النص المفهرس

صفحات 381-400

وقول عمر: (( فإذا قبضت فاحملوني ثم قل : يستأذن عمر )) ففيه
من الفقه أن من وُعِدَ بِعِدَةٍ أنه يجوز له الرجوع فيها ، ولا يقضى عليه
بالوفاء بها ؛ لأن عمر لو علم أنه لا يجوز لعائشة الرجوع في عِدَتِهَا،
لما قال ذلك ، وسيأتي في كتاب الهبة ما يلزم من العِدَةِ وما لا يلزم
منها ، واختلاف الناس فيها - إن شاء الله .
وفيه من الفقه : أنه من بعث رسولا في حاجة مهمة أن له أن يسأل
الرسول قبل وصوله إليه ، وقبل إيراده الرسالة عليه ، ولا يُعَدُّ ذلك
من قلة الصبر ، ولا يُذَمُّ فاعله بل هو من الحرص على الخير ؛ لقوله
لابنه وهو مُقبلٌ : ما لديك .
وفيه : أن الخليفة مباح له أن لا يستخلف على المسلمين غيره ؛ لأن
رسول الله لم يستخلف أحدًا ، وأن للإمام أن يترك الأمر شورى بين
الأمة إذا علم أن في الناس بعده من يحسن الاختيار للأمة . وفيه
إنصاف عمر وإقراره بفضل أصحابه .
وفيه : أن المدح في الوجه بالحق لا يُذْم المادح به ؛ لأن عمر لم ينه
الأنصاري حين ذكر فضائله ، فبان بهذا أن المدح في الوجه المنهي عنه
إنما هو المدح بالباطل .
وفيه : أن الرجل الفاضل ينبغي له أن يخاف على نفسه ولا يثق
بعمله، ويكون الغالب عليه الخشية ، ويصغر نفسه ؛ لقوله : ليتني
تخلصت من ذلك كفافًا ، وقد سئلت عائشة عن قول الله - تعالى -:
{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ (١) فقالت : نعم ، الذين
يعملون الأعمال الصالحة ويخافون ألا تتقبل منهم ، وعلى هذا مضى
خيار السلف ، كانوا من عبادة ربهم في الغاية القصوى ، ويعدُّون
(١) المؤمنون : ٦٠.
- ٣٨١ -

أنفسهم في الغاية السفلى خوفًا على أنفسهم ، ويستقلون لربهم ما
يستكثره أهل الاغترار .
فقد ثبت عن عمر أنه تناول تبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه
التبنة ، يا ليتني لم أك شيئًا ، يا ليت أمي لم تلدني ، يا ليتني كنت
نسيًا منسيًا ، وقال: لو كانت لي الدنيا لافتديت بها من النار ولم أرها.
وقال قتادة : قال أبو بكر الصديق : وددت أني كنت خضرة تأكلني
الدواب . وقالت عائشة عند موتها : وددت أني كنت نسيًا منسيا .
وقال أبو عبيدة : وددت أني كبش يذبحني أهلي يأكلون لحمي
ويحسون مرقي . وقال عمران بن حصين : وددت أني رماد على أكمة
تسفيني الرياح في يوم عاصف . ذكر ذلك كله الطبري ، وسيأتي في
كتاب الزهد والرقائق. باب (( الخوف من الله)) زيادة في هذا المعنى -
إن شاء الله .
وفيه : أن الرجل الفاضل والعالم ينبغي له نصح الخليفة ، وأن
يوصيه بالعدل وحسن السيرة فيمن ولاء الله رقابهم من الأمة ، وأن
يحضه على مراعاة أمور المسلمين وتفقد أحوالهم ، وأن يعرف الحق
لأهله . وفيه من الفقه أن الرجل الفاضل ينبغي أن ( ... ) (١).
وفي استبطاء النبي يوم عائشة من الفقه أنه يجوز للرجل الفاضل
الميل بالمحبة إلى بعض أهله أكثر من بعض ، وأنه لا إثم عليه في ذلك
إذا عدل بينهن في القسمة والنفقة .
وقول سفيان : أنه رأى قبر النبي مسنمًا ، فقد روي ذلك عن غيره.
قال الطحاوي : وقد قال إبراهيم النخعي : أخبرني من رأى قبر النبي
(١) مكان هذا البياض لحق في هامش (( الأصل)) هو من أصل الكتاب، وأكثره
مطموس .
- ٣٨٢ -

وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض عليها مرمر أبيض . وقال الليث :
حدثني يزيد بن أبي حبيب أنه يستحب أن يسنم القبر ، ولا يرفع ،
ولا يكون عليه تراب كثير . وهو قول الكوفيين والثوري أن القبور
تسنم ، وإن رفع فلا بأس . وقال ابن حبيب مثله .
وقال طاوس : كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئًا حتى يعلم أنه قبر .
وقال الشافعي : تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع ، تكون على وجه
الأرض نحوًاً من شبر، قال: وبلغنا أن النبي ونَ ﴾ سطح قبر ابنه
إبراهيم ، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم .
وقال أبو مجلز : تسوية القبور من السُّنَّة . واحتج أيضًا بحديث
القاسم بن محمد ، وأنه رأى قبر النبي - عليه السلام - وصاحبيه
لاطية بالأرض مسطوحة بالبطحاء ، وقد بَيْنَت عائشة العلَّة في البناء
على قبره وتحظيره وذلك خشية أن يتخذ مسجدًا .
#
/ باب : ما ينهى عنه من سب الأموات
[١/ق٢٤٨ -ب)
فيه: عائشة قالت: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تسبوا الأموات؛
فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)) .
قال المؤلف : هذا الحديث مثل قول عائشة : كفوا عن ذي قبر .
قال بعض العلماء : معناه : من أهل الإيمان ، وقد ذكرت عائشة في
هذا الحديث علة الإمساك عن ذي قبر ، وهو قولها : فإنهم قد أفضوا
إلى ما قدموا ، يعني : إلى ما عملوه من حسن أو قبيح ، وقد أحصاه
الله ونسوه ، وقد ختم الله لأهل المعاصي من المؤمنين بخاتمة حسنة
تخفى عن الناس ، فمن سبهم فقد أثم ، وقد جاء أنه لا يجب القطع
على أحد بجنة ولا نار ، وقد قال عليه السلام في الميت الذي شهد له
- ٣٨٣ -

بالجنة: (( والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)) فلهذا وجب
الإمساك عن الموتى - والله أعلم .
قال عبد الواحد : إن قيل : قد ذكر الله - عز وجل - فلتات
خطايا الأنبياء في كتابه وهم أموات ، وجعلها قراءة تتلى . قيل : لا
معارضة لك بذلك ؛ لأن الله - تعالى - إنما ذكر خطاياهم موعظة
لخلقه ؛ ليرى المذنبين أنه قد عاتب أنبياءه وأصفياءه على الفلتة من
الذنوب ؛ ليحذر الناس المعاصي [ وليعلموا ] (١) أنهم أحق بالعقاب
من الأنبياء ليزدجروا ، وأيضًا فإن لوم تلك الذنوب قد سقط عن
الأنبياء بإعلام الله لنا في كتابه بتوبتهم منها ، وغفرانه إياها لهم ،
وأيضًا فإنه تعالى جعل عقابهم على تلك الفلتات في الدنيا رحمة
لهم، ليلقوه مطهرين من تلك الذنوب ، وموتانا بخلاف ذلك لا نعلم
ما أفضوا إليه ، فلذلك نهينا عن ذكرهم بذنوبهم ، وقد تقدم في باب
(( ثناء الناس على الميت )) إشباع القول فيمن يجب ذكره بذنبه ، ومن
يجب الإمساك عنه ، وبالله التوفيق .
باب : ذكر شرار الموتى
فيه : ابن عباس : (( قال أبو لهب للنبي - عليه السلام - : تبا لك سائر
اليوم، فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ (٢))).
قال المؤلف : ذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز ؛
لأنهم لا شك أنه مقطوع عليهم بالخلود في النار ، فذكر شرارهم أيسر
من حالهم التي صاروا إليها ، مع أن في الإعلان بقبيح أفعالهم مقبحًا
(١) في ((الأصل)): ولو علموا . والمثبت أنسب للسياق.
(٢) سورة المسد .
- ٣٨٤ -

لأحوالهم وذما لهم ، لينتهي الأحياء عن مثل أفعالهم ويحذروها ،
جَنَّبنا الله أفعال الكفار وأجارنا من النار .
قال عبد الواحد : عجبًا من البخاري في تخريجه لهذا الحديث في
هذا الباب ، وإن كان تبويبه له يدل على أنه أراد به العموم في شرار
المؤمنين والكافرين ، وأظنه نسي الحديث الذي [ أورده ] (١) في باب
(ثناء الناس على الميت)) فكان أَوْلى بهذا، وهو حديث أنس (( أنهم
مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا ، فقال: وجبت ... )) الحديث ،
فترك النبي - عليه السلام - نهيهم عن ثناء الشر ، ثم أخبر أنه بذلك
الثناء الشر وجبت له النار وقال: ((أنتم شهداء الله في الأرض)) فدل
ذلك أن للناس أن يذكروا الميت بما فيه من شر إذا كان شره مشهورًا ،
وكان مما لا غيبة فيه لشهرة شره، وقد تقدم في باب (( ثناء الناس على
الميت)) الكلام في الجمع بين هذا الحديث وبين قوله : ((لا تسبوا
الأموات )) وبالله التوفيق .
وقال صاحب العين : تب الإنسان : ضعف وخسر ، قال الراجز :
تبت يدا صافقها ماذا فعل
أَحْسِنْ بها من صفقة لم تستقل
وتب : هلك ، وفي القرآن : ﴿وما كيد الكافرين إلا في تباب﴾(٢)
وتَبَّ الإنسان : شاخ .
(٢) غافر : ٣٧ .
(١) في ((الأصل)): أوردته. والمثبت أنسب للسياق.
- ٣٨٥ -

الجزء الثاني من كتاب شرح البخاري
تأليف الشيخ الإمام العالم الفاضل أبي الحسن عليّ
ابن خلف بن عبد الملك بن بطال يعرف بابن اللحام
من أهل قرطبة رضي الله عنه
- ٣٨٧ -

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( وبه توفيقي وعليه أتوكل ) (١)
كتاب الزكاة
وجوب الزكاة
وقول الله - تعالى -: ﴿وأقيمو الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ (٢)، وقال ابن
عباس: حدثني أبو سفيان [ بن حرب ] (٣) فذكر حديث النبي وَليُ قال:
(( ( يأمر ) (٤) بالصلاة، والزكاة ، والصلة، والعفاف)).
فيه: ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ بعث معاذًا إلى اليمن ، فقال: ادعوهم
إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك ،
فأعلمهم أن الله ( قد ) (٥) افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم
وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك ، فأعلمهم أن الله ( قد ) (٥) افترض عليهم
صدقة ( في أموالهم ) (٥) تؤخذ من أغنيائهم ، وترد ( في ) (٦)
فقرائهم)» .
وفيه: أبو أيوب (( أن رجلاً قال للنبي قليم: أخبرني بعمل يدخلني
(١) في (( ح)) بدلا منها: صلى الله على سيدنا محمد ....
(٢) البقرة : ٤٣ وغيرها .
(٣) من (( ح)).
(٤) في ( ح )) : يأمرنا .
(٥) ليست في ( ح)).
(٦) في (( ح)) و((النسخة السلطانية)): على .
- ٣٨٩ -

الجنة؟ قال: مالَهُ مَالَهُ (و) (١) قال النبي ◌َِّ: أَرَب ماله، تعبد الله
[و](٢) لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)).
وفيه: أبو هريرة (( أن أعرابيا أتى النبي ◌َّ﴾ فقال : دلني على عمل إذا
عملته دخلت الجنة . قال : تعبد الله ، ولا تشرك به شيئًا ، وتقيم الصلاة
المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ، قال : والذي
نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما وَلَّى قال النبيِ وَلّ من سَرّه أن ينظر
إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا)).
وفيه : ابن عباس (( قدم وفد ( عبد القيس ) (٣) على النبي ◌َ﴾
(فقالوا)(٤): مرنا بشيء نأخذه عنك، وندعوا إليه من وراءنا . قال :
آمركم بأربع: الإيمان بالله ( وشهادة) (٥) أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة ... )) الحديث.
:
وفيه: أبو هريرة (( لما توفي رسول الله يل) وكان أبو بكر ، وكفر من كفر
من العرب ( فقال ) (٦) عمر: كيف نقاتل الناس ، وقد قال رسول الله مسلم :
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم
مني مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقه وحسابه على الله ؟! فقال : والله لأقاتلن من
فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني (عناقًا)(٧)
كانوا يؤدونها إلى رسول الله [َلي] (٢) لقاتلتهم على منعها. قال عمر:
فوالله ما هو إلا أن [ رأيت أن الله ] (٢) قد شرح صدر أبي بكر، فعرفت
أنه الحق )).
(١) ليس في ( ح)).
(٣) في ( ح)): عبد قيس .
(٥) في ( ح)) : فشهادة - كذا - .
(٧) في ( ح)): عقالا .
(٢) من ( ح)).
(٤) في (( ح)): فقال - كذا - .
(٦) في ((. ح)): قال .
- ٣٩٠ -

قال المؤلف : فرض الله - تعالى - الزكاة بقوله : ﴿أقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة﴾ وهذه الآية ( تشهد ) (١) لصحة هذه الأحاديث.
والزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة . قال عليه الصلاة
والسلام : ((بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله،
وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ، وحج البيت)) . فهذه
دعائم الإسلام وقواعده ، لا يتم إسلام من جحد واحدة [ منها ] (٢)،
ألا ترى فَهْمَ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لهذا المعنى .
وقوله: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؛ فإن الزكاة
حق المال)) وأجمع العلماء (على ) (٣) أن ( مانع ) (٤) الزكاة تؤخذ
من ماله قهرًا ، وإن نصَب الحرب دونها قوتل اقتداءً بأبي بكر
الصديق- رضي الله عنه - في أهل الردة .
وكانت الردة على ثلاثة أنواع : قوم كفروا وعادوا إلى ما كانوا عليه
من عبادة الأوثان ، وقوم آمنوا بمسيلمة وهم أهل اليمامة ، وطائفة
(منعوا ) (٥) الزكاة ( وقالوا ) (٦): ما رجعنا عن ديننا ، ولكن
(شححنا ) (٧) على أموالنا . فرأى أبو بكر - رضي الله عنه - قتال
الجميع ، ووافقه على ذلك ( جميع ) (٨) الصحابة بعد أن خالفه عمر
في ذلك ، ثم بان له صواب قوله ، فرجع إليه . فسبى أبو بكر -
رضي الله عنه - نساءهم ، وأموالهم اجتهادًا منه ، فلما ولي عمر -
رضي الله عنه - بعده ، رأى أن يرد (ذراريهم ) (٩) ونساءهم إلى
(١) في (( ح)) : شاهدة.
(٣) ليست في ( ح)).
(٥) في ( ح)): منعت.
(٧) فى ((الأصل)): شحنا .
(٩) في ( ح)): ذريتهم .
(٢) من ((ح)) وفي ((الأصل)): منهم .
(٤) في (( ح ) : جاحد .
(٦) في (( ح)): وقالت .
(٨) في (( ح)): جماعة.
- ٣٩١ -

عشائرهم ، وفداهم ، وأطلق سبيلهم ، وذلك أيضًا بمحضر الصحابة
من غير نكير ، والذي رد [ منهم ] (١) عمر لم ( يأب ) (٢) أحد منهم
الإسلام ، وعذر أبا بكر في اجتهاده ، وهذا [ أصل ] (٣) في أن كل
مجتهد مصيب .
وقال بعض العلماء : حكم أبو بكر في أهل الردة بالسبي ، وأخذ
المال وجعلهم كالناقضين ، وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين ، فرد
النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم
الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه ، والذين ردهم عمر لم يأب أحد
منهم الإسلام ، وعلى هذا الفقهاء ، وبه قال ربيعة الرأي ، وابن
[١٥/٢ - ب) الماجشون ، وابن القاسم ، وذهب أصبغ بن الفرج إلى فعل أبي بكر-
رضي الله عنه - أنهم كالناقضين ، وتأويل أبي بكر مستنبط من قوله
تعالى / في الكفار: ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا
سبيلهم﴾ (٤) فجعل من لم يلتزم ذلك كله كافرًا يحل دمه وأهله
وماله، ولذلك قال: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة )).
وقال أبو جعفر الداودي : قال أبو هريرة: ((والله الذي لا إله إلا
هو ، لولا أبو بكر ما عُبد الله . قيل له : اتق الله يا أبا هريرة .
فكرر اليمين ، وقال : لما توفي رسول الله ارتدت العرب ، وكثرت
أطماع الناس في المدينة (وأرادته) (٥) الصحابة على إمساكه (بجيش)(٦)
(١) من (( ح)).
(٢) فى ((الأصل، ح)): لم يأبا - كذا .
(٣) من ((ح)) وفي ((الأصل)): الأصل. (٤) التوبة: ٥.
(٥) في ((الأصل)) ما صورته: وإدارته، وفي ((ح)): وإداره، وكأنها من
المدارأة، وهي المدافعة فيكون المعنى : دافعته الصحابة على ما أراد .
ويحتمل أن يكون حدث في حروف الكلمة إبدال، كانت في ((الأصل)) :
وأرادته ، من الإرادة فأبدلت الراء بالدال والعكس ، وهو الأقرب عندي للمعنى
فأثبته ، والله أعلم .
(٦) في (( ح)): لجيش .
- ٣٩٢ -

أسامة ، والكفّ عمن منع الزكاة ، فقال : والله لو لم يتبعني أحد
لجاهدتهم بنفسي حتى يعز الله دينه أو تنفرد سالفتي . فاشتد عزم
الصحابة حينئذ ، وقمع الله أهل ( المطامع ) (١) عما أرادوه .
[ قال المؤلف ] (٢): وهذا كله [ يشهد لتقدم أبي بكر ] (٣)
[الصديق رضي الله عنه ] (٢) في العلم ورسوخه فيه، وأن ( مكانه من
العلم ونصرة الإسلام ) (٤) لا يوازيه ( فيه ) (٥) أحد ؛ ألا ترى رجوع
جماعة الصحابة إلى رأيه في قتال أهل الردة ، ولا يجوز عليهم اتباعه
تقليدًاً له دون ( تبيين ) (٦) الحق لهم ، وذلك أنه احتج عليهم أن
الزكاة قرينة الصلاة ، ( وأنها مِنْ حق المال ) (٧) ، وأن من جحد
فريضة فقد كفر ، ولم يعصم دمه ولا ماله ، وأنه لا يعصم ذلك إلا
(بالوفاء ) (٨) بشرائع الإسلام، ولذلك قال عمر [ رضي الله عنه] (٢):
((فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت
أنه الحق)) [ أي: عرفت أنه على الحق ] (٢) بما بينه أبو بكر من
استدلاله على ذلك ، فبان لعمر وللجماعة الحق في قوله ، فلذلك
اتبعوه .
وأما قوله: ((لو منعوني عناقًا)) فإنما خرج كلامه على التقليل
و( ... ) (٩) لأن العناق عند أهل اللغة : الجدية إذا قويت على الرعي
(١) في (( ح)) كأنها : التطاول .
(٣) من ( ح)) وفي (( الأصل)) : يشهد لأبي بكر.
(٤) في (( ح)): مكانته من نصر الإسلام.
(٦) في (( ح )) : تبين.
(٧) في ( ح)): وأنها حق المال .
(٨) في (( ح)): الوفاء .
(٢) من (( ح)).
(٥) في (( ح) : فيها .
(٩) هاهنا كلمة في ((الأصل)) لم أتبيّنها على وجه التحديد، كأنها (( الأعناف))
وليس في (( ح)) بعد الألف الثانية شيء .
ورسمها في (( الأصل ) يحتمل أن تكون: ((الاعتناف))، بمعنى التشديد أو
الإنكار كما في تاج العروس وغيره، ويحتمل أن تكون: (( الإعنات )) من
العنت ، فالله أعلم .
- ٣٩٣ -

قبل أن يأتي عليها حول ، ولا تؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم
ولو كانت عناقًا كلها .
ومن روى ((عقالا )) فاختلف أهل اللغة في تأويله ، فقال أبو
عبيد : العقال : صدقة عام . وقال ابن الكلبي : كان معاوية قد بعث
عمرو بن عتبة بن أخيه مصدقًا ، فجار عليهم فقال :
سعى عقالا فلم يترك لنا سبداً
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين (١)
قال أبو عبيد : فهذا كلام العرب ، وقد قيل : هو عقال الناقة ،
وكان الواقدي يزعم أن هذا رأي مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب .
قال أبو عبيد : والأول أشبه عندنا بالمعنى ، والشواهد في كلام
العرب عليه أكثر ، وقد روى ابن وهب عن مالك أن العقال :
الفريضة من الإبل . قال أبو سليمان الخطابي : قد خولف أبو عبيد في
هذا التفسير . وذهب غير واحد من العلماء إلى تفسيره على غير هذا
الوجه ، أنكر العبدي ما ذهب إليه أبو عبيد ، وقال : إنما يضرب المثل
في هذا بالأقل فما فوقه ، كما يقول الرجل للرجل إذا منعه الكثير من
المال : لا أعطيك ولا درهمًا منه . وليس بالسائغ أن يقول : لا أعطيك
ولا مائة ألف . وقال : ليس بسائغ في كلامهم أن العقال صدقة عام.
والبيت الذي احتج به ليس بالبيت الذي يحتج به ، ( قال : وأيضًا فإن
العرب لم تقل له : لا أعطيك إلا عامًا واحدًا . وإنما منعوا الصدقات
على الأبد ، فكيف يقول العقال الذي منعوه : صدقة عام ، وهم
يتأولون أنهم كانوا مأمورين بأدائها إلى النبي ◌َّر دون القائم بعده؟!
(١) لسان العرب (٤٦٤/١١) مادة: عَقَلَ .
- ٣٩٤ -

وسمعت) (١) ابن عائشة يقول : العقال : الحبل . وذلك أن الصدقة
كانت إذا هبط بها إلى رسول الله وَّهِ عُقْلَ بِكُلِّ عقال [ بعيران](٢)
ولذلك سمي الحبل الذي يقرن به ( بين البعير ) (١) : القرن - بفتح
الراء - والقرن أيضًا: البعير المقرون ( إلى آخر) (٣).
وفيه قول آخر ، قاله النضر بن شميل ، قال : العرب تقول :
أفرضت إبلكم : إذا وجبت فيها الفريضة وأشنقت ، والشنق أن يكون
في خمس من الإبل شاة ، وفي عشر شاتان إلى ( خمس وعشرين) (٤)
فإذا وجبت فيها ابنة مخاض فهي العقال . وهذا يشبه رواية ابن وهب
وفيه قول آخر ، قاله أبو سعيد الضرير قال : العقال : كل ما أخذ
من الأصناف من الإبل ، والبقر ، والغنم ، والثمار التي يؤخذ منها
العشر ، ونصف العشر ، فهذا كله عقال في صنفه ، وسمي : عقالا
لأن المؤدى إليه قد عقل عنه طلبة السلاطين وتبعته ، وعقل عنه الإثم
الذي يطلبه الله به إذا منع الزكاة ، ولذلك سميت العاقلة التي تؤدي
دية الخطأ ؛ لأنها إذا فعلت ذلك عقلت عن وليها تبعة أولياء المقتول .
/ وفيه قول آخر قاله المبرد [قال ] (٥): إذا أخذ المصدق من [٢/ ٢٥ - ١]
الصدقة ما فيها ، ولم يأخذ ثمنها قالوا : أخذ عقالا ، فإذا أخذ الثمن
قالوا : أخذ نقدًا . وأنشد :
أتانا أبو الخطاب يضرب طبله
فرد ولم يأخذ عقالا ولا نقدًا
(١) ليست في ( ح )).
(٢) من (( ح)) وفي (( الأصل)): بعيرين.
(٣) في (( ح )) : بآخر .
(٤) في (( ح)): إلى أن تبلغ خمسًا وعشرين .
(٥) من (( ح)).
- ٣٩٥ -

وفي أكثر الروايات: ((لو منعوني عناقًا )) وهو مشاكل لما ذهب
إليه العبدي في معنى العقال ، وفي رواية أخرى ذكرها ابن الأعرابي :
((والله لو منعوني جديًا أذوط [ لقاتلتهم عليه ](١))) قال: والذوط:
الصغير الفك والذقن .
وأما قوله عليه السلام ( لمعاذ) (٢): ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله ؛ فإن [ هم ] (١) أطاعوا لذلك فأعلمهم أن
الله فرض عليهم الصلاة، والزكاة ... )) إلى آخر الحديث ، فإنما
أمره أن يدعو إلى الشهادة من لم يكن أسلم من أهل الكتاب ، وقد
جاء هذا بينًا في حديث معاذ في باب: لا تؤخذ كرائم ( أموال ) (٣)
الناس ( بعد هذا) (٣) في الصدقة ((أن النبي - عليه السلام - قال
لمعاذ : إنك تأتي أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ؛
فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات )) وقد
تقدم معنى قول الرجل: ((والله لا أزيد على هذا)) في كتاب الإيمان
(فأغنى عن إعادته ) (٣) ( وقد ) (٤) تقدم فيه معنى حديث وفد
عبد القيس أيضاً .
وقوله عليه السلام في حديث أبي أيوب : (( أرب ما له )) فإنه يروى
بكسر الراء ، وفتح الباء، ويروى: ((أرَبٌّ ما له )) بفتح الراء وضم
الباء وتنوينها ، وفسر ابن قتيبة الرواية بكسر الراء وفتح الباء ، فقال :
هو من الأراب مأخوذ ، والأراب : الأعضاء ، واحدها : أرب ،
ومنه قيل : قطعته أربًا أربًا، أي: عضوًا عضوًا [قال] (١) ومعنى
قوله: (( أرب ما له )) أي : سقطت أعضاؤه وأصيبت ، وهي
(٢) في (( ح)): في حديث معاذ.
(١) من (( ح)).
(٤) في (( ح)): وكذلك.
(٣) ليست في (( ح )"
- ٣٩٦ -

كلمة مقولة لا يراد بها إذا قيلت وقوع الأمر ، كقولهم : عقرى
حلقى. أي: عقرها الله [وحلقها] (١) أي: أصابها بوجع في
حلقها، وكقولهم : قاتله الله ، وتربت يداك ، وأشباه هذا كثير . ومن
رواه «أرَبٌ ما له )) فمعناه نحو معنى قوله : في حديث سعد بن (
الأخرم ) (٢) حين أخذ بزمام ناقته عليه السلام بعرفة ، وهو يريد أن
يسأله ، فصاح به ( الناس ) (٣) من أصحابه، فقال: ((دعوه، فأرَبٌ
ما جاء به . فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل يقربني من الجنة ،
ويباعدني من النار . فقال : إن كنت أوجزت في الخطبة فقد أعظمت
وأطولت . فقال : تعبد الله ، ولا تشرك به شيئًا ، وتقيم الصلاة ،
وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحب للناس ما تحب أن ( يؤتى)
(٤) إليك ، وما كرهت أن ( يؤتى ) (٤) إليك فدع الناس منه، خل [
عن ] (١) زمام الناقة)) رواه الأعمش عن [ شمر ] (٥) ، عن المغيرة
بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه - أو عن عمه - عن النبي - عليه
السلام ويمكن أن تكون هذه القصة هي التي روى أبو أيوب في حديثه
؛ لأنه عليه السلام لم يكرر قوله: ((ما له ما له )) إلا أنه أنكر عليه
حبسه زمام ناقته أو غير ذلك مما لم يكن له فعله [ والله أعلم ] (٦)
(١) من ( ح)).
(٢) من (( ح)) وفي ((الأصل)): ((الأحمر)) وهو تحريف، وسيأتى في ((الأصل))
في موضع لاحق على الصواب .
(٣) في ( ح)) : ناس.
(٤) في ( ح)) : يأتوا .
(٥) هو ابن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي كما يعلم من ترجمته ، وترجمة الأعمش
والمغيرة بن سعد بن الأخرم من (( تهذيب الكمال)).
ووقع في (( الأصل)) و( ح)): ((عمرو)) وهو خطأ.
(٦) من (( ح))، ومكانها بياض في ((الأصل)).
- ٣٩٧ -

وفسر الطبري قوله: (( [ فأرب ] (١) ما جاء به )) وقال معناه : فحاجة
ما جاءت به، والأرب: الحاجة، و((ما)) التي في قوله: ( ما جاء
به)» صلة في الكلام ، كما قال تعالى: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم﴾ (٢)
والمعنى : [فأرب ] (١) جاء به .
قال المؤلف : وعلى هذا التقدير تكون (( ما )) التي في حديث أبي
أيوب في قوله: ((أَرَبِّ ما له)) زائدة ، كأنه قال : أرب له ، هذا
أحسن من قول ابن قتيبة .
( قال عبد الواحد: وقوله في حديث ابن أخرم: ((إن كنت
أوجزت في الخطبة )) ولم تكن هناك خطبة ؛ فإن العرب تسمي كل
كلام وسؤال : خطبة ؛ لأنه مشتق من الخطاب ) (٣).
قال المهلب : وقوله في حديث أبي أيوب : (( وتصل الرحم )) بعد
الصلاة والزكاة ، يدل أن السائل كان محتاجاً إلى التنبيه على ذلك ؛
لأنه عليه السلام كان يقدم تعريف أمته بما هم إليه أحوج .
*
باب : البيعة على إيتاء الزكاة
وقوله : ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في
الدین﴾(٤)
(١) من ((ح)) وفي ((الأصل)): أرب.
(٢) النساء: ١٥٥، المائدة : ١٣ .
(٣) سيأتي هذا في (( ح ) بعد قول المهلب.
(٤) التوبة : ١١ .
- ٣٩٨ -

فيه : جرير: ( بايعنا ) (١) النبي - عليه السلام - على إقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم)) .
قال المؤلف : / هذا الباب في معنى الذي قبله ، وقد أخبر الله [٢/ ٢٥ -ب]
تعالى في هذه الآية أن الأخوة في الدين إنما تستحق ( بإقام ) (٢)
الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ودل ذلك ( أنه ) (٣) من لم يقمها فليس بأخ
في الدين ، وفي هذه الآية حجة لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
في قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة ، وقد أجمع العلماء في الرجل
يقضي عليه القاضي بحق لغيره فيمتنع من أدائه أن واجبًا على القاضي
أن يأخذه من ماله ، فإن نصب الحرب دونه وامتنع ، قاتله حتى يأخذه
منه، فإن أتى القاتل على نفسه فشر قتيل ، فحق الله الذي أوجبه
للمساكين أولى [ بذلك ] (٤) وذكر النصح لكل مسلم في البيعة مع
الصلاة والزكاة يدل على حاجة جرير وقومه إلى ذلك ، وكان جرير
رئيس قومه .
باب : إثم مانع الزكاة
وقوله تعالى : ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ إلى قوله :
﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ (٥).
وفيه : أبو هريرة: قال عليه السلام: (( تأتي الإبل على صاحبها على
خير ما كانت ( إذا هو لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها ، وتأتي الغنم
(١) في (( ح): بايعت .
(٣) في (( ح)) : أن .
(٥) التوبة : ٣٤ - ٣٥ .
(٢) في (( ح)): بإقامة .
(٤) من ( ح )).
- ٣٩٩ -

على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها ) (١) تطؤه
بأظلافها وتنطحه بقرونها ، قال : ومن حقها أن تحلب على الماء ، قال :
ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها (ثُغَاءٌ) (٢)
فيقول : يا محمد ، فأقول : لا أملك لك شيئًا ، قد بلغت ( ولا يأتي
بیعیر یحمله على رقبته له رغاء فيقول : يا محمد ، فأقول : لا أملك لك
شيئًا ، قد بلغت ) (١) . .
وفيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: (( من آتاه الله مالا، فلم يؤد
زكاته مثِّلَ له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ،
ثم يأخذ بلهزمتيه - يعنى : بشدقيه - ثم يقول : أنا مَالُكَ ، أنا كنزك . ثم
تلا النبي ◌َلفر: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ (٣) الآية)).
قال المؤلف : تأول العلماء أن قوله : ﴿ والذين يكنزون الذهب
والفضة ﴾ الآية ، وعيد لمن منع الزكاة ، ومن أدى زكاة ماله فليس
بداخل في هذه الآية.
قال المهلب : في هذه الآية فرض زكاة الذهب ، ولم ينقل عن
النبي - عليه السلام - فرض زكاة الذهب من طريق الخبر كما نقل
عنه زكاة الفضة، وهو قوله: ((في الرُّقة (٥) ربع العشر، وليس فيما دون
(١) ليست في ( ح)).
(٢) في (( ح)): يعار. وهما بمعنى واحد، ويقال: الثغاء للضأن، واليعار
للمعز، وسيأتي تفصيل ذلك .
(٣) آل عمران: ١٨٠.
(٤) التوبة : ٣٤ .
(٥) في لسان العرب (٣٧٥/١٠) مادة ((ورق)): وقال أبو الهيثم: الورق والرقة ،
الدراهم خاصة . وقال ابن سيده : والرقة : الفضة والمال ، عن ابن الأعرابي ،
وقيل: الذهب والفضة ، عن ثعلب .
- ٤٠٠ -