النص المفهرس
صفحات 81-100
والكفارة ، وتأول الفقهاء هذا الحديث قالوا : معنى قاء أى استقاء ، قال الطحاوي : ويجوز أن يكون قوله : (( قاء فأفطر )) أى قاء فضعف فأفطر ، وقد يجوز هذا في اللغة ، وقد روى هذا المعنى محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق ، عن فضالة بن عبيد (( أن رسول الله دعا بإناء فشرب ، فقيل : يا رسول الله ، هذا يوم كنت تصومه ، قال : أجل، إنى قئت فأفطرت)) . وهذا معناه ولكنى قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت ، وليس فى هذين الحديثين (دليلا ) (١) أن القيء كان مفطراً له، إنما فيهما أنه قاء فأفطر بعد ذلك. وأما الحجامة للصائم فجمهور الصحابة والتابعين والفقهاء على أنه لا تفطره ، وروي عن علي بن أبي طالب أنها تفطر الصائم ، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا بأحاديث (( أفطر الحاجم والمحجوم)) وقد [ صحح ] (٢) علي بن المديني والبخاري منها حديث شداد وثوبان . قال ابن القصار : وحجة الجماعة ما رواه ابن عباس ((أن النبي - عليه السلام - احتجم وهو صائم ، واحتجم وهو محرم )، فإن صح حديثهم ، فحديث ابن عباس ناسخ له ؛ لأن في حديث شداد بن أوس أن النبي - عليه السلام - قال عام الفتح في رمضان لرجل كان يحتجم: (( أفطر الحاجم والمحجوم)) والفتح كان في سنة ثمان، وحجة الوداع سنة عشر ، فخبر ابن عباس متأخر ينسخ المتقدم ، فإن قيل : لا حجة في هذا ؛ لأن النبي لم يكن محرمًا إلا وهو مسافر ؛ لأنه خرج إلى مكة وأحرم ودخلها وهو مسافر ، وللمسافر أن يفطر (١) هكذا في (( الأصل))، وليس في ( ح)). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): صح عن - كذا. - ٨١ - بالحجامة وغيرها . وهذا سؤال لهم جيد ، فنقول: إن الخبر لم ينقل إلا لفائدة ، فهذا يقتضي أنه وجد منه كمال الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه ( فأفطر بعد ذلك ) (١) إذ الراوي لم يقل : احتجم فأفطر ، وعندكم أن الفطر يقع بأول خروج الدم ، ولا يبقى صائمًا إلى أن تتم الحجامة ، والخبر يقتضي أن يكون صائمًا في حال حجامته وبعد الفراغ ، والحجامة كالفصاد وهو لا يفطر الصائم ، قال الطحاوي : وليس ما رووه من قوله عليه السلام: (( أفطر الحاجم والمحجوم)) ما يدل أن ذلك الفطر كان لأجل الحجامة ، وإنما كان بمعنى آخر كانا يفعلانه ، كما يقال : فسق القائم ، ليس بأنه فسق بقيامه ، ولكنه فسق بمعنى آخر غير القيام . وروى يزيد بن ربيعة الدمشقى عن أبي الأشعث الصنعاني قال : إنما قال رسول الله: (( أفطر الحاجم والمحجوم )) لأنهما كانا يغتابان ، وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ، لكن حبط أجرهما باغتيابهما ، فصارا بذلك مفطرين ، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء ، كما قالوا : الكذب يفطر الصائم ، إنما هو بمعنى حبوط الأجر ، وقد روي عن جماعة من الصحابة فى ذلك معنى آخر، روى قتادة عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري [٢/ ق٤٤-١] قال: إنما كرهت الحجامة للصائم / من أجل الضعف . وعن ابن عباس، وأنس بن مالك مثله، فدلت هذه الآثار [ على ] (٢) أن المكروه من أجل الحجامة في الصيام هو الضعف الذي يصيب الصائم فيفطر من أجله بالأكل والشرب ، وقد روي هذا المعنى عن أبي العالية، وأبي قلابة ، وسالم ، والنخعي ، والشعبي ، و[الحسين](٣) (١) ليس في (( ح)). (٢) من (( ح)). (٣) من (ح))، ومثله في ((المغنى)) لابن قدامة، وفي ((الأصل)): الحسن - ٨٢ - ابن علي ، وقال القاسم بن محمد في ما يذكر من قول الناس (( أفطر الحاجم والمحجوم )) فقال : لو أن رجلا حجم يده أو بعض جسده لم يفطره ذلك ، قال الطحاوي : وتأويل أبي الأشعث أشبه بالصواب ؛ لأن الضعف لو كان هو المقصود بالنهي لما كان الحاجم داخلا في ذلك، فإذا كان الحاجم والمحجوم قد جمعا في ذلك أشبه أن يكون ذلك لمعنى واحد هما فيه سواء ، مثل الغيبة التي هما فيها سواء ، كما قال أبو الأشعث . [ وحديث ابن عباس المقنع في هذا الباب ] (١). قال الطحاوي : وأما طريق النظر فرأينا خروج الدم أغلظ أحواله أن يكون حدثًّا تنتقض به الطهارة. [ وقد رأينا الغائط والبول خروجهما حدث تنتقض به الطهارة ] (١) ، ولا ينقض الصيام ، فالنظر على ذلك أن يكون الدم كذلك ، ورأينا الصائم لا يفطره [ فصد ] (٢) العروق فالحجامة [ في النظر ] (١) كذلك ، وبالله التوفيق . باب : الصوم في السفر والإفطار فيه : ابن أبي أوفى : (( كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر فقال لرجل: انزل فاجدح لي ، فقال: يا رسول الله، الشمس ، ( قال : انزل فاجدح لي ، قال : يا رسول الله ، الشمس، قال : انزل فاجدح لي ، قال : یا رسول الله ، الشمس ، قال : انزل فاجدح لي ) (٣) ، فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هاهنا ، ثم قال : إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم » . (١) من (( ح)). (٢) من (( ح)) ومثله في شرح معاني الآثار (١٠٢/٢)، وفي ((الأصل)): قطع. (٣) في (( ح)): قالها ثلاثًا. - ٨٣ - وفيه : حمزة بن عمرو قال: (( يا رسول الله ، إني [ أسرد الصوم أأصوم] (١) في السفر ؟ ( وكان كثير الصيام ) (٢) ، فقال : إن شئت. فصم ، وإن شئت فأفطر )) . قال ابن المنذر : في هذا الحديث من الفقه تخيير الصائم في الصيام في السفر [ أو ] (٣) الفطر، وفيه دليل أن أمره تعالى للمسافر بعدة من أيام أخر ، إنما هو لمن أفطر ، لا أن عليه أن [يفطر ] (٤) ويقضي ، وممن روي عنه تخيير المسافر في الصيام ابن عباس ، وذكر أنس وأبو سعيد ذلك عن أصحاب الرسول ، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، والنخعي ، ومجاهد، والأوزاعي ، والليث . واختلفوا في الأفضل من ذلك لمن قدر عليه، فروي عن [عثمان](٥) ابن أبي العاصي وأنس بن مالك صاحبي النبي أن الصوم أفضل ، وهو قول النخعي ، وسعيد بن جبير ، والأسود بن يزيد ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وقال مالك والثوري والشافعي وأبو ثور : الصوم. أحب إلينا ، وروي عن ابن عمر ، وابن عباس ، وسعيد بن: [المسيب](٦)، والشعبي أن الفطر أفضل ؛ لأنه رخصة وصدقة تصدق الله بها فيجب قبولها ، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وروي عن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة ، وابن عمر، وابن عباس إن صام: في السفر لم يجزئه ، وعليه أن يصوم في الحضر ، وعن عبد الرحمن (٢) ليس في ( ح )). (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أصوم. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : و. (٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): يصوم - كذا . (٥) من ( ح))، وفي (( الأصل)): عمرو - خطأ. (٦) من ((ح))، وفي ((الأصل)): جبير، وسبق أن ابن جبير يرى أن الصوم أفضل . - ٨٤ - ابن عوف قال : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ، وذكر هذا كله ابن المنذر ، وبهذا قال أهل الظاهر ، وقد صح التخيير في الصيام في السفر [ أو ] (١) الفطر عن النبي - عليه السلام - من حديث حمزة ابن ( عمرو ) (٢) ، وحديث أنس ، وابن عباس ، وأبي سعيد الخدري، وأن النبي - عليه السلام - وأصحابه صاموا مرة في السفر وأفطروا أخرى ، فلم يعب بعضهم ذلك على بعض ، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك ؛ لأن الحجة في السنة . وقوله : (( يا رسول الله، الشمس)) إنما أراد أن نور الشمس باق، وظن أن ذلك يمنعه من الإفطار ، فأجابه النبي - عليه السلام - أن ذلك لا يضر إذا أقبل الليل ، وسيأتي الكلام في حديث ابن أبي أوفى في باب (( متى يحل فطر الصائم )). قوله: ((اجدح لي)) قال أبو عبيد: [ المُجدّح] (٣): الشراب المخوض بالمجدَح ، وقال صاحب العين : المجدح : خشبة في رأسها خشبتان ( معترضتان ) (٤) . باب : إذا صام أیامًا من رمضان ثم سافر فيه: ابن عباس: (( أن رسول الله بي للم خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس)). والكديد / ماء بين عسفان [٢/ ق٤٤ -ب) و قدید. وفيه : أبو الدرداء قال: (( خرجنا مع النبي - عليه السلام - في بعض (١) من (( ح))، وفي (( الأصل)): و. (٢) في (( ح)): عمر - خطأ. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)) : الجدح - خطأ. (٤) في (( ح)): ومعترضتان. - ٨٥ - أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي - عليه السلام - وابن رواحة)) .. في حديث ابن عباس إباحة السفر في رمضان والفطر فيه ، وهو رد لما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: (( من استهل عليه هلال رمضان مقيمًا ثم سافر أنه ليس له أن يفطر لقول الله - تعالى - : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (١) . والمعنى عنده : من أدرك رمضان وهو مسافر فعدة من أيام أخر ، ومن أدركه حاضرًا فليصمه ، وهو قول عبيدة السلماني وسويد [ بن غفلة ] (٢) وأبي مجلز، وهذا القول مردود لسفر النبي - عليه السلام - في رمضان ، وإفطاره فيه في الكديد ، وجمهور الأمة على خلاف هذا القول ؛ لثبوت السنة بالتخيير في الصيام [ أو ] (٣) الفطر في السفر، ولصيامه عليه السلام في سفره . قال ابن المنذر : وإنما أمر من شهد الشهر كله أن يصوم ، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهد الشهر كله؛ لأن النبي أنزل عليه الكتاب، وأوجب عليه بيان ما أنزل عليه، سافر في رمضان وأفطر في سفره . قال المؤلف : ومعنى حديث أبي الدرداء في هذا الباب هو أنه عليه السلام كان صائمًا وابن رواحة ، وسائر أصحابه مفطرون ، فلو لم يجز الفطر في رمضان لمن سافر فيه ما ترك النبي أصحابه مفطرين فيه، ولا سوغهم ذلك . وفي حديث ابن عباس وأبي الدرداء رد لقول من قال : إن الصيام في السفر لا يجزئ ؛ لأن الفطر عزيمة من الله وصدقة، ألا ترى صيامه عليه السلام في السفر في اليوم الشديد الحر، وقول أبي الدرداء: (( وما فينا صائم إلا النبي - عليه السلام - (١) البقرة : ١٨٥ . (٢) من ( ح )). (٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): و. - ٨٦ - وابن رواحة )) فلو كان الفطر عزمة من الله - تعالى - لم يتحمل النبي مشقة الصيام في شدة الحر ، وإنما أراد أن يسن لأمته ليقتدوا به ، وقد روى [ علي ] (١) بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم [ بن ] (٢) مالك، عن طاوس، عن ابن عباس قال: (( إنما أراد النبي بالفطر في السفر التيسير عليكم ، فمن يسر عليه الصيام فليصم ، ومن يسر عليه الفطر فليفطر)) . فهذا ابن عباس لم يجعل إفطار النبي في السفر بعد صيامه فيه ناسخًا للصوم في السفر ، ولكنه جعله على جهة التيسير . باب : قول النبي عليه السلام لمن ظُلِّلَ عليه واشتد عليه (الحر) (٣): (( ليس من البر الصوم في السفر )) فيه: جابر: (( كان النبي ◌َليّ في سفر فرأى رجلا قد ظلل عليه فقال: ما هذا ؟ فقالوا : صائم، فقال : ليس من البر الصوم في السفر)). [ إن ] (٤) احتج محتج من أهل الظاهر بهذا الحديث وقال : ما لم يكن من البر فهو من الإثم ، فدل ذلك أن صوم رمضان لا يجزئ في السفر . قال الطحاوي : قيل له هذا الحديث خرج لفظه على شخص معين، وهو رجل رآه رسول الله وهو صائم قد ظلل عليه، وهو يجود بنفسه فقال ذلك القول ، ومعناه ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ، والله قد رخص في الفطر ، والدليل على صحة هذا التأويل صوم رسول الله في السفر في شدة الحر ، ولو كان إثمًا لكان رسول الله (١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): عن. (٢) من (( ح)) ومثله في شرح معاني الآثار (٦٧/٢) وفي ((الأصل)): عن - خطأ. (٤) من (( ح)). (٣) في (( ح)): الصوم. - ٨٧ - أبعد الناس منه، ومعنى قول النبي - عليه السلام -: (( ليس من البر الصوم في السفر)) . أي ليس هو أبر البر ؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه ، وهذا كقوله: ((ليس المسكين بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان )) . ومعلوم أن الطواف مسكين ، وأنه من أهل الصدقة ، وإنما أراد المسكين الشديد المسكنة الذي لا يسأل ولا يتصدق عليه . # باب : لم يعب أصحاب النبي - عليه السلام - بعضهم ( على بعض) (١) في الصوم والإفطار فيه : أنس قال: (( كنا نسافر مع النبي فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم » . هذا حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه ؛ لأن تركهم لإنكار الصوم والفطر يدل أن ذلك عندهم من المتعارف المشهور [٢/ ٥ ٤٥-١] الذي تجب الحجة به، ولا حجة مع أحد في خلاف / السنة الثابتة ، فقد ثبت أنه عليه السلام صام في السفر، ولم [ يعب ] (٢) على من صام ، ولا على من أفطر فوجب التسليم له . باب : من أفطر ليراه الناس فيه : ابن عباس قال: (( خرج رسول الله من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ، ثم دعا بماء [ فرفعه إلى فيه ] (٣) ليراه الناس ، فأفطر حتى (١) في (( ح )): بعضاً (٢) من ((ح))، وفى ((الأصل)): يعيب - كذا . (٣) من (( ح))، وفي (( الأصل)): فرفعها إلى يده - كذا. - ٨٨ - قدم مكة ، وذلك في رمضان ، فكان ابن عباس يقول : قد صام رسول الله وأفطر ، فمن شاء صام ومن شاء أفطر )) . اختلف العلماء في الفطر المذكور في هذا الحديث ، فقال قوم : معناه أنه أصبح مفطرا قد نوى الفطر في ليلته ، وهذا جائز بإجماع العلماء أن [ يبيت ] (١) المسافر الفطر إن اختاره ، وقال آخرون : معناه أنه أفطر في نهاره بعد أن قد مضى [ صدر ] (٢) منه ، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذلك في سفره ؛ لأن النبي صنع ذلك رفقًا بأمته ، وقد جاء هذا مبينًا في حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ((أن رسول الله خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم ، فصام الناس وهم مشاة وركبان ، فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إلى ما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ، وصام بعض ، فقيل للنبي - عليه السلام - : إن بعضهم قد صام ، فقال : أولئك العصاة)). قال المؤلف : وهذا الحديث يبين معنى الترجمة ، وأنه عليه السلام إنما أفطر ليراه الناس فيقتدوا به ويفطرون ؛ لأن الصيام قد نهكهم وأضر بهم ، فأراد الرفق بهم والتيسير عليهم أخذًا بقوله تعالى : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (٣) ، فأخبر تعالى أنه أطلق الإفطار في السفر إرادة التيسير على عباده ، فمن أراد رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفًا ، ومن اختار الصوم ، وهو يسير عليه فهو له أفضل لصحة الخبر عن النبي أنه صام حين شخص من المدينة متوجهًا إلى مكة حتى بلغ عسفان أو الكديد ، وصام معه أصحابه إذ (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): شاء - خطأ. (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): صدرًا - كذا. (٣) البقرة : ١٨٥ . - ٨٩ - كان ذلك يسيراً عليهم ، وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار لما دنا من عدوه، فصار الصوم عسيرًا إذا كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في [حربهم لو ] (١) كانوا صيامًا عند لقاء عدوهم ، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من الصوم ، وأفضل عند الله لما يرجون من القوة على العدو وإعلاء كلمة الدين بالإفطار ، قاله الطبري ، وروى شعبة عن عمرو ابن دينار، عن عبيد بن عمير: ((أن رسول الله وَل أمر أصحابه يوم فتح مكة فقال: أفطروا فإنه يوم قتال)) . وروى حماد ، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر: (( أن النبي - عليه السلام - كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم : اشربوا ، فقالوا : يا رسول الله ، أنشرب ولا تشرب ؟ فقال : إني أيسركم ، إني أركب وأنتم مشاة ، فشرب وشربوا )) . : واختلف الفقهاء في من اختار الصوم في السفر وأصبح صائمًا ثم أفطر نهارًا من غير عذر ، فقال مالك : عليه القضاء والكفارة ؛ لأنه كان مخيرًا في الصوم والفطر ، فلما اختار الصوم لزمه ولم یکن له الفطر ، وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه ، وهو قول أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كَفَّر ؛ لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له ، وقال سائر الفقهاء بالحجاز والعراق: أنه لا كفارة علیه، والحجة في سقوط الكفارة واضحة بحديث ابن عباس وجابر ، ومن جهة النظر أيضًا ؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه ، وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر ، وقال ابن [ القابسي ] (٢): هذا الحديث لم يسمعه ابن عباس من النبي ، ولكنه يعد من جملة المسند ؛ لأنه لم يروه إلا عن صاحب ، وقد انفرد الصحابة بتسليم هذا : (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): حدتهم ولو - وهو خطأ. (٢) من (( ح))، وفي (( الأصل)): عباس. وهو سبق ذهن أو قلم، أو انتقال بصر. - ٩٠ - المعنى ( لهم ) (١) وليس ذلك لغيرهم ، ويذكر عن أنس أنه قال عن الصحابة: (( يروي بعضنا عن بعض، وليس فينا من يكذب )) . باب : قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية﴾(٢) وقال ابنُ عُمر وسلمة بن الأكوع : نَسَخَتَهَا ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ إلى ﴿ تشكرون﴾ (٣) . وقال ابن أبي ليلى : حدثنا أصحاب محمد : نزل رمضان فشق عليهم ، فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه ، ورخص لهم في ذلك ، فنسختها ﴿وأن تصوموا خير لكم ﴾ (٢) فأمروا بالصوم . فيه: ابن / عمر قرأ: ﴿فدية طعام (مسكين) (٤)﴾ (٢) قال: هي [٢/ ق٤٥ -ب] منسوخة . اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فروي عن ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد أنهم قرءوها : ﴿وعلى الذين يطوقونه ﴾، قال : الذين يحملونه ولا يطيقونه فدية ، فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة يعني في الشيخ والحامل والمرضع ، قال أبو عبيد : وهو قول [ حسن ] (٥) ، ولكن الناس ليسوا عليه ؛ لأن الذي ثبت بين اللوحين في مصاحف أهل الحجاز والشام والعراق ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾، ولا تكون الآية على هذا اللفظ إلا منسوخة، روي ذلك عن ابن عباس وسلمة بن الأكوع ، وابن عمر، وابن أبي ليلى ، وعلقمة ، وابن شهاب ، فتفرق الناس في ناسخ (١) في (( ح)): فيهم . (٢) البقرة : ١٨٤ . (٣) البقرة : ١٨٥ . (٤) في (( ح)) : مساكين . (٥) من (( ح))، وفي (( الأصل)): الحسن - خطأ. - ٩١ - هذه الآية ومنسوخها على أربع منازل ، لكل واحدة منهن حكم [سوى] (١) حكم الأخرى ، فالفرقة الأولى منهم : وهم الأصحاء ففرضهم الصيام لا يجزئهم غيره ، لزمهم ذلك بالآية المحكمة ، وهي قوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ (٢) والثانية: هم مخيرون بين الإفطار والصيام ، ثم عليهم القضاء بعد ذلك ولا إطعام عليهم ، وهم المسافرون والمرضى بقوله : ﴿ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ (٣) والثالثة : هم الذين لهم الرخصة في الإطعام ولا قضاء عليهم ، وهم الشيوخ الذين لا يطيقون الصيام ، والرابعة : هم الذين اختلف العلماء فيهم بين القضاء والإطعام . وبكل ذلك قد جاء تأويل القرآن ، وأفتت به الفقهاء ، فذهب القاسم ، وسالم ، وربيعة ، ومكحول ، ومالك، وأبو ثور إلى أن الشيخ إن استطاع الصوم صام ، وإلا فليس عليه شيء لقوله تعالى : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (٤) إلا أن مالكًا يستحب له الإطعام عن كل يوم مُدا، وحجة هذا القول أن الله - تعالى - إنما أوجب الفدية قبل السخ على المطيقين دون غيرهم ، وخيّرهم فيه بين أن يصوموا بقوله : ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ ثم نسخ ذلك وألزمهم الصوم حتمًا ، وسكت عمن لا يطيق فلم يذكره في الآية، فصار فرض الصيام [زائلاً](٥) عنهم كما زال فرض الزكاة والحج عن المعدمين الذين لا يجدون إليها سبيلاً ، وأبى ذلك أهل العراق والثوري ، وأوجبوا الفدية على الشيخ، وقالوا : إن الزكاة والحج لا يشبهان الصيام ؛ لأن الكتاب والسنة فرق بينهما ، وذلك أن الله - تعالى - جعل من الصوم (١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): يسوى كذا. (٢) البقرة : ١٨٥. (٤) البقرة : ٢٨٦. (٣) البقرة : ١٨٤ . (٥) من ((ح))، وفي ((الأصل)) لازمًا - كذا. - ٩٢ - بدلا أوجبه على كل من حيل بينه وبين الصيام وهو الفدية ، كما جعل التيمم بدلا من الطهور واجبًا على كل من [أعوزه ] (١) الماء ، وكما جعل الإيماء بدلا من الركوع والسجود لمن لا يقدر عليهما ، ولم يجعل من الزكاة والحج بدلا لمن لا يقدر عليهما ، وإلى هذا ذهب الكوفيون ، والأوزاعي ، والشافعي . وأما الفرقة الرابعة : فالحوامل والمراضع ، وفيهن اختلف الناس قديمًا وحديثًا ، فقال بعض العلماء : إذا ضعفن عن الصيام وخافت على نفسها وولدها أفطرت وأطعمت عن كل يوم مسكينًا ، فإذا فطمت ولدها قضته ، وهو قول مجاهد ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وقال آخرون : عليهما الإطعام ولا قضاء ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير ، وقال آخرون : عليهما القضاء ولا إطعام عليهما ، وجعلوهما بمنزلة المريض ، وهو قول عطاء ، والنخعي ، والحسن ، والزهري ، وربيعة ، والأوزاعي، وأبي حنيفة ، والثوري، وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله ، ذكره ابن القصار ، وهو قول أشهب ، وفرقة رابعة فرقت بين الحبلى والمرضع فقال في الحبلى: هي بمنزلة المريض تفطر وتقضي ولا [إطعام](٢) عليها، والمرضع تفطر وتطعم وتقضي ، هذا قول مالك في المدونة ، وهو قول الليث . قال أبو عبيد : وكل هؤلاء إنما تأولوا قوله تعالى : ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ فمن أوجب القضاء والإطعام معًا ذهب إلى أن الله حكم في تارك الصوم من عذر بحكمين، فجعل الفدية في آية [و](٣) القضاء في أخرى ، فلما لم يجد ذكر الحامل والمرضع مسمى في واحدة منهما جمعهما جميعًا ( عليهما )(٤) إحتياطًا (لهما ) (٥) وأخذا (١) من (ح))، وفي ((الأصل)): كأنها : أعوز . (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): إعادة - كذا. (٤) في (( ح)) : عليها . (٣) من ( ح)). (٥) في (( ح)): لها . - ٩٣ - ٠ بالثقة ، وأما الذين رأوا أن يطعما ولا يقضيا فإنهم أرادوا أنهما ليستا من السفر ولا من [ المرضى ] (١) الذين فرضهم القضاء، و[لكنهما](٢) ممن كلف الصيام وطوقه وليس بمطيق ، فهم من أهل الفدية لا يلزمهم سواها لقوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين ﴾ وهي قراءة ابن عباس وفتياه ، وقد يجوز هذا القول على قراءة من قرأ: ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ أي يطيقونه بجهد ومشقة، ويكون معنى القراءتين [ واحدًا ] (٣). قاله غير أبي عبيد. وأما الذين أوجبوا عليهما القضاء بلا إطعام ذهبوا إلى أن الحمل والرضاع علتان من العلل ؛ لأنه يخاف فيهما من التلف على الأنفس [٢/ق٤٦-١١ ما يخاف من المرض، قال أبو عبيد : وقد وجدنا شاهدًا لهذا القول ودليلا عليه ، حدثنا إسماعيل / بن إبراهيم ، حدثنا أيوب قال: حدثني [أبو] (٤) قلابة، عن أنس بن مالك قال: (( أتيت النبي - عليه السلام - في إبل لجارٍ لي، [ أخذت ] (١) ، فوافقته يأكل فدعاني إلى طعامه فقلت : إني صائم ، قال : [ ادن ] (٥) أخبرك عن ذلك ، إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل والمرضع)) . قال أبو عبيد : فقرن رسول الله الحامل والمرضع بالمسافر، وجعلهما معًا في معنى واحد ، فصار حكمهما كحكمه ، فهل على المسافر إلا القضاء لا يعدوه إلى غيره ؟ (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لكنها. (١) من (( ح)). (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): واحد. (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): أبي - كذا . (٥) من ((ح))، وفي ((الأصل)): إذا . - ٩٤ - باب : متی یقضی قضاء رمضان وقال ابن عباس : لا بأس أن يفرق لقول الله - تعالى - : ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ . وقال ابن المسيب في صوم العشر : لا يصلح حتى يبدأ بصوم رمضان . وقال إبراهيم : إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما، ولم ير عليه طعامًا . ويذكر عن أبي هريرة مرسلاً وابن عباس : أنه يطعم، ولم يذكر الله الإطعام وإنما قال : ﴿فعدة من أيام أخر ﴾ . فيه: عائشة: (( كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)) قال [ يحيى] (١) : الشغل من النبي - عليه السلام - أو بالنبي . إنما حمل عائشة على قضاء رمضان في شعبان الأخذ بالرخصة والتوسعة ؛ لأن ما بين رمضان عامها ورمضان العام المقبل وقت للقضاء ، كما أن وقت الصلاة له طرفان ، ومثله قوله عليه السلام : ((ليس التفريط في النوم ، إنما التفريط في اليقظة)) على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى ، وأجمع أهل العلم ( على ) (٢) أن من قضى ما عليه من رمضان في شعبان [ بعده ] (٣) أنه مؤد لفرضه غير مفرط . واختلفوا هل يجوز أن يقضى رمضان متفرقًا فقالت طائفة : لا يقضيه إلا متتابعًا ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وعائشة، وهو قول الحسن البصري ، والنخعي ، وعروة بن الزبير ، [وهو قول أهل الظاهر ] (٤)، وقالت طائفة : يجوز أن يقضى (١) من (( ح)) وهو أحد رجال السند، ورجح الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٢٢٤) أنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وَوَهَّمَ من قال أنه القطان . (٢) ليس في ( ح)) . (٣) من ( ح))، وفي ((الأصل)): وحده . (٤) من (( ح )). - ٩٥ - متفرقًا ، روي ذلك عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، ومعاذ ، وحذيفة ، وهو قول جماعة أئمة الأمصار ، قال ابن القصار وحجة الجماعة [ ظاهر ] (١) قوله تعالى: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ ولم يخص ، فعلى أي وجه قضاه جاز ، هذا مقتضى اللفظ ، فإن قيل : فإن عائشة قالت : نزلت ﴿ فعدة من أيام أخر متتابعات ﴾ فسقطت متتابعات ، قيل : قد أخبرت أنها ساقطة ، فلا حكم لها حتى تثبت القراءة ، وهذه حجة لنا . واختلفوا في المسافر والمريض إذا فرطا في قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر ، فروي عن أبي هريرة ، وابن عباس أنه يصوم الذي حصل فيه ، فإذا خرج قضى ما كان عليه وعليه الفدية ، وهو قول عطاء ، والقاسم ، والزهري ، ومالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : ليس عليه إلا القضاء فقط ولا إطعام عليه ، وحجة من قال بالإطعام ما حكاه الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال : فتشت عن أقاويل الصحابة في هذه المسألة فوجدت عن ستة منهم قالوا : عليه القضاء والفدية ، ولم أجد لهم مخالفًا ، فإن قيل : فقد قال عليه السلام للواطئ في رمضان: ((اقض يومًا مكانه))، ولم يذكر [ له ] (١) حَدا ، قيل : قد قامت الدلالة على الحَدِّ من تأخير عائشة له إلى شعبان ، فعلم أنه الوقت المضيق ، فإذا ثبت أن للقضاء وقتًا یؤدی فیه ویفوت، ثبتت الفدية؛ لأنه يشبه الحج الذي يفوت وقته ؛ ألا ترى أن حجة القضاء إذا دخل وقتها وفاتت وجب الدم ، فكذلك إذا فات الصوم وجبت الفدية. واختلفوا فيما يجب عليه إن لم يصح من مرضه حتى دخل رمضان (١) من (( ح)). - ٩٦ - المقبل ، فقال ابن عباس ، وابن عمر ، وسعيد بن جبير : [ يصوم الثاني ] (١) ويطعم عن الأول ولا قضاء عليه ، وقال الحسن ، والنخعي ، وطاوس ، ومالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والثوري، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : يصوم الثاني ، ويقضي الأول ، ولا فدية عليه ؛ لأنه لم يفرط . * باب : الحائض تترك الصوم والصلاة وقال أبو الزناد : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي ( فلا) (٢) يجد المسلمون بدا من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ، ولا تقضي الصلاة . فيه : أبو سعيد قال النبي - عليه السلام -: (( [ أليس ] (٣) إذا حاضت لم تصل ولم تصم ، فذلك من نقصان دينها )). قال المهلب : هذا الحديث أصل لترك الحائض / الصوم والصلاة ، [٢/ ٤٦.٥ -ب] وفيه من الفقه أن [ للمريض ] (٣) ترك الصيام، وإن كان فيه بعض القوة إذا كان يدخل عليه المشقة والخوف ؛ ألا ترى [ أن ] (٣) الحائض ليست تضعف عن الصيام ضعفًا واحدًا ، وإنما يشق عليها بعض المشقة من أجل نزف دمها ، وضعف النفس عند خروج الدم [ معلوم ] (٤) ذلك من عادة ( اليسير ) (٥) فغلبت على كل النساء ، وفي جميع (٥) الأحوال ، رحمةً من الله ، ورفعًا لقليل الحرج وكثيره ، وأمرت بإعادة (١) من (( ح)) وهو الصواب وفي ((الأصل)): يصوم عن الثاني. (٣) من ( ح)). (٢) في (( ح)): فما . (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): لا يعلم . (٥) هنا بمعنى القليل - إن صحت اللفظة - وفي (( ح)): البشر. (٦) في هامش ((ح)): كذا ثبت في أصل عتيق. فغلبت على كل النساء في جميع. - ٩٧ - الصيام من قول الله - تعالى - : ﴿ فمن كان منكم مريضًا ﴾ ونزف الدم مرض ﴿فعدة من أيام أخر ﴾ ، ولم تؤمر بإعادة الصلاة ؛ لأنها أكبر الفرائض وأكثرها ترددًا ، ولما يلزم من المحافظة على وضوئها والقيام إليها ، وإحضار النية للمناجاة ، كما شهد الله - تعالى - لذلك بقوله: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (١) و[هي ] (٢) التي حطها الله في أصل الفرض من خمسين إلى خمس ، فلو أمرت بإعادة الصلوات لتضاعف عليها الفرض ، إذ المرأة نصف دهرها أو نحوه حائض ، فكان الناس يصلون صلاة واحدة وتصلى هي في كل صلاة صلاتين ، فتختلف أحوال النساء والرجال - والله أعلم . واختلفوا في المرأة تطهر من حيضتها في بعض النهار ، والمسافر يقدم، والمريض يبرأ ، فقال أبو حنيفة (والأوزاعي ) (٣)، وأحمد، وإسحاق : يلزمهم كلهم الإمساك بقية النهار ، وإن قدم المسافر مفطراً فلا يطأ زوجته لتعظيم حرمة الشهر ، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يأكلون بقية يومهم ، وللمسافر المفطر يقدم أن يطأ زوجته ( إذا وجدها قد طهرت من حيضتها ) (٣) واحتج الأولون بقوله عليه السلام [يوم عاشوراء] (٤): ((من أكل فليمسك بقية نهاره)). فأمرهم بالإمساك مع الفطر ، وهذا المعنى موجود في الإقامة الطارئة في بعض النهار قال ابن القصار : والحجة لمالك والشافعي قوله تعالى: ﴿فمن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ وهؤلاء قد أفطروا فحكم الإفطار لهم باق ، والفطر رخصة للمسافر ، ومن تمام الرخصة ألا يجب عليه أكثر من يوم، فلو أمرناه أن يمسك بعد ذلك ثم يصوم يومًا آخر مكانه، (١) البقرة : ٤٥. (٣) ليس في ( ح)). (٢) من ((ح))، وفي (( الأصل)): هو - كذا. (٤) من (( ح)). - ٩٨ - كنا قد منعناه من الرخصة ، وأوجبنا عليه ( في ترك ) (١) اليوم أكثر من يوم ( والله إنما قال : ﴿فعدة من أيام أخر ﴾، وكذلك الحائض كان يلزمها أكثر من يوم و) (٢) إنما يلزم الصيام من يصح منه الصيام الذي لا يجب معه قضاء ، وأما صوم يوم عاشوراء فإنما لزمهم صومه من الوقت الذي خوطبوا فيه ، ولم يجب عليهم الابتداء ؛ لأنهم لم يعلموا ذلك [ إلا وقت قيل ] (٣) لهم ، وأيضًا فإنهم متطوعون ، وأمره بالإمساك لهم كان مستحبًا ، فلا يلزم الاعتراض به . باب : من مات وعليه صوم وقال الحسن : إن صام عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا جاز . وفيه : عائشة أن النبي - عليه السلام - قال: ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه )» . وفيه : ابن عباس : (( جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر [ أفأقضيه ] (٤) عنها ؟ قال: نعم ، فدين الله أحق أن يقضى . وروي عن ابن عباس: (( أن امرأة جاءت إلى النبي - عليه السلام - فقالت: إن أختي ماتت)). وقال أيضًا: ((إن أمي ماتت وعليها صوم نذر)) . وقال أيضًا: ((إن أمي ماتت وعليها صوم خمسة عشر يوماً )). اختلف العلماء فيمن عليه صوم من شهر رمضان فمات قبل أن (١) في (( ح)) : بدل . (٢) ليس في ( ح)). (٣) من ((ح))، وفي ((الأصل)): الوقت قبل، وما في (( ح)) أحسن. (٤) من (( ح))، وفي ((الأصل)): فأقضيه. - ٩٩ - يقضيه، فقالت طائفةٍ : جائز أن يصام عن الميت ، وهو قول طاوس، والحسن ، والزهري ، وقتادة ، وبه قال أبو ثور ، وأهل الظاهر ، واحتجوا بهذه الأحاديث التي ذكرها البخاري . ۔۔ وقال أحمد بن حنبل : يصوم عنه وليّه في النذر ، ويطعم عنه في [قضاء] (١) رمضان ، وذكر ابن وهب عن الليث أنه يصوم عنه وليه في النذر ، وقال ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة : لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ ، وهو قول مالك و[ أبي ] (٢) حنيفة، والشافعي ، وحجة هؤلاء أن ابن عباس لم يخالف بفتواه ما رواه إلا لنسخ عَلمه ، وكذلك روى عبد العزيز بن رفيع، عن عمرة ، عن عائشة أنها قالت: [٢/ ٤٧٥-١] ((يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام عنه)) ولهذا / قال أحمد بن حنبل : إن معنى حديث ابن عباس في النذر دون قضاء رمضان من أجل فتيا ابن عباس ، وقد ذكر ذلك البخاري في بعض طرق الحديث في هذا الباب ، وقال أبو داود في حديث عائشة : معناه في النذر . قال ابن القصار : ومعنى الأحاديث التي احتجوا بها عندنا أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام ، وهو الإطعام ، ويستحب لهم فیصیرون كأنهم صاموا عنه . : قال المهلب : ولو جاز أن يقضى عمل [ البدن](٣) عن ميت قد فاته لجاز أن يصلي الناس عن الناس، [ ويُؤْمِنون عنهم ] (١) ولو كان سائغًا لكان رسول الله [ أحرص الناس أن ] (١) يُؤْمِن عن عمه أبي. طالب لحرصه على إدخاله في الإسلام ، والإيمان من عمل القلب ، (١) من (( ح)). (٢) من (( ح))، وفي ((الأصل) : أبو - كذا . (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): النذر - خطأ. - ١٠٠ -