النص المفهرس
صفحات 501-520
ويصوم قبل الوقت ، وروى ابن القاسم عن مالك : أنه لا يجوز تعجيلها قبل الحول إلا بيسير ، وقال ابن حبيب : قال من لقيت من أصحاب مالك : لا تجزئه إلا فيما قرب مثل الخمسة أيام أو العشرة قبل الحول، وقال ابن القاسم: الشهر / قريب على تزحيف (وكره [٢/ق١٩-) ذلك) (١) . قال الطبري : والذي شبه الزكاة بالصيام والصلاة فليس (بمشبه)(٢)، وذلك [ أنه لا خلاف ] (٣) بين [ جميع ] (٤) السلف والخلف في أن الصدقة لو وجبت في ماشية رجل فهرب بها من المصدق فظهر عليه المصدق ، فأخذ زكاتها وربها كاره ، أنها تجزئ عنه ، ولا خلاف بينهم أنه لو امتنع من أداء صلاة مكتوبة فأخذ بأدائها كرها فصلاها ، وهو غير مريد قضاءها أنها غير مجزئة عنه ، فبان بذلك أن الصلاة مخالفة للزكاة في تعجيلها [ إذ ] (٥) كانت الصلاة لا تجزئ من لزمته إلا بعمل ببدنه ونيته متقربًا بها إلى الله- تعالى . والعجب ممن زعم في الزكاة أنها لا تجزئ عمن قدمها قبل محلها ؛ لأنه [ متطوع بإعطائها ] (٦) والتطوع لا يجزئ عن الفرائض ، وليس كما ظن ؛ لأن الذي يعجله لا يعطيه بمعنى الزكاة ، وإنما يعطيه من يعطيه دينًا له عليه على أن يحتسبه [ عند ] (٧) محله زكاة من ماله، وعلى هذا الوجه كان [ استسلاف ] (٨) رسول الله من العباس صدقته قبل وجوبها في ماله ، فإن ظن ظان أنه غير جائز له احتسابها من زكاته بعد وجوبها عليه ، كما غير جائز له أن يصلي الظهر قبل (١) ليست في ( ح)). (٢) في (( ح)) : بمشتبه . (٣) من ( ح)) وفي ((الأصل)): لأن الاختلاف. (٤) من (( ح)). (٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): إذا . (٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): تطوع بعطائها. (٧) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عنه. (٨) من (( ح)) وفي ((الأصل)): استلاف. - ٥٠١ - وقتها على أن يحتسبها ظهرًا إذا دخل وقتها ، وأن يصوم شعبان على أن يحتسبه من رمضان بعد دخول رمضان ، فقد أفحش الخطأ ؛ وذلك لأن الصلاة والصيام من الفروض التي على من وجبت عليه عملها ببدنه، وليست كذلك الزكاة ؛ لأن الزكاة حق أوجبها الله لأهل الصدقات ، فهم شركاء لأرباب الأموال فيها إذا وجبت لهم ، [فإذا] (١) وصلت إليهم حقوقهم منها فقد بريء أربابها سواء أدوا ذلك بأنفسهم ، أو أداه عنهم [ مؤدٍ] (٢) بأمرهم، أو [ أخذه ] (٣) منهم آخذ أباح الله له أخذه لأهل السهمان برضى رب المال كان أخذه أو بغير رضاه ، والدليل على ذلك مال المعتوه واليتيم يؤدي عنه وليه الزكاة ، فيجزئ عنه . فإن قيل: فإن حديث أبي هريرة كان في جواز تقديم صدقة التطوع؛ لأنه قال في الحديث: ((إن رسول الله أمر بصدقة)) [ فنكرها ] (٤). وقال ابن جريج في الحديث: ((إن رسول الله ندب الناس في الصدقة )» . قيل: قد صح الخبر عن علي: (( أن العباس سأل النبي في تعجيل صدقته قبل وجوبها عليه ، فرخص له في ذلك ، حدثناه أحمد بن منصور ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا إسماعيل بن زكريا ، عن حجاج بن دينار ، عن الحكم ، [عن] (٥) حجية ، عن علي ، ولا يقال في التطوع منع إلا من منع صدقة الفريضة . وقد اختلفت الرواية في قوله: (( أدراعه وأعبده )) . فروت طائفة (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): وإذا. (٢) من (( ح) وفي ((الأصل)): مؤديًا. (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أخذ . (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فذكرها . خطأ. (٥) من (( ح)) وفي (( الأصل)): بن ، خطأ. - ٥٠٢ - ((أعبده)) بالباء، جمع عبد، وروى أبو ذر ((أعتده)) بالتاء ، جمع عتد ، وهو الفرس، وفي كتاب مسلم ، وأبي داود [ ((أعتاده)) ] (١) بالألف، وهذا شاهد بصحة رواية من روى (( أعتده)) [ بالتاء ] (٢) لأنه لا يقال في جمع أعبد : أعباد ، والمعروف من عادة الناس في كل زمن تحبيس الخيل والسلاح في سبيل الله [ لا تحبيس العبيد ] (٢) وقال صاحب العين : فرس عتد وعتيد ، أي : معد للركوب ، وكذلك سميت عتيدة الطيب ، وقال غيره : الذكر والأنثى فيه سواء ، قال سلامة بن جندل : وكُلِّ طُوَالةٍ عتدِ [ نِزاق] (٣) بِكُلِّ مُجَنَّب کالسید نهدِ ومما يدل أنه عَتَد بفتح التاء مجيئه للذكر والأنثى بلفظ واحد ، وهذا حكم المصادر . باب : الاستعفاف عن المسألة فيه : أبو سعيد الخدري : (( أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده ، فقال : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر )) . وفيه : أبو هريرة قال : قال رسول الله: (( والذي نفسي بيده ، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله ، أعطاه أو منعه )) . (١) من ( ح)) وفي ((الأصل)): عتاده. (٢) من ( ح)). (٣) من لسان العرب (٣/ ٢٨٠) والنزاق من الحيوان: الصعبة الانقياد، والسريعة. وجاء في (( الأصل)): صداق، وفي (( ح)) : مراق ، وكلاهما خطأ. - ٥٠٣ - وفيه : حكيم [ بن حزام ] (١) (( سألت رسول الله فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم قال: يا حكيم ، إن هذا المال خضرة. حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فیه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، کالذي یأکل ولا يشبع ، الید العلیا خیر من الید السفلى . قال حكيم: فقلت : يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ، لا أرزا أحدا بعدك [ شيئًا ] (١) حتى أفارق الدنيا . فكان أبو بكر يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر دعاه [ ليعطيه ] (٢) فأبى أن يقبل منه شيئًا ، فقال عمر : أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني [٢/ ق ١٩-ب) أعرض عليه حقه / من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزا حكيم أحداً. من الناس بعد رسول الله حتى توفي )) . في حديث أبي سعيد من الفقه إعطاء السائل مرتين من مال واحد ، [ وفيه حجة لمن يعطي الفقير باسم الفقر، وباسم ابن السبيل من مال. واحد ، وكذلك سائر سهام الصدقات وقياسه ] (٣) عندهم الوصايا ، يجيزون لمن أوصي له بشيء إذا [ قبضه أن ] (٤) يعطى مع المساكين إن كان ذلك الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة ، وأبى [ من ] (١) ذلك: ابن القاسم وطائفة من الكوفيين . وفيه ما كان عليه رسول الله من الكرم والسخاء والإيثار على نفسه، وفيه الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه ، وفيه [ الحض ] (٥) على الاستغناء عن الناس بالصبر ، والتوكل على الله ، وانتظار رزق الله ، (١) من ( ح)). (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أن يعطيه. (٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ((ومثله)) بدل ما بين الحاجزين. (٤) من (ح)) وفي (( الأصل)): قبضها و. (٥) وفي (( الأصل)): الحظ. كذا . - ٥٠٤ - وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن، ولذلك الجزاء عليه غير [مقدر] (١) ولا محدود، قال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾(٢). وفي حديث أبي هريرة الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ، وأن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق وإن ركب المشقة في ذلك ، ولا يكون عيالا على الناس ولا كَلا ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل في سؤاله ، و[ في ] (٣) الرد إذا رد خائبًا ، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن هو أعطى لكل سائل ، ولهذا المعنى قال رسول الله: (( اليد العليا خير من اليد السفلى )) وكان مالك يرى ترك ما أعطي الرجل على جهة الصدقة أحب إليه من أخذه وإن لم يسأله . قال المهلب : في حديث حكيم من الفقه أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار ، وفيه أن السائل إذا ألحف لا بأس برده وتخييبه وموعظته ، وأمره بالتعفف وترك الحرص على الأخذ كما فعل النبي - عليه السلام- [ بالأنصار وبحكيم حين الحفوا في مسألته مرة بعد أخرى ، كلما أعطاهم سألوه ] (٤) فأنجح الله موعظته ومَحًا بِهَا [ حرص حكيم](٥) ، فلم يرزأ أحدًا بعده . وقوله : (( فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه )) يدل [ أن ] (٣) القناعة وطلب الكفاية والإجمال في الطلب مقرون بالبركة ، وأن من طلب المال بالشره والحرص فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه ، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع . وفي قوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) فضل المال والغنى (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): معد. (٢) الزمر: ١٠. (٣) من ( ح)). (٤) من (( ح)) وفي (( الأصل)) : (( بحكيم )) بدل ما بين الحاجزين. (٥) من (( ح)) وفي (( الأصل)): حرصه . - ٥٠٥ - -- ٠ إذا أنفق في طاعة الله ، وفيه بيان أن لا يسأله الإنسان شيئًا إلا عند الحاجة والضرورة ؛ لأنه إذا كانت يده [ سفلى ] (١) مع إباحة المسألة، فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الضرورة ، وفيه من الفقه أن من كان له عند أحد حق من تعامل أو غيره ( فإنه يجبر على أخذه إذا أبى، فإن كان مما لا يستحقه أن لا يبسط اليد إليه ) (٢) فلا يجبر على أخذه [ خلاف قول مالك] (٣) وإنما أشهد عمر على (إِباء ). (٤). حكيم ؛ لأنه خشي سوء التأويل عليه ، فأراد أن يبرئ ساحته بالإشهاد عليه ١٠٠ [ وفيه أنه لا يستحق أخذ شيء من بيت المال إلا بعد أن يعطيه. الإمام إياه ، وأما قبل ذلك فليس ذلك مستحق له ، ولو كان ذلك. مستحقا لقضى عمر على حكيم بأخذه ، وعلى ذلك يدل نص القرآن. قال تعالى - حين ذكر قسم الصدقات وفي أي الأصناف تقسم - : ﴿کی لا یکون دولة بين الأغنياء منکم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٥) فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره ، وإنما قال العلماء. في أسباب الحقوق في بيت المال تشددًا على غير المَرْضِيّ من السلاطين ليغلقوا باب الامتداد منهم إلى أموال المسلمين، والتسبب إليها بالباطل، ويدل على ذلك فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال أنه يقطع ، ومن رَبَّ الجارية من الفيء أنه يحد ، ولو استحقه في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذلك لكانت شبهة يدرأ عنه الحد بها ، وجمهور الأمة على أن للمسلمين حق في بيت المال. والفيء ، ويقسمه الإمام على اجتهاده ، وسيأتي ذلك في كتاب الجهاد- إن شاء الله] (٢). (١) من (( ح)، وفي (( الأصل)): السفلى. (٢) ليس في (ح)). (٣) من ( خ)) (٥) الحشر : ٧ . (٤) في (( الأصل)) و( ح)): إيائة . - ٥٠٦ - باب : من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس فيه: عمر قال: (( كان النبي يعطيني العطاء فأقول : أعطه من هو أفقر إليه مني . فقال : خذه ، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ، وما لا فلا تتبعه نفسك)) . قال الطحاوي : ليس معنى هذا الحديث في الصدقات ، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء المسلمين وفقرائهم ، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة الفقر ، ولكن بحقوقهم فيها ، فكره رسول الله وَل لعمر حين أعطاه قوله: ((أعطه من هو أفقر إليه مني )) لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له : (( خذه فتموّله )) هكذا رواه شعيب عن الزهري ، فدل أن ذلك ليس / من أموال [٢/ ٢٠-] الصدقات ؛ لأن الفقير لا ينبغي له أن يأخذ من الصدقات ما [ ينبغي له] (١) أن يتخذه مالا، كان عن مسألة أو غير مسألة ، ثم قال : «إذا جاءك من هذا المال)) الذي هذا حكمه ((فخذه)) . قال الطبري : اختلف العلماء في [ معنى ] (١) قوله عليه السلام لعمر: (( ما جاءك من هذا المال فخذه)) بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد ، فقال بعضهم : هو ندب من النبي - عليه السلام - لكل من أعطي عطية [إلى] (٢) قبولها كائنا من كان معطيها ، سلطانا أو عاميا ، صالحًا كان أو فاسقًا ، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته . ذكر من قال ذلك، روي عن أبي هريرة أنه قال: (( ما أحد يهدي إليّ هدية إلا قبلتها ، فأما أن أسأل فلا )) وعن أبي الدرداء مثله ، (١) من ( ح)). (٢) من ( ح)، وفي (( الأصل)): أبى . خطأ . - ٥٠٧ - وقبلت عائشة من معاوية ، وقال حبيب بن أبي ثابت : رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن عباس فيقبلانها ، وقال عثمان بن عفان : جوائز السلطان لحم ظبي ذكي ، وبعث سعيد بن العاص إلى علي بن أبي طالب هدايا فقبلها وقال : خذ ما أعطوك ، وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف ، وسئل أبو جعفر محمد بن علي بن حسين عن هدايا السلطان ، فقال : إن علمت أنه من غصب أو سحت فلا تقبله ، وإن لم تعرف ذلك فاقبله ، فإن بريرة تصدق عليها بلحم فأهدته لآل النبي- عليه السلام - فقال: ((هو عليها صدقة، ولنا هدية )) وقال : (( ما كان من مأثم فهو عليهم ، وما كان من مهناً فهو لك )) وقبلها علقمة والأسود ، والنخعي ، والحسن البصري ، والشعبي . وقال آخرون : بل ذلك ندب من النبي وَّر أمته إلى قبول عطية غير ذي سلطان ، فأما السلطان فإن بعضهم كان يقول : حرام قبول عطیته، وبعضهم کرهها . ذكر من قال ذلك. روي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها ، فقيل له : لو أخذتها فوصلت بها رحمك !: فقال: أرأيت لو أن لصا نقب بيتا ما أبالي أخذتها أم أخذت ذلك . ولم يقبل ابن سيرين ولا [ أبو ] (١) رزين ولا ابن محيريز من السلطان، وقال هشام بن عروة : بعث إليّ عبد الله بن الزبير ، وإلى أخي بخمسمائة دينار، فقال ( أخي : ردها ﴾ (٢) ما أكلها أحد وهو غني عنها إلا أحوجه الله إليها . وقال ابن المنذر : كره جوائز السلطان: محمد بن واسع، والثوري، وابن المبارك ، وأحمد بن حنبل [ وجماعة ] (٣). (١) من ( ح)) وفي ((الأصل)): ابن. (٣) من ( ح)) . (٢) في ( ح)): أبي : ردوها. -٥٠٨ - وقال آخرون ؛ بل ذلك ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره . وروي عن عكرمة [ أنه ] (١) قال: إنا لا نقبل إلا من الأمراء. قال الطبري : والصواب عندي أنه ندب منه عليه السلام [ أمته ](١) إلى قبول عطية كل معط جائز عطيته، سلطانًا كان أو [ رعية] (٢) وذلك أن الرسول قال لعمر: (( ما آتاك الله من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل ( فاقبله ) (٣))) فندبه عليه السلام إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص وجه من الوجوه دون غيره ، سوى ما استثناه عليه السلام ، وذلك ما جاء من وجه حرام عليه ، فلا يحل له قبوله ، كالذي يغصب رجلًا مسلمًا ماله ثم يعطيه بعينه آخر ، والذي يُعطاء يعلم غصبه أو سرقته أو خيانته ، فإن قبله كان واجبًا عليه رده . فإن قال قائل : فإن كان [الأمر ] (١) كما وصفت من أنه لا يحرم على امرئ قبول عطية أحد يجوز حكمه في ماله إلا عطيةً حرم الله قبولها ، فما وجه [ فعل ] (١) من رد عطايا السلاطين، وامتنع من قبول هدايا الأمراء ، وقد ندب عليه السلام إلى قبول عطية كل أحد؟. قيل له : إن من رد من ذلك شيئًا إنما كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه ، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرا لعرضه ترك قبوله [ إذ] (٤) كان الأمر بالقبول غير حتم واجب ، وإنما هو ندب إلى قبول ما لا شك في حله ، فإذا كان فيه لبس فالحق ترك قبوله، وما لم يكن حلالاً يقينا فلم يدخل في أمره عليه السلام [عمر](١) [بقبوله] (٥) فأحله محل الشبهات التي مَنْ وَافَعَها لم يُؤْمَن منه مواقعة الحرام . (١) من ( ح ). (٢) من (( ح)، وفي ((الأصل): رعيته . (٣) في ( ح): فخذه. (٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): إذا. (٥) من (ح)) وفي ((الأصل))؛ بقبول من أعطاه. - ٥٠٩ - فإن قيل : فما تقول فيمن قبل ممن لم [ يتبيّن ] (١) من أين أخذ المال ولا فيما وضعه ؟ . قيل : ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام : فما علمت يقينًا أنه حلال فلا أستحب رده ، وما علمت يقينًا أنه حرام فلا ( أستحل ) (٢) قبوله ، وما لم أعلم وجه مصيره ولا سبب وصوله إليه ، فذلك ما قد وضع عني تكلف البحث عن أسبابه ، وألزمني في الظاهر الحكم بأنه أولى به من غيره ، ما لم يستحقه عليه مستحق ، كما أحكم بما في يد أعدل العدول أنه أولى بما في يده ما لم يستحقه عليه مستحق ، فسوى عز وجل بين حكم أفضل خلقه في ذلك وأفجرهم ، فالواجب عليّ التسوية في قبول عطية كل واحد [منهما ] (٣) وردها من جهة ما يحل: ويحرم ، وإن اختلفا في أن البر أحق بأن [ يسر بقبول ] (٤) عطيته من الفاجر . ۔۔ [٢/ق -٢ -ب] فإن قيل : يجوز على هذا مبايعة من يخالط / ماله الحرام وقبول هداياه ؟ قيل: قد كره ذلك قوم وأجازه آخرون، فممن كرهه : عبد الله ابن يزيد ، وأبو وائل ، والقاسم ، وسالم ، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصر فترك ميراثها [ وكانت تبيع مولاة للقاسم الفضة بالفضة متفاضلة فترك ميراثها ] (٥) أيضًا ، وقال مالك : قال عبد الله بن يزيد بن هرمز : إني لأعجب ممن يرزق الحلال فيرغب في الربح فيه الشيء اليسير من الحرام فيفسد المال كله . وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام ، وأما الذين أجازوا ذلك ، فروي عن ابن مسعود أن رجلا سأله فقال : [ إن ] (٥) لي جارًاً لا يتورع من أكل الربا ، ولا من أخذ ما لا يصلح ، وهو يدعونا إلى طعامه ، وتكون (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): ينال . كذا . (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): منهم. (٤) من (( ح)) وفي (( الأصل): تقبل. (٢) في (( ح)): استحب. (٥) من (( ح)). - ٥١٠ - لنا الحاجة فنستقرضه ؟ فقال : أجبه إلى طعامه واستقرضه ، فلك المهنأ وعليه المأثم . وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا فأجازه ، وسئل النخعي عن الرجل يرث الميراث منه الحلال والحرام ، قال : لا يحرم عليه إلا حرام بعينه . وعن سعيد بن جبير أنه مر بالعشارين ، وفي أيديهم شماريخ فقال : ( ناولونا ) (١) من سحتكم هذا ، إنه عليكم حرام ولنا حلال؛ وأجاز [ الحسن ] (٢) البصري أكل [طعام] (٢) العشار والصراف و[ العامل ] (٣) وعن مكحول والزهري : إذا اختلط المال الحلال والحرام فلا بأس به ، وإنما يكره من ذلك الشيء يعرف بعينه . وأجاز ذلك ابن أبي ذئب . قال ابن المنذر : واحتج من رخص في ذلك بأن الله - تعالى - ذكر اليهود فقال : ﴿سماعون للكذب أکالون للسحت ﴾ (٤) وقد رهن رسول الله ﴾للر درعه عند يهودي. وقال الطبري : وفي إباحة الله أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير ، وهم يتعاملون بالربا ، أبين الدلالة على أن من كان من أهل الإسلام بيده مال لا یدری أمن حرام كسبه أم من حلال ، فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطيه ، وإن كان لا يبالي اكتسبه من غير حله بعد أن لا [يعلمه ] (٥) حرامًا بعينه ، وبنحو ذلك قالت الأئمة من الصحابة والتابعين . ومن كرهه فإنما ركب في ذلك طريق الورع ، وتجنب الشبهات ، والاستبراء لدينه ؛ لأن الحرام لا يكون إلا بيِّنَا غير مشكل - والله الموفق . وقوله : (( غير مشرف )) يعني : غير متعرض ولا حريص عليه بشره وطمع ، وأصله من قولهم : أشرف فلان على كذا ، إذا تطاول له (١) في (( ح)): ناولوني. (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): العمال. (٥) من ((ح)) وفي (( الأصل)) : يعلم. (٢) من ( ح )) . (٤) المائدة : ٤٢ . - ٥١١ - ورماه ببصره ، ومنه قيل للمكان المرتفع : شرف ، وللشريف من الرجال [ شريف ] (١) لارتفاعه عمن هو دونه بمكارم الأخلاق . قال المهلب : وفي حديث عمر من الفقه أن للإمام أن يعطي الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه ، إذا رأى لذلك وجهًا لسابقة أو لخير أو لغناء عن المسلمين ، وفيه أن ما جاء من المال الطيب الحلال من غير مسألة ، فإن أخذه خير من تركه إذا كان ممن يجمل الأخذ منه ، وفيه أن رد عطاء الإمام ليس من الأدب ؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ (٢) فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر لله ، فكأنه من سوء الأدب . باب : من سأل الناس تكثرًا فيه : ابن عمر : قال النبي - عليه السلام -: (( ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم )) . وقال: ((إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن)). قال المهلب : فيه ذم السؤال وتقبيحه ، وفهم البخاري - رحمه الله- أن الذي يأتي يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرًا بغير ضرورة إلى السؤال ، ومن سأل تكثرًاً فهو غَنِيّ لا تحل له الصدقة ، فعوقب في الآخرة . قال عبد الواحد: عوقب في وجهه بأن جاء لا لحم فيه، فجازاه الله من جنس ذنبه حين بذل وجهه وعنده كفاية . قال المهلب : والمزعة : القطعة من اللحم ، فإذا جاء لا لحم في (٢) الحشر : ٧ . (١) من (( ح )). - ٥١٢ - ٠ وجهه فتؤذيه الشمس [ في وجهه ] (١) أكثر من غيره ؛ ألا ترى قوله في الحديث : ((إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن)) فحذر عليه السلام من ( الإلحاف ) (٢) في المسألة لغير حاجة إليها ، وأما من سأل مضطرًا فقيرًا فمباح له المسألة ، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد عنها بدا ، ورضي بما قسم الله له ، ولم يتسخط قدره . ( قال الخطابي : معنى الحديث أنه يأتي يوم القيامة ذليلا ساقط القدر ، لا وجه له عند الله ، فهذا التأويل على المجاز، والأول على الحقيقة . وروى شعبة عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة الفزاري ، عن سمرة بن جندب / عن النبي - عليه السلام - قال : [٢/ق٢١-١] «للسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان ، أو في أمر لا يجد منه بدا)) ) (٣) . * باب: قوله تعالى: ﴿ لا يسألون الناس إلحافًا﴾ (٤) و[ كم ] (٥) الغنى، وقول النبي عليه السلام : ولا يجد غنى يغنيه يقول الله تعالى: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا﴾ (٣) فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى [ويستحيي] (٦) أو لا يسأل الناس إلحافًا )). (١) من ( ح)). (٢) في (( ح)): الإلحاح. (٣) في ( ح)) تقديم وتأخير، ففيها: ومما يؤيد هذا ما روى شعبة .. ثم قال: وفيه وجه آخر قال الخطابي ... (٤) البقرة : ٢٧٣ . (٥) من (( ح)) وفي (( الأصل)): حكم . (٦) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فيستحيي. - ٥١٣ - وفيه : أبو هريرة قال: النبي - عليه السلام -: (( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يقوم فیسأل الناس )) . وفيه: المغيرة: (( أن النبي - عليه السلام - كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال )) . وفيه : سعد: (( أعطى رسول الله (رهطًا) (١) وأنا جالس فيهم ، فترك رسول الله [ فيهم ] (٢) رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إلي ، فقمت إلى رسول الله فساررته فقلت : مالك عن فلان ، والله إني لأراه مؤمنًا . قال : أو مسلمًا ؟ قال: فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم فيه .... )) الحديث . قال النبي - عليه السلام -: (( إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن یکب في النار على وجهه )) . وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: ((لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو- أحسبه قال : إلى الجبل - فیحتطب فیبیع ، فیأکل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس» . .. قال المؤلف : قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ (٣) هم فقراء المهاجرين بالمدينة خاصة مع النبي - عليه السلام - أمر بالصدقة عليهم ، وقيل : حصروا أنفسهم للغزو ومنعهم فرض الجهاد من التصرف ، وقيل : إنها كانت الأرض [كلها] (٢) كفراً (بها) (٤) وحربًا على أهل [البلد] (٥) وكانوا (١) في ((ح)): نَفَرًا. (٣) البقرة : ٢٧٣ . (٢) من ( ح)). (٤) ليست في ( ح)). (٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): البلاد. - ٥١٤ - لا يتوجهون جهة إلا لهم فيها عدو ، فلا يستطيعون تصرفًا في البلاد ابتغاء المعاشر فيستغنوا به عن الصدقة رهبة للعدو وخوفًا على أنفسهم. وقوله : ﴿ لا يسألون الناس إلحافًا﴾ (١) اختلف المفسرون في تأويله، فقيل : يسألون ولا يلحفون في المسألة ، وقيل : إنهم لا يسألون الناس أصلا ، قال ابن الأدفوي : أي لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف [ كما ] (٢) قال امرؤ القيس : على لاحبٍ لا يهتدي لمناره أي : ليس له منار يهتدي بها ، والدليل على أنهم لا يسألون وصف الله لهم بالتعفف ، ولو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم . قال المؤلف: ويشهد لهذا التأويل قوله عليه السلام: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان ، ولكن المسكين الذي لا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس )). واحتج من أوجب لهم السؤال ، ونفى عنهم الإلحاف بقوله في الحديث الأول: (( ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ، أو لا يسأل الناس إلحافًا )) قالوا : والمسألة بغير إلحاف مباحة إلى المضطر إليها ، يدل على ذلك ما رواه مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ابن يسار ، عن رجل من بني أسد، عن رسول الله قال: (( من سأل الناس وله أوقية أو عدلها ، فقد سأل إلحافًا )) فدل هذا الحديث أن من لم يكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم في المسألة ، ومن لم يكن ملومًا في مسألته ، فهو ممن يليق به اسم التعفف ، وليس قول من قال: لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم بصحيح ؛ لأن (١) البقرة : ٢٧٣ . (٢) من ( ح )). - ٥١٥ - السؤال المذموم إنما هو لمن كان غنيا عنه لوجود أوقية أو عدلها ، فالحديثان مختلفان في المعنى لاختلاف ظاهرهما [فالحديث ] (١) الأول نفى فيه الإلحاف ، ودل على السؤال ، والحديث الثاني نفى فيه السؤال أصلا ، وانتفى فيه الإلحاف بنفي السؤال ، وإنما اختلف الحديثان لاختلاف أحوال السائلين ؛ لأن الناس يختلفون في هذا المعنى، فمنهم [٢١٥/٢- ب) من يصبر عن السؤال عند الحاجة / ويتعفف ، ويدافع حاله ، وينتظر الفرج من الله - تعالى - ومنهم من لا يصبر ويسأل بحسب حاجته وكفايته ، ومنهم من يسأل وهو يجد للاستكثار ، وهذا هو الملحف الذي لا ينبغي له المسألة ( وقد يحتمل أن يكون الحديثان معناهما واحد في نفي السؤال أصلاً ، ويحتمل أن يكونا جميعًا حقيقي المعنى في إثبات السؤال ، ونفي الإلحاف ، فإن قيل : كيف وقد قال في الحديث الواحد: ((لا يقوم فيسأل الناس)) ؟ قيل : في أكثر أمره وغالب حاله، ويلزم نفسه التعفف عن المسألة حتى تغلبه الحاجة والفقر ، ويقع سؤاله في النادر والشاذ ، كما قال عليه السلام : ((لا يضع عصاه عن عاتقه)) ومعلوم أنه أراد في بعض الأوقات، وكما قال: (( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي )) وقد يحل له في بعض الأوقات ، ومن كان سؤاله عند الضرورة وفي النادر ، فليس بملحف في المسألة ، واسم التعفف أولى به ؛ لدليل حديث عطاء بن يسار ) (٢) . ۔۔ وقوله : (( ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان )) يريد ليس المسكين ( المتكامل ) (٣) أسباب المسكنة ؛ لأنه [بمسألته ] (٤) يأتيه الكفاف والزيادة عليه ، فيزول عنه اسم المبالغة في المسكنة ، وإنما ۔۔ (١) من ((ح)) وفي (( الأصل)): والحديث. (٢) ليس في ( ح)) . .(٣) في (( ح)) : المستكمل . (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): بمساءلته. - ٥١٦ - المسكين المتكامل أسباب المسكنة من لا يجد غنى ، ولا يتصدق عليه كقوله تعالى : ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾(١) أي : ليس ذلك غاية البر ؛ لأنه لا يبلغ بر من آمن بالله واليوم الآخر الآية . واختلف أهل اللغة [ والفقهاء ] (٢) في الفقير والمسكين ، من هو أسوأ حالا منهما ؟ فقال ابن السكيت وابن قتيبة : المسكين أسوأ حالا من الفقير ؛ لأن المسكين الذي قد سكن وخشع ، والفقير له بعض ما ( يغنيه ) (٣) واحتجوا بقول (الشاعر ) (٤): أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ فذكر أنه كانت له حلوبة ، وجعلها وفقًا لعياله ، أي قدر قوتهم ، وحكى ابن القصار أن هذا قول أصحاب مالك وقول أبي حنيفة . وقالت طائفة : الفقير أسوأ حالا من المسكين ، هذا قول الأصمعي وابن الأنباري ، وهو قول الشافعي ، واحتجوا بقوله تعالى : ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ (٥) الآية ، وبقوله : ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ (٦) فأخبر أن المسكين يملك بعض السفينة . قالوا : والفقر هو استئصال الشيء ، يقال : فقرتهم [ الفاقرة ] (٧) إذا أصابتهم داهية أهلكتهم ، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره ، ومن صار هكذا فقد حل به الموت ، وقد يقال : مسكين لغير الفقير ، ولكن لما نقصت حالته عن الكمال في بعض الأمور كما قال عليه السلام: (( مسكين مسكين من لا زوجة له )) وقال لقيلة: (( يا (١) البقرة : ١٧٧ . (٤) في ( ح)): الراعي . (٦) الكهف : ٧٩ . (٣) في (( ح): يقيمه. (٢) من (( ح). (٥) البقرة : ٢٧٣ . (٧) من ((ح)) وفي ((الأصل)): الفاقة. - ٥١٧ - مسكينة عليك بالسكينة)) قالوا : وقد قال عليه السلام (( اللهم أحيني مسكينًا ، وأمتني مسكينًا ، واحشرني في زمرة المساكين )) وتعوذ بالله من الفقر، فعلم أنه أسوأ حالا وأشد من المسكنة . وقد قالت طائفة من السلف : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي يسأل . روي هذا عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وجابر ابن زيد ، والزهري ، وروي عن علي بن زياد عن مالك أنه قال : الفقير الذي لا غنى له ويتعفف عن المسألة ، والمسكين الذي لا غنى له ويسأل . واختلفوا أيضًا كم الغنى الذي لا يجوز لصاحبه أخذ الصدقة ، وتحرم عليه المسألة ؟ فقال بعضهم : هو بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه . وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ادخار شيء لغد ، وقولهم مردود بما ثبت عن النبي وأصحابه أنهم كانوا يدخرون. وقال آخرون : لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة ، وأحلوا ذلك محل الميتة للمضطر ، وقال آخرون : لا تحل المسألة بكل حال ، واحتجوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال لأبي ذر: (( لا تسأل الناس شيئًا )) وجعلوا ذلك نهيا عاما عن كل مسألة ، وبما رواه ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، عن ثوبان مولى رسول الله [ أنه قال عليه السلام ] (١): ((من تكفل لي [بواحدة] (٢) تكفلت له بالجنة، قال ثوبان: أنا . قال : لا تسأل (٢/ ق٢٢-١] الناس شيئًا، فكان / سوطه يقع فما يقول لأحد ناولنيه فينزل فيأخذه)). وقال قيس بن عاصم لبنيه : إياكم والمسألة فإنها آخر كسب المرء ، فإن أحدًا لن يسأل إلا ترك كسبه . وقالت طائفة : لا يأخذ الصدقة (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قال. (٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): بواحد - ٥١٨ - من له [ أربعون ] (١) درهما لقول النبي - عليه السلام -: (( من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إحافًا )» وممن قال بذلك أبو عبيد روى عن مالك أنه قال : يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال. وقالت طائفة : لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهمًا ، هذا قول النخعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود عن النبي بذلك ، وعلله يحيى بن [ سعيد ] (٢) وشعبة فقالا : يرويه حكيم بن جبير ، وهو ضعيف . وقالت طائفة : من ملك مائتي درهم تحرم عليه الصدقة المفروضة . وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، ورواه المغيرة [المخزومي ] (٣) عن مالك ، وقال المغيرة : لا بأس أن يعطى أقل مما تجب فيه الزكاة [ ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة ] (٣) واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله عليه السلام: (( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم » فجعل المأخوذ منه الزكاة غير المردود عليه ، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة ، فلم يجز أن ترد عليه لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين : بين الغني والفقير . قال الطحاوي : وقوله عليه السلام : (( من سأل وله أوقية أو عدلها)) منسوخ بقوله عليه السلام : (( من سأل وله خمس أواق ، فقد سأل إلحافًا )) فجعل هذا حدا لمن لا تحل له الصدقة . قال بعض العلماء : وكل من حد من الفقهاء في الغنى حدا أو لم يحدّ ، فإنما هو بَعْدَ ما لا غنى عنه من دار تحمله ولا تفضل عنه ، وخادم هو محتاج إليها ، ولا فضل له من مال يتصرف فيه ، ومن كان هكذا فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه . (١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أربعين. (٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): شعبة . خطأ. (٣) من (( ح)). - ٥١٩ - قال الطبري : والصواب عندنا في ذلك أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا المضطر يخاف على نفسه التلف بتركها ، ومن بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع ولا سبيل [ له ](١) إلى ما يرد به رمقه ويقيم به نفسه [إلا بالمسألة، فالمسألة عليه فرض واجب؛ لأنه لا يحل له إتلاف نفسه] (١) وهو يجد السبيل إلى [إحيائها بما أباح الله له إحياءها به] (٢) والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة [وإن ] (٣) كرهناها له [ ما وجد عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن خاف (٤) ، وإنما كرهناها له ](١) لقوله عليه السلام: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) [ ولقوله : ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس))] (١) ولا مأثم عليه إلا على سائل سأل من غنى متكثرًا بها [ ماله ] (١) فالمسألة. عليه حرام . قال المهلب : وفي حديث سعد من الفقه الشفاعة للرجل من غير أن يسألها ثلاثًا في الصدقات وغيرها ، وفيه النهي [ عن ] (٥) القطع لأحد من الناس بحقيقة الإيمان ، وقد تقدم في كتاب الإيمان وفيه أن العالم [ يجب ] (٦) أن يدعو الناس إلى ما ( عنده ) (٧) وإلى الحق والعلم بكل شيء حتى بالعطاء ، وفيه أن الحرص على هداية غير المهتدي ( أكد ) (٨) من الإحسان إلى المهتدي، وفيه أنه [ قد ] (١) يعطى من المال أهل النفاق ومن على غير حقيقة الإسلام على وجه التألّف إذا طمع بإسلامه ، وفي أحاديث هذا الباب كله الأمر بالتعفف والاستغناء وترك السؤال . وقال المؤلف: وفي [ دليل ] (١) قوله : ﴿ للفقراء الذين أحصروا (١) من (( ح)). (٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): حياتها . (٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: فإن. (٤) هكذا في ( ح)) وقد سبق أن الخائف على نفسه تجب عليه المسألة. (٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): من . (٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)) كأنها: يجب له. (٧) فى (( ح)): عند الله. (٨) في (( ح): أكثر . - ٥٢٠ -