النص المفهرس
صفحات 101-120
والقلب عضو من أعضاء البدن اللازم لها الأعمال ، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يُؤْمِن أحد عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد . واختلفوا في الصوم والحج ، فيجب أن يرد حكم ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه ، قال ابن القصار : ولما لم يجز الصيام عن الشيخ الكبير في حياته كان بعد الموت أولى أن لا يجوز ، وذهب الكوفيون والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور إلى أنه واجب أن يطعم عنه من رأس ماله وإن لم يوص ، إلا أبا حنيفة فإنه قال: يُسْقِطُ عنه ذلك الموتُ ، وقال مالك : الإطعام غير واجب على الورثة إلا أن يوصي بذلك إليهم فيكون في ثلثه ، فإن قال من أوجب الإطعام أن النبي - عليه السلام - شبهه بالدّيْن قيل : هو حجة لنا ؛ لأنه قال : ((أفأقضيه عنها ؟)) ونحن نقول : قضاؤه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا. وقوله: ((أرأيت لو كان عليها دَيْن أكنت قاضيه ؟)) إنما سأله هل كنت تفعل ذلك تطوعًا ؛ لأنه لا يجب عليه أن يقضي دين أمه إذا لم يكن لها تركة . باب : متى يحل فطر الصائم وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس . فيه: عمر قال: قال عليه السلام: (( إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النهار من هاهنا ، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم » . وفيه : ابن أبي أوفى: (( كنا مع النبي في سفر وهو صائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم : يا فلان قم فاجدح لنا ، فقال : يا رسول الله - ١٠١ - لو أمسيت - قالها ثلاثًا - فنزل فجدح له ، فشرب ثم قال : إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم » . وترجم لحديث ابن أبي أوفى قال : يفطر بما تيسر بالماء وغيره . وقال المؤلف : أجمع العلماء أنه إذا غربت الشمس فقد حل فطر الصائم ، وذلك آخر النهار وأول أوقات الليل ، قال الطبري : إن قال قائل: قوله: (([ فقد] (١) أفطر الصائم)) [ أَعَزْمٌ ] (٢) من النبي على الصائم أن يفطر عند إقبال الليل أم ندب ؟ قيل : هو عزم عليه أن يكون معتقدًا أنه مفطر [ وأن ] (٣) وقت صومه قد انقضى ، غير عزم عليه أن يأكل أو يشرب . فإن قال قائل : وما الدليل على ذلك ؟ قيل : إجماع الجميع من أهل العلم على أن المرء قد يكون مفطرًا بترك العزم على الصوم من الليل مع تركه نية الصوم نهاره أجمع ، وإن لم يأكل ولم يشرب ، وكان معلومًا بذلك أن اعتقاد المعتقد بعد انقضاء وقت الصوم للإفطار وترك الصوم . وإن لم يفعل شيئًا مما أبيح للمفطر فعله ، موجب له اسم المفطر ، إذا كان ذلك كذلك ، وكان الجميع مجمعين على أن الأكل والشرب غير فرض على الصائم في ذلك الوقت مع إجماعهم أن وقت الصوم قد انقضى بمجيء الليل وإدبار النهار ، كان بيِّنًا أن معنى أمره بالإفطار في تلك الحال إنما هو أمر عزم منه على ما وصفنا. فإن قيل : فإذا كان كما ذكرت من أنه مَعْنِي به العزم على اعتقاد الإفطار وترك العزم على الصوم ، فما أنت قائل في ما روي عنه عليه السلام أنه كان يواصل ؟ قيل : كان وصاله من السحر إلى السحر ،. (١) من ( ح))، وفي ((الأصل)): قد . (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عزم. (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): وإن كان . والسياق لا يقتضيه. - ١٠٢ - ولعله كان ذلك توخيًا منه للنشاط على قيام الليل ، فإنه كان إذا دخل العشر شد مئزره، ورفع فراشه ؛ لأن الطعام مثقل للبدن، مفتر / عن (٢/ ٤٧٥ -ب] الصلاة ، مجتلب للنوم ، فكان يؤخر الإصابة من الطعام إلى السحر، إذ كان الله قد أعطاه من القوة على تأخير ذلك إلى ذلك الوقت والصبر عنه ما لم يعط غيره من أمته ، وقد بين لهم ذلك بقوله: (( إني لست كهيئتكم ( إني ) (١) أظل يطعمني ربي ويسقيني)). فأما الصوم ليلاً فلا معنى له ؛ لأنه غير وقت للصوم ؛ لقوله : ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم)) . أي حَلَّ وقت فطره على ما تقدم، وسيأتي في باب ((الوصال )) مَنْ فعله مِنَ السلف ، ومن كرهه، وتمام الكلام فيه - إن شاء الله . (٢) ( قال المؤلف: وقوله عليه السلام: ((فاجدح لنا ، قال : يا رسول الله لو أمسيت - ثلاثًا)) . فيه من الفقه أن الناس سراع إلى إنكار ما يجهلون ، كما فعل خادم النبي - عليه السلام - حين توقف عن إنفاذ أمره لما جهله من الدليل الذي علمه النبي - عليه السلام - وفيه أن الجاهل بالشيء ينبغي أن يسمح له فيه المرة والثانية ، وتكون الثالثة فاصلة بينه وبين معلمه ، كما فعل النبي - عليه السلام - حين دعا عليه بالويل لكثرة التغيير ، وكذلك فعل الخضر بموسى في الثالثة قال له : ﴿ هذا فراق بيني وبينك﴾ (٣) وذلك كان شرط موسى لنفسه بقوله : ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ (٤). (١) في (( ح)): إذا . (٢) من هنا حتى تمام هذا الباب، والباب الذي يليه، والذي بعده حتى ((فطلعت الشمس فشق ذلك على )) ساقط من (( ح )). (٣) الكهف : ٧٨ (٤) الكهف : ٧٦ . - ١٠٣ - باب : تعجيل الإفطار فيه : سهل قال عليه السلام: (( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر )) وفيه : ابن أبي أوفى قال: (( كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر فصام حتى أمسى ، قال لرجل : انزل فاجدح لي ، قال : لو انتظرت حتى غمسي ، قال : فانزل فاجدح ، إذا رأيت الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم » . قال المهلب : إنما حض عليه السلام على تعجيل الفطر لئلا يزاد في النهار ساعة من الليل ، فيكون ذلك زيادة في فروض الله ، ولأن ذلك أرفق بالصائم وأقوی له على الصيام ، وقد روی محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود يؤخرون )). وقال عمرو بن ميمون الأودي : كان أصحاب محمد أسرع الناس فطرًا، وأبطأهم سحورًا . وقال سعيد بن المسيب : كتب عمر إلى أمراء الأجناد : لا تكونوا مسبوقين بفطركم ، ولا منتظرين لصلاتكم اشتباك النجوم، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: ((سمعت عروة بن عياض يخبر عبد العزيز بن عبد الله أنه يؤمر أن يفطر (١) قبل أن يصلي ولو على حسوة )). وروى أيضًا عبد الرزاق عن صاحب له، عن عوف، عن أبي رجاء قال: (( كنت أشهد ابن عباس عند الفطر: في رمضان ، فكان يوضع له طعامه ، ثم يأمر مراقبًا يراقب الشمس ، فإذا قال : قد وجبت ، قال: كلوا ، ثم قال : كنا نفطر قبل الصلاة»، وليس ما رواه مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ((أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ويفطران بعد الصلاة)). (١) في المصنَّف (٢٢٧/٤): أن يفطر الإنسان . - ١٠٤ - ۔۔۔ بمخالف لما روي من تعجيل الفطر ؛ لأنهما إنما كانا يراعيان أمر الصلاة، وكانا يعجلان الفطر بعدها من غير كثرة تنقل ، لما جاء من تعجيل الفطر ، ذكره الداودي . * باب : إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس فيه: أسماء قالت: (( أفطرنا على عهد رسول الله يومَ غيم ثم طلعت الشمس )) . قيل لهشام بن عروة : فأمروا بالقضاء ؟ قالَ : بُدَّ من القضاء؟ ، وقال معمر: سمعت هشامًا : لا أدري أقضوا أم لا . جمهور العلماء يقولون بالقضاء في هذه المسألة ، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب من رواية أهل الحجاز وأهل العراق ، فأما رواية أهل الحجاز ، فروى ابن جريج ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : ((أفطر الناس في شهر رمضان في يوم غيم ثم طلعت الشمس ، فقال عمر : الخطب يسير وقد اجتهدنا ، نقضي يومًا ))، هكذا قال ابن جريج (١) عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، وهو متصل . ورواية مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم ، عن أخيه أن عمر . وهي مرسلة ؛ لأن خالد بن أسلم أخا زيد لم يدرك عمر ، وأما رواية أهل العراق ، فروى الثوري / ، عن جبلة بن سحيم بن حنظلة، [٤٨٥/٢-١] عن أبيه أنه شهد عمر ، فذكر القصة وقال: (( يا هؤلاء ، من كان أفطر فإن قضاء يوم يسير)) وجاء رواية أخرى عن عمر أنه قال: ((لا قضاء عليه )) . روى معمر، عن الأعمش، عن زيد بن أسلم قال: (( أفطر الناس في زمن عمر ، فطلعت الشمس فشق ذلك على ) (٢) الناس فقالوا : (١) في (( الأصل)) : ابن جريج وعن ، والواو مقحمة . (٢) نهاية السقط من (( ح))، والذي أشرت إليه قريبًا . - ١٠٥ - نقضي هذا اليوم ؟ [ فقال عمر ] (١) : ولم نقضي ؟! والله ما تجانفنا الإثم)). والرواية الأُولى أولى بالصواب ، وقد روي القضاء عن ابن عباس ومعاوية ، وهو قول عطاء ، ومجاهد ، والزهري ، ومالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ، وقال الحسن البصري : لا قضاء عليه كالناسي ، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر . وحجة من أوجب القضاء إجماع العلماء أنه لو غم هلال رمضان فأفطروا ، ثم قامت البينة برؤية الهلال أن عليهم القضاء بعد إتمام [صيام يومهم ] (٢) وقال المهلب : ومن حجتهم أيضًا قول الله - تعالى -: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٣) ومن أفطر ثم طلعت الشمس فلم يتم الصيام إلى الليل كما أمره الله فعليه القضاء من أيام أخر بنص كتاب الله . قال ابن القصار: يحتمل ما روي عن عمر أنه قال: ((لا نقضي ، والله ما تجانفنا الإثم )) أن يكون ترك القضاء إذا لم يعلم ووقع الفطر على الشك ، وتكون الرواية عنه بثبوت القضاء إذا وقع الفطر في النهار بغير شك . قال المؤلف : وقد ذكرنا في مسألة الذي يأكل وهو يشك في الفجر من جعله بمنزلة من أكل وهو يشك في غروب الشمس ، ومن فرق بين ذلك في باب قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ (٣) الآية، وفرق ابن حبيب بين من أكل وهو يشك في الفجر وبين من أكل وهو يشك في غروب الشمس ، وأوجب القضاء للشاك في غروب الشمس ، واحتج بأن الأصل بقاء النهار ، فلا يأكل حتى يوقن بالغروب ، والأصل في الفجر بقاء الليل، فلا يمسك [عن ] (١) الأكل حتى يوقن بالنّهار ، وبهذا قال المخالفون لمالك في هذا الباب . (١) من ( ح)). (٣) البقرة : ١٨٧ . (٢) من ((ح))، وفي (( الأصل)): صيامهم. - ١٠٦ - باب : صوم الصبيان وقال عمر لنشوان في رمضان : [ويلك] (١) صبياننا صوام ، فضربه. فيه : الربيع بنت معوذ قالت: (( أرسل النبي - عليه السلام - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار : من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائمًا فليصم، [ قالت ] (٢): فكنا نصومه بعد، و( نصوم)(٣) صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار )) . أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادات والفرائض إلا عند البلوغ ، إلا أن كثيرًا من العلماء استحبوا أن يدرب الصبيان على الصيام والعبادات رجاء بركتها لهم ، وليعتادوها ، وتسهل عليهم إذا لزمتهم ، قال المهلب : وفي هذا الحديث من الفقه أن من حمل صبيا على طاعة الله ودربه على التزام شرائعه فإنه مأجور بذلك ، وأن المشقة التي تلزم الصبيان في ذلك غير محاسب بها من حملهم عليها . قال ابن المنذر : واختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبيان بالصيام، فكان الحسن ، وابن سيرين ، وعروة ، وعطاء ، والزهري، وقتادة ، والشافعي يقولون : يؤمر به إذا أطاقه ، وقال الأوزاعي : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يخور فيهن ولا يضعف حمل على صوم رمضان ، واحتج بحديث ابن أبي [ لبيبة ] (٤) عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((إذا صام الغلام ثلاثة أيام (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): ويلكم. (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): قال. (٣) في (( ح)): يصوم. (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لبينة وهو تصحيف ، وهو محمد بن عبد الرحمن ابن لَبِيبة ، ويقال ابن أبي لَبِيبَة ، ووقع في مصنف عبد الرزاق رقم (٧٣٠٠): محمد بن عبد الرحمن بن كَبِيبَة عن جده أن النبي ◌َطير قال ... ، بدون ذكر (أبيه))، وانظر الإصابة ترجمة ((أبي لبيبة))، ((وعبد الرحمن بن أبي لبيبة)). - ١٠٧ - متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان)) . وقال إسحاق : إذا بلغ ثنتي عشرة سنة أحببت له أن يتكلف الصيام للعادة ، وقال ابن الماجشون : إذا أطاقوا الصيام ألزموه ، فإن أفطروا لغير ( عذر ) (١) ولا علة فعليهم القضاء . وقال أشهب : يستحب لهم إذا أطاقوه . باب : الوصال ومن قال : ليس في الليل صيام لقوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٢) ونهي النبي عليه السلام رحمة لهم. وإبقاء عليهم، وما يكره من التعمق . فيه: أنس: قال عليه السلام: (( لا تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل ، قال: لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى)) أو (([ إني ] (٣) أبيت أطعم وأسقى)) . [٢/ ٤٨٥ -ب) وفيه: أبو سعيد: قال عليه السلام: (( لا تواصلوا / فأيكم أراد أن يواصل ، فليواصل حتى السحر ... )) الحديث . وترجم له باب الوصال إلى السحر ، اختلف العلماء في تأويل أحاديث الوصال ، فقال قائلون : إنما نهى رسول الله عن الوصال رحمة لأمته وإبقاء عليهم ، فمن قدر عليه فلا حرج ؛ لأنه الله - تعالى- يدع طعامه وشرابه، وقد واصل جماعة من السلف ، ذكر الطبري بإسناده عن [ ابن ] (٤) الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام حتى تيبس أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع أتى بسمن و( .... ) (٥) فتحساه (١) في (( ح)): عجز (٣) من ( ح)). (٢) البقرة : ١٨٧ . (٤) من ( ح))، وفي (( الأصل)) : أبي - خطأ. (٥) في ((الأصل)) و(( ح)): ((صبر))، وتحت الصاد المهملة كسرة في (( ح)) وأقرب ما وقفت عليه بعد النظر أن يكون الصواب ((صُبْرة)) وهو الطعام المنخول ... راجع اللسان (٤٤١/٤) والله أعلم. - ١٠٨ - حتى يفتق الأمعاء ، وعن عبد الرحمن بن أبي [ نُعْم ] (١) أنه كان لا يفطر في رمضان كله إلا مرتين ، وحكى مالك عن عامر بن عبد الله ابن الزبير (( أنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان ، لا يفرق بينهما ، فقيل له : ماذا تجده ( يقوتك ) (٢) في وصالك ؟ قال : السمن أشربه ، أجده يبل عروقي ، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي )) . وأجاز ابن وهب ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق الوصال من سحر إلى سحر ، واحتجوا بحديث أبي سعيد أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر)). فأذن في ذلك لمن أطاقه من أمته على النحو الذي يجوز، وذلك تأخير الأكل إلى السحر ، ونهى عنه من كان له غير مطيق بقوله: ((فاكلفوا من العمل ما تطيقون )) بعد أن بين لهم أنه قد أُعْطِىَ من القوة على الوصال ما لم يُعْطَ غيرُه بقوله: (( إني لست كهيئتكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)). فأما الصوم ليلا فلا معنى له ؛ لأن ذلك غير وقت للصوم ، كما شعبان غير وقت لصوم شهر رمضان ، وكذلك لا معنى لتأخير الأكل إلى السحر لمن كان صائمًا في رمضان إذا لم يكن تأخيره ذلك طلبًا للنشاط على قيام الليل ؛ لأن فاعل ذلك إن لم يفعله لما ذكرناه فإنه مجيع نفسه في غير ما فيه لله رضا ، فلا معنى لتركه الأكل بعد مغيب الشمس لقوله عليه السلام: ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم »، وكره مالك ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وجماعة الوصال على كل حال لمن قدر عليه ، ولم يجيزوه لأحد ، واحتجوا أنه عليه السلام نهى عنه وقال: ((إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا)) . قالوا : ولما (١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): نعيم - خطأ، وهو عبد الرحمن بن أبي نُعْم البجلي الكوفي . (٢) في (( ح)) : يقوبك بدون نقط على الحرف الذي قبل الكاف . - ١٠٩ - قال: ((لست كهيئتكم)) أعلمهم أن الوصال لا يجوز لغيره، واحتجوا بقوله عليه السلام: ((إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم)). قالوا : فهذا يدل أن الوصال للنبي - عليه السلام - خصوص ، وأن المواصل لا ينتفع بوصاله ؛ لأن الليل ليس موضعًا للصوم بدليل هذا الحديث ، وبقوله : ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ . قال الطبري : وأما ما روي عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم الأكل الأيام ذوات العدد ليلاً ونهاراً ، فإن ذلك كان منهم على أنجاء شتى ، فمنهم من كان ذلك منه لقدرته عليه ، فيصرف فطره ؛ إذ لم يكن يمنعه تركه من أداء فرائض الله الواجبة عليه إلى أهل الفقر والحاجة؛ طلبَ ثواب الله وابتغاء وجهه ، مثل ما روي عن الحسن أنه قال: لقد أدركنا أقوامًا، وصحبنا طوائف ، إن أحدهم يمسي وما عنده من العشاء إلا قدر ما يكفيه ، ولو شاء لأتى عليه ، فيقول : ما أنا بآكله حتى أجعل لله منه ، ومنهم من كان يفعله استغناء عنه [ إذا ] (١) كانت نفسه قد مرنت عليه واعتادته ، كما حدثني أبو كريب عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي قال: ربما لبثت ثلاثين يومًا ما أطعم من غير صوم إلا الحبة ، وما يمنعني ذلك من حوائجي ، قال الأعمش: وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل، ولكنه كان يشرب شربة نبيذ (٢)، ومنهم من كان يفعله منعًا لنفسه شهوتها ما لم تَدْعُهُ إليه الضرورة ، ولا خاف العجز عن أداء الواجب لله عليه؛ إرادة منه قهرها، وحملها على الأفضل، کالذي روینا عن مجاهد أنه قال: ((لو أكلت كل ما أشتهي ما ساويت حشفة)). فما روي عن السلف أنهم كانوا يواصلون الأيام الكثيرة فإنه على بعض هذه الوجوه التي ذكرت ، لا أنه كان يصوم الليل ، أو على أنه (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أو. (٢) على مذهب أهل الكوفة في إباحته. - ١١٠ - كان يرى أن تركه الأكل والشرب فيه كصوم النهار ( ولو كان ذلك صومًا ، كان لمن شاء أن يفرد الليل بالصوم دون النهار ) (١) والنهار دون الليل و[يقرنهما] (٢) إذا شاء، وفي إجماع من تقدم وتأخر ممن أجاز الوصال ، وممن كرهه ، على أن إفراد الليل بالصوم إذا لم يتقدمه صوم نهار تلك الليلة غير جائز ، أَدَلُّ الدليل على أن صومه غير جائز؛ وإن كان تقدمه صوم نهار تلك الليلة . وقوله: ((إني أبيت أطعم وأسقى)) فيه تأويلان : أحدهما : على / ظاهر الحديث يطعمه الله ويسقيه . والثاني: على الاستعارة. [٤٩٥/٢-١) والمعنى أن الله - تعالى - يرزقه قوة على الصيام كقوة من أكل وشرب، والدليل على صحة هذا القول الآخر أنه لو أطعم وأسقي على الحقيقة لم يكن مواصلاً ، ولكان مفطراً . باب : التنكيل لمن أكثر الوصال رواه أنس عن النبي - عليه السلام . فيه : أبو هريرة قال : (( نهى الرسول عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين : إنك تواصل يا رسول الله ، قال : وأيكم مثلي ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر لزدتكم . كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا )) . قال المهلب : لما نهاهم عليه السلام عن الوصال فلم ينتهوا ، بَيِّن لهم أنه مخصوص بالقوة بقوله: (( إني لست كهيئتكم)) ؛ لأن الله يطعمه ويسقيه ، فأرادوا تحمل المشقة في الاستنان به ، والاقتداء (٢) من ((ح))، وفي ( الأصل)): يقرنها. (١) ساقط من ( ح )). - ١١١ - [ به ] (١)، فواصل بهم كالمنكل لهم على تركهم ما أمرهم به من الرخصة ، فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام ؛ لأنه لو كان حرامًا ما واصل بهم ، ولا أتى معهم الحرام الذي نهاهم عنه . باب : من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان [ أوفق ] (٢) له فيه : أبو جحيفة قال: (( آخى النبي - عليه السلام - بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة ، فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في ( النساء في)(٣) الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال : كل فإني صائم، قال : ما أنا بآكل حتى تأكل ، فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم : فقال : نَمْ ، فنام ، ثم ذهب یقوم ، فقال : نَمْ، فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن ، فصليا ، قال سلمان : إن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فَأَعْط كُلّ ذي حق حقه ، فأتى النبي - عليه السلام - فذكر ذلك له ، فقال : صدق سلمان » . اختلف العلماء فيمن دخل في صلاة أو صيام تطوع فقطعه عامدًاً ، فروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله أنه لا قضاء عليه ، وبه قال الثوري والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بحديث أبي جحيفة وقالوا : ألا ترى سلمان لما أمر بالفطر (١) من ( ح)). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)) كأنها أرفق، وكلاهما صحيح كما قال ابن حجر في الفتح (٢٤٧/٤) . (٣) ليس في (( ح)) والمثبت من ((الأصل)) ولم يذكره الحافظ ابن حجر في شيء من روايات الصحيح، وإنما عزا هذا اللفظ إلى رواية للدارقطني ، انظر الفتح (٤/ ٢٤٨) . - ١١٢ - جوزه النبي - عليه السلام - وجعله أفقه منه ، واحتج ابن عباس لذلك فقال: « مثل ذلك كمثل رجل طاف سبعًا ثم قطعه فلم يوفه ، فله ما احتسب ، أو صلى ركعة ثم انصرف ولم يصل أخرى ، فله ما احتسب ، أو ذهب بمال يتصدق به فرجع ولم يتصدق ، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضًا)). فكره ابن عمر ذلك وقال: ((المفطر متعمداً في صوم التطوع ذلك اللاعب بدينه)) . وكره النخعي ، والحسن البصري ، ومكحول الفطر في التطوع وقالوا : يقضيه ، وذكر ابن القصار عن مالك أنه من أفطر في التطوع لغير عذر فعليه القضاء ، وإن أفطره لعذر فلا قضاء عليه . وقال أبو حنيفة وأصحابه : عليه القضاء وإن أفطر لعذر ، واحتج مالك لمذهبه بما رواه في الموطأ عن ابن شهاب (( [ أن ] (١) عائشة ، وحفصة زوجي النبي - عليه السلام- أصبحتا صائمتين متطوعتين ، فأهدي لهما طعام ، فأفطرتا عليه ، فدخل عليهما رسول الله فأخبرتاه بذلك فقال رسول الله : اقضيا مكانه يومًا آخر)) . فكان معنى هذا الحديث عند مالك أنهما أفطرتا بغير عذر، فلذلك أمرهما بالقضاء ، ومن حجته أيضًا قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ (٢) ومن أفطر متعمدًا بعد دخوله في الصوم فقد أبطل عمله، وقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ (٣) وأجمع المسلمون أن المفسد لحجة التطوع وعمرته أن عليه القضاء ، فالقياس على هذا الإجماع يوجب القضاء على مفسد صومه عامدًا ، فإن قيل : فقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((اقضيا إن شئتما يومًا مكانه)) قيل: لا يصح ، ولو صح لكان معناه أنهما أفطرتا لعذر ، فقال لهما: (( اقضيا إن شئتما)). وأفطرتا في حال أخرى لغير (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أو . (٢) محمد : ٣٣ . (٣) البقرة : ١٩٦ . - ١١٣ - [٢/ق٤٩-ب] عذر، فأمرهما بالقضاء حتى لا تتنافى الأحاديث / ، عن ابن القصار. ومن حجة أبي حنيفة ظاهر حديث مالك أن النبي - عليه السلام - قال لعائشة وحفصة: ((اقضيا يومًا مكانه))، ولم يشترط ذلك لعذر ولا غيره ، فدل أنه موجب للقضاء في جميع الأحوال . ٠٠ قال الطحاوي : والنظر في ذلك أنا رأينا أشياء تجب على العباد بإيجابهم [ لها ] (١) على أنفسهم، منها الصلاة والصدقة والحج والعمرة والصيام ، فكان من أوجب شيئًا من ذلك على نفسه فقال : : لله عليّ كذا ، وجب الوفاء عليه بذلك ، وكان من دخل في حج أو عمرة تطوعًا ثم أراد الخروج منهما لم يكن له ذلك ، وكان بدخوله فيهما في حكم من قال : لله عليّ حج أو عمرة ، فعليه الوفاء بهما ، وإن خرج منهما بعذر أو بغير عذر فعليه قضاؤهما ، والصلاة والصيام. في النظر كذلك . قال المهلب : وفي حديث أبي جحيفة حُجة لمالك أن من أفطر لعذر. أنه لا قضاء عليه ؛ لأن فطر أبي الدرداء إنما كان لوجه من أوجه الاجتهاد في السنة وسلوك السبيل الوسطى ، ولم يكن إفطاره منتهكًا ولا متهاونًا فيجب عليه القضاء ، وإنما يجب القضاء على من أفطر متهاونًا بحرمة الصيام لغير عذر ولا وجه من أوجه الصواب . ألا ترى أن ابن عمر لم يجد ما يصفه به إلا أن قال : ذلك. المتلاعب بدينه ، فإذا لم يكن متلاعبًا وكان لإفطاره وجه لم يكن عليه : قضاء ، وفيه النهي عن التعمق والغلو في العبادة . واحتج الشافعي على من احتج عليه بالإجماع في الحج التطوع والعمرة أنه ليس لأحد الخروج منهما ، ومن خرج منهما قضاهما ، فإن الصيام قياس على ذلك ، فقال : الفرق بين ذلك أن من أفسد (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فيها. - ١١٤ - صلاته أو صيامه أو طوافه كان عاصيًا لو تمادى في ذلك فاسدًا ، وهو في الحج مأمور بالتمادي فيه فاسدًا ، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده ، ثم يقضيه ، وليس كذلك الصوم والصلاة . باب : صوم شعبان فيه: عائشة قالت: (( كان عليه السلام يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، وما رأيت النبي استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان)) . وقالت عائشة أيضًا: ((لم يكن النبي - عليه السلام - يصوم شهرًا أكثر من شعبان ، فإنه كان يصوم شعبان كله و[ كان ] (١) يقول : خذوا من العمل ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ... )) الحديث . قال المهلب : فيه من الفقه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة ، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها ، وقد روي في بعض الحديث أن هذا الصيام الذي كان يصوم في شعبان كان لأنه عليه السلام يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر كما قال لعبد الله بن عمرو؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ، فذلك صيام [ الدهر ] (٢) فكان يلتزم ذلك، فربما شغل عن الصيام أشهرًا فيجمع ذلك كله في شعبان [ليدركه] (٣) قبل صيام الفرض ، وفيه وجه آخر ، ذكر الطحاوي، وابن أبي شيبة من حديث يزيد بن هارون ، عن صدقة بن موسى ، عن ثابت ، عن أنس قال: (( سئل رسول الله أي الصوم أفضل ؟ قال : صوم شعبان تعظيمًا لرمضان)) . (٢) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الشهر. (١) من (( ح )). (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لبركة. - ١١٥ - وفيه وجه آخر ، ذكر الطحاوي من حديث ابن مهدي قال : حدثنا ثابت بن قيس أبو الغصن ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أسامة [ بن زيد] (١) قال : (( كان رسول الله يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما : يوم الاثنين والخميس ، فقال عليه السلام : ذان يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين ، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ، قال : وما رأيت رسول الله يصوم من شهر ما يصوم من شعبان ، فسألته عن ذلك . فقال : هو شهر ترفع فيه الأعمال لرب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) . وقول عائشة في حديث يحيى عن أبي سلمة [ بأنه ] (٢) كان يصوم شعبان كله ، فليس على ظاهره وعمومه ، والمراد أكثره لا جميعه ، وقد جاء ذلك عنها مفسَّرًا ، روى [ ابن ] (١) وهب عن أسامة بن زيد قال : حدثني محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة قال: (( سألت عائشة عن صيام رسول الله فقالت : كان يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، وكان يصوم شعبان- أو - عامة شعبان)) وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة ، عن [ ابن ] (١) أبي لبيد ، عن أبي [٢/ ق ٥٠-١] سلمة قال: سألت عائشة عن صيام رسول / الله ... )) فذكرت الحديث وقالت: (( ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه في شعبان ، فإنه كان يصومه كله إلا قليلا)). وهذه الآثار تشهد لصحتها رواية أبي النضر عن أبي سلمة ، عن عائشة : (( أنه ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان )) . ومنها حديث ابن عباس الذي في الباب بعد هذا ، فهي أولى من رواية يحيى عن أبي سلمة . وقوله : (( فإن الله لا يمل حتى تملوا )) فإن الله - تعالى - لا يجوز (١) من (( ح)). (٢) من ( ح))، وفي ((الأصل)): فإنه. - ١١٦ - عليه الملل ، ولا هو من صفاته ، وإنما سمى المجازاة باسم الفعل ، وهذا هو أعلى طبقات الكلام ، وقد تقدم بيان هذا بزيادة فيه في كتاب الإيمان في ((باب أحب الدين إلى الله أدومه))، وفي آخر كتاب الصلاة في باب (( ما يكره من التشديد في العبادة )». باب : ما يذكر [ من صوم ] (١) النبي - عليه السلام - وإفطاره فيه : ابن عباس قال: (( ما صام النبي - عليه السلام - شهرًا كاملاً قط غير رمضان ، ويصوم حتى يقول القائل : لا والله لا يفطر ، ويفطر حتى يقول : لا والله لا يصوم )). وفيه: أنس: (( كان رسول الله يفطر من الشهر حتى نظن ( ألا يصوم منه، ويصوم حتى نظن ) (٢) ألا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته ... )) الحديث. قال المهلب : في هذه الأحاديث من الفقه أن النوافل ليس لها أوقات معلومة ، وإنما يراعى فيها وقت النشاط لها والحرص عليها . وفيه أن النبي - عليه السلام - لم يلزم سرد الصيام الدهر كله ، ولا سرد الصلاة الليل كله ؛ رفقًا بنفسه وأمته لئلا يقتدى به في ذلك فيجحف ، وإن كان قد أُعطي عليه السلام من القوة في أمر الله ما لو التزم الصعب منه لم ينقطع عنه فركب من العبادة الطريقة الوسطى ، فصام وأفطر ، وقام ونام ، وبهذا أوصى عبد الله بن [عمرو ] (٣) حين أراد التشديد على نفسه في العبادة فقال: (( إنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر ، وقم ونم ، فكان إذا كبر يقول : يا ليتني قبلت رخصة رسول الله (13)) . (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): في صيام. (٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): عمر - خطأ. (٢) ساقط من (( ح)). - ١١٧ - وقوله : (( ما مسست حريرة ألين من كف رسول الله)). فهذا يدل على كمال فضائل رسول الله خَلْقًا وخُلقًا ، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الله لمباشرته الملائكة ومناجاته لهم ، وقول ابن عباس: ((إن النبي - عليه السلام - ما صام شهراً كاملا قط غير رمضان )) يشهد لحديث أبي [ النضر ] (١) عن أبي سلمة ، عن عائشة بالصحة ، وهما مبيِّنان لرواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عائشة (( أنه عليه السلام كان يصوم شعبان كله)» أن المراد بذلك أكثره على ما جاء في حديث محمد بن إبراهيم ، وابن أبي [ لبيد ] (٢) جميعًا عن أبي سلمة المذكورين في الباب قبل هذا . --- -- باب : حق الضيف في الصوم فيه : عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (( دخل علي رسول الله ... )) فذكر الحديث إلى قوله: ((إن ( لزورك) (٣) عليك حقا ... )) إلى آخره. وقد جاء عن النبي - عليه السلام - إكرام الضيف وبره ، وذلك من سنن المرسلين ؛ ألا ترى ما صنع إبراهيم بضيفه حين جاءهم بعجل سمين، وقال عليه السلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) . ومن إكرام الضيف أن تأكل معه ، ولا توحشه بأن يأكل وحده ، وهو معنى قوله عليه السلام: ((إن لضيفك عليك حقًّا )) يريد أن تطعمه [ أفضل ] (٤) ما عندك، وتأكل معه ؛ ألا ترى أن أبا (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): النطر - كذا. (٢) في ((الأصل)): لبيتة، وفي ( ح)): لبيبة، وكلاهما خطأ، والمثبت هو الصواب ، وهو عبد الله بن أبي لبيد . (٣) في (( ح)): لزوجك . وهو تحريف . (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فضل - خطأ. - ١١٨ - الدرداء كان صائمًا فزاره سلمان ، فلما قرب إليه الطعام قال : لا آكل حتى تأكل ، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه . والزور : الضيف ، والرجل يأتيه زائرًا الواحد والاثنان والثلاثة . والمذكر والمؤنث في ذلك بلفظ واحد ، يقال : هذا رجل زور ، ورجلان زور ، وقوم زور ، [ فيوحد ] (١) في كل موضع ؛ لأنه مصدر وضع موضع الأسماء ، مثل ذلك هم قوم صوم وفطر وعدل في أن المذكر والمؤنث بلفظ واحد . باب : حق الجسم في الصوم / فيه: عبد الله بن عمرو قال لي رسول الله: (( يا عبد الله، ألم أخبر [٢/ ق٥٠-ب] أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟! قلت : بلى يا رسول الله ، قال : فلا تفعل، صم وأفطر ، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، و[ إن] (٢) (لعينك ) (٣) عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم في كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإذا ذلك صيام الدهر كله . فشدَّدْتُ فُشُدِّدَ عَلَيَّ، قلت : يا رسول الله ، إني أجد قوة ، قال : فصم صيام أخي داود ، ولا تزد عليه . قلت : وما صيام داود نبي الله ؟ قال : نصف الدهر . فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله )). قال المهلب : وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل؛ لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت ، وقد جاء في (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): فتوحد. (٢) من ( ح)) . (٣) في (( ح)): لعينيك . - ١١٩ - الحديث ((أن المنبت لا أرضًا قطع ولا [ ظهراً] (١) أبقى)). وقال عليه السلام : ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإِنْ قَلَّ )). وقال: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)). فنهى عليه السلام عن : التعمق في العبادة وإجهاد النفس في العمل خشية الانقطاع ، ومتى دخل أحد في شيء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها . وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها﴾(٢) الآية ، فوبخهم على ترك التمادي فيما دخلوا فيه ، ولهذا قال عبد الله ابن [عمرو] (٣) حين ضعف عن القيام بما كان التزمه: « ليتني قبلت رخصة رسول الله » باب : صوم الدهر فيه: عبد الله بن [عمرو] (٣): ((أُخبر رسولُ الله أني أقول : والله [لأصومن النهار، ولأقومن الليل ] (٤) ما عشت ، فقلت له : قد قلته بأبي أنت وأمي ، قال : فإنك لا تستطيع ذلك ، فصم وأفطر ، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر ، قلت : ( فإني ) (٥) أطيق أفضل من ذلك، قال: [ فصم يومًا. وأفطر يومين ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : ] (٦) فصم يومًا وأفطر يومًا ، فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام ، قلت : إني أطيق أفضل من ذلك ، قال عليه السلام : لا أفضل من ذلك )) . (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أرضا - كذا. (٢) الحديد : ٢٧ (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عمر - خطأ. (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): لأقومن الليل ولأصومن النهار. (٥) في (( ح)): إني .. (٦) من (( ح)). - ١٢٠ -