والشهرُ عندهم سواء ، ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل في الاعتكاف إلا أن يتقدمه اعتکاف النهار ، ولیس اللیل بموضع للاعتكاف فلا يصح الابتداء به ، وذهب الأولون إلى [ أن](٢). النهار تبع لليل على كل حال ، فلذلك بدءوا بالليل ، وهذا هو (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): معلوم بالروايات، وهو خطأ. (٢) من ( ح)). - ١٧٨ - الصحيح في هذه المسألة ؛ لأن المعروف عند جميع الأمة [ تقدم الليل للنهار ] (١) بكون الأهلة مواقيت للناس في الشهور والعدد وغير ذلك، فأول الشهر ليلة ، فكذلك كل عدد من الأيام وإن قل فإن أوله ليلة ، ولا حجة لمن خالف هذا - والله أعلم . [٢/ ق٦١ -١] / باب : من لم ير عليه صومًا إذا اعتكف فيه: ابن عمر: (( أن عمر قال : يا رسول الله ، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ فقال له النبي - عليه السلام - : أوف بنذرك ، فاعتكف ليلة )) . قال المؤلف : احتج بهذا الحديث من أجاز الاعتكاف بغير صوم ، وروي ذلك عن علي وابن مسعود قالا : إن شاء صام المعتكف ، وإن شاء لم يصم . وقالت طائفة : الصوم لا يجب على المعتكف فرضًا ؛ لأن الله لم يوجبه في كتابه ولا رسوله ، فلا يجب على المعتكف الصوم إلا أن يوجبه نذرًا ، فيجب الوفاء بالنذر ، وممن قال بهذا القول : الحسن البصري ، وإليه ذهب الشافعي وأبو ثور والمزني ، واحتج المزني بهذا الحديث وقال : [ إن رسول الله أمره ] (٢) أن يوفي بنذره ، وليس الليل موضع صيام ، وأيضًا فإن رمضان لا يجوز أن ينوي به رمضان وغيره معًا ، وذهبت طائفة إلى أن الاعتكاف من شرطه الصوم ، روي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وبه قال القاسم وعروة وابن شهاب ، وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ، واحتج مالك في الموطأ بقول القاسم ونافع (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)) : يقدم الليل النهار. (٢) من ( ح)). - ١٧٩ - قالا : لا اعتكاف إلا بصوم لقول الله - تعالى - : ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين ... ﴾ إلى ﴿المساجد﴾ (١) فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا ، واحتج أهل المقالة الأولى فقالوا: لو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم ؛ لم يكن لنهيه تعالى عن المباشرة لأجل الاعتكاف معنى . قال ابن القصار: فالجواب أن الله - تعالى - لما ذكر الوطء في أول الآية وعلق [ حظره ] (٢) بالصوم في النهار ، عطف عليه حكم الاعتكاف ، وذكر حظر الوطء معه ؛ لأنه قد يصح في وقت لا يصح فیه الصوم وهو زمن الليل . ولو وطئ ليلا فسد اعتكافه فهذه فائدة ذكره للوطء بعد تقدم ذكره، وأما احتجاجهم بأن النبي ◌َّ قال لعمر في الليلة: ((أوف بنذرك)) . فالمعنى أنه أراد ليلة بيومها ، وقد يعبر [عن اليوم بالليلة ] (٣) كما قال تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ﴾ (٤) فأراد تعالى الليالي بأيامها ، وقد روى عمرو بن دينار عن ابن عمر ( أن عمر قال للنبي - عليه السلام - بالجعرانة: إني نذرت أن أعتكفُ يومًا وليلة)) . فهذا أصل الحديث ، فنقل بعض الرواة ذكر الليلة وحدها ، ويجوز للراوي نقل بعض ما سمع .. باب : الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان فيه : أبو هريرة قال : « کان عليه السلام یعتکف في کل شهر رمضان [عشرة] (٥) أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين)). (١) البقرة : ١٨٧ . (٢) من (( ح))، وفي ( الأصل)): ذكره، خطأ. (٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): باليوم عن الليلة، وهو وهم. (٤) الأعراف : ١٤٢ . (٥) من (( ح))، وفي ((الأصل)): عشر، كذا. - ١٨٠ -