النص المفهرس
صفحات 361-380
قال عليه السلام : إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم حق )) قالوا : فخبر عائشة يبين ما قلنا من تأويل قوله عليه السلام : (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم )» أنه يراد به ما أنتم بأعلم [ لا ] (١) أنه خبر عن أنهم يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم، قالوا: ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى ، لم يكن لقوله : ﴿ إنك لا تسمع الموتى﴾ (٢) ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٣) معنى . قال الطبري : والصواب من القول في ذلك أن كلا الروايتين عن النبي في ذلك صحيح لعدالة نقلتها ، والواجب الإيمان بها ، والإقرار بأن الله يُسمع من يشاء من خلقه بعد موتهم ، ما شاء من كلام خلقه، ويُفهم ما يشاء منهم ما يشاء ، ويُنعِّم من أحب منهم ، ويعذب في قبره الكافر ومن استحق العذاب كيف أراد ، على ما صحت به الأخبار عن النبي - عليه السلام . وليس في قوله : ﴿ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ (٣) حجة في دفع ما صحت به الآثار من قوله لأصحابه في أهل القليب: (( ما أنتم بأسمع منهم )) ولا في إنكار من أنكر ما ثبت من قوله: (( إنه ليسمع قرع نعالهم)) إذا كان قوله: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٣) و﴿ إنك لا تسمع الموتى﴾ (٢) محتملا من التأويل وجهًا سوى ما تأوله من زعم أن الميت لا يسمع كلام الأحياء ، وذلك أن يكون معناه : فإنك لا تسمع الموتى بطاقتك وقدرتك ؛ إذ كان خالق السمع غيرك ، ولكن الله هو الذي يُسمعهم . (١) في ((الأصل)): إلا. وهو خلاف المراد هنا، وإنما مراد القائل: نفى أن يكون في الحديث إخبار أن الموتى يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم ، وما في ((الأصل )) يثبت هذا ، وهو خطأ . (٢) النمل : ٨٠ . (٣) فاطر: ٢٢ . - ٣٦١ - وذلك نظير قوله : ﴿وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾ (١) وذلك بالتوفيق والهداية بيد الله دون من سواه ، فنفى عن نبيه أن يكون قادرًا أن يسمع الموتى إلا بمشيئته ، كما نفى أن يكون قادرًا على هداية الضلال إلا بمشيئته ، وإنما أنت نذير ، فبلِّغْ ما أُرسلتَ به . والثانى : أن يكون المعنى: فإنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لأنهم قد انقطعت عنهم الأعمال ، وخرجوا من دار العمل إلى دار الجزاء ، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله وبطاعته ، فكذلك هؤلاء الذين كتب عليهم ربك أنهم لا يؤمنون ، لا يسمعهم دعاؤك إياهم إسماعًا ينتفعون به ؛ لأن الله قد حتم عليهم ألا يؤمنوا ، كما حتم على أهل القبور من أهل الكفر أنهم لا ينفعهم بعد كونهم في القبور عمل ؛ لأن الآخرة ليست بدار امتحان ، وإنما هي دار جزاء . وكذلك قوله : ﴿ إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ (٢) : الجهال ؛ يريد أنك لا تقدر على إفهام من جعله الله جاهلا ، ولا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى ، وفي صدر الآية ما يدل على هذا ؛ لأنه قال : ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ (٣) يعني بالأعمى: الكافر، والبصير: المؤمن ﴿ولا الظلمات ولا النور﴾ (٤) يعني بالظلمات : الكفر ، وبالنور : الإيمان ولا الظل ولا الحرور ﴾ (٥) يعني بالظل: الجنة ، وبالحرور : النار وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ (٢) يعني بالأحياء: العقلاء ، وبالأموات : الجهال ، ثم قال : ﴿إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ (٢) يعني: إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم (١) النمل : ٨١. (٤) فاطر : ٢٠ . (٣) فاطر : ١٩ (٢) فاطر : ٢٢ . (٥) فاطر : ٢١ . - ٣٦٢ - موتى في القبور ، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلا للجهال شهداء بدر ، فيحتج علينا بهم ، أولئك أحياء كما نطق التنزيل . وقال أبو عثمان بن الحداد : وليس في قوله تعالى : ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ (١) ما يعارض ما ثبت من عذاب القبر؛ لأن الله - تعالى - قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة ، فقال : ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ الآية (٢)، فلما كانت حياة الشهداء قبل محشرهم ليست برادة ؛ لقوله تعالى : ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ (١) ومن أنكر حياة الشهداء بعد موتهم قبل محشر الناس ، وادَّعَى أن قوله تعالى: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ يومَ القيامة أبطل ما اقتضاه قوله : ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ﴾ (٢) لأن الشهداء وغيرهم من جميع الناس يتوافون يوم القيامة ، ويستحيل فيمن وافاه غيره أن يقال في الذي وافاه أنه سيلحقه ، ويقال فيه بأنه خلفه . قال غيره : والأخبار في عذاب القبر صحيحة متواترة لا يصح عليها التواطؤ ، وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين . واختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ (٣) قال الحسن وابن جريج : عذاب الدنيا وعذاب القبر . وقال مجاهد : القتل والسباء ، وأما قوله : ﴿فاليوم تجزون عذاب / الهون ﴾ (٤): في الآخرة . وقال غيره : لما بعثوا وصاروا إلى النار قالت الملائكة : اليوم تجزون عذاب الهون ، قال : الهوان . [١/ق٢٤٥-١] (١) الدخان : ٥٦ . (٣) التوبة : ١٠١ . (٢) آل عمران : ١٦٩ . (٤) الأحقاف : ٢٠ . - ٣٦٣ - باب : التعوذ من عذاب القبر فيه : البراء بن عازب قال: (( خرج النبي وقد وجبت الشمس فسمع صوتًا ، فقال : يهود تعذب في قبورها)) . وفيه : ابنة خالد أم سعيد بن العاص : (( أنها سمعت النبي - عليه السلام - وهو يتعوذ من عذاب القبر)). وفيه: أبو هريرة قال: (( كان رسول الله يدعو : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، ومن عذاب النار ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال )) . قال المؤلف : هذه الآثار تشهد للآثار التي في الباب قبل هذا ، أن عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السّنّة ؛ ألا ترى الرسول استعاذ بالله منه ، وقد عصمه الله وطهره ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فينبغي لكل من علم أنه غير معصوم ولا مطهر أن يكثر. التعوذ مما استعاذ منه نبيه ، ففيه أكرم الأكرمين أسوة . فإن قيل : فإذا أخبر الله نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما وجه استعاذته عليه السلام من شيء قد علم أنه قد أعيذ منه؟ فالجواب : أن في استعاذته عليه السلام من كل ما استعاذ منه إظهارًا للافتقار إلى الله ، وإقرارًا بالنعم ، واعترافًا بما يتجدد من شكره عليها ما يكون ( كفأ لها ) (١) ألا ترى أنه كان يصلي حتى تتفطر قدماه فيقال له : (( يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فيقول : أفلا أكون عبداً شكورًا )» . فمن عظمت عليه نعم الله وجب عليه أن يتلقاها بعظيم الشكر ، لا سيما أنبياءه وصفوته من خلقه الذين اختارهم ، وخشيةُ العباد لله (١) هكذا استظهرت قراءتها . - ٣٦٤ - على قدر علمهم به . وفي استعاذته مما أُعيذ منه تعليم لأمته ، وتنبيه لهم على الاقتداء به واتباع سنّته وامتثال طريقته ، والله أعلم . باب : الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي فيه : ابن عمر: أن رسول الله قال: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة )) . قال بعض أهل بلدنا : معنى العرض في هذا الحديث الإخبار بأن اللهَ موضعُ أعمالكم ، والجزاء لها عند الله ، وأريد بالتكرير بالغداة والعشي تذكارهم بذلك ، ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة هي في الذهاب وأكل التراب لها والفناء ، ولا يعرض شيء على فان، فَبَانَ أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة، وذلك أن الأرواح لا تفنى ، وأنها باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار . وقال القاضي ابن الطيب : اتفق المسلمون أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة ، وإنما هو في الدنيا ، فهم معروضون بعد مماتهم على النار ، وقيل : يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، فمن عرض عليه النار غدوا وعشيا أحرى أن يسمع الكلام . قال غيره : واستدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور ، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك ؛ لأن الأحاديث بذلك أثبت من غيرها : قال الداودي : ومما يدل على حياة الروح والنفس وأنهما لا يفنيان قوله تعالى: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ إلى ﴿مسمى﴾ (١) والإمساك لا يقع على الفاني. (١) الزمر : ٤٢ . - ٣٦٥ - باب : كلام الميت على الجنازة فيه : أبو سعيد قال: قال رسول الله: ((إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني قدموني ، وإن ٢٤٥٥/١٦- ب) كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ، أين تذهبون بها ؟ / يسمع صوتَها كُلّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) . قال المؤلف : في هذا الحديث دليل أن روح الميت تتكلم بعد مفارقته لجسده ، وقبل دخوله في قبره ، والكلام لا يكون إلا من الروح، وقد جاءت آثار تدل على معرفة الميت من يحمله ويدخله في قبره ، وروى الطبري قال : حدثنا محمد بن يزيد الأدمي ، حدثنا أبو عامر (١)، حدثنا [ عبد الملك ] (٢) بن الحسن الحارثي ، حدثنا سعيد ابن عمرو بن سليمان الزرقي قال : سمعت رجلا اسمه : معاوية - أو ابن معاوية - قال : سمعت من أبي سعيد الخدري ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إن الميت ليعرف من يحمله ومن يغسله ومن يدليه في قبره )) وحدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان، حدثنا حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : إذا مات الميت فملك قابض نفسه ، فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله ، وعند حمله حتى يصل إلى قبره . (١) هو عبد الملك بن عمرو العقدي. (٢) هكذا ذكره البخاري في ترجمة سعيد بن عمرو الزرقي ، من التاريخ الكبير (٣/ رقم ١٦٦٤) وهو عبد الملك بن الحسن بن أبي حكيم الجاري - ويقال: الحارثي - أبو مروان المدني، ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (٣٠١/١٨) وفيه: يروي عن سعيد هذا، وعنه أبو عامر العقدي. ووقع في ((الأصل)) : محمد بن الحسن، وهو تحريف . وهذا الخبر رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢١٢/١٢)، ووقع فيه: سعد ابن عمرو بن سليم الزرقي ، وهو صواب أيضًا حكاه البخاري في ترجمته من. ((التاريخ الكبير)) وترجمته في تعجيل المنفعة رقم (٣٨٣) قال: ويقال فيه: سعد . - ٣٦٦ - قال عبد الواحد : إن قال قائل : كيف ترجم البخاري باب كلام الميت على الجنازة ، وأدخل حديثًا يدل أن الجنازة : الميت ؟ قيل : إنما ترجم ذلك لمعرفته باللغة ، قال صاحب العين : الجَنازة - بالفتح - : الميت ، والجنازة - بالكسر - : خشب السرير الذي يحمل عليها الميت، فإنما أراد كلام الميت على النعش - وبالله التوفيق . باب : ما قيل في أولاد المسلمين وقال أبو هريرة: عن النبي - عليه السلام -: (( من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار، أو أدخل الجنة)). وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام - : (( ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)). وفيه : البراء قال: (( قال رسول الله لما توفي إبراهيم : إن له مرضعًا في الجنة )) . وقال بعض العلماء : الثلاثة داخلة في حيز الكثير ، وقد يصاب المؤمن فيكون في إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة ، ولا يصبر لتردادها عليه ، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب فَصَبَر ، أَوْلَى بجزيل الثواب ، والولد من أجل ما يسر به الإنسان لقد يرضى أن يفديه بنفسه، هذا هو المعهود في الناس والبهائم ، فلذلك قصد رسول الله إلى أعلى المصائب والحض على الصبر عليها . وقد روي عنه أنه قال: (( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّة من النار)) ومعنى الحِسْبَةِ : الصبر لما ينزل به ، والاستسلام لقضاء الله عليه فإذا طابت نفسه على الرضا عن - ٣٦٧ - الله في فعله ، استكمل جزيل الأجر ، وقد جاء أنه ليس شيء من الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله في جميع النوازل ، وهذا معنى قوله: ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (١) يريد رضي أعمالهم ، ورضوا عنه بما أجرى عليهم من قضائه ، وما أجزل لهم من عطائه . وقوله: (( لم يبلغوا الحنث)) يريد لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام. بالأعمال ، والحنث : الذنب العظيم . وقوله عليه السلام في حديث أنس: (( أدخله الله الجنة بفضل رحمته. إياهم)) هو دليل قاطع أن أولاد المسلمين في الجنة ؛ لأنه لا يجوز أن يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم ، ويشهد لصحة هذا قوله عليه السلام في ابنه إبراهيم : ((إن له مرضعًا في الجنة )) وعلى هذا القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين في الجنة إلا المجبرة؛ فإنهم عندهم في المشيئة ، وهو قول مجهول مردود بإجماع الحجة الذين لا يجوز عليهم الغلط ، ولا يسوغ مخالفتهم . باب : أولاد المشركين فيه : ابن عباس وأبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - سئل عن أولاد المشركين فقال : الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)) . وفيه : أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام - : « کل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كمثل البهيمة تنتج البهيمة ، هل ترى فيها جدعاء ؟ )). (١) المائدة: ١١٩، والمجادلة: ٢٢، والبينة: ٨. - ٣٦٨ - باب فيه : سمرة بن جندب /: (( كان النبي - عليه السلام - إذا صلى صلاة (٦٥/١ ٢٤-١] أقبل علينا بوجهه فقال : من رأى منكم الليلة رؤيا ؟ فإن رأى أحد قَصَّها، فيقول ما شاء الله ، فسألَنا يومًا فقال : هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟ قلنا : لا [ قال: ] (١) لكني رأيت الليلة [ رجلين ] (٢) أنياني فأخذا بيدي ، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة ، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده - قال بعض أصحابنا عن موسى : كلوبٌ من حديد يدخله في شدْقه - حتى يبلغَ قفاه ، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ، ويلتئم شدقه هذا ، فيعودُ فيصنعُ مثلَه ، قلت : ما هذا؟! [ قالا: ] (٣) انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاهُ ، ورجل قائم على رأسه بفهْر - أو صخرة - فيشدخُ بها رأسَه، فإذا ضربه تَدَهْدَه الحجرُ ، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع [ إلى ] (١) هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، وعاد إليه فضربه ، قلت: من هذا؟! [ قالا: ](٣) انطلق. فانطلقنا إلى ثَقْب مثل التَّنَور ، أعلاهُ ضيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ ، يتوقد تحته ناراً ، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا ، فإذا خمدت رجعوا ، وفيها رجال ونساء عراة ، فقلت : ما هذا ؟! قالا : انطلق . فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم ، فيه رجل قائم على وسط النهر - قال یزید ووهب ابن جرير بن حازم : وعلى [ شط ] (٤) النهر - رجل بين يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان ، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع (١) سقطت من ((الأصل)) ولا بد منها، وهي في الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٩٥/٣) . (٢) فى ((الأصل)): رجلان. وهو خلاف الجادة. (٣) من ((الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): قال . وهو خطأ. (٤) من الصحيح المطبوع وهو الصواب، وفي ((الأصل)): وسط . وهو خطأ . - ٣٦٩ - كما كان ، فقلت: ما هذا ؟! [ قالا: ] (١) انطلق . حتى أتينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة ، وفي أصلها شيخ وصبيان ، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها ، فصعدا بي في الشجرة ، وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها ، فيها رجالٌ شيوخٌ وشباب ونساء وصبيان ، ثم أخرجاني منها ، فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسنُ وأفضلُ، فيها شيوخ وشباب ، قلت : طوفتما بي الليلة فأخبراني عما رأيتُ. قالا : نعم ، الذي رأيته يُشق شدقُه فكذاب يُحَدِّثُ بالكذب، فتُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق ، فَيُصنع به إلى يوم القيامة ، والذي رأيتَ يُشدخ رأسُه ، فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ، ولم يعمل بما فيه في النهار ، يُفُعل به إلى يوم القيامة ، والذين رأيتَهم في الثقب فهم الزناة، والذي رأيتَه في النهر آكل الربا ، والشيخ في أصل الشجرة إبراهیم ، والصبيان حوله أولاد الناس ، والذي یوقد النار مالك خازن النار ، والدار الأولى التي دخلتها دار عامة المؤمنين ، وأما هذه الدار فدار الشهداء ، وأنا جبريل ، وهذا میکائیل ، فارفع رأسك . فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. فقلت: دعاني أدخل منزلي. قالا : إنه بقي لك عمر لم تستکمله ، فلو استکملته أتیت منزلك )) . ۔۔ قال بعض العلماء : جهل قوم معنى الفطرة في هذا الحديث ، وقالوا : إنها الإسلام ، فتأولوا في قوله : ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها ﴾ (٢) يعني: دين الإسلام ، روي هذا عن أبي هريرة وعكرمة والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة والزهري ، وقال جماعة من العلماء وأهل اللغة : الفطرة في هذا الحديث : الخلقة التي خلق عليها المولود المضطرة إلى الإفداء يريد كأنه قال عليه السلام : كل (١) من الصحيح المطبوع، وفي ((الأصل)): قال . وهو خطأ. (٢) الروم : ٣٠. - ٣٧٠ - مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ، واحتجوا على أن الفطرة : الخلقة بقوله تعالى: ﴿فاطر السموات والأرض﴾ (١) يعني : خالقهن ، وبقوله: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني﴾ (٢) أي: خلقني، وقال : المراد بقوله : ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (٣) الخلقة، بدليل قوله : ﴿لا تبديل لخلق الله ﴾ (٣) يعني: لا تبديل لخلقته عما خلقه عليه . وقد ثبت عن الرسول قال: (( لما خلق الله آدم مسح ظهره بيمينه - وكلتا يديه يمين - ثم قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح الأخرى وقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون)) فلما صح عندنا هذا الحديث مع تصديق الله له بقوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم﴾ إلى ﴿بلى﴾ (٤) علمنا أن أخذه لهم من ظهر آدم إنما كان للإشهاد عليهم ، وكان هذا الأخذ هو الاختراع الأول في إخراجهم من العدم إلى الوجود ، ثم ردهم في ظهور آبائهم على ما جاء في الخبر . فبان أن هذه الفطرة هي الخلقة الأولى التي فطر الناس عليها لا تبديل لها ، وقد جاء في الأخبار أنه حين أشهدهم على أنفسهم أو جميعهم على أنفسهم بالعبودية ولله - تعالى - بالربوبية ، لكنه كان إقرار أصحاب اليمين بألسنتهم / وقلوبهم ليتم علم الله بهم ومراده [٢٤٦٥/١ -ب ] فيهم ، وإقرار الآخرين بألسنتهم دون قلوبهم خذلانًا من الله ليتم مراده، وعلمه فيهم [ أنهم من أهل ] (١) النار . فإذا صاروا في بطون أمهاتهم ظهر فيهم بعض علم الله السابق (١) الأنعام: ١٤، ومواضع كثيرة في القرآن. (٢) يس: ٢٢. (٣) الروم: ٣٠. (٥) في ((الأصل)): ((أعلم من)) والمثبت أقرب إلى السياق. (٤) الأعراف: ١٧٢ . - ٣٧١ - فيسأل الملكُ [الله](١) عن خلقه : الأنثى والذكر ، والسعادة والشقاوة، والرزق ، والأجل ، فيكتب ذلك في بطن أمه ، فبان أن الفطرة التي يولد عليها هي الخلقة الأولى التي سبقت له ، التي لا يجوز تبديلها ، فإن كان في الفطرة الأولى مؤمنًا ولد مؤمنًا ، وإن كان فيها كافرًا ولد كافرًا على ما سبق له في علم الله ، يصدق ذلك قوله تعالى : ﴿ لا تبديل لخلق الله﴾ (٢) لكن لا يظهر عليه شيء من ذلك في حال ولادته ، وإنما يظهر عليه إذا ظهر عمله بالقول والجوارح . فإن قيل: فما معنى قوله عليه السلام: (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ... )) الحديث، فينبغي أن يكون سالمًا من اليهودية أو النصرانية حين تلده أمه ، ألا ترى قوله: (( كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء ، هل ترى فيها جدعاء)). قيل له : في قوله : (( كل مولود يولد على الفطرة )) بيان أن [الفطرة] (٢) الإيمان العام، وإنما فيه أنه يولد على تلك الخلقة التي لم يظهر منها إيمان ولا كفر ، لكن لما حملهم آباؤهم على دينهم ظهر منهم ما حملوهم عليه من يهودية أو نصرانية ، ثم أراد الله إمضاء ما علمه وقدره في كل واحد منهم بما أجرى له في بُدُّ الأمر من كفر أو إیمان ، ختم لهم به . يدل على ذلك حديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال : (( إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع - أو قيد ذراع - فيسبق عليه الكتاب الأول فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )) وقال في أهل النار مثل ذلك . فبان أن الكتاب الأول هو المعمول عليه الذي لا يجوز تبديله ، ولو كانت الفطرة : الإسلام لما جاز أن يكون أحدٌ كافراً لقوله تعالى : ولا تبديل لخلق الله﴾(٣) لأنه لا يجوز أن يكفر من خلقه الله للإيمان. (١) في (( الأصل)): لله. وما أثبتناه أنسب لسياق الكلام. ٣ (٢) زيادة مني يقتضيها السياق، كأنها سقطت من الناسخ سهوًا. (٣) الروم: - ٣٧٢ - وقد اختلف العلماء في أطفال المشركين ، فقال أكثرهم : هم في المشيئة ، وتأولوا في قوله تعالى : ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ (١) قال: هم أطفال المؤمنين ، وقيل : هم أصحاب الملائكة ، وقال آخرون : حكم الأطفال حكم آبائهم في الدنيا والآخرة ، وهم مؤمنون بإيمانهم، وكافرون بكفرهم ، واحتجوا بقوله عليه السلام في أطفال المشركين يصابون في الحرب: (( هم من آبائهم)). وقال آخرون : أولاد الكفار يمتحنون في الآخرة . وقال [ آخرون ] (٢): أولاد المشركين في الجنة مع أولاد المسلمين ، واحتجوا بحديث سمرة بن جندب ، ذكره البخاري في كتاب التعبير : ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة ، قال بعض المسلمين : يا رسول الله ، فأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله: وأولاد المشركين» وهذه الحجة قاطعة ، و[ هذه ] (٣) الرواية يفسرها ما جاء في حديث هذا الباب أن الشيخ إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس ؛ لأن هذا اللفظ يقتضي عمومه لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، وهذا القول أصح ما في هذا الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار . فإن قيل : فإذا صح هذا القول في أطفال المشركين ، فما معنى قوله: (( الله أعلم بما كانوا عاملين ؟ )) وهذا يعارض حديث سمرة الذي بيّن فيه حكمهم ، أنهم في الجنة مع أولاد المسلمين ، قيل : هذا يحتمل وجوهًا من التأويل ، أحدها : أن يكون قوله: ((الله [أعلم] (٢) بما كانوا عاملين)) قيل : أن يعلمه الله أنهم في الجنة مع أولاد المسلمين؛ لأنه لم يكن ينطق عن الهوى ، وإنما ينطق عن الوحي . ويحتمل قوله: (( الله أعلم بما كانوا عاملين)) أي : على أي دين (٢) سقط من ((الأصل)). (٣) في (( الأصل)): هي. (١) المدثر : ٣٩ . - ٣٧٣ - كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل ، فأما إذ عدم منهم العمل ، فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له . وقيل : قوله : ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) مجمل يفسره قوله : ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾ (١) الآية ، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المشركين والمسلمين ، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره ؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث ، : فسقطت المعارضة بين الآثار ، فهذه الوجوه المحتملة . وأما من قال : حكمهم حكم آبائهم ، فهو مردود بقوله تعالى : ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) وإنما حكم لهم بحكمهم في الدنيا لا في أحكام الآخرة ، أي أنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة لا قود فيهم ولا دية ، وقد نهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان في الحرب. وأما من قال : إنهم يمتحنون في الآخرة ، فهو قول لا يصح ؛ لأن الآثار الواردة بذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة، والآخرة دار جزاء ليست دار عمل وابتلاء . [١/ق٢٤٧-٢] وقوله: (( كما تناتج الإبل / من بهيمة جمعاء)) مجتمعة الخلق صحيحة (( هل تحس [ فيها من ] (٣) جدعاء ؟ )) يقول : هل ترى فيها من جدع ؟ أي: نقصان حين تنتج ، وإنما يصيبها الجدع والنقصان بعد ذلك ، فكذلك يُهَوِّدُ هؤلاء أبناءهم وينصرونهم بعد أن كانوا على الفطرة كما أن المنتوج من الإبل لولا أن هؤلاء قطعوا أذنه لكان صحيحًا ، وذلك كله بقدر الله . وقوله : (( بيده كلوب » والكلاب : خشبة في رأسها عُقَّافَة ، (١) الأعراف : ١٧٢. (٢) الأنعام : ١٦٤، وغيرها . (٣) كأنه سقط من الناسخ ، والسياق بعده يدل عليه . - ٣٧٤ - وقوله : ((تدهده)) يقال: دهدهت الحجر ، ودهديته إذا دحرجته ، أدهدهه وأدهديه دهدهة ودهاها ودهدًا . باب [ موت ](١) يوم الاثنين فيه : عائشة قالت: (( دخلت على أبي بكر الصديق ، فقال : في كم كُفْن النبي ؟ فقلت : في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ، فقال لها : في أي يوم توفي ؟ قلت : يوم الاثنين . قال : فأي يوم هذا ؟ قلت : يوم الاثنين . قال : أرجو فيما بيني وبين الليل ، فنظر إلى ثوب كان يمرض فيه ، به ردع من زعفران فقال : اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيهما، قلت : إن هذا خَلَق ! قال : إن الحي أحق بالجديد من الميت ، إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح)). قال المؤلف : إنما سأل أبو بكر الصديق ابنته عن أي يوم توفي فيه رسول الله ◌َّة طمعًا أن يوافق ذلك اليوم تبركًا به، وقديمًا أحب الناس التبرك بأثواب الصالحين ، وموافقتهم في المحيا والممات ؛ رغبة في الخير ، وحرصًا عليه ، كفعل ابن عمر في كثير من حركات النبي- عليه السلام - وآثاره التي ليست بسنن ، فكان يقف في الموضع الذي وقف النبي ويدور بناقته في المكان الذي أدار فيه النبي ناقته ، وهذا كله وإن لم يوجب فضلا ، فإن ابن عمر إنما فعل ذلك محبة في النبي ومحافظة على اقتفاء آثاره ، ومَنِ اقتدى به عليه السلام فيما لا يلزم من حركاته كان أحرص على الاقتداء به فيما يلزم اتباعه فيه . وقد اتفق أهل السَّنَّة أن النبي - عليه السلام - ولد يوم الاثنين ، (١) من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٩٧/٣) وسقط من الأصل ، ولا معنى للباب بدونها . - ٣٧٥ - وأنزل عليه يوم الاثنين ، وبعث يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين ، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس، وذكر مالك في الموطأ عن أبي هريرة أنه قال : تعرض أعمال الناس كل جمعة مرتين : يوم الاثنين [ والخميس ] (١) فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدًا كانت بينه وبين أخيه شحناء)) ، فهذه فضيلة يوم الاثنين والخميس . وقد روي عن النبي - عليه السلام - فيمن مات يوم الجمعة فضيلة، ذكرها ابن أبي الدنيا ، قال : حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي ، قال: حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا [ معاوية بن سعيد ] (٢) عن أبي قبيل ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت النبي - عليه السلام -. يقول: (( من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقاه الله فتان القبر)) وروى ابن وهب عن الليث بن سعد ، عن أبي عثمان الوليد بن الوليد أن أبا عبيدة بن عقبة قال: (( من مات يوم الجمعة أمن فتنة القبر» وقال : إني ذكرته للقاسم بن محمد فقال : صدق أبو عبيدة . وقوله : ((ردع من زعفران)) أي : لطخ ، قال أبو علي : يقال : بدا من الزعفران ردعه أي: ملتطخه . قال أبو عبيدة: وقوله: ((الحي أحوج إلى الجديد )) خلاف قول من يقول : يتزاورون في أكفانهم ، فيجب تحسينها ؛ ألا تراه يقول: ((فإنما هو للمهلة)) ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتي بكفنه رَيْطَتَيْن ، فقال : لا تغالوا بكفني ، الحي أحوج إلى الجديد من الميت . أي لا ألبث إلا يسيراً حتى أبدل منهما (١) سقطت من ((الأصل))، وأثبتها من ((ح)) تبعًا لما في الموطأ، حديث رقم (١٨٩٨) رواية أبي مصعب. (٢) هو ابن شريح التجيبي - بضم المثناة وكسر الجيم ثم تحثانية ساكنة وموحدة - المصري، في ترجمته من (( تهذيب الكمال)) (١٧٤/٢٨) روايته عن أبي قبيل - وهو حي بن هانئ - وعنه بقية بن الوليد، ووقع في ((الأصل)): معاوية ابن شعبة . وهو تحريف . - ٣٧٦ - خيراً منهما أو شرًا منهما ، ومنه قول ابن الحنفية : ليس للميت من الكفن شيء ، وإنما هو تكرمة للحي . وأما من خالف هذا ورأى تحسين الأكفان ، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : أحسنوا أكفان موتاكم ؛ فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله ، وأوصى ابن مسعود أن يكفن في حلة بمائتي درهم ، وروى روح عن زكريا بن إسحاق قال : حدثنا أبو الزبير، عن جابر، أن النبي وَ لا- قال: ((إذا ولي أحدكم أخاه فلیحسن كفنه )) . قال ابن المنذر : وبحديث جابر قال الحسن وابن سيرين ، وكان إسحاق يقول : يغالي بالكفن إذا كان موسراً ، وإن كان فقيرًا فلا يغال به . وقوله: ((إنما هو للمهلة)) قال أبو عبيد : المهل في هذا الحديث : الصديد والقيح، والمهل في غير هذا : كل [ فلز ] (١) أذيب كالذهب والفضة والنحاس . وقال أبو عمرو : المهل في حديث أبي بكر الصديق : القيح ، وفي غيره: دُرْدِيّ (٢) الزيت . وقال الأصمعي : حدثني رجل - وكان فصيحًا - أن أبا بكر قال : إنما هو للمهلة والتراب. وقال بعضهم: / بكسر الميم يقال للمهلة . وقال ابن دريد: [٢٤٧٥/١-ب] في هذا الحديث: ((إنما هو للمهلة)) قال : المهلة : صديد الميت ، زعموا ، والمهلة : ضرب من القطران ، والمهلة : ما سخلت من الحرة من رماد أو غيره . (١) من ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٢١٧/٣) ووقع في ((الأصل)): بلد. وهو خطأ . (٢) هو ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شيء مائع كالأشربة والأدهان - المعجم الوسيط (٢٧٨/١). - ٣٧٧ - باب : موت الفجأة بغتة فيه: عائشة: ((أن رجلا قال للنبي - عليه السلام - : إن أمي افتُلتَتْ نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم )) . قال المؤلف : الافتلات عند العرب: المباغتة ، يقول : ماتت بغتة، وإنما هو مأخوذ من الفلتة . وروى وكيع عن عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: (( سألت رسول الله عن موت الفجأة ، قال : راحة على المؤمن ، وأسف على الفاجر )) والأسف : الغضب ، ويحتمل أن يكون ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية ، وترك الإعداد للمعاد ، و(الاغترار الكاذبة ) (١) ، والتسويف بالتوبة. وقد روي من حديث يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : ((كنا نمشي مع الرسول فجاء رجل فقال : يا رسول الله ، مات فلان. فقال : أليس كان معنا آنفًا ؟ قالوا : بلى . قال : سبحان الله ، كأنه أخذه على غصب ، المحروم من حرم وصيته )) ذكر هذين الحديثين ابن أبي الدنيا قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا یزید بن کعب الأزدي قال : حدثنا ابن کریز ، عن أنس بن مالك قال : من أشراط الساعة حفز الموت . قيل : يا أبا حمزة ، ما حفز الموت ؟! قال: موت الفجأة)). وقوله : ((فهل لها من أجر إن تصدقت عنها ؟ قال : نعم )) هو كقوله عليه السلام : ((ينقطع عمل ابن آدم بعد موته إلا من ثلاث: صدقة تجري بعده ، أو علم علمه یعمل به ، أو ابن صالح يدعو له)). (١) هكذا فى (( الأصل)) . - ٣٧٨ - باب : ما جاء في قبر النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر فيه: عائشة: (( أن الرسول كان يتفقد في مرضه : أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدًا ؟ استبطاء ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ، ودفن في بيتي )) . وقالت عائشة: (( قال عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا )) وقال سفيان التمار أنه رأى قبر النبي - عليه السلام - مُسنّمًا . وقال عروة : لما سقط عنهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت له قدم ، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي - عليه السلام - فما وجد أحدًا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ، ما هي إلا قدم عمر . وأوصت عائشةُ ابنَ الزبير : لا تدفني معهم ، وادفني مع صواحبي بالبقيع ، لا أُزَكَّى به أبداً . وفيه : عمر : أنه قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل : ء يقرأ عمر عليك السلام ، ثم اسألها أن أدفن مع صاحبيّ، قالت : كنت أريده لنفسي ، فلأوثرنه اليوم على نفسي ، فلما أقبل قال له : ما لديك ؟ قال : أذنت لك يا أمير المؤمنين . قال : ما كان شيء أهم إليّ من ذلك المضجع ، فإذا قبضت فاحملوني ثم سلِّموا ، ثم قل : يستأمر عمر بن الخطاب ، فإن أذنت فادفنوني ، وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين ، إني لا أعلم أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله القر وهو عنهم راضٍ ، فمن استخلفوه بعدي فهو الخليفة ، فاسمعوا له وأطيعوا . فسمى عثمان وعليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، وولج عليه شاب من الأنصار فقال : أبشر يا أمير - ٣٧٩ - المؤمنين ببشرى الله ، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت ، ثم استخلفت فعدلت ، ثم الشهادة بعد هذا كله . فقال : ليتني يابن أخي وذلك كفاف لا عليّ ولا لي ، أُوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا ، أن يعرف لهم حقهم ، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوءوا الدار والإيمان ، أن يقبل من محسنهم ، و ويعفى عن مسيئهم ، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم . قال المؤلف : غرض البخاري في هذا الحديث - والله أعلم - أن يبين فضل أبي بكر وعمر بما لا يشركهما فيه أحد ، وذلك أنهما كانا وزيري رسول الله في حياته ، وعادا ضجيعيه بعد مماته ، فضيلة خصهما الله بها ، وكرامة حباهما بها ، لم تحصل لأحد ؛ ألا ترى وصية عائشة إلى ابن الزبير أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك ، [٢٤٨٥/١-١) وهذا من تواضعها وإقرارها / بالحق لأهله وإيثارها به على نفسها مَنْ هو أفضل منها ، ولم تر أن تُزَكَّى بدفنها مع الرسول ، ورأت عمر بن الخطاب لذلك أهلا . وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه ؛ لأن الموضع كان بيتها، وكان لها فيه حق ، وكان لها أن تؤثِرَ به نفسها لذلك ، فآثرت به عمر ، وقد كانت عائشة رأت رؤيا دلتها على ما فعلت حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها ، فقصتها على أبي بكر الصديق ، فلما توفي رسول الله ودفن في بيتها قال أبو بكر : هذا أحد أقمارك ، وهو خيرها . فيه من الفقه : الحرص على مجاورة الموتى الصالحين في القبور طمعًا أن تنزل عليهم رحمة فتصيب جيرانهم ، أو رغبة أن ينالهم دعاء من يزورهم في قبورهم من الصالحين . - ٣٨٠ -