النص المفهرس
صفحات 341-360
كان على دين أبويه ، وأما الصغير العجمي فإنه يعرض عليه الإسلام ؛ العرض رسول الله على ابن صياد بقوله: ((أتشهد أني رسول الله؟)) ولعرضه الإسلام على الصبي اليهودي الذي كان يخدمه . وقال ابن القاسم : إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام ، فله حكم المسلمين في الصلاة عليه ، ويباع على النصراني إن ملكه ؛ لأن مالكًا يقول : لو أسلم وقد عقل الإسلام ، ثم بلغ فرجع عنه أجبر عليه . قال أشهب : وإن لم يعقله ثم أجبر الذمي على بيعه ، ولا يؤخذ الصبي بإسلامه إن بلغ . وأجمع العلماء في الطفل الحربي يُسبى ومعه أبواه أن إسلام الأب إسلام له ، واختلفوا إذا أسلمت الأم ، فذهب مالك إلى أنه على دين أبيه ، وحجته إجماع العلماء أنه ما دام مع أبويه لم يلحقه ، فحكمه حكم أبويه أبدًا حتى يبلغ ، فكذلك إذا سبي لا يغير السباء حكمه حتى يبلغ ، فيعبر عن نفسه ، وكذلك إن مات لا يصلى عليه ، وهو قول الشعبي . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد : إسلام الأم إسلام للابن . كقول الحسن وشريح ، وهو قول ابن وهب صاحب مالك ، ويصلى عليه إن مات عندهم . وقال سحنون : إنما يكون إسلام الأم إسلام (١) له إذا لم يكن معه أبوه ، وهو على دين أمه . قال عبد الواحد : وقول سحنون يعضده قوله عليه السلام: ((فأبواه يهودانه أو ينصرانه )) فشرك بينهما في ذلك، فإذا انفرد أحدهما دخل في معنى الحديث ، وهذا معنى رواية معن عن مالك ومن وافقه . وإنما دعا النبي - عليه السلام - اليهودي الذي خدمه إلى الإسلام (١) هكذا في (( الأصل))، وله وجه . - ٣٤١ - بحضرة أبيه ؛ لأن الله - تعالى - أخذ عليه فرض التبليغ لعباده ، ولا يخاف في الله لومة لائم . واختلفوا إذا لم يكن معه أبواه ، ووقع في المقاسم دونهما ، ثم مات في ملك مشتريه ، فقال مالك في المدونة : لا يصلى عليه إلا أن يجيبه إلى الإسلام بأمر يعرف أنه عقله - وهو المشهور من مذهبه . وروى معن : إذا لم يكن معه أحد من آبائه ولم يبلغ أن يتدين أو يُدْعَى، ونوى سيده الإسلام صلي عليه ، وأحكامه أحكام المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة ، وهو قول ابن الماجشون وابن دينار وأصبغ ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي . واتفق جمهور العلماء على أنه لا يصلى على السقط حتى يستهل ، وهو قول مالك والكوفيين والأوزاعي والشافعي ، وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه وإن لم يستهل ، وهو قول أحمد وإسحاق ، ذكره ابن المنذر ، والصواب قول الجمهور ؛ لأن من لم يستهل لم تصح له حياة، ولا يقال فيه أنه ولد على الفطرة ، وإنما سن النبي - عليه السلام - الصلاة على من مات ممن تقدمت له حياة ، لا من لم تصح له حياة . قال المهلب : وفي حديث ابن صياد من الفقه جواز التجسس على من يخشى منه فساد الدين والدنيا ، وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿ ولا تجسسوا﴾ (١) ليس على العموم ، وإنما المراد به عن التجسس على من لم يخش منه القدح في الدين ، ولم يضمر الغل للمسلمين، واستتر بقبائحه ، فهذا الذي حاله التوبة والإنابة ، وأما من خُشِي منه مثل ما خُشي من ابن صياد أو من كعب بن الأشرف وأشباههما ممن (١) الحجرات : ١٢ . - ٣٤٢ - كان يضمر الفتك بأهل الإسلام ، فجائز التجسس عليه ، وإعمال الحيلة في أمره إذا خُشي منه . وقد ترجم لحديث ابن صياد في كتاب الجهاد باب « ما يجوز من الاحتيال والحذر على من تخشى معرّته)). وفيه من الفقه أن للإمام أو الرئيس أن يعمل نفسه في أمور الدين ومصالح المسلمين ، وإن كان له من يقوم في ذلك مقامه ، وفيه أن للإمام أن يهتم بصغار الأمور ، ويبحث عنها خشية ما يئول منها من الفساد . قال عبد الواحد : قوله : ((إن يكن هو فلن تسلط عليه )) يعني : إن يكن الدجال فلن تسلط عليه ؛ لأنه لا بد أن ينفذ فيه قدر الله ، وفيه : أنه يجب التثبت في أصل التهم ، وأن لا تستباح الدماء إلا بيقين؛ لقوله: (( فإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله )) وقيل : إن للإمام أن يصبر ويعفو إذا جني عليه ، أو قوبل بما لا ينبغي ؛ لقول ابن صياد / للنبي : (( أشهد أنك رسول الأميين )) ولم يعاقبه، وفيه أن [١/ ٢٤١٥- ب] للإمام والرئيس أن يكلم الكاهن والمنجم على سبيل الاختبار لما عندهم، والعيب لما يَدَّعُونَهُ ، والإبطال لما ينتحلونه . وقال صاحب العين : الدخ : الدخان ، وقوله عليه السلام لابن صياد: (( اخسأ فلن تعدو قدرك )) أي : لن تعدو الكهانة ، وإنما أنت كاهن ودجال ، وقال صاحب العين : الزمزمة : أصوات العلوج عند الأكل ، والزمزمة من الرعد ما لم يفصح . باب: إذا قال المشرك عند الموت: (( لا إله إلا الله)) فيه: سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله لأبي طالب : أي عم، قل : لا إله إلا الله ، كلمة أشهد لك - ٣٤٣ - بها عند الله ، قال أبو جهل وعبد الله بن أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟! فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ، ويعودان بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب ، وأَبَى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله : أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنّهَ عنك . فأنزل الله ... )) . قال المهلب : إنما تنفع كلمة التوحيد لمن قالها قبل المعاينة للملائكة التي تقبض الأرواح ، فحينئذ تنفعه شهادة التوحيد ، وهو الذي يدل عليه كتاب الله ، قال تعالى : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ﴾ (١) يعني : حضور ملك الموت ، وهي المعاينة لقبض روحه، ولا يراهم أحد إلا عند الانتقال من الدنيا إلى دار الآخرة [ فَعَلَمَ ] (٢) ما انتقل إليه حين أدركه الغرق بقوله: ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ (٣) فقيل له: الآن وقد عصيت قبل ﴾ (٤) وجاء في التفسير أنه لما عاين ملك الموت ومن معه من الملائكة أيقن قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل . حثا جبريل في فمه الحمأة ليمنعه استكمال التوحيد حنقًا عليه ، ويدل على ذلك قوله : ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴾ (٥) أي : لما رأى الآية التي جعلها الله علامة لانقطاع التوبة وقبولها ، لم ينفعه ما كان قبل ذلك كما لم ينفع الإيمان بعد رؤية ملك الموت . قال المؤلف : وقد روي عن الرسول أنه قال لعمه عند الموت : ((قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله)) فإن قال قائل: فأي محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله به الجنة ؟ فالجواب : أنه (١) النساء : ١٧ . (٤) يونس : ٩١ . :(٢) في (( الأصل)) : فاعلم . أ (٥) الأنعام : ١٥٨ . (٣) يونس : : ٩٠ - ٣٤٤ - يحتمل وجوهًا من التأويل : أحدها : أن يكون ظن عليه السلام أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه ، إذ لم يقارنه عمل سواه من صلاة وصيام وزكاة وحج وشرائط الإسلام كلها ، فأعلمه عليه السلام أن من قال : لا إله إلا الله ، عند موته أنه يدخل في جملة المؤمنين ، وإن تعرى من عمل سواها . ويحتمل وجهًا آخر ، وهو أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة، وأيقن بالموت ، وصار في حالة من لا ينتفع بالإيمان لو آمن ، وهو الوقت الذي قال فيه : أنا على ملة عبد المطلب عند خروج نفسه، فرجا له عليه السلام إن قال : لا إله إلا الله ، وأيقن بنبوته أن يشفع له بذلك ، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه ، ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال ، ويكون ذلك خاصًا لأبي طالب وحده لمكانه من الحماية والمدافعة عن النبي - عليه السلام . وقد روي مثل هذا المعنى عن ابن عباس . قال المؤلف : ألا ترى أنه عليه السلام قد نفعه وإن كان مات على غير الإسلام ؛ لأنه يكون أخف أهل النار عذاباً ، فَنَفْعُهُ له لو شهد بشهادة التوحيد - وإن كان ذلك عند المعاينة - أَحْرَى بأن يكون ، ويحتمل وجهًا آخر ، وهو أن أبا طالب كان ممن عاين براهين النبي - عليه السلام - وصدق معجزاته ، ولم يشك في صحة نبوته ، وإن كان ممن حملته الأَنَفَة وحمية الجاهلية على تكذيب النبي . وكان سائر المشركين ينظرون إلى رؤسائهم ويتبعون ما يقولون ؛ فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم أن باءوا بإثمهم على تكذيب النبي - عليه السلام - فرجا له عليه السلام المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله ، حتى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبيّن حقيقته وإثم من اقتدى به في ذلك ، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله لكن آنسه بقوله : (( أحاج لك بها عند الله)) لئلا - ٣٤٥ - يتردد في الإيمان ، ولا يتوقف عليه لتماديه على خلاف ما تبيّن حقيقته، وتورطه في أنه كان مضلا لغيره . [١/ ق٢٤٢-١] وقيل: إن قوله: / (( أحاج لك بها عند الله)) كقوله: ((أشهد لك بها عند الله)) لأن الشهادة المرجِّحة له في طلب حَقِّه، ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث في هذا الباب بلفظ ((الشهادة)) لأنه أقرب للتأويل، وذكر قوله: (( أحاج لك بها عند الله )) في قصة أبي طالب في كتاب مبعث النبي- عليه السلام- لاحتمالها التأويل- والله الموفق. باب : الجريدة على القبر وأوصی بريدة الأسلمي أن یجعل علی قبره جریدتان ، ورأى ابن عمر فسطاطًا على قبر عبد الرحمن فقال : انزعه يا غلام ، فإنما يظله عمله . وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان ، وإن أشدَّنا وثبةً الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى بجاوزه . وقال عثمان بن حكيم : أخذ بيدي خارجة فأجلسني علی قبر ، وأخبرني عن عمه یزید ابن ثابت قال : إنما كُره ذلك لمن أحدث عليه. وقال نافع : كان ابن عمر يجلس على القبور . فيه: ابن عباس: (( مر النبي - عليه السلام - بقبرين يعذبان فقال : إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة . ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ، ثم غرز في كل قبر واحدة ، فقالوا : يا رسول الله ، لم صنعت هذا ؟! فقال: لَعلَّه أن يخفف عنهما ما لم بيبسا)) . وترجم له باب (( عذاب القبر من الغيبة والبول)). قال المؤلف : إنما خص الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار - والله أعلم - لأنها أطول الثمار بقاءً ، فتطول مدة - ٣٤٦ - التخفيف عنهما ، وهي شجرة شبهها عليه السلام بالمؤمن ، وقيل : إنها خلقت من فضلة طينة آدم ، وإنما أوصى بريدة أن يجعل على قبره الجريدتان تأسيًا بالنبي - عليه السلام - وتبركًا بفعله ، ورجاء أن يخفف عنه. وقوله: ((لعله أن يخفف عنهما)) فـ ((لعل)) معناها عند العرب : الترجي والطمع . ومعنى الحديث : الحض على ترك النميمة ، والتحرز من البول ، والإيمان بعذاب القبر ، كما ( يرحم الله ) (١) جماعة أهل السَّنَّة، وإنما ترجم له باب (( عذاب القبر من الغيبة والبول )) وفي نص الحديث: ((النميمة)) فإنه استدل البخاري منه على أن تلك النميمة كان فيها شيء من الغيبة ، والنميمة والغيبة محرمتان ، وهما في النهي عنهما سواء . وأما الجلوس على القبور فقد رويت أحاديث في النهي عن القعود عليها ، روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: ((سمعت النبي - عليه السلام - ينهى أن يقعد على القبور ، أو يبنى أو يجصص عليها )). [و] (٢) عن أبي بكرة وابن مسعود: ((لأن أطأ على جمرة نار حتى تطفأ أحب إليّ من أن أطأ على قبر)) وأخذ النخعي ومكحول والحسن وابن سيرين بهذه الأحاديث ، وجعلوها على العموم ، وكرهوا المشي على القبور والقعود عليها ، وأجاز مالك والكوفيون الجلوس على القبور وقالوا : إنما نهى عن القعود عليها للمذاهب - فيما نرى والله أعلم - يريد حاجة الإنسان . واحتج بعضهم بأن عليّ بن أبي طالب كان يتوسد القبور ، ويضطجع عليها ، وروى أبو أمامة بن سهل بن [حنيف ] (٣) أن زيد (١) كذا في (( الأصل)) وأخشى أن يكون الصواب : ترجم له. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) في ((الأصل)): حبيب. وهو تحريف . - ٣٤٧ - ابن ثابت قال : (( هلم يا ابن أختي أخبرك ، إنما نهى رسول الله عن الجلوس على القبر لحدث بول أو غائط )) فبيّن زيد في هذا الحديث الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول ما هو ، وروي مثله عن أبي هريرة، ذكره ابن وهب في موطئه . قال الطحاوي : فعلمنا أن المقصود بالنهي هو الجلوس للبول والغائط لا ما سواهما ، وقد تقدم في كتاب الطهارة من معنى هذا الحديث ما تعلق بالباب ، وسيأتي منه أيضًا في كتاب الأدب - إن شاء الله تعالى . باب : موعظة المحدث على القبور وقعود أصحابه حوله فيه: عليّ: (( كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا النبي - عليه السلام- فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة ، فنكَّسَ وجعل ینکت بمخصرته ، ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار ، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة . فقال رجل لرسول الله : أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة . قال : أما أهل السعادة [١/ ٢٤٢٥-ب) فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل / الشقاوة . ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى﴾ (١) )). قال المؤلف : فيه جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ . قال المهلب : ونَكْتُهُ عليه السلام بالمخصرة في الأرض هو أصل ما أفتى به أهل العلم من تحريك الإصبع في الصلاة للتشهد ، (١) الليل : ٥ - ٦ . - ٣٤٨ - . ومعنى النكت بالمخصرة هو إشارة إلى المعاني ، وتفصيل الكلام وإحضار القلب للفصول والمعاني ، والمخصرة : عصا ، وهذا الحديث أصل لأهل السَّنَّة في أن السعادة والشقاء خلق الله ، بخلاف قول القدرية الذين يقولون : إن الشر ليس بخلق الله ، وفيه رد على أهل الجبر ؛ لأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه ، والتيسير ضد الجبر، ألا ترى قول الرسول: (( إن الله تجاوز لي عن أمتي ما استكرهوا عليه )) والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه ، وسيأتي بقية الكلام في هذا الحديث في كتاب القدر - إن شاء الله تعالى . باب : ما جاء في قاتل النفس فيه : ثابت بن الضحاك قال : قال النبي - عليه السلام -: (( من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم )) . وفيه : جندب عن الرسول قال: (( كان برجل جراح فقتل نفسه ، فقال الله - تعالى - : بدرني عبدي بنفسه ، حرمت عليه الجنة)). وفيه : أبو هريرة : قال عليه السلام: (( الذي يخنق نفسه يخنقها في النار ، والذي يطعنها يطعنها في النار)). أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام ، وأنه يصلى عليه ، وإثمه عليه كما قال مالك ، ويدفن في مقابر المسلمين ، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي في خاصة أنفسهما ، والصواب قول الجماعة؛ لأن الرسول سن الصلاة على المسلمين ، ولم يستثن منهم أحداً ، فيصلى على جميعهم الأخيار والأشرار إلا الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة. - ٣٤٩ - ۔۔ قال المهلب : وقوله عليه السلام : (( بدرني عبدي بنفسه ، حرمت عليه الجنة)) وسائر الأحاديث ، فحملها عند العلماء في وقت دون وقت إن أراد الله أن ينفذ عليه الوعيد ؛ لأن الله في وعيده للمذنبين بالخيار عند أهل السّنّة ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه ، فإن عذبه فإنما يعذبه مدة ما ثم يخرجه بإيمانه إلى الجنة ، ويرفع عنه الخلود والتأبيد على ما جاء في نص القرآن وحديث الرسول ، فالقرآن قوله - تعالى - : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(١) وقوله عليه السلام: ((من قال: لا إله إلا الله، حرمه الله على النار )) يعني حرم خلوده على النار . وقوله: ((من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال )) كاذب لا كافر ، ولا يخرج بهذا القول من الإسلام إلى الدين الذي حلف به؛ لأنه لم يقل ما يعتقده ، ولذلك استحق اسم الكذب ، فوجب أن یکون کما قال كاذبًا لا كافرًا . قال غيره : ومعنى الحديث النهي عن الحلف بما حلف به من ذلك والزجر عنه ، وتقدير الكلام : من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا ، فهو كما قال ، يعني فهو كاذب حقا ؛ لأنه حين حلف بذلك ظن أن إثم الكذب واسمه ساقطان عنه لاعتقاده أنه لا حرمة لما حلف به ، لكن لما تعمد ترك الصدق في يمينه ، وعدل عن الحق في ذلك ؛ لزمه اسم الكذب ، وإثم الحلف ، فهو كاذب كذبتين : كاذب بإظهار تعظیم ما يعتقد خلافه ، وکذب بنفیه ما یعلم إثباته أو بإثبات ما يعلم نفيه . ... . فإن ظن ظان أن في هذا الحديث دليل على إباحة الحلف بملة غير (١) النساء : ٤٨، ١١٦. - ٣٥٠ - الإسلام صادقًا لاشتراطه في الحديث أن يحلف به كاذبًا ، قيل له : ليس كما توهمت ؛ لورود نهي النبي - عليه السلام - عن الحلف بغير الله نهيًا مطلقًا، فاستوى في ذلك الكاذب والصادق، وفي النهي عنه، وسيتكرر هذا الحديث في كتاب (( الأيمان والنذور )) وفي كتاب ((الأدب)) ويأتي هناك من الكلام ما يقتضيه التبويب - إن شاء الله تعالى . باب : ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين فيه: عمر بن الخطاب أنه قال: (( لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دُعيّ له رسولُ الله لُيُصلي عليه ، فلما قام رسول الله وَثَبْتُ إليه ، فقلت : يا رسول الله، أنصلي عَلَى ابْنِ أُبي وقد قال / يوم كذا وكذا، كذا وكذا ۔ أُعَدِّدُ عليه - فتبسم رسول الله وٍَّ وقال: أَخِّرْ عني يا عمرٍ. فلما أكثرت عليه قال : إني خُيُرت فاخترت ، لو أعلم أني لو زدتٌ على السبعين یغفر له لزدت عليها . فصلی علیه رسول الله ثم انصرف ، فلم يمکث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ إلى ﴿وهم فاسقون﴾ (١) قال : فتعجبت من جرأتي على رسول الله ، والله ورسوله أعلم)). [١/ ق٢٤٣-١] قال المؤلف : فرض على جميع المؤمنين ، متعين على كل واحد منهم ألا يدعو للمشركين ، ولا يُستغفر لهم إذا ماتوا على شركهم لقوله تعالى : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ إلى ﴿ الجحيم﴾ (٢) فإن قيل : إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو كافر ، (١) التوبة : ٨٤ . (٢) التوبة : ١١٣ . - ٣٥١ - فالجواب : أن الله قد بَيَّن عذره في ذلك فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ (١) فدعا له وهو يرجو إجابته ورجوعه إلى الإيمان ﴿ فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه ﴾ (١) ففي هذا من الفقه أنه جائز أن يُدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية ما دام حيا ؛ لأن النبي - عليه السلام - لما شَمَّتَهُ أحد المنافقين واليهود قال: ((يهديكم الله ويصلح بالكم)) وقد يعمل الرجل [ بعمل أهل النار ] (٢) ويختم له بعمل أهل الجنة . وفيه تصحيح القول بدليل الخطاب ؛ لاستعمال الرسول له ، ذلك أن إخبار الله أنه لا يغفر له ولو استغفر له سبعين مرة ؛ يحتمل أنه لو زاد على السبعين أنه يغفر له [ لكن ] (٣) لما شهد الله أنه كافر بقوله: ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ﴾ (٤) دلت هذه الآية على تغليب أحد الاحتمالين ، وهو أنه لا يغفر له لكفره ، فلذلك أمسك عليه السلام عن الدعاء له . قال الطبري : وفيه الإبانة عن نهي الله ورسوله عن الصلاة على المنافقين ؛ لاعتقادهم للكفر وإن كانوا يظهرون الإسلام اعتصامًا به وحقنًا لدمائهم ، فأما القيام على قبورهم فغير محرم على غير رسول الله ، بل جائز لوليُّه القيام عليه لإصلاحه ودفنه ، و[ بذلك ] (٥) صح الخبر عن الرسول ، وعمل به أهل العلم بعده ، فدل ذلك أن القيام على قبره كان مخصوصًا بتحريمه رسول الله . والدليل على صحة ذلك ما حدثنا إسماعيل بن موسى ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن عليّ قال: (( لما مات أبو طالب أتيت النبي فقلت له: إن عمك (١) التوبة : ١١٤. (٢) كأنه سقط من الناسخ (٣) في ((الأصل)): لكان. وهو تحريف. (٤) التوبة: ٨٠. (٥) في ((الأصل)): لذلك. وهو غير مناسب . - ٣٥٢ - : الضال قد هلك ، قال : اذهب فواره ، ولا تحدثن شيئًا . فأتيته ، فأمرني أن أغتسل ، ودعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم)) وروى الثوري ، عن الشيباني ، عن سعيد بن جبير قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عباس ، قال : كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه ، ثم قرأ : ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ (١) الآية. قال النخعي : توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهي نصرانية ، فاتبعها أصحاب رسول الله تكرمة للحارث ولم يصلوا عليها. قال المؤلف : وفي إقدام عمر على مراجعة الرسول في الصلاة عليه من الفقه أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي وإن كان مخالفًا لرأيه وكان عليه فيه بعض الجفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه ، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه اجتهاده إليه ، ولا يتوجه إليه سوء الظن ، وأن صَبْرَ السلطان على ذلك من تمام الفضل ؛ ألا ترى سكوت النبي عن عمر ، وتركه الإنكار عليه ، وفي رسول الله أكبر الأسوة . باب : ثناء الناس على الميت فيه: أنس: (( مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا ، فقال عليه السلام : وجبت . ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا ، فقال : وجبت . فقال عمر ابن الخطاب : ما وجبت ؟ قال : هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض)). وفيه : عمر بن الخطاب : قال النبي - عليه السلام -: (( أيما مسلم شهد (١) التوبة : ١١٤. - ٣٥٣ - له أربعة بخير أدخله الله الجنة . فقلنا : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة [ فقلنا ](١). واثنان ؟ قال : واثنان . ثم لم نسأله عن الواحد )) . قال أبو جعفر الداودي : معنى هذا الحديث عند الفقهاء إذا أثنى عليه [ أهل ] (٢) الفضل والصدق ؛ لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخلون في معنى هذا الحديث ، والمراد - والله أعلم - إذا كان الثناء بالشرِّ ممن ليس له بعدو ؛ لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو ، [١/ ٢٤٣٥- ب] فإذا مات عدوه ذَكَر عند ذلك / الرجل الصالح شرا ، فلا يدخل الميت في معنى هذا ؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا - وإن كان عدلا - للعداوة ، والبشر غير معصومين . قال عبد الواحد : إن قال قائل : حديث أنس يعارضه قوله عليه السلام في باب ما ينهى عنه من سب الأموات: ((لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)» قيل له: حديث أنس هذا يجري مجرى الغيبة في الأحياء ، فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير وقد تكون منه الفلتة ؛ فالاغتياب له محرم ، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه . فكذلك الميت إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شر ولا سبّه به ، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه ، وليس ذلك مما نهي عنه من سب الأموات ، ويؤيد ذلك ما أجمع عليه أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجرَّحين . وفيه وجه آخر: وهو أن حديث (( لا تسبوا الأموات )) عام ، وسببه ما روي عنه عليه السلام أنه قال: (( أمسكوا عن ذي قبر )) فيحتمل أن يكون عليه السلام أباح ذكر الميت بما فيه من غالب الشر عند موته (١) زيادة ليست في ((الأصل)) والمثبت من الصحيح المطبوع مع الفتح (٢٧١/٣). (٢) زيادة ليست في (( الأصل)) ويقتضيها السياق. - ٣٥٤ - خاصة ؛ ليتعظ بذلك فساق الأحياء ، فإذا صار الميت في قبره وجب الإمساك عنه لإفضائه إلى ما قدم كما قال عليه السلام ، فسقط التعارض . فإن قيل : فلا حجة في جواز تجريح المحدثين ؛ لأن الضرورة دعت إلى ذلك حياطة لحديث النبي - عليه السلام - فجاز تخصيصهم للضرورة ، قيل له : هو مثل الذي غلب عليه الفسق ، فوجب ذكر فسقه تحذيرًا من حاله ، وهو من هذا الباب ، ( ومثله - مما لا اعتراض لك فيه - ذكره عليه السلام للذي يعمل حسنة وهو مؤمن ، فبذلك غفر له ، فذكره بقبيح عمله إذا كان الغالب على عمله الشرّ انتفع بخشية الله - تعالى ) (١) . قال المؤلف : فإن قال قائل : فإن حديث أنس مخالف لحديث عمر؛ لأنه لم يشترط في الذين أثنوا على الجنازة خيرًا وشرا عددًا من الناس لا يجزئ أقل منهم ، وأحال في ذلك عليه السلام ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء الخير والشر ، أنه المحكوم به له في الآخرة ، وقد جاء بيان هذا في حديث آخر (( إن الله إذا أحب عبداً أمر الملائكة أن تنادي في السماء : ألا إن الله يحب فلانًا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يجعل له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبدًا ... )) كذلك فهذا معنى قوله: (( أنتم شهداء الله في الأرض)) لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى ، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ (٢). فإن قيل : فهذا المعنى مخالف لحديث عمر ؛ لأنه شرط فيه أربعة شهداء أو ثلاثة أو اثنين ، وفي الحديث الأول شرط جملة كثيرة من المؤمنين ، وإن لم يحصرهم عدد. قيل : ليس كما توهمت ، وإنما (١) هكذا السياق في ((الأصل)). (٢) طه : ٣٩ . - ٣٥٥ - اختلف العددان لاختلاف المعنيين ، وذلك أن الثناء قد يكون بالسماع المتصل على الألسنة ، فاستحب في ذلك التواتر والكثرة ، والشهادة لا تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له ، فناب في ذلك أربعة شهداء ، وذلك على ما يكون من الشهادة ؛ لأن الله جعل في الزنا أربعة شهداء ، فإن قصروا عن ذلك (١) ناب فيه ثلاثة ، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه اثنان ، وذلك أقل ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق ، رحمة من الله لعباده المؤمنين ، وتجاوزاً عنهم حين أجرى أموره في الآخرة على ما أجراه في الدنيا ، وقَبِلَ شهادة رجلين من عباده المؤمنين بعضهم على بعض في أحكام الآخرة . : روى ابن وضاح قال : حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا بقية، قال: حدثنا الضحاك بن [ حُمْرَة] (٢) عن صالح [الأملوكي] (٣) عن حميد ، عن أنس قال : قال رسول الله: (( ما من ميت يموت فيشهد له رجلان من جيرته [الأدنيين ] (٤) فيقولان : اللهم لا نعلم إلا خيرًا، إلا قال الله لملائكته : أشهدكم أنني قد قبلت شهادتهم ، وغفرت له ما لا يعلمون )). (١) يعني في الشهادة على غير الزنا . (٢) بضم الحاء المهملة وبالراء ، وهو الواسطي ، وأصله شامي ، راجع إكمال ابن ماكولا (٥٠١/٢) وترجمته في تهذيب الكمال (٢٥٩/١٣). ووقع في ((الأصل)): حمزة بالزاي. وهو تصحيف . (٣) في (( الأصل)) : المليكي . والتصويب من ترجمة الضحاك بن حُمْرة من تهذيب الكمال ١٣/ ٢٦٠)، وكامل ابن عدي ، وغيرهما ، وهي نسبة الضحاك أيضًا، كما ذكره المعاني في الأنساب (٣٤٩/١). (٤) في (( الأصل)) : الآدميين . وهو تحريف ، والتصويب من ترجمة الضحاك في الكامل لابن عدي . - ٣٥٦ - باب : ما جاء في عذاب القبروقوله : ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ﴾ إلى ﴿ الهون﴾ (١) قال أبو عبد الله : الهُون هو الهوان ، والهَون : الرفق ، وقوله تعالى : ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ﴾ (٢) وقوله : ﴿ وحاق بآل فرعون سوء العذاب ﴾ إلى قوله: ﴿أشد العذاب﴾ (٣) فيه : البراء بن عازب ، عن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا [أُفْعدَ](٤) المؤمنُ في قبره أُتي ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ (٥))). وقال شعبة (٦) : نزلت في عذاب القبر . وفيه : ابن عمر: (( اطلع النبي - عليه السلام - على أهل القليب فقال: وجدتم ما وعد ربكم ؟ فقيل له : أتدعو أمواتًا قد جيفوا ؟! فقال: ما أنتم بأسمع منهم ، ولکن لا یجیبون )) (٧) . [١/ ق٢٤٤ -١] وقالت عائشة: ((إنما قال الرسول : إنهم / ليعلمون الآن أنَّ ما كنت أقول لهم حق، وقد قال الله - تعالى -: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾))(٨). وقد قالت عائشة: (( إن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر ، (١) الأنعام : ٩٣ . (٣) غافر : ٤٥ - ٤٦ . (٢) التوبة : ١٠١ . (٤) بالبناء للمجهول، وهو الصواب، ووقع في ((الأصل)): قعد. (٥) إبراهيم: ٢٧. (٦) ظاهره أنه قول شعبة ، وإنما روى البخاري الحديث عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سعد بن عبيدة ، عن البراء ، ثم رواه عن محمد بن بشار ، عن غندر ، عن شعبة به ، وزاد : ﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ نزلت في عذاب القبر ، فهذه العبارة زادها غندر على حفص في الرواية عن شعبة لهذا الحديث ، وليس من قول شعبة كما يوهمه صنيع المؤلف ، وراجع فتح الباري (٢٧٦/٣) . (٧) في (( الأصل)) ههنا زيادة: وقد قال تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ ولم أرها في الفتح (٢٧٤/٣) والمستدل بتلك الآية إنما هي عائشة لا ابن عمر ، فالظاهر أنه قد انتقل بصر الناسخ للحديث التالي ، ففيه تلك الزيادة ، والله أعلم . (٨) النمل : ٨٠ . - ٣٥٧ - فسألت عائشةُ النبي - عليه السلام - فقال: نعم ، إن عذاب القبر حق، فما [صلى](١) رسول الله ◌َفي صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر)). وفيه: أسماء: (( قام النبي خطيبًا فذكر فتنة القبر ( الذي يفتن به) (٢). المرء )). وفيه : أنس : قال الرسول: « إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه. أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل ... )) الحديث (( فيضرب بمطرقة من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعه من يليه إلا الثقلان )) . : قال أبو بكر بن مجاهد : أجمع أهل السّنّة أن عذاب القبر حق ، وأن الناس يُفتنون في قبورهم بعد أن يُحيوا فيها ويُسألوا فيها ، ويثبت الله من أحب تثبيته منهم . وقال أبو عثمان بن الحداد : وإنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار ، واحتجوا بقوله تعالى : ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ (٣) واحتجوا بمعارضة عائشة لابن عمر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره : قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر ، قال تعالى : ﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ (٤) وقد اتفق المسلمون أنه لا غدوة ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا ، فهم يعرضون مماتهم على النار قبل يوم القيامة ، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب ، قال تعالى : ﴿ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ (٣) فإذا جاز أن يكون المكلَّف بعد موته معروضًا على النار غدوا وعشيا ، جاز أن يسمع ----- (١) مكان هذه الكلمة في ((الأصل)، مضروبٌ على كلمة غير واضحة ، والمثيت هو .. الأنسب للسياق، وفي الصحيح المطبوع: ((فما رأيت رسول الله وَلا بَعْدُ صلى صلاة ... » . (٢) في الصحيح المطبوع (٢٧٥/٣): ((التي يَفْتَتِنُ فيها)). (٣) الدخان : ٥٦ . (٤) غافر : ٤٦. - ٣٥٨ - الكلام ويمنع الجواب ؛ لأن اللذة والعذاب [ تجيء بالإحساس ] (١) فإذا كان كذلك وجب اعتقاد رد الحياة في تلك الأجساد ، وسماعهم للكلام ، والعقل لا يدفع هذا ولا يوجب حاجة إلى بلّة ورطوبة ، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط ، فإذا صح رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقص البنية ، وتقطع الأوصال ، صح أن يوجد فيهم سماع الكلام ، والعجز عن رد الجواب . وقد ذكر البخاري في غزوة بدر بعد قوله عليه السلام : (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم؛ توبيخًا ونقمة وحسرة وندمًا . وعلى تأويل قتادة فقهاء الأئمة وجماعة أهل السُّنَّة ، وعلى ذلك تأوله عبد الله بن عمر راوي الحديث عن النبي - عليه السلام . قال القاضي : وليس في قول عائشة ما يعارض قول ابن عمر ؛ لأنه يمكن عليه السلام أن يكون قد قال في قتلى بدر القولين جميعًا ، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما ؛ لأن القولين غير متنافيين ، أن ( ما دعوا الله ) (٢) لا ينفي رد الحياة إلى أجسامهم ، وسماعهم للنداء بعد موتهم إذا عادوا أحياء . وقال الطبري في معنى قوله عليه السلام: (( ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون)) : اختلف السلف من العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت جماعة يكثر تعدادهم بالعموم ، وقالت : إن الميت يسمع كلام الأحياء ، ولذلك قال عليه السلام لأهل القليب ما قال ، وقال: (( ما أنتم بأسمع منهم )) واحتجوا بأحاديث في معنى قوله في الميت: (( إنه ليسمع قرع نعالهم)). (١) هكذا استظهرت قراءتها أقرب ما يكون إلى المعنى المراد ، وقد خلط الناسخ في هذا الموضع ، والله أعلم . (٢) هكذا ولم أتبين وجه الصواب فيه ، والمقصود قول الله تعالى: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ . - ٣٥٩ - ذكْرُ من قال يسمعون كلام الأحياء ويتكلمون ، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا [ عبد الرحمن بن عوف ، حدثنا عوف ، عن جلاس، عن أبي هريرة ](١) قال: ((إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم ، فإن رأوا خيرًا فرحوا به ، وإن رأوا شرًا كرهوه ، وإنهم يستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم ، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا ؟ وحتى إن الرجل ليسأل عن الرجل ، فإذا قيل له : قد مات . قالوا : هيهات ذهب . فإن لم يحسوه عندهم قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب به إلى أمه الهاوية )) . وروى ابن وهب عن العطاف بن خالد ، عن خالته - وكانت من العوابد - أنها كانت تأتي قبور الشهداء قالت : صليت يومًا عند قبر حمزة بن عبد المطلب ، فلما قمت قلت : السلام عليكم فسمعتْ أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني ، وما في الوادي داعٍ ولا مجيب ، فاقشعرّت كُلُّ شعرة مني . وعن عامر بن سعد : أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول لأصحابه: ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم . [٢٤٤٥/١-ب] وقال آخرون: معنى قوله / عليه السلام: (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) ما أنتم بأعلم أنه حق منهم ، ورووا ذلك عن النبي - عليه السلام - وذكروا قول عائشة حين أنكرت على ابن عمر وقالت: ((إنما (١) هكذا وقع الإسناد، وفيه تخليط واضح ، وأخشى أن يكون انتقل نظر المصنف ودخل له حديث في حديث ، فإن هذا المتن معروف من رواية أنس - رضي الله عنه - أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٦٤/٤ - ١٦٥) وغيره من طريق عبد الرزاق ، ثنا سفيان عمن سمع أنس بن مالك . وله شاهد إسناده ضعيف جدا ، رواه الطبراني في الكبير (١٢٩/٤) من طريق مسلمة بن علي ، عن زيد ابن واقد ، عن مكحول ، عن عبد الرحمن بن سلامة ، عن إبراهيم السماعي، عن أبي أيوب الأنصاري، وراجع مجمع الزوائد (٣٢٧/٢). - ٣٦٠ -