النص المفهرس

صفحات 481-500

وقوله: ((وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء )) فيه من الفقه حب الرجل
الصالح للمال ، و[ قد ] (١) قال أبو بكر لعائشة : ما أحد أحب إلي
غنى منك ، ولا أعز علي فقرًا منك ، وفيه إباحة دخول أجنة
الإخوان، والشرب من مائها ، والأكل من ثمارها بغير إذنهم إذا علم
أن أَنْفُسَ أصحابها تطيب بذلك ، وكان مما لا يتشاح فيه .
قال المهلب : وفيه أن الصدقة إذا كانت جزلة أن صاحبها ( يمدح بها
ويغبط ) (٢) لقول النبي: (( بخ، ذلك مال رابح)) فسلاه عليه السلام
بما يناله من ربح الآخرة ، وما عوضه الله فيها عما عجله في الدنيا
الفانية .
وفيه أن ما فوته الرجل من حميم ماله ، وغبيط عقاره عن ورثته
بالصدقة أنه يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة ، لئلا يفقد أهله
نفع ما خوله الله - عز وجل - وفي كتاب الله ما يؤيد هذا ، قال
تعالى : ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين
فارزقوهم منه﴾ (٣) فثبت [بهذا ] (٤) المعنى أن الصدقة على الأقارب
وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس إذا كانت صدقة تطوع ،
ودل على ذلك حديث زينب امرأة ابن مسعود . وقوله عليه السلام
لها: ((لك أجران: أجر القرابة والصدقة)» وقال لميمونة حين أعتقت
جارية لها: ((أما إنك لو [ أعطيتها ] (٥) (لأخوالك) (٦) / كان [٢/ قي ١٦-١)
(١) من (( ح)).
(٣) النساء : ٨.
(٢) في (( ح)): يغبط بها ويمدح عنده .
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)) : لهذا.
(٥) من ( ح)) وفي ((الأصل)): أعطيتيها . ورأيتها هكذا في مستدرك الحاكم.
(٦) في (( ح)): أخواتك. والمثبت من ((الأصل)) موافق لما في البخاري المطبوع
وغيره، ولم يذكر في الفتح سواه .
- ٤٨١ -

أعظم لأجرك)) واستعمل الفقهاء الصدقة [ الفريضة] (١) في غير
الأقارب لئلا [ يصرفوها ] (٢) في ما يجري بين الأهلين من الحقوق
والصلات والمرافق ؛ لأنهم إذا جعلوا الصدقة الفريضة في هذا المعتاد
بين الأهلين [ فكأنهم ] (٣) لم يخرجوها من أموالهم ( إلا ) (٤)
لانتفاعهم بها ، وتوقير تلك الصلات بها ، فإذا زال هذا المعنى جازت
الزكاة للأقارب الذين لا تلزمهم نفقتهم .
وقد تقدم اختلاف العلماء في الزكاة على الأقارب في باب إذا
تصدق على ابنه وهو لا يشعر ( فأغنى عن إعادته ) (٥) ولم يختلف
العلماء أن قوله : (( في أقاربه وبني عمه)) أنهم أقارب أبي طلحة لا
أقارب النبي - عليه السلام .
i
( وقد روى ذلك الثقات ، حدثنا بعض مشايخنا قال : حدثنا أبو
عمرو الباجي قال : حدثنا أبي قال : حدثنا محمد بن فطيس ، حدثنا
إبرهيم بن مرزوق ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا أبي،
حدثنا ثمامة بن عبد الله ، عن أنس أنه قال: (( كانت لأبي طلحة
أرض فجعلها لله ، فأتى النبي - عليه السلام - فقال له : اجعلها في
أقاربك ) (٤) فجعلها لحسان وأبي بن كعب ، قال أنس: وكانا أقرب
[إليه ] (١) مني)).
وفيه استعمال عموم اللفظ ، ألا ترى إلى فهم الصحابة لذلك ،
وأنهم لم يتوقفوا حتى يتبين لهم بآية أخرى ، أو بسنة مبينة لمراد الله -
تعالى - في الشيء الذي يجب أن ينفقه عباده ؛ لأنهم يحبون أشياء
كثيرة ، فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله إليه ، فتصدق
(١) من ( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): يصرفونها ..
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)»: وكأنهم.
(٤) ليس في (( ح)).
(٥) في ( ح)): وقال غيره ..
- ٤٨٢ -

أبو طلحة بحائطه، وكذلك فعل زيد بن حارثة ، و[ روى ] (١) ابن
عيينة ، عن ابن المنكدر قال: (( لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى
تنفقوا مما تحبون﴾ (٢) قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال
أحب إليّ من فرسي هذه - وكان له فرس - فجاء به إلى النبي - عليه
السلام - فقال : هذا في سبيل الله . فقال لأسامة بن زيد : اقبضها
منه . فكأن زيدًا وجد في نفسه من ذلك ، فقال رسول الله : إن الله
قد قبلها منك )) .
وفعل مثل ذلك ابن عمر ، روي أنه كانت له جارية جميلة كان
يحبها فأعتقها لهذه الآية ، ثم اتبعتها نفسه فأراد ( أن يتزوجها ) (٣)
فمنعه بنوه ، فكان بعد ذلك يقرب بنيها من [ غيره ] (٤) لمكانها من
نفسه ، روى الثوري أن أم ولد الربيع بن [ خثيم ] (٥) قالت : كان
إذا جاءنا السائل يقول [ لي ] (٦) : يا فلانة ، أعط السائل سكرًا؛
فإن الربيع يحب السكر . قال سفيان : يتأول ﴿لن تنالوا البر حتى
تنفقوا مما تحبون ﴾ وفي هذا الحديث فقه من معاني الصدقات والهبات
سيأتي في موضعه - إن شاء الله .
باب : ليس على المسلم في فرسه صدقة
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( ليس على المسلم
في فرسه وغلامه صدقة )) .
وترجم له باب ليس على المسلم في عبده صدقة ، وقال أبو هريرة
[فيه] (٦): ((في عبده)).
(١) من (( ح))، وفي ((الأصل)): روي عن.
(٢) آل عمران : ٩٢ .
(٣) في ( ح)): تزويجها. وكذا كتبت في هامش ((الأصل)).
(٤) من ( ح))، وفي ((الأصل)): عنده.
(٦) من ( ح)).
(٥) في (( الأصل، ح)): خيثم . وهو تصحيف .
- ٤٨٣ -

اتفق جمهور العلماء على أنه لا زكاة في الخيل ، روي ذلك عن
علي بن أبي طالب وابن عمر ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ،
وسعيد بن المسيب ، وعطاء، والحسن البصري، والحكم ، والثوري،
ومالك، والأوزاعي ، والليث، وأبي يوسف ، ومحمد ، والشافعي،
وأحمد ، وأبي ثور ، وخالف الجماعة أبو حنيفة وزفر فقالا : في كل
فرس دينار إذا كانت سائمة ، وإن شاء قوّمها، وأعطى ( من) (١) كل
مائتي درهم خمسة دراهم .
ومن حجتهما ما رواه جويرية ، عن مالك ، عن الزهري ، أن
السائب بن يزيد أخبره قال : لقد رأيت أبي يقوّم الخيل ، ثم يدفع
صدقتها إلى عمر. واحتجوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله وَغ
ذكر الخيل فقال : ((هي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى
رجل وزر ، فأما التي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملا ،
ولم ينس حق الله في ظهورها وبطونها [ في ] (٢) عسرها ويسرها)).
رواه سهيل [ عن أبيه ] (٣) عن أبي هريرة ،
[ فاحتج ] (٤) عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : لا حجة لكم في
رواية جويرية ؛ لأن عمر لم يأخذ ذلك منهم على أنه واجب عليهم ،
وقد بين السبب في ذلك ما رواه مالك في الموطأ أن أهل الشام قالوا
[٢/ق١٦ سب] لأبي عبيدة بن الجراح: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة / فأبى ذلك ، ثم
كتب إلى عمر [ بن الخطاب ] (٣) بذلك فأبى، ثم كلموه أيضًا ،
فكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه عمر : إن أَحَبُّوا [ فخذها ] (٥)
منهم، وأرددها عليهم، وارزق رقيقهم، وفي [ إباء ] (٦) عمر وأبي
(١) في (( ح)): عن:
(٢) من ( ح)) وفي ((الأصل)): و .
(٣) من ( ح).
(٤) من ( ح)) وفي ((الأصل)): واحتج.
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): فخذ .
(٦) في ((الأصل، ح): إبائه .
- ٤٨٤ -

عبيدة من أخذ الزكاة منهم دليل واضح أنه لا زكاة فيها ، ولو كانت
واجبة ما امتنعا من أخذ مال أوجبه الله - تعالى - لأهله ووضعه فيهم.
وروى معمر عن أبي إسحاق أنه قال : لما ألحوا على أبي [عبيدة](١)
وألح [ أبو ] (٢) [عبيدة] (١) على عمر ، قال : هذا شيء لم يفعله
اللذان كانا قبلي ، ولكن انتظروا حتى أشاور المسلمين ، فشاور عمر
الصحابة في ذلك ، فقال له علي بن أبي طالب : لا بأس بذلك إن
لم تصر [ بعدك ] (٣) جزية يؤخذون بها. فأخذها ( لبذلهم) (٤)
لها، وطوعهم بها ، لا بوجوبها عليهم .
قال الطحاوي ؛ فدل هذا الحديث أن ما أخذ عمر منهم لم يكن
زكاة ؛ ألا ترى قوله : إن الذين كان قبلي - يعني : رسول الله ، وأبا
بكر - لم يأخذا من الخيل صدقة ، ولم ينكر على عمر ما قال من
ذلك أحد من أصحاب النبي - عليه السلام - ودل قول عليّ لعمر :
لا بأس [ بذلك ] (٣) إن لم تصر بعدك جزية يؤخذون بها ، أن عمر
إنما أخذ ذلك لسؤالهم إياه ، وأن لهم منع ذلك متى أحبّوا ، ثم سلك
عمر بالعبيد في ذلك مسلك الخيل ، ولم يدل ذلك أن العبيد الذين
لغير التجارة يجب فيهم الصدقة ، وإنما كان ذلك على التبرع من
مواليهم بإعطاء ( ذلك ) (٥) والأمة مجمعة أنه لا زكاة في العبيد غير
زكاة الفطر إذا كانوا للقنْيَة ، فإن كانوا للتجارة فالزكاة في أثمانهم ،
ويلزم تقويمهم كسائر العروض التي للتجارة .
وأما قوله عليه السلام: ((ولم ينس حق الله [في ظهورها ] (٣)))
فإنه يجوز أن يكون ذلك الحق حقا سوى الزكاة ؛ فإنه روي ذلك عن
(١) من ( ح)) وفي ((الأصل): عبيد .
(٢) من ( ح)) وفي ((الأصل)): أبي.
(٤) في (( ح)): لندبهم .
(٣) من ( ح)).
(٥) في ( ح ) : الخيل.
- ٤٨٥ -

رسول الله ◌َّ له : حدثنا ربيع المؤذن ، حدثنا أسد ، حدثنا شريك بن
عبد الله ، عن أبي حمزة ، عن عامر ، عن فاطمة بنت قيس ، عن
النبي - عليه السلام - [ أنه ] (١) قال: (( في المال حق سوى الزكاة،
وتلا : ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ (٢) [ إلى آخر الآية ] (١) فلما
رأينا المال قد جعل الله فيه حقا سوى الزكاة ، احتمل أن يكون ذلك
الحق هو الذي في الخيل أيضًا، وحجة أخرى أن [ الزكاة ] (٣) في
الحديث الذي روي عن أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة لا في
الخيل السائمة ، وحجة أخرى أنا رأينا رسول الله ذكر الإبل السائمة
أيضًا فقال: ((فيها حق [ أيضًا ] (١) ( فسئل عن ذلك الحق ما هو؟
فقال : ) (٤) إطراق فحلها ، وإعارة دلوها ، ومنیحة سمينها )) (حدثنا
بذلك إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا ) (٤) سفيان ،
عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - عليه السلام .
فلما كانت الإبل فيها حق سوى الزكاة احتمل أن يكون كذلك في
الخيل ، وحديث أبي هريرة أنه - عليه السلام - قال: (( ليس على
المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) الحجة القاطعة في ذلك .
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر،
فإنا رأينا الذين يوجبون فيها الزكاة لا يوجبونها حتى تكون ذكورًا وإناثًا،
ويلتمس صاحبها نسلها ، ولا تجب الزكاة في ذكورها خاصة ، ولا في
إناثها خاصة ، وكانت الزكوات المتفق عليها في المواشي [ السائمة ](١).
تجب في الإبل والبقر والغنم ذكوراً كانت كلها أو إناثًّا ، فلما استوى
حكم الذكور في ذلك خاصة ، وحكم الإناث خاصة ، وحكم
الذكور والإناث ، وكانت الذكور من الخيل خاصة ، والإناث منها
(١) من ( ح)).
(٢) البقرة : ١٧٧ .
(٣) من شرح معاني الآثار (٢٧/٢) وفي ((الأصل، ح)): الذكر، وهو خطأ.
(٤) ليست في ( ح)).
- ٤٨٦ -

خاصة ، لا تجب فيها زكاة [ كان كذلك في النظر الذكور منها والإناث
إذا اجتمعت لا تجب فيها زكاة ] (١) .
وقال الطحاوي والطبري : والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير
التي قد أجمع الجميع ألا صدقة فيها ، ورد المختلف [ فيه ] (٢) إلى
المتفق عليه إذا [اتفقا ] (٣) في المعنى أولى.
*
باب : الصدقة على اليتامى
فيه: أبو سعيد (( أن النبي - عليه السلام - جلس ذات يوم على المنبر ،
وجلسنا حوله فقال: [ إن مما ] (٤) أخاف عليكم من بعدي ما يفتح
عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ، فقال رجل : يا رسول الله ، أو يأتي الخير
بالشر ؟ فسكت النبي - عليه السلام - فقيل له : ما شأنك ، تكلم النبي
ولا يكلمك ؟! ( فرأينا) (٥) أنه ينزل عليه ، قال: فمسح عنه الرحضاء
وقال : أين السائل؟ [ - فكأنه حمده - ] (٦) فقال : إنه لا يأتي الخير
بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل حنطًا أو يُلمّ إلا آكلة الخضر ، أكلت
حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس ، فثلطت وبالت
ورتعت ، وإن هذا المال خضرة حلوة ، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه
المسكين واليتيم وابن السبيل . أو كما قال النبي - عليه السلام - وإنه
(١) من (( ح)) ونحوه في شرح المعاني (٢/ ٣٠).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): في ذلك.
(٣) من ( ح)) وفي ((الأصل)): اتفق.
(٤) من ( ح)) وفي ((الأصل)): إنما .
(٥) في (( ح)): فرأيت.
(٦) من (( ح)) وفي (الأصل)): وكأنه حمرة - كذا.
- ٤٨٧ -

[١٧٥/٢-] من يأخذه بغير حقه / كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون [ شهيدًاً عليه ](١)
يوم القيامة )) .
--
قال المهلب : احتج قوم بهذا الحديث في تفضيل الفقر على الغنى،
وليس كما تأولوه ، بل هو حجة عليهم ؛ لأن النبي - عليه السلام -
لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم
الله به من إنفاقه في حقه ، وإذا كسبوه من غير وجهه .
وقوله عليه السلام: ((لا يأتي الخير بالشر)) يعني : المال إذا كسب
من وجهه وفعل به ما أمرهم الله ، ثم ضرب لهم مثلا بقوله: (( وإن
مما ينبت الربيع يقتلُ أو يُلِمَّ)) يعني: أن الاستكثار من المال والخروج
من حد الاقتصاد فيه ضار ، كما أن الاستكثار من [ المأكل ] (٢)
مسقم، ضرب هذا مثلا للحريص على جمع المال ، المانع له من
حقه، والربيع تنبت فيه أحرار العشب التي [ تَحْلَوْلَيْهَا ] (٣) الماشية
فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها فتهلك .
[وقوله] (٤): ((أو يلم)) يعني : يقرب من الهلاك، يقال : ألم
الشيء : قرب ، والرحضاء : عرق الحمى، وقد رحض ورحضت
الثوب: غسلته، وقوله: ((إلا آكلة الخضر)) يعني: التي تخرج مما
جمعت منه ورعت ما ينفعها إخراجه [ من البراز والبول ، فهذا لا
يقتلها ما رعت ، فضرب هذا عليه السلام مثلا لمن تصدق ، وأخرج
من ماله ما ينفعه إخراجه ] (٤) مما لو أمسكه لضره إثمه كما ( يضر)(٥)
(١) من (ح)) وفي ((الأصل)): عليه شهيدًا ..
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): المال.
(٣) هكذا في (( ح )) بدون نقط، ومثله بالنقط والضبط في غريب الحديث للخطابي
(٧١٢/١) وفي ((الأصل)): يحلولها . فالله أعلم.
(٤) من ( ح )).
(٥) في ( ح)): يضره.
- ٤٨٨ -

التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه ، وبيّن هذا المعنى
قوله [ عليه السلام ] (١) في المال: (( فنعم صاحب المسلم ما أعطى
منه المسكين وابن السبيل )) وفي هذا تفضيل للمال .
وقال الخطابي : الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها
الماشية فتنهكه أكلا ، ولكن من الجنبة التي ترعاها بعد هيج العشب
ويبسه ، وأكثر ما رأيت العرب تقول : الخضر لما اخضر من الكلا
الذي [ لم ] (١) يصفر، والماشية من الإبل [ ترتع ] (٢) منه [ سنا
سنا ] (٣) فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه ، وقد ذكره طرفة ،
وبين أنه ينبت في الصيف فقال :
أَنْبَتَ الصيف عَسَالِيِجَ الْخَضِرْ
[ كبَنَات المَخْرِ يَمْأَدْنَ ] (١) إذا
والخضر من كلأ الصيف ، وليس من أحرار بقول الربيع ، والنعم
لا [تستويله] (٤) ولا تحبط بطونها عليه، وأما قوله: ((وإن هذا المال
خضرة)) فإن العرب تسمي الشيء الحسن المشرق خضراً تشبيهًا بالنبات
الأخضر الغض ، قال تعالى : ﴿ فأخرجنا منه خضرًا ﴾ (٥) ومنه
قولهم: اختضر الرجل ، إذا مات شابا ؛ لأنه يؤخذ في وقت الحسن
والإشراق ، يقول : إن المال يعجب الناظرين إليه ، ويحلو في
أعينهم، فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه ، فإذا فعلوا ذلك تضرروابه
كالماشية إذا استكثرت في المرعى ( ثلطت ) (٦) والثلط: السلح الرقيق.
قال ابن الأنباري : قوله عليه السلام : (( إن هذا المال خضرة
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): تربع.
(٣) من (( ح)) ومثله في غريب الحديث للخطابي (٧١٢/١) وفي ((الأصل)): شيئًا
شيئًا .
(٤) من (( ح)) ومثله في غريب الحديث للخطابي (٧١٢/١) وفي ((الأصل)):
تستوكله .
(٥) الأنعام : ٩٩ .
(٦) في (( ح)): حبطت.
- ٤٨٩ -

حلوة)) [ يدل أن المال يؤنث ، وقال غيره : ليس بتأنيث ؛ لأن
قوله](١): ((خضرة [حلوة] (١))) لم يأت على الصفة، وإنما أتى
على التمثيل والتشبيه ، كأنه قال : إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة،
ونقول : إن هذا السجود حسنة ، والسجود مذكر ، فكأنه قال :
السجود فعلة حسنة .
قال المهلب : وفيه جواز ضرب الأمثال في الحكمة ، وإن كان
لفظها بالبراز والبول والكلام الوضيع ، وفيه جواز اعتراض التلميذ
على العالم في الأشياء المجملة حتى يفسر له ما يبيّن معناها ، وفيه
دليل [ على ] (١) أن الاعتراض إذا لم يكن موضعه بيّنًا أنه منكر على
المعترض به ؛ ألا تراهم أنكروا على السائل ، وقالوا [ له : تكلم
النبي ، ولا يكلمك ؟ إلا أن قوله: (( أين السائل؟)) - فكأنه حمده -
يدل ] (١) أن من سأل العالم وباحثه عما ينتفع به و[يفيد ] (٢) حكمه
أنه محمود من فعله .
:
وفيه أن [ للعالم ] (٣) إذا سئل أن يمطل بالجواب حتى يتيقن أو يطلع
المسألة عند من فوقه من العلماء ، كما فعل النبي - عليه السلام - في
سكوته عنه حتى استطلعها من قبل الوحي ، وفيه أن المكتسب للمال
من غير حلّه غير مبارك له فيه؛ لقوله: (( كالذي يأكل ولا يشبع))
لأن الله - تعالى - قد رفع عنه البركة و[ألقى ] (٤) في قلوب آكليه
ومكتسبيه الفاقة ، وقلة القناعة ، ويشهد لهذا قوله تعالى : ﴿ يمحق الله
الربا ويربي الصدقات ﴾ (٥) فالمحق أبدًا في المال المكتسب من غير
الواجب .
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): يعيد.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): العالم . خطأ.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أبقى. (٥) البقرة: ٢٧٦ .
- ٤٩٠ -

قوله: ((يكون شهيدًا [ عليه ] (١) يوم القيامة)) يعني - والله أعلم -
أنه يمثل له ماله [ شجاعًا] (٣) أقرع، ويأتيه في [ صورة ] (٣) تشهد
عليه بالخيانة ؛ لأنه آية معجزة ، ولا أكبر شهادة من المعجزات ، وفيه
أن للعالم أن يحذّر من يجالسه من فتنة المال وغيره ، وينبههم على
مواضع الخوف من الافتتان به ، كما قال عليه السلام: (( إن مما أخشى
عليكم )) فوصف لهم ما يخاف عليهم ، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة،
وهي إطعام المسكين واليتيم وابن السبيل ، وقد جاء عن النبي أن
الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب ، وسأذكره في باب فضل من
يعول يتيمًا في كتاب الأدب - إن شاء الله .
[٢/ ق١٧ -ب]
باب : الزكاة على الزوج والأيتام / في الحجر
قاله أبو سعيد عن النبي - عليه السلام .
فيه : زينب امرأة ابن مسعود (( أنها كانت تنفق على عبد الله وأيتام في
حجرها ، فقالت لعبد الله: سل [ رسول ] (٤) الله ◌َل * : أيجزئ عني أن
أنفق عليك وعلى ( أيتام ) (٥) في حجري من الصدقة ؟ فقال : سلي
أنت رسول الله ، فانطلقت إلى النبي ( فوجدت امرأة من الأنصار على
الباب ، حاجتها مثل حاجتي ) (٦) فمر ( علينا ) (٧) بلال ( فقلنا : سل
النبي - عليه السلام - : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي ، وأيتام لي في
حجري؟ قال: نعم) (٨) لها أجران: أجر القرابة، والصدقة)).
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عليهم.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : شجاع .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): صورته.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): الرسول .
(٦) ليست في ( ح)).
(٥) في (( ح)): أيتامي.
(٧) في (( ح)): عليها .
(٨) في (( ح)) بدلا من هذا: فسأل النبي وَلو عن ذلك فقال .
- ٤٩١ -

وفيه: أم سلمة قالت: ((قلت: يا رسول الله، أَليَ أَجْرٌ أن أنفق على
بني أبي سلمة ، إنما هم بني ؟ فقال : أنفقي عليهم ، فلك أجر ما أنفقت
[عليهم] (١) )).
قال ابن المنذر : أجمع العلماء أن الرجل لا يعطي زوجته من
الزكاة؛ لأن نفقتها تجب عليه ، وهي غنية بغناه ، واختلفوا في المرأة
هل تعطي زوجها من الزكاة ؟ فأجاز ذلك أبو يوسف ، ومحمد ،
والشافعي ، وأبو ثور و[ أبو ] (٢) عبيد، وجوزه أشهب إذا لم يرجع
إليها شيء من ذلك، ولا ( جعلته ) (٣) وقاية لمالها فيما يلزم نفسها
من مواساته ، وتأدية حقه ، فإن رجع إليها شيء من ذلك لم يجزئها .
وقال مالك : لا تعطي المرأة زوجها من زكاة مالها . وهو قول أبي
حنيفة .
واحتج من جوز ذلك بحديث زينب امرأة ابن مسعود ، وقالوا :
جائز أن تعطيه من الزكاة ؛ لأنه داخل في جملة الفقراء الذين تحل لهم
الصدقة ، وأيضًا فإن كل من لا يلزم الإنسان نفقته فجائز أن يضع فيه
الزكاة ، والمرأة لا يلزمها النفقة على زوجها ولا على [ بنيه ] (٤) قال
المهلب : والدليل على أن المرأة لا تلزمها النفقة على بنيها [ قوله ] (٥)
تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ (٦) .
. [ قال الطحاوي ] (١): واحتج عليهم [ أهل ] (١) المقالة الثانية
فقالوا : إن تلك الصدقة التي في حديث زينب إنما كانت من غير
الزكاة ، وقد بين ذلك ما رواه الليث عن هشام بن عروة ، عن أبيه
(١) من (( ح)).
(٢) من (ح)) وفي ((الأصل)): أبي كذا !.
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): جعله. (٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): بنته .
(٥) من ((ح) وفي ((الأصل)): لقوله. (٦) البقرة: ٢٣٣.
- ٤٩٢ - ٠

[ عن ](١) عبيد الله بن عبد الله، عن رائطة بنت عبد الله امرأة عبد الله
ابن مسعود ، وكانت امرأة ( صناع ) (٢) وليس لعبد الله بن مسعود
مال، فكانت تنفق عليه وعلى ولده منها، فقالت: (( لقد شغلتني والله
أنت وولدك عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء . فقال :
ما أحب إن لم يكن لك في ذلك أجر أن تفعلي . فسألت رسول الله
هي وهو فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة ذات صنعة ، أبيع منها ،
وليس لزوجي ولا لولدي شيء ، فشغلوني فلا أتصدق ، فهل لي
فيهم أجر؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم)).
قال الطحاوي : ففي هذا الحديث أن تلك الصدقة لم تكن زكاة ،
ورائطة هذه هي زينب امرأة عبد الله ، لا نعلم أن عبد الله كانت له
امرأة غيرها في زمن رسول الله ، فكانت تنفق عليه وعلى ولده من
عمل يدها ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز أن تنفق على ولدها من
زكاتها، فلما كان ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة ، فكذلك ما
أنفقت على زوجها ليس من الزكاة ، وقد روى أبو هريرة عن النبي -
عليه السلام - مثل ذلك ، حدثنا فهد ، حدثنا علي بن معبد ، حدثنا
إسماعيل بن أبي كثير [ الأنصاري ] (١) عن ( عمر ) (٣) بن نبيه
الكعبي ، عن المقبري ، عن أبي هريرة (( أن رسول الله انصرف من
صلاة الصبح [ يومًا ] (١) فأتى على النساء في المسجد فقال : يا معشر
النساء ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بعقول ذوي الألباب
(١) من (( ح)).
(٢) في ((الأصل، ح)): صنعا، وشرح المعاني (٢٣/٢): صنعاء ، والصواب
ما أثبته ، راجع تاج العروس وغيره و((صناع)): يعني ذات صنعة.
(٣) بضم العين، كما في ((الأصل))، وتهذيب الكمال (٥١٨/٢١) ووقع في (ح)
وشرح المعاني (٢٤/٢): عمرو . خطأ .
- ٤٩٣ -

منكن ، إني رأيتكن أكثر أهل النار ، فتقربن إلى الله ما استطعتن .
وكان في النساء امرأة [ ابن مسعود ] (١) فانصرفت إلى ابن مسعود
فأخبرته بما سمعت من رسول الله ، وأخذت حليا لها ، فقال ابن
مسعود : أين تذهبين بهذا الحلي ؟ فقالت : أتقرب به إلى الله وإلى
رسول الله ؛ لعل الله أن لا يجعلني من أهل النار . قال : هلمي
ويلك ، تصدقي به عَليَّ وعلى ولدي . فقالت : لا والله حتى أذهب
به إلى رسول الله . فذهبت به فسألته ، فقال : تصدقي به عليه ،
وعلى بنيه فإنهم له موضع )) .
فبيّن رسول الله أنه أراد بقوله: ((تصدقي)) صدقة التطوع التي
تكفر بها الذنوب ؛ لأنه أمرها بالصدقة بكل الحلي ، وذلك من
التطوع لا من الزكاة ؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال ، وإنما
توجب الصدقة بجزء منه ، وهذا دليل على فساد تأويل أبي يوسف
ومن ذهب مذهبه فقد بطل بما ذكرنا أن يكون في حديث زينب ما يدل
أن المرأة تعطي زوجها من زكاة مالها إذا كان فقيرًا .
باب : قول الله تعالی
[٢/ق١٨-٢]
﴿ وفي الرقاب / والغارمين وفي سبيل الله﴾ (٢)
ويذكر عن ابن عباس: يُعتقُ من زكاة ماله ويعطي في الحج . وقال
الحسن : إن اشترى أباه من الزكاة جاز ، وتعطى في المجاهدين والذي لم
يحج ، ثم تلا: ﴿ إنما الصدقات﴾ (٣) الآية ، في أيها أعطيت
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): عبد الله.
(٢) التوبة : ٦٠ .
- ٤٩٤ -

أجزأت، وقال عليه السلام: ((إن خالدًا احتبس [ أدراعه ] (١) في سبيل
الله)). ويذكر عن أبي لاس ((حملنا النبي - عليه السلام - على إبل
الصدقة للحج )) .
وفيه: أبو هريرة (( أمر رسول الله بالصدقة ، فقيل : منع ابن جميل
وخالد بن الوليد ، وعباس بن عبد المطلب ، فقال النبي - عليه السلام -:
(( ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله ، وأما خالد
فإنكم تظلمون خالدًا ، وقد احتبس أعبده و[أدراعه ](١) في سبيل الله،
وأما العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فهي عليه صدقة ومثلها معها)) .
اختلف أهل العلم في [ تأويل ] (٢) قوله تعالى: ﴿وفي
الرقاب﴾ (٣) قال ابن عباس: يجوز [ أن] (٢) يشتري من
(الصدقة)(٤) رقابا فيعتقهم ، وهو قول الحسن ومالك [ في المدونة ،
وبه قال ] (٢) أحمد وإسحاق وأبي ثور ، وقال مالك : لا يشتري إلا
[مؤمنا ] (٥) ويكون ولاؤهم [ لجماعة ] (٦) المسلمين، قال : ولا
يعطيها المكاتبين ؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، فربما عجز
فصار عبدًا ، وقال أبو حنيفة والليث والشافعي : لا يجزئ أن يعتق
من الزكاة رقبة كاملة ، ومعنى قول الله - تعالى - : ﴿وفي الرقاب ﴾
هم المكاتبون ( وهو قول النخعي ) (٧) وروى ابن القاسم
(ومطرف)(٨) عن مالك أنه ( لا بأس أن يُعطي منها المكاتب ما تتم به
كتابته ) (٩) .
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أدرعه. (٢) من (( ح)) . (٣) التوبة : ٦٠.
(٥) من ((ح)) وفي ((الأصل)): من شاء. كذا .
(٤) في (( ح)) : الزكاة .
(٦) من ((ح)) وفي ((الأصل)): لجميع. (٧) ليست في ( ح)).
(٨) في (( ح)): ابن نافع وكذا جاء في هامش (( الأصل)).
(٩) في ( ح)): يعان المكاتب من الزكاة في آخر نجومه .
- ٤٩٥ -

واحتج المخالفون لمالك بأن كل صنف أعطاهم الله الصدقة على
سبيل التمليك ، فكذلك الرقاب يجب أن يكون المراد به من (تملك)(١)
الصدقة ، والعبد لا يملك ( الصدقة ) (٢) وأيضًا فإن الله ذكر الأصناف
الثمانية ، وجمع بين كل صنفين متقاربين في المعنى ، فجمع بين
الفقراء والمساكين ، وجمع بين العاملين والمؤلفة قلوبهم ؛ لأنهما
يستعان بهما إما في جباية الصدقة ، وإما في معاونة المسلمين ، وجمع
بين ابن السبيل وسبيل الله ؛ لتقاربهما في المعنى وهو قطع المسافة ،
وجمع بين الرقاب والغارمين ، فأخذ المكاتب [ لغرم ] (٣) كتابته
كأخذ الغارمين للديون .
قال ابن القصار: والحجة لمالك عموم قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾
وإطلاق الرقاب يقتضي عتق الرقاب في كل موضع أطلق ذكرها ، مثل
كفارة الظهار، قال تعالى [ فيها ] (٤): ﴿فتحرير رقبة﴾ (٥) وكذلك
في اليمين ، ولم يرد بذلك المكاتبين ، وإنما أراد العبيد ، ولو أراد
المكاتبين لكان يكتفي بذكر الغارمين ؛ لأن المكاتب غارم ، فهو داخل
فيهم ، وشراء العبد أولا أولى من المكاتب ؛ لأن المكاتب [ قد ] (٦)
حصل له سبب العتق بمكاتبة سيده له ، والعبد لم يحصل له سبب
عتق ، وأيضًا فلو أعطينا المكاتب ، فإن تم عتقه كان الولاء لسيده
فيحصل له المال والولاء ، وإذا اشترينا عبدًا فأعتقناه كان ولاؤه
للمسلمين ، فكان أولى وأليق بظاهر الآية .
قال غيره : وأما قول الحسن: إن [ اشترى ] (٧) أباه من الزكاة
جاز، فينبغي أن يجوز على أصل مالك ؛ لأنه يجيز عتق الرقاب من
(١) في (( ح)): ملك .
(٢) ليست في ( ح )).
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): لعدم. (٤) من (( ح)). (٥) المجادلة: ٣.
(٦) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ما.
(٧) من ((ح)) وفي ((الأصل)): اشتراه .
- ٤٩٦ -

الزكاة ، إلا أنه يكرهه لما فيه من انتفاعه بالثناء عليه بأنه ابن حر ، ولا
يجوز عند أبي حنيفة والشافعي .
واختلفوا في قوله تعالى : ﴿وفي سبيل الله ﴾ فقال مالك ، وأبو
حنيفة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وإسحاق : هم الغزاة ، إلا أن أبا
حنيفة [ وأصحابه قالوا ] (١) : لا يعطى الغازي إلا أن يكون
محتاجًا ؛ وقال مالك والشافعي : يعطى وإن كان غنيا .
وقال ابن عباس ، وابن عمر : ﴿في سبيل الله﴾ [الحجاج ] (٢)
ولا بأس أن يأخذوا من الزكاة . وقال محمد [ بن الحسن ] (٣): من
أوصى بثلث ماله في سبيل الله ، فللوصي أن يجعله في الحاج المنقطع
به . ( واحتج ) (٤) بأن رجلا وقف ناقة له في سبيل الله ، فأرادت
امرأته أن تحج وتركبها ، فسألت النبي - عليه السلام - فقال :
((اركبيها ؛ فإن الحج من سبيل الله)) فدل أن سبل الله كلها داخلة في
عموم اللفظ ، رواه شعبة عن إبراهيم بن مهاجر ، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن قال : أرسل مروان إلى أم معقل يسألها عن هذا
الحديث، وإلى هذا ذهب البخاري ، ولذلك ذكر حديث أبي لاس ((أن
النبي - عليه السلام - حملهم على إبل الصدقة للحج )) وتأول قوله:
((إن خالدًا قد احتبس [ أدراعه ] (٥) وأعبده في سبيل الله)) أنه يجوز
أن يدخل فيه كل سبل الله : الحج والجهاد وغيره ، وذكر قول الحسن
أنه أجاز أن يعتق أباه من الزكاة ، ويعطي في المجاهدين والذي لم
يحج وتلا: ﴿إنما الصدقات﴾ (٦) الآية، قال: في أيُّها أعطيت أجزأت.
قال ابن القصار : وحجة من قال هم الغزاة، أن كل موضع ذكر
[فيه ] (٧) سبيل الله ، فالمراد منه الغزو والجهاد ، قال الله - تعالى -:
(١) من (( ح)) وفي ((الأصل)): قال. (٢) من (ح)) وفي ( الأصل)): الحاج.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): وإسحاق .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أدرعه .
(٧) من ((ح)) وفي (( الأصل)): في.
(٤) في (( ح)): واحتجوا.
(٦) التوبة: ٦٠ .
- ٤٩٧ -

﴿ الذين يقاتلون في سبيله صفا ﴾ (١) وقال: ﴿ الذين آمنوا وهاجروا
وجاهدوا في سبيل الله﴾ (٢) فكذلك آية الصدقات .
وقال أبو عبيد : لا أعلم أحداً أفتى بأن تصرف الزكاة إلى الحج ،
وقال ابن المنذر : لا يعطى منها في الحج ؛ لأن الله قد بيّن من
يعطاها، إلا أن [ يثبت ] (٣) حديث أبي لاس ، فإن ثبت وجب القول
به في مثل ما جاء الحديث خاصة ، رواه ابن إسحاق ، عن محمد بن
إبراهيم ، عن عمر بن الحكم بن ثوبان ، عن أبي لاس الخزاعي
وأما قول أبي حنيفة : لا يعطى المجاهد من الزكاة إلا أن يكون.
محتاجًا، فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة ، فأما الكتاب فقوله ..
تعالى: ﴿وفي سبيل الله ﴾ فإذا غزا الغني فأعطي كان ذلك في سبيل
الله ، وأما السنة فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله :.
((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو رجل اشتراها
بماله ، أو غارم ، أو غاز في سبيل الله ، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها
فأهدى منها للغني )) .
قال المهلب : وفي حديث أبي هريرة معان منها : أن ابن جميل كان
منافقا فمنع الزكاة تربصًا ، فاستتابه الله - عز وجل - في كتابه فقال :
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن یتوبوا یك خیراً
لهم ﴾ (٤) فقال : استتابني ربي . فتاب وصلحت حاله ، وأما العباس
فإنه كان استدان في مفاداة نفسه ومفاداة عقيل ، فكان من الغارمين
الذين لا تلزمهم الصدقة .
وقال أبو عبيد في قوله: ((فإنها [ عليه ] (٥) ومثلها معها )) نراه.
(١) الصف : ٤ .
(٢) التوبة : ٢٠ .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): سبب. كذا !.
(٤) التوبة : ٧٤ .
(٥) من ( ح)).
- ٤٩٨ -

- والله أعلم - [ أنه ] (١) كان أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة
العباس ، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر ، ثم يأخذها
منه بعد ، كما أخر عمر بن الخطاب صدقة عام الرمادة ، فلما
(حَييَ)(٢) الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين، [ وأما
الحديث الذي يروى أن النبي وَ ل قال: ((إنا قد تعجلنا من العباس
صدقة عامين)) ] (١) فهو عندي من هذا أيضًا ، إنما تعجل منه أنه
أوجبها عليه وضمّته إياها ، ولو لم يقبضها منه ، فكانت دينًا على
العباس ؛ ألا ترى قوله: ((فإنها عليه ومثلها معها)) و[قد ] (٣) روى
حجية عن علي (( أن العباس سأل رسول الله أن يعجل صدقته
للمساكين قبل محلها ، فأذن له )) فيكون معنى قوله فهي عليه صدقة ،
أي: فهي عليه واجبة (( فأداها قبل محلها ومثلها معها )) أي : قد أداها
أيضًا لعام آخر ؛ لأنه قد روى أنها كانت صدقة عامين ، وهذا أيضًا
معنى رواية من روى ((فهي عليه)) ولم يذكر ((صدقة)).
وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني [ يزيد ] (٤) بن
خالد أن عمر بن الخطاب قال للعباس [ لابّان ] (٥) الزكاة : وأد زكاة
مالك ، وكان الرسول - عليه السلام - أمره بذلك ، فقال : أديتها
قبل ذلك. فذكر ذلك عمر للنبي وَلا فقال: ((صدق قد أداها قبل))
وروى ورقاء عن أبي [الزناد] (٦): ((فهي عليَّ)) فالمعنى أنه عليه
السلام أراد أن يؤديها عنه برا به ، لقوله في الحديث: « أما علمت أن
عم الرجل صنو أبيه )).
(١) من ((ح)). (٢) في (( ح)): أحيا. وهما بمعنى (المعجم الوسيط: ٢١٣/١).
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عن . خطأ.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): زيد، وكأنه خطأ والله أعلم.
(٥) من (( ح)): وهو موافق لما في ((المصنف)) وابّان الشيء: أوانه (المعجم
الوسيط: ١/١)، وفي ((الأصل)): لا تأخذ. وهو تحريف.
(٦) من (( ح)) وفي ((الأصل)): الدرداء . وهو خطأ .
- ٤٩٩ -

(« وأما خالد فإنه احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله )) فحسب له
النبي - عليه السلام - ذلك عوضًا من الصدقة التي وجبت عليه
وخاصّهُ بها ، هذا على من جعل هذه الصدقة صدقة الفريضة ، وقد
روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [ حُدِّت حديثًا ] (١) عن
الأعرج ، عن أبي هريرة (( أن رسول الله ندب الناس في الصدقة )).
وذكر الحديث ، فيكون على هذا معنى قوله : (( فهي عليه صدقة
ومثلها معها )) يريد أنه سيتصدق [بها و] (١) بمثلها ؛ لأنه لا يمتنع من
شيء ألزمه إياه من التطوع ، بل هو يعده كاللازم .
قال ابن القصار : وهذا أليق بالقصة ؛ لأنه ( قد ) (٣) أمر بصدقة
فنكرها ، وأما عذر خالد فإنه واضح ؛ لأنه من أخرج [ أكثر ماله ](٤)
وأوقفه في سبيل الله ، لا تحتمل حاله صدقات التطوع ، ويكون ابن
جميل شح في التطوع الذي لا يلزمه ، ولا يظن بواحد منهم منع
الواجب .
وقد احتج من جعل الصدقة في حديث العباس صدقة الفريضة بهذا
الحديث فأجاز تعجيل الزكاة قبل محلها، وهو قول النخعي ، وقتادة،
والحسن ، وسعيد بن جبير ، والزهري ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ،
والشافعي ، وأحمد و[ إسحاق ] (٢) وأبي ثور، وخالفهم آخرون
وقالوا : لا يجوز تعجيل الزكاة قبل محلها ، روي ذلك عن عائشة ،
وابن سيرين (٥) ، وهو قول مالك والليث، وقالوا : هو كالذي يصلي
(١) المثبت من مصنف عبد الرزاق في موضعين (١٨/٤، ٤٤) وتمامه في الموضعين:
(( حُدثت حديثًا رفع إلى عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة » وهو غير
واضح في (( الأصل ، ح )).
(٢) من (( ح)).
(٣) في (( ح )) : قال .
(٤) جاء في ((الأصل)): أكثر من ماله . كذا .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عائشة والحسن البصري وابن سيرين وذكر
الحسن هنا وهم؛ لأن المعروف عنه - وسبق نقل ابن بطال عنه - جواز التعجيل.
- ٥٠٠ -