النص المفهرس

صفحات 41-60

واختلف أصحاب مالك فيمن طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يطأ
فقال ابن القاسم : فليلق ما في فمه ، ولينزل عن امرأته ، ولم يفرق
بين الأكل والوطء ، وقال ابن الماجشون : ليس الأكل كالجماع ؛ لأن
إزالته لفرجه جماع بعد الفجر ، ولكن لم يبتدئه ولم [ يتعمده ] (١)
فعليه القضاء إذا تنحى مكانه ، فإن عاد أو خضخض فعليه القضاء
والكفارة ، وهو قول الشافعي .
وقال أبو حنيفة والمزني : لا كفارة عليه ، واحتجوا بأنه إذا أولج ثم
قال : إن جامعتك فأنت طالق ، فلبث [ فإنه ] (٢) لا حنث عليه
ولا مهر ، فلم يجعلوا اللبث كالإيلاج في وجوب المهر والحد ،
وجعلتم اللبث هاهنا كالإيلاج في وجوب الكفارة ، وفي حديث عدي
وسهل أن الحكم للمعاني لا للألفاظ ، بخلاف قول أهل الظاهر .
وقوله: (( فعلموا : إنما يعني الليل والنهار )) حجة في أن النهار من
طلوع الفجر ، وذكر البخاري في التفسير زيادة في حديث عدي بن
حاتم قال: ((إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين)) قال الخطابي :
وعريض القفا يفسر على وجهين : أحدهما أن يكون كناية عن الغباوة
أو سلامة الصدر ، يقال للرجل الغبي : إنك لعريض القفا .
والوجه الآخر : أن يكون أراد إنك غليظ الرقبة وافر اللحم ؛ لأن
من أكل بعد الفجر لم [ ينهكه الصوم ] (٣) ولم يبن له أثر فيه .
باب: قول النبي: (( لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال))
فيه : عائشة : « أن بلالا کان یؤذن بلیل، فقال رسول الله: كلوا واشربوا
(١) في ((الأصل)): يتعمد.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : ينهضه للصوم.
(٢) من (( ح)).
- ٤١ -

حتى يؤذن ابن أم مكتوم ؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر )) قال القاسم:
ولم يكن بين ( أذانيهما ) (١) إلا أن یرقی ذا وينزل ذا)).
معنى حديث عائشة ومعنى لفظ الترجمة واحد وإن اختلف اللفظ ،
ولم يصح عند البخاري عن النبي - عليه السلام - [ حديث ] (٢)
لفظ الترجمة ، واستخرج معناه من حديث عائشة ، ولفظ الترجمة
رواه وكيع عن أبي هلال ، عن سوادة بن حنظلة ، عن سمرة بن
جندب قال : قال رسول الله: (( لا يمنعنکم من سحورکم أذان بلال،
ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق )) وقال الترمذي:
وهو حديث حسن
قال المهلب : والذي يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالا
كانت رتبته وخطته أن يؤذن بليل على ما أمره به النبي - عليه السلام -
من الوقت ؛ ليرجع القائم و( ينبه ) (٣) النائم ، وليدرك السحور منهم
من لم يتسحر ، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن النبي - عليه
السلام - فكانوا يتسجرون بعد أذانه .
وقال الطحاوي : في هذا الحديث قرب أذان ابن أم مكتوم من أذان
بلال الذي كان يؤذنه بالليل .
قال الداودي : قوله: لم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا،
وقد قيل له : أصبحت أصبحت ، دليل أن ابن أم مكتوم كان يراعي
قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنه لم يكن يكتفي بأذان بلال في عمل
الوقت ؛ لأن بلالا فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته ، وإنما
حكى من قال : ينزل ذا ويطلع ذا ، ما شاهد في بعض الأوقات ،
ولو كان فعله لا يختلف ( اكتفى به ) (٤) النبي - عليه السلام -
(١) في ( ح)) : أذانهما.
(٣) في (( ح)): ينتبه .:
(٢) من ( ح )) ..
(٤) في (( ح)) لما اكتفى عليه السلام بقوله: كلوا واشربوا ... ، ولقال: فإذا فرغ
بلال فكفوا ..... وإثبات لفظة (( لما)) خطأ. وسائر السياق لا يستقيم
والصواب ما في ((الأصل)).
- ٤٢ -

ولم يقل : (( كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) ولقال : فإذا
فرغ بلال فكفوا ، ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف ،
ويحتمل أن يكون لابن أم مكتوم من يراعي له الوقت ، ولولا ذلك
لكان ربما خفي عنه الوقت، و[ يبين ] (١) ذلك ما روى ابن وهب
عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم قال: كان ابن أم مكتوم
ضرير البصر ، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى
فروع الفجر (٢) : أذن ، وقد روى الطحاوي عن [علي ] (٣) بن
معبد ، عن روح ، عن شعبة قال : سمعت [ خُبيب ] (٤) بن عبد
الرحمن يحدث عن عمته أنيسة - [ و] (٣) كانت قد حجت مع النبي
أنها قالت : كان إذا نزل بلال وأراد أن / يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا [٢/ ٣٧٥- ب]
به [ و] (٣) قالوا : كما أنت حتى نتسحر .
باب : تعجيل السحور
فيه: سهل قال: (( كنت أتسحر في أهلي ، ثم تكون سرعتي أن أدرك
السجود مع النبي - عليه السلام)).
قال المهلب : قوله : تعجيل السحور ، إنما يريد تعجيل الأكل فيه؛
لمراهقتهم بالأكل والشرب لآخر الليل ابتغاء القوة على الصوم ، ولبيان
علم الصبح بالفجر الأول [ ولم يحتج أن يجعل له حريم مع العلم
عليه ] (٥) ، وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر قال : سمعت أبي
يقول : (( كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بين .
(٢) فروع الفجر : أي أوائله وأول ما يبدو ويرتفع منه .
(٣) من (( ح)).
(٤) من (( ح)) - بالخاء المعجمة (تهذيب الكمال: ٢٢٧/٨) وفي (( الأصل)»
بالمهملة وهو خطأ .
(٥) من (( ح )) وكتب في الحاشية: بسقوط الواو يتضح المعنى، فتأمله ا. هـ .
- ٤٣ -

الفجر )) وكان رسول الله يغلس بالصبح ليتمكن من طول القراءة
وترتيلها ؛ ليدرك المتفهم التفهم والتدبر، و[ليمتثل ] (١) قول الله في
[ الترتيل والتدبير ](٢) ولو ترجم له باب تأخير السحور لكان حسنًا.
باب: [ قدر](٣) كم بين السحور وصلاة الفجر
فيه : زيد بن ثابت قال: ((تسحرنا مع النبي - عليه السلام - ثم قام
إلى الصلاة. قلت: كم [ كان ] (٣) بين الأذان والسحور ؟ قال : قدر
خمسين آية )» .
قال المهلب : هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم،
وإنما كان يؤخره إلى الفجر الأول الذي هو البياض المعترض في
الأفق، ولذلك جعل الله الفجر الأول حَدا للأكل بقدر ما يتم أكله
ويطلع الفجر الثاني ، ولولا هذا الفجر الأول لصعب ضبط هذا
الوقت على الناس ، فقيل لهم : إذا رأيتم الفجر الأول فهو نذير
بالثاني ، وهو بأثره بقدر ما يتعجل الأكل وينهض إلى الصلاة .
وفيه دليل على تقدير الأوقات بأعمال الأبدان ، والاستدلال على
المغيب بالعادة في العمل ؛ ألا ترى في حديث طلوع الشمس من
مغربها أنه لا يعرف تلك الليلة التي تطلع من صبيحتها إلا المتهجدون
بتقدير الليل بمقدار صلاتهم وقراءتهم المعتادة ، والعرب تقدر الأوقات
بالأعمال ، فيقولون : قدر حلب شاة ، وفواق ناقة .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ليتمثل.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): التنزيل.
(٣) من (( ح)).
- ٤٤ -

باب: [ بركة ] (١) السحور من غير إيجاب لأن النبي عليه السلام
وأصحابه واصلوا ولم یذکر سحور
فيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - واصل فواصل الناس ،
فشق عليهم فنهاهم ، قالوا : فإنك تواصل ! قال : لست کھیئتکم ، إني
أظل أطعم وأسقى )) .
وفيه : أنس قال: قال النبي - عليه السلام -: (( تسحروا ؛ فإن في
السحور بركة )) .
قال ابن المنذر : أجمع العلماء أن السحور مندوب إليه مستحب ،
ولا مأثم على من تركه ، وحض أمته عليه السلام [ عليه ] (٢) ليكون
قوة لهم على صيامهم ، وروى ابن عباس عن النبي - عليه السلام -
أنه قال: (( استعينوا بأكل السحر على صيام النهار ، وبقائلة النهار
على قيام الليل )) وقد سماه عليه السلام الغداء المبارك من حديث
العرباض بن سارية ، وروى عمرو بن العاص عن النبي - عليه
السلام- أنه قال: (( فَصْل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة
السحر)» ذكر هذه الآثار ابن المنذر .
و[قول ] (٣) البخاري في هذه الترجمة أن الرسول وأصحابه
واصلوا ، ولم يذكر سحوره غفلة منه ؛ لأنه قد خرج في باب الوصال
حديث أبي سعيد أن الرسول قال لأصحابه : ((أيكم أراد أن يواصل
فليواصل حتى السحر)) [ وفهم من ذلك أنه عليه السلام أراد قطع
الوصال بالأكل في السحر ] (٤) فحديث أبي سعيد مفسر يقضي على
المجمل الذي لم يذكر فيه سحور ، وقد ترجم له البخاري باب
الوصال إلى السحر .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تركه . خطأ.
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قال.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)) بدلا منه : فقد ذكر هاهنا السحور.
(٢) من ( ح)).
- ٤٥ -

باب : إذا نوى بالنهار صومًا
وقالت أم الدرداء : كان أبو الدرداء يقول : عندكم طعام ؟ فإن قلنا :
لا، قال : إني صائم يومي هذا، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس
وحذيفة .
فيه : سلمة بن الأكوع: (( أن النبي - عليه السلام - بعث رجلا ينادي
في الناس يوم عاشوراء أن من أكل فليتم أو فليصم ، ومن لم يأكل
فلا يأكل )) .
[ قال المؤلف ] (١): (غرض) (٢) البخاري في هذا الباب إجازة
[٣٨٥/٢-١] صوم النافلة بغير / تبييت، وذكر ذلك عن بعض الصحابة ، وقد
روي عن ابن مسعود وأبي أيوب الأنصاري أيضا إجازة ذلك ،
و[ذكره](٣) الطحاوي عن عثمان بن عفان ، وهو قول أبي حنيفة
والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، كلهم يجيز أن ينوي
النافلة بالنهار ، واحتجوا بحديث سلمة بن الأكوع هذا ويحديث
عائشة بنت طلحة عن عائشة (( أن النبي - عليه السلام - كان يدخل
على بعض أزواجه فيقول : هل عندكم من غداء ؟ فإذا قالوا : لا ،
قال: فإني إذًا صائم)) وقال الكوفيون [ والشافعي ] (١): يجزئه أن
ينوي صوم [ النافلة ] (٤) بعد الزوال .
وذهب مالك وابن أبي ذئب والليث والمزني إلى أنه لا يصح صيام
التطوع إلا بنية من الليل كالفرض سواء ، وهو مذهب ابن عمر
وعائشة وحفصة ، وحجتهم ما رواه الليث عن يحيى بن أيوب، عن
عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن
(١) من (( ح)).
(٢) في (( خ)) : عرض.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ذكر.
(٤) من ((ح)) وفي (( الأصل)): النهار.
- ٤٦ -

حفصة ، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (( من لم يبيت
[الصيام](١) قبل الفجر فلا صيام له)) [ قال النسائي : الصواب في
هذا الحديث أنه موقوف ؛ لأن يحيى بن أيوب ليس بالقوي ] (١) .
واحتج ابن القصار بعموم هذا القول ، ولم يفرق بين فريضة
ولا نافلة، واحتج أيضًا بقوله: (( الأعمال بالنيات )) وكل جزء من
النهار الإمساك [ فيه ] (٢) عمل ، فلا يصح بغير نية في الشرع ، ولنا
أن نقيس الصيام على الصلاة ؛ لأنه لم يختلف فرضها ونفلها في باب
النية .
قالوا في حديث سلمة بن الأكوع : إن صوم عاشوراء منسوخ
فنسخت شرائطه ، فلا يجوز رد غيره إليه ، وحديث عائشة رواه طلحة
ابن يحيى واضطرب في إسناده ، فرواه عنه طائفة عن مجاهد ، عن
عائشة ، وروته طائفة عنه عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين،
ومنهم من لا يقول فيه: ((إذًا)) ويقول: (( (إني) (٣) صائم)).
قال ابن القصار : يحتمل أن يكون معناه أن يسألهم عليه السلام عن
الغداء ليعلم هل عندهم شيء ، وهم يظنون أنه يتغدى ، وهو ( ينوي
الصوم) (٤) [ ليقول لهم ] (٥): اجعلوه للإفطار ، فتسكن نفسه
إليه، فلا يتكلف ما يفطر عليه، فلما قالوا له: ((لا)) قال : إني
صائم إذا )) أي أني كما كنت ، أو إني بمنزلة الصائم ، ويحتمل أن
يكون عزم على الفطر لعذر وجده ، فلما قيل له: ليس عندنا شيء ،
تمم الصوم وقال : إني صائم كما كنت ، وإذا احتمل هذا كله لم
تخص الظواهر به ، والأصول تشهد لما قلنا .
(١) من (( ح)).
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عنه.
(٤) في (( ح)): اعتقاده الصوم.
(٣) في (( ح)) : أنا .
(٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ويقول .
- ٤٧ -

واحتج الكوفيون بحديث سلمة بن الأكوع وقالوا : هو حجة لنا في
أن كل صوم فرض في وقت معين فإنه لا يحتاج إلى تبييت من الليل
كالنذر المعين ، ويجوز أن ينوي له بالنهار قبل الزوال ، وكل صوم
واجب في الذمة ولا يتعلق بوقت معين فلابد فيه من النية في الليل ،
قالوا : ألا ترى أن النبي - عليه السلام - أمر الناس بيوم عاشوراء
بعد ما أصبحوا أن يصوموا ، وهو يومئذ عليهم فرض كما صار صوم
رمضان بعد ذلك على الناس فرضا ، وكان [ تصحيح ] (١) هذه
الأخبار أن يحمل حديث عاشوراء في صوم الفرض في اليوم المعين ؛
لأن عاشوراء فرض في يوم معين كرمضان فرض في أيام معينة، فلما
كان يجزئ صوم عاشوراء من [ نوى ] (٢) صومه بعد ما أصبح ،
كذلك شهر رمضان .
وقال الأوزاعي كقول أبي حنيفة ، وذهب مالك والليث والشافعي
وأحمد إلى أنه لابد في صوم الفرض من نية متقدمة في الليل ، واحتج
ابن القصار لهم فقال : إنا لا نسلم استدلال من خالفنا بحديث سلمة
ابن الأكوع أن صوم عاشوراء كان واجبًا، بدليل قوله فيه: (( من أكل
فليصم )) فأمر من كان آكلاً بالإمساك ، ولم يأمره بالقضاء ، ولو كان
واجبًا لأمره بقضائه ، وقوله عليه السلام : (( نحن أحق بصيامه )) يدل
أنه [ كان ] (٣) على وجه التطوع ( حين ) (٤) نسخ برمضان ، فزال
حكمه ، ولو قلنا : إن صومه كان واجبًا ، لقلنا : إن صومه إنما وجب
في الوقت الذي أمر به ١، وقد زال ذلك بزواله ، فحصلت النية
[متقدمة ] (٥) عليه، ولا يقاس عليه [ وسأتقصى الكلام في صوم
عاشوراء في بابه بعد هذا - إن شاء الله ] (٣) ..
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): صحيح.
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): يرى.
(٣) من ( ح)).
(٤) في (( ح)) : حتى.
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): مقدمة.
- ٤٨ -

باب : الصائم يصبح جنبًا
فيه : عائشة وأم سلمة : (( أن النبي - عليه السلام - کان یدر که الفجر
وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم )) وقال مروان لعبد الرحمن بن
الحارث : أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة ، ومروان يومئذ على المدينة ،
قال أبو بكر: / فكره ذلك عبد الرحمن ، ثم قدر لنا أن نجتمع بذي (٣٨٥/٢-ب]
الحليفة ، وكانت لأبي هريرة هناك أرض ، فقال عبد الرحمن لأبي هريرة:
إني ذاكر لك أمرًا ، ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك . فذكر
قول عائشة وأم سلمة ، فقال : كذلك حدثني الفضل بن عباس [ وهو
أعلم ] (١) . وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: (( كان
النبي - عليه السلام - يأمر بالفطر)) والأول أسند .
وأجمع فقهاء الأمصار على الأخذ بحديث عائشة وأم سلمة في من
أصبح جنبًا أنه يغتسل ويتم صومه ، وقال ابن المنذر : وروي عن
الحسن البصري ( في ) (٢) ( أحد ) (٣) قوليه أنه يتم صومه ويقضيه ،
وعن سالم بن عبد الله مثله ، واختلف فيه عن أبي هريرة ، فأشهر
قوليه عند أهل العلم : أنه لا صوم له ، وفيه قول ثالث عن أبي
هريرة قال : إذا علم بجنابته ثم نام حتى يصبح فهو مفطر ، وإن لم
يعلم حتى يصبح فهو صائم . وروي ذلك عن طاوس وعروة بن
الزبير، وعن النخعي قول رابع : وهو أن ذلك يجزئه في التطوع ،
ولا يجزئه في الفرض ، واحتجوا بحديث أبي هريرة أن النبي - عليه
السلام - قال: (( من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم )) ولم يقل أحد به
من فقهاء الأمصار غير الحسن بن صالح .
(١) من (( ح))، وفي رواية النسفي عن البخاري ((وهن أعلم)) أي أزواج النبي وَل.
وسيذكره المصنف في آخر الباب، وانظر الفتح (٤/ ١٧٣).
(٢) ليست في (( ح)).
(٣) في (( ح)) : آخر.
- ٤٩ -

واحتج ربيعة بن أبي عبد الرحمن لجماعة الفقهاء بقوله تعالى
﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لکم و كلوا واشربوا حتى يتبين
لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ فأباح لنا الأكل
والجماع إلى طلوع الفجر ، فوجب أن يقع الغسل بعد طلوع الفجر ،
ولولا أن الغسل إذا وقع بعد طلوع الفجر أجزأ الصوم لما أباح الجماع
إلى وقت طلوعه ، ذكره ابن القصار .
وقال الطحاوي : وحجة الجماعة حديث عائشة وأم سلمة ، وأيضًا
فإن أبا هريرة الذي روى حديث الفضل قد رجع عن فتياه إلى قول:
عائشة وأم سلمة ، ورأى ذلك أولى مما حدثه به الفضل عن النبي
عليه السلام ، وروى منصور [ عن مجاهد ] (١) عن ( أبي بكر بن
عبد الرحمن ) (٢) أن أبا هريرة رجع عن ذلك حديث عائشة ، وروى
محمد بن [ عمرو ] (٣) عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أنه نزع عن
ذلك أيضاً .
قال الطحاوي : والنظر في ذلك أنا رأيناهم قد أجمعوا أن صائمًا.
لو نام نهارًا فأجنب أن ذلك لا يخرجه عن صومه ، فأردنا أن ننظر.
هل يكون حكم الجنابة إذا طرأت على الصوم خلاف حكم الصوم إذا
طرأ عليها ؟ فرأينا الأشياء التي تمنع من الدخول في الصوم من الحيض
والنفاس إذا طرأ ذلك على الصوم ، أو طرأ عليه الصوم فهو سواء ؛
ألا ترى أنه ليس لحائض أن تدخل في الصوم وهي حائض ، وأنها لو
دخلت في الصوم طاهرًا ثم طرأ عليها الحيض في ذلك اليوم أنها
(١) من (ح)).
(٢) في (( الأصل)): عبد الرحمن بن أبي بكر، وفي (( ح)): عبد الرحمن بن
أبي بكرة ، وكلاهما وهم والصواب ما أثبته ، وهو ابن الحارث بن هشام بن
المغيرة .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل))؛ عمر . وهو خطأ .
- ٥٠ -

بذلك خارجة من الصوم ، وكان حكم الجنابة إذا طرأت على الصوم
لم ( تبطله بإجماعهم ، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك إذا طرأ
عليها الصوم لم ) (١) تمنع من الدخول فيه .
وفي حديث الباب من الفقه أن الشيء إذا نوزع فيه وجب رده إلى
من يظن علمه عنده ؛ لأن أزواج النبي أعلم الناس بهذا المعنى ، وفيه:
أن الحجة القاطعة عند الاختلاف ( فيما لا نص فيه ) (١) سنة رسول الله
وَله ، وفيه اعتراف العالم بالحق وإنصافه إذا سمع الحجة ، وقد ثبت
أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي - عليه السلام - ففي رواية
الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه قال :
حدثنيه الفضل بن عباس ، وفي رواية المقبري عن أبي هريرة قال :
حدثنيه ابن عباس ، وفي رواية عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن ،
عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هريرة قال : هن أعلم برسول الله
[منا] (٢) حدثنيه أسامة بن زيد . ذكره النسائي.
*
*
باب : المباشرة للصائم
وقالت عائشة يحرم عليه فرجها
فيه: عائشة (( كان النبي - عليه السلام - يقبل ويباشر وهو صائم ،
وكان أملككم لإربه )) ( قال ابن عباس : مأرب : حاجة ، وقال طاوس:
أولي الإربة : الأحمق لا حاجة له في النساء .
وقال جابر بن زيد : إن نظر فأمنى يتم صومه ) (١) .
والمباشرة والقبلة للصائم [ حكمهما ] (٣) واحد. وقال أشهب:
(١) ليس في (( ح)).
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ما .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): حكمها.
- ٥١ -

القبلة أيسر من المباشرة، [ وقال ابن حبيب: المباشرة ] (١) والملاعبة،
والقبلة، وإدامة النظر ، والمحادثة تنقص أجر الصائم، وإن لم تفطره.
[٢/ق٣٩-٢]
/ واختلفوا في المباشرة ، فكرهها قوم من السلف ، وروى ابن
وهب عن ابن أبي ذئب [ أن شعبة ] (٢) مولى ابن عباس حدثه أن ابن
عباس كان ينهى الصائم عن القبلة والمباشرة ، قال : وأخبرني رجال
من أهل العلم عن ابن عمر مثله ، وروى ( حماد بن سلمة عن
عائشة) (٣) أنها كرهت ذلك، وروي مثله عن ابن المسيب وعطاء
والزهري ، ورخص فيه آخرون ، روي عن ابن مسعود أنه كان يباشر
امرأته نصف النهار وهو صائم ، وعن سعد بن أبي وقاص مثله ،
وروى أبو قلابة عن مسروق أنه سأل عائشة : ما يحل للرجل من
امرأته وهو صائم ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع ، وكان عكرمة
يقول: لا بأس بالمباشرة للصائم ؛ لأن الله أحل له أن يأخذ بيدها وأدنى.
جسدها ولا يأخذ بأقصاه ...
قال ( المهلب ) (٤) : وكل من رخص في المباشرة للصائم فإنما ذلك
بشرط السلامة مما يخاف عليه من دواعي اللذة والشهوة ؛ ألا ترى
قول عائشة عن النبي - عليه السلام -: (( وكان أملككم لإربه )).
ولهذا المعنى كرهها من كرهها ، وروى حماد عن إبراهيم ، عن
الأسود (( أنه سأل عائشة عن المباشرة للصائم ، فكرهتها ، فقلت:
بلغني أن النبي - عليه السلام - كان يباشر وهو صائم ، فقالت :
أجل ، إن رسول الله كان أملك لإربه من الناس أجمعين)) .
وحماد عن داود ، عن ( سعيد ) (٥) عن ابن عباس أن رجلا قال
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أن سفينة، وهو تحريف.
(١) من ( ح)).
(٣) هكذا في ((الأصل)) و((ح)) وهو معضل. فكأن المصنف سها فأسقط الإسناد.
(٤) في ( ح)): المؤلف
(٥) من ( ح)) وهو ابن المسيب، وداود هو ابن أبي هند، وجاء في ((الأصل)):
شعبة ، وهو تحريف.
- ٥٢ -

له : إني تزوجت ابنة عم لي جميلة [ فبنيت ] (١) في رمضان ، فهل
لي إن قبلتها من سبيل ؟ قال : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم . قال :
قبل. قال : فهل لي إلى مباشرتها من سبيل ؟ قال : هل تملك
نفسك؟ قال : نعم . قال : فباشر . قال : فهل لي أن أضرب بيدي
على فرجها من سبيل ؟ قال : هل تملك نفسك ؟ قال : نعم . قال :
فاضرب .
وقال مالك في المختصر : لا أحب للصائم في فرض أو تطوع أن
يباشر أو يقبل ، فإن فعل ولم يمذ فلا شيء عليه ، فإن أمذى فعليه
القضاء ، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأحمد بن حنبل ، وقال
بعض البغداديين من أصحاب مالك : القضاء في ذلك عندنا
استحباب، وروى [ عيسى ] (٢) عن ابن القاسم أنه إن [ أنعظ ] (٣)
وإن لم يمذ فإنه يقضي ، وأنكره سحنون ، وهو خلاف قول مالك ،
وقال أبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه إذا
أمذى، وهو قول الحسن والشعبي ، وحجتهم أن اسم المباشرة ليس
على ظاهره ، وإنما هو كناية عن الجماع [ ولم يختلف العلماء أن قوله
تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ يراد به الجماع] (٢)، فكل مباشرة
اختلفوا فيها فالواجب ردها إلى ما أجمعوا عليه منها .
واختلفوا إذا باشر [ أو ] (٤) جامع دون الفرج فأمنى ، فقال أبو
حنيفة والثوري والشافعي : عليه القضاء فقط ؛ لأن الكفارة إنما تجب
عندهم بالإيلاج في الفرج والجماع التام ، وقال عطاء : عليه القضاء
مع الكفارة ، وهو قول الحسن البصري وابن شهاب ومالك وابن
(١) هذا ما استظهرته من قراءة تلك الكلمة في ((الأصل)) و(( ح)). والحرف الأخير
من الكلمة فيها كأنه ياء .
(٢) من ( ح)).
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أنقظ. وإنعاظ الرجل انتشار ذكره. وأنعظ
الرجل : اشتهى الجماع . لسان العرب (٤٦٤/٧).
(٤) من ( ح)) وفي ((الأصل)): و.
- ٥٣ -

المبارك وأبي ثور وإسحاق ، وحجة هذا القول أنه إذا باشر أو جامع
دون الفرج فأنزل فقد حصل المعنى المقصود من الجماع ؛ لأن الإنزال
أقصى ما يطلب من الالتذاذ ، وهو من جنس الجماع التام في إفساد
الصوم ، فقد وجبت فيه الكفارة .
باب : القبلة للصائم
وقال جابر بن زيد : إن نظر فأمنى يتم صومه .
فيه : عائشة قالت: (( إن كان رسول الله آل و ليقبل بعض أزواجه وهو
صائم [ ثم ضحكت ] (١) ) .
فيه: أم سلمة قالت: (( بينا أنا مع النبي - عليه السلام - في الخميلة إذا
حضت ، فانسللت فأخذت ثياب حيضتي ، فقال : ما لك ، أنفست ؟
قلت: نعم . فدخلت معه في الخميلة ، وكانت هي ورسول الله يغتسلان
من إناء واحد، وكان يقبلها وهو صائم)).
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في القبلة للصائم ، فرخص فيها
جماعة ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة ، وابن
عباس، وعائشة ، وبه قال عطاء ، والشعبي ، والحسن ، وهو قول
أحمد ، وإسحاق ، وقال ابن مسعود : إن قبل وهو صائم صام
[يومًا] (٢) مكانه، قال الثوري: وهذا لا يؤخذ به ، وكره ابن عمر
القبلة للصائم ، ونهى عنها ، وقال عروة : لم أر القبلة للصائم تدعو
إلى خير ، وذكر الطحاوي عن شعبة ، عن عمران بن مسلم ، عن
زاذان ، عن عمر بن الخطاب [ قال ] (٣): لأن أعض على جمرة
[٢/ ٣٩٥-ب] أحب إليّ من أن أقبل وأنا صائم ، وروى / الثوري عن عمران بن
۔۔
(١) من (ح)) وفي ((الأصل)): فضحكت .
(٢) من ( ح)) وفي (( الأصل)): يوم.
(٣) من ( ح)).
- ٥٤ -

مسلم ، عن زاذان ، عن ابن عمر مثله ، وذكر عن سعيد بن المسيب
قال : الذي يقبل امرأته وهو صائم ينقض صومه ، وكره مالك القبلة
للشيخ والشاب ، وأخذ بقول ابن عمر ، و[ أباحتها ] (١) فرقة للشيخ
وحظرتها على الشاب ، روي ذلك عن ابن عباس ، ورواه مورق عن
ابن عمر ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي .
قال الطحاوي : فأما ما روي عن ابن مسعود فقد روي عنه خلافه،
روى إسرائيل عن طارق ، عن حكيم بن جابر ، عن ابن مسعود أنه
كان يباشر امرأته وهو صائم ، وما ذكروه من قول سعيد أنه ينقض
صومه [ فإن ما ] (٢) روي عن رسول الله أنه كان يقبل وهو صائم ،
أولى من قول سعيد ، فلو قال قائل : إنما خص به رسول الله، ألا
ترى قول عائشة: وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله ؟)) قيل : إن
قولها هذا إنما هو على أنها لا تأمن عليهم ، ولا يأمنون على أنفسهم
ما كان رسول الله يأمن على نفسه ؛ لأنه محفوظ ، والدليل على أن
القبلة عندها لا تفطر الصائم ما قد رويناه عنها أنها قالت : ((ربما قبلني
رسول الله وباشرني وهو صائم ، وأما أنتم فلا بأس للشيخ الكبير
الضعيف )) رواه ( عمرو بن حريث ) (٣) ( عن الشعبي ) (٤) عن
مسروق ، عنها ، أرادت به أنه لا يخاف من إربه ، فدل ذلك أن من
لم يخف من القبلة شيئًا وأمن على نفسه أنها له مباحة، وقالت مرة
أخرى حين سئلت عن القبلة للصائم ، فقالت جوابًا لذلك : (( كان
(١) من ((ح))، وفي ((الأصل)): أباحها.
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فإنما.
(٣) كذا في ((الأصل، ح)) وهو مقلوب ، صوابه : حريث بن عمرو ، وهو
حريث ابن أبي مطر واسمه : عمرو الفزاري الحناط أبو عمرو الكوفي ( تهذيب
الكمال : ٥/ ٥٦٢) .
(٤) ليس في (( ح)) والصواب إثباته كما في ((الأصل)).
- ٥٥ -

رسول الله یقبل وهو صائم )» فلو كان حکم رسول الله عندها فى ذلك
بخلاف حكم غيره من الناس ، لما كان ما علمته من فعل رسول الله
جوابًا لما سئلت عنه من فعل غيره .
ويبيّن ذلك ما رواه مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار :
(( أن رجلاً قبل امرأته وهو صائم ، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا ،
فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك ، فدخلت على أم سلمة زوج النبي
فذكرت ذلك لها ، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله كان يقبل وهو
صائم ، فرجعت فأخبرت ذلك زوجها ، فزاده شرا ، وقال : لسنا
مثل رسول الله ، يجل الله لرسوله ما شاء ، ثم رجعت المرأة إلى أم
سلمة فوجدت رسول الله فأخبرته ، فغضب رسول الله وقال : والله
إني لأتقاكم الله ، وأعلمكم بحدوده )) .
فدل هذا على استواء حكم رسول الله وسائر الناس في حكم القبلة
إذا لم يكن معها الخوف على ما بعدها مما تدعو إليه ، ولهذا المعنى
كرهها من كرهها ، وقال : لا أراها تدعو إلى خير، يريد إذا لم يأمن
على نفسه ، ليس لأنها حرام عليه ، ولكن لا يأمن إذا فعلها أن
[تغلبه] (١) شهوته [ فيقع ] (٢) فيما يحرم عليه ؛ فإذا ارتفع هذا
المعنى كانت مباحة .
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي : ( إن من قبل فأمذی
فلا قضاء عليه ) (٣) وإن نظر فأمنى لم ينقض صومه، وإن قبل أو لمس
فأمنى أفطر ولا كفارة عليه ؛ لأن الكفارة عندهم لا تجب إلا على من
أولج فأنزل ، وقال مالك : ( إن قبل فأنزل فعليه القضاء والكفارة ،
وكذلك إن نظر فتابع النظر ؛ لأن الإنزال هو المبتغى من الجماع ،
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)) : تغلب.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): حتى يقع ؛
(٣) ليست في (( ج))
- ٥٦ -

وسواء أكان بإيلاج أو غيره ، قال : فإن قبل فأمذى ، أو نظر فأمذى
فعليه القضاء ، ولا كفارة عليه ) (١) ولا قضاء في ذلك عند الكوفيين،
والأوزاعي ، والشافعي على ما تقدم في الباب قبل هذا .
باب : اغتسال الصائم
وبل ابن عمر ثوبًا [ فألقاه ] (٢) عليه وهو صائم ، ودخل الشعبي
الحمام وهو صائم [ و](٣) قال ابن عباس: لا بأس أن [ يتطعم ] (٤)
القدر أو الشيء ، وقال الحسن : لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم .
وقال ابن مسعود : إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح [ دهينًا ] (٥)
مترجلاً . وقال أنس : إن لي ( أبزن ) (٦) أتقحم فيه وأنا صائم . وقال
ابن عمر : يستاك أول النهار وآخره . وقال ابن سيرين : لا بأس بالسواك
الرطب . قيل : له طعم ! قال : والماء له طعم ، وأنت تتمضمض به . ولم
ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأساً .
فيه : عائشة وأم سلمة: (( كان النبي - عليه السلام - يدركه الفجر في
رمضان [ جنبًا ] (٧) من غير حلم، فيغتسل ويصوم)) .
وذكر الطحاوي عن الكوفيين أن الصائم لا يفطره الانغماس فى
(١) في (( ح)): إن قبل وأنزل ، أو نظر وتابع النظر وأنزل فعليه القضاء والكفارة،
وإن نظر فأمذى أو قبل فأمذى فعليه القضاء وحده .
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): فألقى.
(٣) من (( ح)).
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): يتعطم . كذا.
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): دهنًا.
(٦) في (( ح)): أبزنًا. وهى كلمة فارسية فلا تصرف . معناها : حجر منقور شبه
الحوض .
(٧) ليس في (( الأصل، ح)) والصواب إثباته.
- ٥٧ -

الماء ، ولم يذكروا كراهية ، وقال الليث والشافعي : لا بأس به ،
و[ذكر الطحاوي عن مالك أنه كرهه، وروى ابن القاسم ] (١) عن
مالك فى (( المجموعة)) أنه لا بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من
العطش ( خلاف ما ذكره الطحاوي ) (٢) وقال الحسن بن حي : يكره
الانغماس فيه إذا صب على رأسه وبدنه، ولا يكره أن يستنقع فيه،
وحديث عائشة وأم سلمة حجة على من كره ذلك ، وروى مالك: عن
سمي مولى أبي بكر [ عن أبي بكر ] (١) بن عبد الرحمن، عن بعض
أصحاب النبي - عليه السلام - (( أن النبي خرج في رمضان يوم الفتح
صائمًا ، فلما أتى العرج شق عليه الصيام ، فكان يصب على رأسه
[٢/ ق ٤٠-١) الماء وهو صائم)). وقال الحسن /: رأيت عثمان بن [أبي](١) العاص
بعرفة وهو صائم يمج الماء ويصب على (رأسه ) (٣) ..
وأما ذوق الطعام للصائم ، فقال الكوفيون : إذا لم يدخل حلقه
لا يفطره وصومه تام ، وهو قول الأوزاعي ، وقال مالك : أكرهه
ولا يفطره إن لم يدخل حلقه ، وهو قول الشافعي ، وقال ابن عباس:
لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيّها الطعام ، وهو قول الحسن البصري
والنخعي ، وكره ذلك مالك ، والثوري ، والكوفيون [ وقال
الكوفيون] (١) : إلا لمن لم تجد بُدا من ذلك.
وأما الدهن للصائم فاستحبته طائفة ، روي عن قتادة أنه قال :
يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصوم ، وأجازه
الکوفیون والشافعي و( قال ) (٤) : لا بأس أن يدهن الصائم شاربه ،
ونمن أجاز الدهن للصائم مطرف : وابن عبد الحكم وأصبغ ، ذكره
ابن حبیب ، وکرهه ابن أبي ليلى .
(١) من (( ح)).
(٣) في (( ح)): نفسه .
(٢) ليس في ( ح)).
(٤) في (( ح)): قالوا .
- ٥٨ -

واختلفوا في الكحل للصائم ، فرخص فيه ابن أبي أوفى ، وعطاء،
والشعبي ، والزهري ، وهو قول أبي حنيفة ، والأوزاعي ، والليث ،
والشافعي ، وأبي ثور ، وحكاه ابن حبيب عن مطرف وابن عبد الحكم
وأصبغ ، وقال ابن الماجشون : لا بأس بالكحل بالإثمد للصائم،
وليس ذلك مما يصام منه ، ولو كان [ ذلك ] (١) لذكروه كما ذكروا
في المحرم ، وأما الكحل الذي يُعمل بالعقاقير ، ويوجد طعمه،
ويخرق إلى الجوف فأكرهه ، والإثمد لا يوجد طعمه وإن كان ممسكًا،
وإنما يوجد من المسك طعم ريحه لا طعم ذوقه .
ورخص في الإثمد قتادة ، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة : إن
اكتحل الصائم قضى يومًا مكانه ، وكرهه الثوري وأحمد وإسحاق ،
وفي المدونة : لا يكتحل الصائم ، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو غيره
فوصل إلى حلقه يقضي يومًا مكانه ، وكره قتادة الاكتحال بالصبر ،
وأجازه عطاء والنخعي ، وسيأتي اختلاف العلماء في السواك الرطب
واليابس في بابه بعد هذا - إن شاء الله - ويأتي اختلافهم في المضمضة
والاستنشاق للصائم إذا دخل الماء إلى حلقه في بابه بعد هذا إن
شاء الله .
*
باب : الصائم إذا أكل ( أو ) (٢) شرب ناسياً
قال عطاء : [ إن ](٣) استنثر فدخل الماء في حلقه فلا بأس [ إن ] (٤)
لم يملك ، وقال الحسن : إن دخل في حلقه الذباب فلا شيء عليه . وقال
الحسن ومجاهد : إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه .
(١) من (ج)).
(٢) في ( ح)): و .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): إذا .
(٤) ليست في (( الأصل، ح)) والمثبت من الصحيح المطبوع.
- ٥٩ -

وفيه: أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: ((إذا نسي فأكل ( أو)(١).
شرب فليتم صومه [ فإنما أطعمه الله ] (٢) وسقاه)).
قال ابن المنذر : اختلف العلماء في الصائم إذا أكل ( أو ) (١) شرب
:
ناسيًا ، فقالت طائفة : فلا شيء عليه ، روينا هذا القول عن علي ،
وابن عمر ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ، وبه قال
أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو ثور،
وأحمد ، وإسحاق [ واحتجوا بهذا الحديث ] (٣) وقالت طائفة؛ عليه
القضاء ، هذا قول ربيعة ومالك وسعيد بن عبد العزيز ، واحتج له
ربيعة فقال : ما نعلم ناسيًا لشيء من حقوق الله إلا وهو عائد له ،
قال ابن القصار : والأكل مناف للصوم ، وقد تقرر أنه لو أكل وعنده
أن الفجر لم يطلع ، وكان قد طلع أن عليه القضاء ، كذلك إذا وقع
في خلال الصوم ، ولا فرق بين أن يظن أنه يأكل قبل الفجر أو يظن
أنه يأكل في يوم من شعبان أو شوال أن عليه القضاء ، واحتج مالك
لذلك بقول عمر بن الخطاب : الخطب يسير وقد اجتهدنا . قال
مالك: ولا شك أن عمر قضى ذلك اليوم ، وذكره ابن وهب ، قال
ابن المنذر : وحجة القول الأول قوله عليه السلام في من أكل أو شرب
ناسيًا أنه يتم صومه ، وغير جائز أن يأمر من هذه صفته أن يتم صومه
فيتمه ويكون غير تام ، هذا يستحيل [ وإذا أتمّه فهو صوم تام ] (٣).
ولا شيء على من صومه تام .
( قال المؤلف : ) (٤) فعارض هذا أهل المقالة الثانية وقالوا: [ أما
قوله: ((فليتم ] (٥) صومه)) فمعناه أنه لما كان قبل أكله داخلا في
(١) في (( ح)): و.
(٣) من ( ح)).
(٢) من ( ح)) وفي ((الأصل)): فإن الله أطعمه.
(٤) ليس في ( ح )) .
(٥) من ((ح)) وفي (( الأصل )): ما حجتهم بقوله عليه السلام فيتم - كذا .
- ٦٠ -