النص المفهرس

صفحات 421-440

عند كافة العلماء أن صدقة السر في التطوع أفضل من العلانية ،
وتأولوا قوله - عليه السلام -: (( فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه)) . أن المراد بذلك صدقة التطوع ، ورُوي عن ابن عباس في
قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ (١) الآية . قال : جعل الله -
تعالى - صدقة التطوع في السُّرُّ تفضل علانيتها بسبعين ضعفا ، وجعل
صدقة الفرض علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا،
وكذلك جميع الفرائض ، والنوافل في الأشياء كلها . وقال سفيان :
: إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ (١) قال : سوى
الزكاة، وهذا قول كالإجماع .
وقوله: (( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) مثل ضربه في المبالغة
بالاستتار بالصدقة ؛ لقرب الشمال من اليمين ، وإنما أراد بذلك أن لو
[ قدر ] (٢) أن لا يعلم من يكون [ عن ] (٣) شماله من الناس ما
تتصدق به يمينه لشدة استتاره ، وهذا على المجاز كقوله تعالى :
﴿واسأل القرية﴾ (٤) لأن الشمال لا توصف بالعلم .
وقوله تعالى : ﴿والله بما تعملون خبير﴾ (١) أي: والله بما تعملون
في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها / ، وفي غير ذلك من أموركم ذو [٢/ق٦-١]
خبرة وعلم لا يخفى عليه شيء [ منه ] (٣) فهو محيط به [ مُحْصِ] (٥)
له على أهله حتی یوفيهم جزاء قليله وكثيره .
(١) البقرة : ٢٧١ .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): أراد .
(٣) من (( ح)).
(٤) يوسف : ٨٢ .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): محضر .
- ٤٢١ -

باب : إذا تصدق على غني وهو لا يعلم
فيه : أبو هريرة : أن النبي - عليه السلام - قال: (( قال رجل :
لأتصدقن بصدقة . [ فخرج بصدقته ] (١) فوضعها في يد سارق ،
فأصبحوا يتحدثون : تصدق على سارق . فقال : اللهم لك الحمد ،
لأتصدقن بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ، فأصبحوا
يتحدثون : تصدق الليلة على زانية . قال : اللهم لك الحمد على زانية ،
لأتصدقن بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ، فأصبحوا
يتحدثون : تصدق على غني . قال : اللهم لك الحمد على سارق ، وعلى
زانية ، وعلى غني . فأُتي فقيل له : أما صدقتك على سارق فلعله أن
يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ، وأما
الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله)) .
قال المهلب: قوله [ في الحديث] (١): ((فأتي فقيل له : أما
صدقتك على سارق ... )) إلى آخر الحديث، يعني: أنه ( أُري)(٢)
ذلك في المنام ، والرؤيا حق .
وقوله: ((فلعله أن يستعف عن سرقته)) . فإن لعل من الله على
معنى القطع والحتم ، ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق والزانية
والغني قد تقبلها الله ؛ لأنها إذا كانت [ سببًا] (٣) إلى ما يرضي الله
فلا شك في فضلها وقبولها .
واختلف العلماء في الذي يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره
ثم تبين غناه ، فقال الحسن البصري : إنها تجزئه . وهو قول أبي
حنيفة ومحمد ، قالوا : لأنه قد اجتهد ، وأعطى فقيرًا عنده ،
(١) من ( ح)).
(٢) في ( ح)): رأى.
(٣) في ((الأصل)): سببها. والمثبت من (( ح)).
- ٤٢٢ -

وليس عليه إلا الاجتهاد . وأيضًا فإن الصدقة إذا خرجت من مال
المتصدق على نية الصدقة أنها ( جازية ) (١) عنه حيث وقعت ممن بسط
إليها يدا إذا كان مسلمًا بدليل هذا الحديث [ قاله ] (٢) المهلب.
وقال أبو يوسف ، والثوري ، والحسن بن حي ، والشافعي : لا
تجزئه ؛ لأنه لم يضع الصدقة موضعها ، وقد أخطأ في اجتهاده كما
[أنه] (٣) لو نسي الماء في رحله ، وتيمم لصلاته لم تجزئه صلاته .
واختلف قول ابن القاسم : ( هل تجزئه أم لا ) (٤) فقال ابن القصار:
وقول مالك يدل على هذا ؛ لأنه نص في كفارة اليمين إن أطعم
الأغنياء أنه لا يجزئه ، وإن كان قد اجتهد فالزكاة أَوْلَى .
وأما الصدقة على السارق والزانية ؛ فإن العلماء متفقون أنهما إن كانا
فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة .
باب : إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر
فيه: معن بن يزيد: (( بايعت النبي - عليه السلام - أنا وأبي وجدي ،
وخطب عليّ فأنکحني وخاصمت إليه ، وكان أبي يزيد أخرج دنانير
يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها ، فأتيته بها
فقال : والله ما إياك أردت . فخاصمته إلى رسول الله فقال : لك ما نويت
یا یزید ، ولك ما أخذت يا معن )) .
اتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الابن ولا إلى الأب
إذا كانا ممن تلزم ( المزكي ) (٥) نفقتهما [ لأنها ] (٦) وقاية لماله ،
(١) في (( ح)): جائزة .
(٣) من ( ح)) .
(٥) في (( ح)) : الأب .
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): قال.
(٤) فى (( ح)) : أنه يجزئه وقد قال لا يجزئه.
(٦) من ( ح)) وفي ((الأصل)): لأنهما .
- ٤٢٣ -

۔۔
ولم يختلفوا أنه يجوز له أن يعطيهما ما شاء من [ صدقة ] (١) تطوع
أو غيرها . والمراد بهذا الحديث عندهم صدقة التطوع .
واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر القرابات المحتاجين الذين [ لا تلزم
النفقة عليهم ] (٢) فُروي عن ابن عباس أنه يجزئه ، وهو قول عطاء ،
والقاسم ، وسعيد بن المسيب ، وأبي حنيفة ، والثوري ، والشافعي ،
وأحمد ، وقالوا : هي لهم صلة وصدقة . وقال ابن المسيب : أولى
الناس بزكاة مالي [ يتيمي ] (٣) ومن كان مني. وروى مطرف عن
مالك أنه لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إذا لم يعط من يعول ،
فقال : رأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته ، وهو قول أشهب . وقال
الحسن البصري وطاوس : لا يعطي [ ذوي ] (٤) قرابته من الزكاة شيئًا.
وذكر ابن المواز عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه
نفقتهم .
قال المهلب : وفيه أن للابن أن يخاصم أباه ، وليس بعقوق إذا كان
ذلك في حق ، على أن مالكًا قد كره ذلك ، ولم يجعله من باب
البر .
[٢/ق٦-٢]
وفيه : أن ما خرج إلى الابن من مال الأب / على وجه الصدقة ،
أو الصلة أو الهبة لله ، وجازه الابن أنه لا رجوع للأب فيه، بخلاف
الهبة التي ( الأب ) (٥) أن يعتصرها (٦) ( ولم يكن له أن يقبض
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): نفقة.
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): لا تلزمهم نفقتهم .
(٣) من (( ح)): وهي غير واضحة في ((الأصل)).
(٤) من ( ح)).
(٥) في (( ح)) : شرط الأب ..
(٦) في اللسان (٥٧٩/٤) يعتصر: يرتجع. واعتصر العطية: ارتجعها ، والمعنى
أن الوالد إذا أعطى ولده شيئًا فله أن يأخذه منه .
- ٤٢٤ -

الصدقة ) (١) وكل هبة [ وصدقة ] (٢) وعطية الله - تعالى - فليس له
أن (يقبضها ) (٣) لقوله عليه السلام: ((العائد في صدقته كالكلب
يعود في قيئه )) وسيأتي حكم الرجوع في الهبات ، ثم الاختلاف في
ذلك في كتاب ( الهبة ) (٤) - إن شاء الله.
باب : الصدقة باليمين
فيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: (( سبعة يظلهم الله في
ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم
شماله ما تنفق يمينه ... )) الحديث .
لما كانت اليمين أفضل من الشمال ، وكانت الصدقة يراد بها وجه
الله ، استحب فيها أن ( تناول ) (٥) بأشرف الأعضاء ، وأفضل
الجوارح . وقد تقدم في باب صدقة السر أن إخفاء النوافل
[والاستتار] (٦) بها أفضل عند الله من إظهارها، بخلاف الفرائض .
( قال عبد الواحد : وقوله عليه السلام: (( حتى لا تعلم شماله ما
تنفق يمينه)) مثل ضربه بالاستتار بالصدقة لقرب الشمال من اليمين ،
وإنما أراد بذلك أن لو قدر ألا يعلم من يكون عن شماله من الناس ما
تصدق به يمينه لشدة استتاره ، وهذا على المجاز كقوله تعالى :
﴿واسأل القرية﴾(٧) لأن الشمال لا توصف بالعلم، وبالله التوفيق)(٨).
(١) في ( ح)): فله الرجوع فيما يشترطه .
(٢) من ( ح )).
(٣) في (( ح)) : يعتصرها.
(٤) في (( ح)): الهبات.
(٦) من (ح)) وفي ((الأصل)): والستر.
(٥) في ( ح)) : تتناول .
(٧) يوسف : ٨٢ .
(٨) ليس في (( ح))، وسبق هذا من قول المصنف قبل بابين.
- ٤٢٥ -

باب : من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه
وقال أبو موسى عن النبي - عليه السلام -: ((هو أحد المتصدقين)) .
فيه: عائشة قالت: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا أنفقت المرأة من
طعام بيتها غير مفسدة ، كان لها أجرها بما أنفقت ، ولزوجها أجره بما
كسب ، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا)).
وترجم له باب (( أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير
مفسدة )) وترجم له باب (( أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد»
وزاد : عن أبي موسى قال النبي - عليه السلام -: ((الخازن المسلم
الأمین الذي ينفق ما ( أُمر ) (١) به كاملا موفرًا طيبًا نفسه ، فيدفعه إلى
الذي أُمر له به أحد المتصدقين )) .
قال الله - تعالى - : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ (٢) فدلت
هذه الآية على اشتراك المتعاونين على الخير في الأجر، [ و] (٣) جاء
هذا المعنى في هذه الأحاديث ، إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من
مال أحد غيره بغير إذنه ، لكن لما كانت امرأة الرجل لها حق في
ماله، وكان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة
للمال ، ولا إسرافًا ، لكن بمقدار العرف والعادة ، وما تعلم أنه لا
يؤلم زوجها ، وتطيب به نفسه . فأخبر عليه السلام أنها تؤجر على
ذلك ، ويؤجر زوجها بما كسب ، ويؤجر الخادم الممسك لذلك ، وهو
الخازن المذكور في الحديث ، إلا أن مقدار أجر كل واحد منهم لا
يعلمه إلا الله ، غير أن الأظهر أن الكاسب ( أعظم ) (٤) أجراً.
(١) في (( ح)) : أمره
(٣) من (( ح))
(٢) المائدة : ٢ .
(٤) في (( ح)): أكثر .
- ٤٢٦ -

وقوله : باب من أمر خادمه بالصدقة ، ولم يناول بنفسه [ ينفك من
قوله] (١) في الحديث: (( ( وللخادم ) (٢) مثل ذلك ؛ لأن
(الخادم)(٣) لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه إلا بما أمره بالصدقة به،
بخلاف الزوجة ؛ لأن الخادم ( ليس له في متاع مولاه تصرف ولا
حكم ) (٤) وإنما هو خازن عليه فقط ؛ ألا ترى أن النبي - عليه
السلام- شرط في الخازن أن يؤدي الذي أمر به موفرًا طيبًا به نفسه ،
وكذلك يصح [ له الأجر ] (٥) لأن من لم تطب نفسه على فعل الخير
فلا نيّة له فيه ؛ لأنه لا عمل إلا بنية ، وكذلك إذا نقص المسكين مما
أمر له به فقد خانه ، فنقص أجره وخشي عليه الإثم .
باب : لا صدقة إلا عن ظهر غنی
[٢/ ق٧- ١]
/ ومن تصدق وهو محتاج ، أو أهله محاوبج ، أو علیه دین فالدین
أحق أن يقضى من الصدقة ، والعتق ، والهبة ، وهو رَد عليه، ليس له أن
يتلف أموال الناس. قال رسول الله بقوله: (( من أخذ أموال الناس يريد
إتلافها أتلفه الله )) إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ، ولو
كان به خصاصة كفعل أبي بكر حين تصدق بماله ، وكذلك آثر الأنصار
المهاجرين .
ونهى رسول الله عن إضاعة المال ، فليس له أن يضيع أموال الناس
بعلة الصدقة ، وقال كعب: (( قلت : يا رسول الله ، إن من توبتي
(١) من ((ح)): وهو غير واضح في ((الأصل)).
(٢) في (( ح)): للخازن .
(٣) في (( ح)): الخازن.
(٤) في (( ح)): لا حكم له في متاع مولاه ولا حق .
(٥) من (( ح)) وفي (( الأصل)): أجر.
- ٤٢٧ -

أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله - تعالى - وإلى رسوله . قال : أمسك
عليك بعض مالك فهو خير لك . قلت: فإني أمسك سهمي الذي
بخيبر) .
وفيه: أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( خير الصدقة ما كان
عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول )) .
[ وفيه: حكيم قال النبي ◌َلير: ((اليد العليا خير من اليد السفلى،
وابدأ بمن تعول ] (١) وخير الصدقة عن ظهر غنى ، ومن يستعفف يعفه
الله، ومن يستغن يغنه الله)) واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة .
( قال بعض أهل العلم : في ) (٢) قوله عليه السلام: (( خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول )) دليل [ على ](١) أن
النفقة على الأهل أفضل من الصدقة ؛ لأن الصدقة تطوع ، والنفقة
على الأهل فريضة ..
وقوله: (( لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) أي : لا صدقة إلا بعد
إحراز قوته وقوت أهله ؛ لأن الابتداء بالفرائض قبل النوافل أولى ،
وليس لأحد إتلاف نفسه ، وإتلاف أهله بإحياء غيره ، وإنما عليه إحياء
غيره ( بعد إحياء ) (٣) نفسه ، وأهله ؛ إذ حق نفسه وحق أهله أوجب
عليه من حق سائر الناس ، ولذلك قال: (( وابدأ بمن تعول )) وقال
لكعب: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك )).
قال الطبري : فإن قيل : هذا المعنى يعارض فعل أبي بكر الصديق-
رضي الله عنه - حين تصدق بماله كله وأمضاه النبي عليه السلام .
قيل : قد اختلف العلماء فيمن تصدق بماله كله في صحة بدنه
(١) من (( ح)).
(٣) في (( ح)): بغير إهلاك .
(٢) ليست في (( ح)) .
- ٤٢٨ -

وعقله ، فقالت طائفة: ذلك جائز إذا [ كان ] (١) في صحته.
(واعتلوا) (٢) بخبر أبي بكر حين تصدق بماله كله، وأن النبي وَل
قَبِلَ ذلك ولم ينكره ولا رَدَّهُ ، وهو قول مالك ، والكوفيين ،
والشافعي ، والجمهور .
وقال آخرون : ذلك كله مردود ، ولا يجوز شيء منه . رُوي ذلك
عن عمر بن الخطاب أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه ، وكان
طلقهن، وقسم ماله ( على ) (٣) بنيه ، فَرَدَّ عمر ذلك كله .
وقال آخرون : الجائز من ذلك الثلث ، ويرد الثلثان ( واعتلوا ) (٢)
بحديث كعب بن مالك، وأن النبي وَ الوَ رَدَّ صدقته إلى الثلث. هذا
قول مكحول والأوزاعي .
وقال آخرون : كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف . روي
ذلك عن مكحول .
قال الطبري : والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله
في صحة بدنه وعقله جائزة، لإجازة النبي - عليه السلام - صدقة أبي
بكر بماله كله ، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله ، ولا يجحف
بماله ولا بعياله ، وأن يستعمل في ذلك [ أدب ] (٤) الله - تعالى -
لنبيه - عليه السلام - بقوله : ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا
تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسوراً ﴾ (٥) وأن يجعل من ذلك
الثلث كما أمر الرسولُ [ كعبَ ] (٦) بن مالك [ وأبا ] (٧) لبابة .
وأما إجازته لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الصدقة بماله
كله، فهو إعلام منه أمته أن ذلك جائز غير ( مذموم ) (٨) ورَدَّه على
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): كانت. (٢) في (( ح)): واحتجوا .
(٣) في (( ح)): بين .
(٤) من ((ح)) وفي (( الأصل)): آداب .
(٥) الإسراء : ٢٩ .
(٦) من (( ح)) وفي (( الأصل)): لكعب.
(٧) من (( ح)) وفي ((الأصل)): وأبي. (٨) في (( ح)): مردود.
- ٤٢٩ -

كعب ، وأبي لبابة ما رَدَّ ، وأمرهُ لهما بإخراج الثلث إعلامٌ منه بموضع
الاستحباب والاختيار، لا حَظْرا منه للصدقة بجميع المال، والدليل على
ذلك إجماع الجميع على أن لكل مالكٍ مَالا إنفاق جميعه في حاجاته،
وصرفه فيما لا يحرم عليه من شهواته ، فمثله إنفاق جميعه فيما فيه
القربة إلى الله؛ إذ إنفاقه في ذلك أَوْلَى من إنفاقه في شهواته، ولذاته.
قال غيره : وأما قوله (١) : وأما من تصدق وعليه دين ، فالدين
أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة وهو رد عليه . فهو إجماع
من العلماء لا خلاف بينهم فيه .
وقوله : إلا أن يكون معروفا بالصبر ، فيؤثر على نفسه . فإنما
يرجع هذا الاستثناء إلى قوله : من تصدق وهو محتاج . ولا يرجع
إلى قوله : أو عليه دين ؛ للإجماع الذي ذكرنا ، ومن بلغ منزلة
الإيثار على نفسه.، وعلم أنه يصبر على الفقر ، ويصبر أهله عليه،
(٢/ق٧-ب] فمباح له أن يؤثر على نفسه ، ولو كان / بهم خصاصة ، وجائز له أن
يتصدق وهو محتاج ، ويأخذ بالشدة كما فعل الأنصار بالمهاجرين ،
وكما فعل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وإن عرف أنه لا طاقة
له ولا لأهله [ على مقارعة] (٢) الفقر والحاجة، فإمساكه [لماله] (٣)
أفضل؛ لقوله عليه السلام: (( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك))
وقوله: ((وابدأ بمن تعول )) وقد روى عباد بن العوام عن عبد الملك
ابن عمير ، عن عطاء ، عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -
قال: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) لفظ الترجمة وهو معنى قوله :
((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)).
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): قوله عليه السلام، وهو وهم ، فإن القائل هو
البخاري في صدر الباب، لا النبي زَلهو .
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): بمقارعة. (٣) من ((ح)) وفي (( الأصل)): لأهله.
- ٤٣٠ -

العليا خير من اليد السفلى)) . فيه ندب إلى التعفف عن المسألة ،
وحض على معالي الأمور ، وترك دنيتها ، والله يحب معالي الأمور ،
وفيه حض على الصدقة أيضًا . لأن العليا يد المتصدق ، والسفلى يد
السائل ، والمعطِي مفضل على المعطَى ، والمفضَّل خير من المفضَّل
عليه، ولم يُرِدْ عليه السلام أن المفضَّل في الدنيا خير في الدين ( وإنما
أراد في الإفضال والإعطاء ) (١) .
قال الخطابي : وتفسيره في [ هذا ] (٢) الحديث : اليد العليا
المنفقة، والسفلى السائلة تفسير حسن ، وفيه وجه آخر أشبه بمعنى
الحديث ، وهو أن تكون العليا هي [ المتعففة ] (٣) وقد روي ذلك
مرفوعًا : حدثونا عن عليٌّ بن عبد العزيز ، حدثنا عارم ، حدثنا
حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : ((سمعت
النبي ◌َّ يخطب يقول: اليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا
[المتعففة] (٣))) ورواه ابن المبارك، عن موسى [ بن ] (٤) عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر. ( قال: قال رسول الله: ((اليد العليا المنفقة
، واليد السفلى السائلة)) قال أبو داود : ورواه عبد الوارث، عن
أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ) (٥) مثله ، ويؤكد هذا ما روى عبد
الرزاق، عن معمر ، عن الزهري [ عن ] (٦) عروة ، وسعيد بن
المسيب (( أن النبي - عليه السلام - أعطى حكيم بن حزام دون ما
أعطى أصحابه ، فقال حكيم : ما كنت أظن [ يا ] (٢) رسول الله
(١) في (( ح)): وإنما المراد : خير من المفضل عليه.
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): المنفقة. خطأ.
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): عن . وهو خطأ.
(٦) من (( ح)) وفي ((الأصل)): و. خطأ.
(٢) من ( ح)).
(٥) ليست في (( ح)).
- ٤٣١ -

[ أن] (١) تقصر بي دون [ أحد ] (٢). فزاده حتى رضي، فقال
النبي- عليه السلام -: ((اليد العليا خير من اليد السفلى. قال:
ومنك يا رسول الله ؟ قال : ومني . قال : والذي بعثك بالحق لا أرزأ
أحدًا بعدك شيئًا. فلم يقبل عطاء ولا ديوانا حتى مات)) .
قال ( أبو سليمان ) (٣): فلو كانت اليد العليا المعطية، لكان.
حكيم قد توهم أن يدًا خير من يد رسول الله وَله لقوله: ((ومنك يا
رسول الله)) يريد أن التعفف من مسألتك كهو من مسألة غيرك ، فقال.
عليه السلام: (( نعم )) فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد .
وروي فيه وجه ثالث عن الحسن [ قال: اليد ] (١) العليا المعطية ،
و[اليد ] (١) السفلى المانعة .
قال المؤلف : وحديث عروة وسعيد مرسل ، والمسند أقطع في
الحجة عند التنازع .
باب : المنان بما أعطى
لقوله تعالى : ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما
أنفقوا منا ولا أذى ﴾ (٤) الآية .
ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين
في سبيل الله معونة لهم على جهاد العدو ، ثم يمن عليهم بأنه قد
صنع إليهم معروفا إما بلسان أو بفعل . والأذى أن يقول: إنهم [لم](٥)
(١) من (( ح)).
(٣) في (( ح)): الخطابي.
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): الحد.
(٤) البقرة : ٢٦٢ .
(٥) من (( ح)) وفي ((الأصل)): لن .
- ٤٣٢ -

--
يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد . وشبه ذلك من القول ، ومن
أخرج شيئًا لله لم ينبغ أن يمنّ به على أحد ؛ لأن ( ثوابه ) (١) على
الله- تعالى . وروى أبو ذر عن النبي - عليه السلام - أنه قال :
((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة : المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّهُ ،
والمنفق سلعته بالحلف ، والمسبل إزاره )) ذكره مسلم من حديث سفيان،
عن الأعمش ، عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر ، عن
أبي ذر .
باب : من أحب تعجيل الصدقة من يومها
فيه : عقبة بن الحارث: (( أن النبي - عليه السلام - صلى العصر
(فأسرع ) (٢) ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج ( فقلت - أو قيل -
له:) (٢) فقال: كنت خلفتُ في البيت تبرًا من الصدقة فكرهت أن أُبَيْتَهُ،
فقسمته)) .
في هذا الحديث : حض وندب / على تعجيل الصدقات وأفعال [٨٥/٢ - ١]
البر كلها إذا وجبت ، وإنما عجل عليه السلام [ تلك ] (٣) الصدقة؛
لأنه خشي أن يكون محتاجا من وجب له حق في ذلك التبر فيحبس
عنه حقه تلك الليلة ، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا ( فبيّن ) (٤) لأمته،
ليقتدوا به وله .
*
*
(١) في ( ح)): ثواب ذلك.
(٣) من ( ح)).
(٢) ليست في (( ح)).
(٤) في (( ح)): فسنّ .
- ٤٣٣ -

باب : التحريض على الصدقة والشفاعة فيها
فيه : ابن عباس قال : (( خرج النبي - عليه السلام - يوم عيد فصلى
ركعتين ، لم يصل قبل ولا بعد . ثم مال على النساء - وبلال معه -
فوعظهن، وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تلقى القُلْبَ والخُرْصَ )).
وفيه: أبو موسى قال: ((كان رسول الله وَلقر إذا جاء السائل أو
(طلبت)(١) إليه حاجة قال : اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه
ما شاء )) .
وفيه : أسماء قالت : قال النبي - عليه السلام -: (( لا توكي فيوكي
[الله ] (٢) عليك، ولا تحصي فيحصي الله عليك)).
وترجم لحديث أسماء (( باب الصدقة فيما استطاع)) ، وزاد في آخره :
(( ارضخي ما استطعت )).
قال المؤلف : الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر ، مرغب فيها،
مندوب إليها ؛ ألا ترى قوله عليه السلام : (( اشفعوا تؤجروا )) فندب
أمته إلى السعي في حوائج الناس ، وشرط الأجر على ذلك ، ودَلَّ
قوله عليه السلام: (( ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء )) أن الساعي
مأجور على كل حال وإن خاب سعيه ( ولم تنجح طلبته ) (٣) ، وقد
قال عليه السلام: ((الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)).
وقد احتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس ، فأوجبوا الزكاة
في الحلي المتخذ ( للباس ) (٤) وقال مالك : لا زكاة في الحلي ، وهو
مذهب ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر، وأنس ، وعائشة، وأسماء ..
(١) في (( ح)): طلب١٠
(٣) ليست في (( ح))
(٢) من (( ح)".
(٤) من (( ح)) وفي ((الأصل)): للنساء.
- ٤٣٤ -

قال ابن القصار والمهلب : ولا حجة في حديث ابن عباس لمن
أوجب الزكاة في الحلي ؛ لأنه عليه السلام إنما حَضَّهُنَّ على صدقة
التطوع لقوله عليه السلام: ((تصدقن [ ولو من حليكن ])) (١) ولو
كان ذلك واجبًا، لما قال: (( ولو من حليكن)) .
قال عبد الواحد : ومما يَرُدُّ قول أبي حنيفة أن لو كان ذلك من باب
الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار ، فدل أنه تطوع .
قال أبو عبيد : الحلي الذي يكون زينة النساء ومتاعا هو كالأثاث ،
وليس كالرقة التي وردت السنة بأخذ ربع العشر منها . والرقة عند
العرب الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين الناس ، وعلى هذا
جرى العمل بالمدينة لا خلاف [ عندهم أنه لا زكاة فيه ] (٢) وذكر
مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات [ أخيها ] (٣) يتامى كن في
حجرها بالحلي فلا تخرج منه الزكاة، وكان يفعله ابن عمر .
وأما قوله عليه السلام في حديث أسماء : (( لا توكي فيوكي الله
[عليك](١))) فإنما سألته عن الصدقة، وقالت له: (( يا رسول الله،
ما لي إلا ما يُدخل عليّ الزبير ، أفأتصدق ؟ قال : تصدقي ولا توكي
فيوكي الله عليك )) .
وروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة (( أن
عائشة قالت لخادمها: ما أعطيت السائل ؟ فقال لها رسول الله الية :
((لا تحصي فيحصي الله عليك)) ومعنى قوله: (( لا توكي فيوكي الله
عليك)) أي: لا توكي مالك عن الصدقة [ فلا ] (٤) تتصدقي
(١) من (( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): عنهم فيه .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أختها . خطأ.
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أي لا .
- ٤٣٥ -

خشية نفاده ، فيوكي الله عليك، أي : يمنعك كما منعت السائل . دَلَّ
هذا الحديث أَنَّ الصدقة قد تنمي المال ، وتكون سببًا إلى البركة
والزيادة فيه ، وأن من شح ولم يتصدق ؛ فإن الله يوكي عليه ، ويمنعه
من البركة في ماله والنماء فيه ..
:
وقوله عليه السلام : (( ارضخي ما استطعت)) أي : تصدقي ما
استطعت . والعرب تقول : رضخ له من ماله رضخًا أي : أعطاه
قليلاً من كثير ، عن صاحب [ الأفعال، وقال صاحب ] (١) العين :
القُلْبُ من الأسورة ما كان قلداً [واحدًاً] (١) والقُلْب: الحية البيضاء،
والخرص حلقة في الأذن . عن غيره .
باب : الصدقة تكفر الخطيئة
فيه: حذيفة قال: قال عمر: ((أيكم يحفظ قول رسول الله و # في
الفتنة؟ قلت : أنا أحفظه كما قال . قال : إنك عليه لجريء ، فكيف قال؟
[٨٥/٢-ب) قلت : فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة /
والمعروف . قال سليمان : كان يقول الصلاة ، والصدقة ، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر ... )) الحديث .
[قوله ] (١): (( فتنة الرجل في أهله وولده وجاره)) يريد [ ما ] (٢)
يفتتن به من ( صغار ) (٣) الذنوب التي تكفرها الصلاة والصدقة (وما
جاء منه ) (٤) وسأشبع القول في تفسير هذا الحديث في كتاب الصيام،
في باب الصوم كفارة - إن شاء الله تعالى .
قال المهلب : وفيه ضرب الأمثال في العلم ، وفيه حجة ( ما) (٥).
(١) من ( ح)).
(٣) في (( ح)) : صغائر.
(٢) من (ح)) وفي ((الأصل)): مما.
(٥) في ( ح)): فيما .
(٤) ليست في (( ح)).
- ٤٣٦ -

يتكلم به أهل العلم من قطع الذرائع ، ويعبرون عنه بغلق الباب
[وبفتحه] (١) كما عبر عنه حذيفة وعمر ، وأن ذلك من المتعارف من
الكلام . وفيه : أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند
العالم المبرز . وفيه : أن [ العلم ] (٢) قد يرمز به رمزاً ليفهم المرموز
له دون غيره ؛ لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس بمتفهم
له، ولا عالم بمعناه . وفيه : أن الكلام في الحدثان مباح إذا كان في
ذلك أثر عن النبوة ، وما سوى ذلك ممنوع ؛ لأنه لا يصدق منه إلا
أقل من عشر العشر ، وذلك الجزء إنما هو على غلبة الظن ؛ لقوله
عليه السلام: (( تلك الكلمة من الحق [ يخطفها ] (٣) الجني فيزيد إليها
أكثر من مائة كذبة )) .
#
لا
باب : من تصدق في الشرك ثم أسلم
فيه : حكيم بن حزام قال: (( قلت : يا رسول الله ، أرأيت أشياء كنت
أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم ، فهل فيها من
أجر ؟ فقال عليه السلام : أسلمت على ما سلف من خير )) .
( قال بعض أهل العلم ) (٤) : معنى هذا الحديث : أن كل مشرك
أسلم أنه يكتب له [ أجر ] (١) كل خير عمله قبل إسلامه ، ولا يكتب
عليه شيء من سيئاته ؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك ، وإنما
كتب له الخير ؛ لأنه [ إنما ] (١) أراد به وجه الله ؛ لأنهم كانوا مقرين
بالله إلا أن عملهم كان مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم ، فلما
(١) من ( ح).
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)) : يحفظها.
(٢) في ((الأصل)) : العالم.
(٤) ليست في ( ح)).
- ٤٣٧ -

أسلموا تفضل الله عليهم ، فكتب لهم الحسنات ، ومحا عنهم
السيئات ، كما قال عليه السلام: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ،
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ، وآمن بمحمد)) ..
( ومما يدل ) (١) على [ صحة ] (٢) ذلك ما رواه عبد الله بن وهب
قال : حدثنا مالك [عن ] (٣) زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ،
عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - قال: (( إذا أسلم
الكافر فحسن إسلامه ، كتب الله كل حسنة كان زلفها ، ومحا عنه كل
سيئة كان زلفها ، وكان عمله بَعْدُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف، والسيئة [بمثلها ] (٤) إلا أن يتجاوز الله)).
قال المهلب : ولعل حكيمًا لو مات على جاهليته أن يكون ممن
يخفف عنه من عذاب النار ، كما جاء في أبي طالب أنه أخف أهل
النار عذابًا ، ومثل ذلك ما روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن
الزهري : (( أن أبا لهب أعتق جارية يقال لها : ثويبة ، وكانت قد
أرضعت النبي - عليه السلام - فرأى أبا لهب بعضُ أهله في النوم ،
فسأله فقال : ما وجدت بعدكم من راحة غير أني سقيت في هذه -
وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه - بعتقي ثويبة )) .
وسيأتي في كتاب [ العتق في باب ] (٢) عتق المشرك ، اختلاف
أهل العلم في عتق المشرك - إن شاء الله .
(١) في (( ح )): ويدل.
(٢) من (( ح)).
(٣) في ((الأصل)): بن، وهو خطأ، والمثبت من ( ح )".
(٤) من ((ح)) وفي ((الأصل)): مثلها.
- ٤٣٨ -

باب : قوله تعالى : ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾
إلی ﴿ للعسری ﴾ (١)
فيه : أبو هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: (( ما من يوم يصبح
العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقًا خلفًا ،
ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفًا )).
قال المؤلف : معنى هذا الحديث : الحض على الإنفاق في
الواجبات ، كالنفقة على الأهل وصلة الرحم ، ويدخل فيه صدقة
التطوع ، والفرض ، ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب ، بدليل قوله:
((فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة / غفر له ما تقدم من ذنبه)). [٢/ق٩ - ١]
ومصداق الحديث قوله تعالى : ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾(٢)
يعنى: ما أنفقتم في [ طاعة الله ] (٣) وقوله عليه السلام: ((ابن آدم،
أنفق أُنفق عليك )) .
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقال ابن عباس : قوله :
﴿وصدق بالحسنى﴾ (٤) صدق بالخلف من الله - تعالى.
وقال الضحاك : صدق بلا إله إلا الله. وروي عن ابن عباس أيضًا.
وقال مجاهد : صدق بالجنة . وقال قتادة : صدق بموعود الله على
نفسه ، فعمل به .
قال ابن الأدفوي : وأشبه الأقوال عندي قول من قال : وصدق
بالخلف من الله - تعالى - لنفقته ، يدل على ذلك قوله تعالى :
﴿فأما من أعطى واتقى﴾ (٥) فكان أَوْلى المعاني به [ أن ] (٦) يكون
عقيبه الخبر بتصديقه بوعد الله بالخلف ، ويؤيد ما قلناه حديث أبي
هريرة، وقول الملائكة: ((اللهم أعط منفقًا خلفًا ، وأعط ممسكًا
(١) الليل : ٥ - ١٠ .
(٣) من (( ح)) وفي ((الأصل)): طاعة.
(٦) من (( ح)) وفيّ ((الأصل)): أو .
(٢) سبأ : ٣٩ .
(٥) الليل : ٥ .
(٤) الليل : ٦ .
- ٤٣٩ -

تلفًا )» وأنزل الله - تعالى - في القرآن ﴿فأما من أعطى واتقى﴾ (١).
الآية . وقال ابن إسحاق: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، روي
أنه اشترى تسعة كانوا في أيدى المشركين لله ، فأنزل الله هذه الآية .
وروي أنها نزلت في رجل ابتاع نخلة كانت على حائط أيتام ، فكان
يمنعهم أكل ما سقط منها ، فابتاعها رجل منه، وتصدق بها عليهم .
وقوله تعالى : ﴿فسنيسره لليسرى﴾ (٢) يريد الحالة اليسرى ، وهي
العمل بما يرضاه الله - تعالى - منه في الدنيا [ ليوجب له ] (٣) به
الجنة في الآخرة .
وقالوا في قوله تعالى : ﴿وكذب بالحسنى﴾ (٤): وكذب بالخلف،
عن ابن عباس ، وروي عنه أيضًا : كذب بلا إله إلا الله . وقال قتادة:
كذب بموعود الله - تعالى . وقال مجاهد : ﴿وكذب بالحسنى﴾ (٤):
الجنة ﴿ فسنيسره للعسرى﴾ (٢) أي: للعمل بالمعاصي . ودلت هذه
الآية أن الله - تعالى - الموفق للأعمال الحسنة والسيئة ، كما قال عليه
السلام : (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون
العمل السعادة ، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل الشقاء ، ثم قرأ:
﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ (٥) الآية )) وقال الضحاك :
العسرى : النار . فإن قيل : التيسير إنما يكون [ للحسنى ] (٦) فكيف
جاء للعسرى ؟
فالجواب : أنه مثل قوله تعالى : ﴿فبشرهم بعذاب أليم ﴾ (٧)
[أي](٦): أن ذلك يقوم لهم مقام البشارة.
(١) الليل: ٥. (٢) الليل: ٧. (٣) من (( ح))، وفي ((الأصل)): لوجبت.
(٤) الليل: ٩ . (٥) الليل : ٥ - ٦ .
(٦) من ( ح)). (٧) آل عمران: ٢١، ومواضع أخرى في القرآن.
- ٤٤٠ -