النص المفهرس
صفحات 241-260
﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ (١) لأن الميتة الأولى خلقه الله من تراب ومن نطفة ؛ لأن التراب والنطفة موات ، والموات كله لم يمت نفسه ، إنما أماته الله الذي خلقه ، والموت الثاني الذي يموت الخلق ، وأما قوله : ﴿وأحييتنا اثنتين﴾ يعني حياة الدنيا والحياة في الآخرة بعد الموت ، هذا قول ابن مسعود والسائب بن يزيد وابن جريج . فقوله : لا يجمع الله عليك ميتتين كقوله تعالى : ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ (٢). وفي الآية قول آخر روي عن الضحاك أنه قال : الميتة الأولى ميتته ، والثانية موته في القبر بعد الفتنة والمساءلة ، واحتج بأنه لا يجوز أن يقال للنطفة والتراب ميت ، وإنما يقال ميت لمن تقدمت له الحياة ، وهذا اعتراض فاسد قال الله تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ (٣) ولم يتقدم لها حياة قط وإنما ( جعلها) (٤) الله جمادًا وموائًا ، وهذا من سعة كلام العرب، والقول الأول هو الذي عليه العلماء . وفيه أن أبا بكر الصديق أعلم من عُمر ، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علم أبي بكر ، وفضل معرفته ، ورجاحة [ رأيه ] (٥) وبارع فهمه ، و(سرعة) (٦) انتزاعه بالقرآن، وثبات نفسه ، وكذلك مكانته عند الأمة لا يساويه فيها أحد ، ألا ترى أنه حين تشهد وبدأ بالكلام مال الناس إليه وتركوا عمر . ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في نفوسهم على عمر ، وسمو محله عندهم ، أخذوا ذلك رواية عن نبيهم - عليه السلام - وقد أقر بذلك عمر بن الخطاب حين مات أبو بكر فقال : والله ما أحب أن (١) غافر : ١١ . (٢) الدخان : ٥٦. (٣) يس: ٣٣. (٤) في ((هـ)): خلقها، ولعله الأنسب هنا . (٥) من (( هـ )). (٦) في (( هـ ) : حسن . - ٢٤١ - ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر ، ولوددت أني شعرة في صدر أبي بكر . وذكر الطبري عن ابن عباس فقال: ((والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وبيده الدرة ، وهو يحدث نفسه ويضرب قدمه بدرته ما معه [١/ ق٢٢٣- ب] غيري / إذ قال [ لي ] (١): يا ابن عباس ، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات رسول الله ؟ قلت : لا أدري والله يا أمير المؤمنين . قال : ما حملني على ذلك إلا قوله تعالى : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ﴾ (٢) فوالله إني كنت لأظن أن رسول الله سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها» وفي تأويل عمر هذه(٣) الحجة. المالك في قوله : في الصحابة مخطئ ومصيب ، يعني في التأويل . وقال المهلب : وفي حديث أم العلاء أنه لا يقطع على أحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، ولكن يرجى للمحسن، ويخاف على المسيء، وأما قوله عليه السلام: ((والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)) فيحتمل. أن يكون قبل أن يعلمه الله بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقد روي في [هذا الحديث](٤) ((ما يفعل به)) وهو الصواب؛ لأن رسول الله لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى به إليه ، والله الموفق للصواب . وقال عبد الواحد : فإن قيل : هذا المعنى يعارض قوله في حديث جابر : (( ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه )) قيل : لا تعارض بينهما ، وذلك أن الرسول لا ينطق عن الهوى ، فأنكر على أم العلاء قطعها على ابن مظعون ؛ إذ لم يعلم هو من أمره شيئًا، وفي قصة جابر قال بما علمه من طريق الوحي ؛ إذ لا يجوز أن يقطع عليه السلام على مثل هذا إلا بوحي ، فسقط التعارض . (١) من (( هـ ) . (٣) يعني : الآية . (٢) البقرة : ١٤٣ . (٤) في ((الأصل))، و((هـ): ((هذه الآية))، والظاهر أنه سبق قلم من المصنف، فإن الكلام على الحديث المذكور قبل سطرين ، وقد أشار الحافظ ابن حجر في: الفتح (١٣٩/٣) إلى أن رواية الكشميهني: ( به )) قال: وهو غلط منه. - ٢٤٢ - باب : الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه فيه: أبو هريرة: ((أن رسول الله وَ لفي نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، خرج إلى المصلى ، فصف بهم وكبر أربعًا )) . وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام -: (( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله لتذرفان ، ثم أخذها خالد بن الوليد من غیر إمرة ففتح له » . قال المهلب : هذا صواب الترجمة : باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه ، وإنما نعى عليه السلام النجاشي للناس ، وخصه بالصلاة عليه وهو غائب ؛ لأنه كان عند الناس على غير الإسلام ، فأراد أن يعلم الناس كلهم بإسلامه ، فيدعو له في جملة المسلمين ليناله بركة دعوتهم ، ويرفع عنه اللعن المتوجه إلى قومه . والدليل على ذلك أنه لم يصل عليه السلام على أحد من المسلمين ومتقدمي المهاجرين والأنصار الذين ماتوا في أقطار البلدان ، وعلى هذا جرى عمل المسلمين بعد النبي ، ولم يصل على أحد مات غائبًا ؛ لأن الصلاة على الجنائز من فروض الكفاية يقوم بها من صلى على الميت في البلد التي يموت فيها ، ولم يحضر النجاشيّ مسلمٌ يصلي على جنازته ، فذلك خصوص للنجاشي ، بدليل إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث . وقال بعض العلماء : إن روح النجاشي أحضر بين يدي النبي - عليه السلام - فصلى عليه ، ورفعت له جنازته كما كشف له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته ، وعلم يوم موته ونعاه لأصحابه، وخرج فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يُوارَى ، وهذه أدلة الخصوص ، يدل على ذلك أيضًا إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث ، ولم - ٢٤٣ - أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلا ما ذكره ابن أبي زيد عن عبد العزيز بن أبي سلمة فإنه قال : إذا استوقن أنه غرق ، أو قتل ، أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء صلى عليه كما فعل عليه السلام بالنجاشي . وبه قال ابن حبيب . وفي نَعْي النبي للنجاشي، وقوله : ((أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيب)) جواز نعي الميت للناس بخلاف قول من تأول نهي النبي - عليه السلام- عن النعي أنه الإعلام بموت الميت ، روي ذلك عن حذيفة : ((أنه كان إذا مات له ميت قال : لا تؤذنوا به أحدًا ، فإنني أخاف أن يكون نعيًا ؛ فإني سمعت رسول الله ينهى عن النعي )) وقال بذلك الربيع بن خثيم وابن مسعود وعلقمة ، وحديث النجاشي أصح من حديث حذيفة ، وإنما الذي نهى عنه عليه السلام فهو نعي الجاهلية وأفعالها ، وفيه عَلَمْ من أعلام النبوة بإخباره عن الغيب بخبر النجاشي وخبر زيد وأصحابه ، وسيأتي القول في معنى حديث أنس في كتاب الجهاد - إن شاء الله . باب : الإذن بالجنازة وقال أبو هريرة /: قال عليه السلام ألا آذنتموني . [١ / ق٢٢٤-١] فيه: ابن عباس قال: (( مات إنسان كان رسول الله يعوده ، فمات بالليل فدفنوه ليلا ، فلما أصبح أخبروه فقال : ما منعكم أن تعلموني ؟ قالوا : كان الليل وكانت ظلمة ، فكرهنا أن نشق عليك ، فأتى قبره فصلی علیه » . الإذن بالجنازة والإعلام بها سُنّة بخلاف قول من کره ذلك ، روي عن ابن عمر : (( أنه كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ثم خرج - ٢٤٤ - بجنازته )) والحجة في السنة لا فيما خالفها ، وقد روي عن ابن عمر في ذلك ما يوافق السنة ، وذلك: (( أنه نعي له رافع بن خديج قال : كيف تريدون أن تصنعوا به ؟ قالوا : نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قرى حول المدينة ليشهدوا، قال: نعم ما رأيتم)) ((وكان أبو هريرة يمر بالمجالس فيقول : إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته )) . قال المهلب : وهذا الذي صلى عليه الرسول بعد ما دفن إنما فعله لأنه كان يخدم المسجد ، وقد روى أبو هريرة في هذا الحديث (( أن أسود - رجل أو امرأة - كان يكون في المسجد يقمّه فمات )) وروى مالك عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف (( أن مسكينة مرضت ، فأخبر رسول الله بمرضها ، وكان يعود المساكين ، وقال : إذا ماتت فآذنوني ، فخرج بجنازتها ليلا ... )) وذكر الحديث ، فإنما صلى على القبر ؛ لأنه عليه السلام [ كان ] (١) وعد ليصلي عليه ليكرمه بذلك ؛ لإكرامه بيت الله - تعالى - ليحتمل المسلمون من تنزيه المساجد ما ينالون به هذه الفضيلة ، وسيأتي اختلاف العلماء في الصلاة على القبر بعد ما يدفن في بابه - إن شاء الله تعالى . باب : فضل من مات له ولد فاحتسب وقول الله: ﴿وبشر الصابرين﴾ (٢) فيه : أنس قال: قال عليه السلام: (( ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم». وفيه : أبو سعيد: (( أن النساء قلن للنبي - عليه السلام - : اجعل لنا (٢) البقرة : ١٥٥ . (١) من ( هـ)). - ٢٤٥ - يومًا ، فوعظهن وقال : أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد [ كانوا ] (١) حجابًا من النار قالت امرأة : واثنان ؟ قال : واثنان )) . وقال أبو هريرة: (( لم يبلغوا الحنث )) . وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( لا ( يتوفى ) (٢) لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تجلة القسم ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (٣))). قال المهلب : هذه الأحاديث تدل على أن أولاد المسلمين في الجنة ، وهو قول جمهور العلماء ، وشذت المجبرة فجعلوا الأطفال في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بالسُّنّة وإجماع الجماعة الذين لا يجوز عليهم الغلط ؛ لأنه يستحيل أن يكون الله - تعالى - يغفر لآبائهم بفضل رحمته ، ولا يوجب الرحمة للأبناء ، وهذا بَيِّنٌ لا إشكال فيه. وسيأتي الكلام في الأطفال بعد هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى - وقد جاء أنه من مات له ولد واحد دخل الجنة روي عن الرسول أنه قال: ((قال الله - عز وجل -: ما جزاء عبدي إذا قبضت صفيه من الدنيا فيصبر ويحتسب إلا الجنة )) ولا صفي أصفى من الولد. قال عبد الواحد: وقوله عليه السلام: (( واثنان)) بعد أن قال : ((ثلاثة)) يحتمل أنه لما قالت له المرأة : أو اثنان ؟ نزل عليه الوحي في الحين أن يجيبها بقوله: ((واثنان)) ولا يمتنع نزول الوحي على النبي - عليه السلام - في أسرع من طرفة العين ، ويدل على ذلك ما ثبت عن النبي - عليه السلام - (( أنه لما نزلت عليه : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ (٤) قام إليه ابن أم مكتوم فقال : يا رسول الله ، إني رجل ضرير البصر ، فنزلت ﴿غير أولي الضرر﴾ (٤) فألحقت بها)) .. (١) من ((هـ))، وفي (الأصل)): ((كن)). (٢) في (( هـ ): يموت. (٤) النساء : ٩٥ . (٣) مريم : ٧١ . - ٢٤٦ - وقوله عليه السلام: ((إلا تحلة القسم)) هو مخرج في التفسير المسند؛ لأن القسم عند العلماء قوله تعالى : ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضياً﴾ (١) هذا قول أبي عبيد يقول: فلا يَرِدُهَا إلا بقدر ما يبرُّ اللهُ قسمَهُ . قال الخطابي : وعارضنا ابن قتيبة فقال : هذا حسن من الاستخراج إن كان هذا قسمًا ، قال : وفيه وجه آخر ، وهو أشبه بكلام العرب ومعانيهم ، وهو إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدته شبهوه بتحليل القسم ، وذلك أن يقول ( للرجل بعده ) (٢): إن شاء الله، فيقولون : ما يقيم ( فلان ) (٣) عنه إلا تحلة القسم ، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة ، مشهور في كلامهم قال : ومعناه أن النار لا تمسه إلا قليلا كتحليل اليمين ، ثم ينجيه الله منها . قال : ولا إشكال أن المعنى ما ذهب إليه أبو عبيد ، إلا أنه أغفل بيان موضع القسم ، فتوهم ابن قتيبة أنه ليس بقسم . وقد جاء ذلك في حديث مرفوع رواه زبان / بن فائد ، عن سهل (٢٢٤٥/١ -ب] ابن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((من حرس ليلة وراء عورة المسلمين تطوعًا لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم، قال الله - تعالى - : ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيا﴾ (٤) وفي هذا ما يقطع بصحة قول أبي عبيد . قال الخطابي : وموضع القسم مردود إلى قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جئيا ... ﴾ (٥) الآية وفيه وجه آخر وهو أن العرب تحلف وتضمر المقسم به كقوله تعالى : وإن منكم إلا واردها﴾ المعنى: وإن منكم والله إلا واردها وقال الحسن وقتادة : ﴿حتمًا مقضيا﴾ قسمًا واجبًا، وهو قول ابن مسعود. (١) النساء : ٩٥ . (٢) فى (( هـ)) : الرجل بعد . (٣) في (( هـ)): فلانًا. (٤) مريم : ٧١ . (٥) مريم : ٦٨. - ٢٤٧ - واختلف العلماء في هذا الورود المذكور في الآية ، فقال جابر بن عبد الله وابن عباس: لا يبقى بَر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم . وقال آخرون : الورود الممر على الصراط . وروي ذلك عن ابن مسعود وكعب الأخبار ، ورواية عن ابن عباس . وقال آخرون : هو خطاب للكفار . روي ذلك عن ابن عباس قال: هو رد على الآيات التي قبلها في الكفار قوله تعالى: ﴿ فوربك لنحشرنهم والشیاطین ثم لنحضرنهم حول جهنم جثیا ﴾ إلى قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (١). وقال ابن الأنباري وغيره : جائز أن يرجع من مخاطبة الغائب إلى لفظ المواجهة، ومن المواجهة إلى الغائب ، قال تعالى : ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورا إن هذا كان لكم جزاءً﴾ (٢) فأبدل الكاف من الهاء، فعلى هذا صلح أن يكون خطابًا للمؤمنين . وقال مجاهد : الحُمَّى حظ المؤمن من النار ، ثم قرأ : ﴿وإن منكم إلا واردها ﴾ قال : الحُمَّى في الدنيا الورود ، فلا يَرِدُها في الآخرة . والحجة له ما رواه [أبو أسامة] (٣) عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل ابن عبد الله الأشعري ، عن أبي هريرة قال: ((عاد رسول الله وأنا (٢) مريم : ٦٨ - ٧١ . (١) الإنسان: ٢١، ٢٢ . (٣) هو حماد بن أسامة. وقد قال ابن نمير: (( وهو الذي يروي عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر ، نرى بأنه ليس بابن جابر ، بل هو رجل تسمّى به ، يعني أنه يدلسه. قال الذهبي في («تاريخ الإسلام)»: (( تلقت الأئمة حديث أبي أسامة بالقبول لحفظه ودينه ، ولم ينصفه ابن نمير )) . ووقع في ((الأصل، هـ)): أبو أمامة . وهو تحريف . ٠ ٢٤٨ - معه مريضًا كان يتوعك فقال : أبشر فإن الله - تعالى - يقول : هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة )) . وقال صاحب العين : بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم ، والحنث : الذنب العظيم . باب : قول الرجل للمرأة عند القبر اصبري فيه: أنس قال: (( مَرّ النبي - عليه السلام- بامرأة عند قبر فقال: اتقي الله واصبري )) . قال المؤلف : إنما أمرها بالصبر لعظيم ما وعد الله عليه من جزيل الأجر . قال ابن عون : كل عمل له ثواب إلا الصبر ، قال الله - تعالى - : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ (١) فأراد عليه السلام ألا تجتمع عليها مصيبتان : مصيبة الهلاك ومصيبة فقد الأجر الذي يبطله الجزع ، فأمرها بالصبر الذي لابد للجازع من الرجوع إليه بعد سقوط أجره ، وقد أحسن الحسن البصري في البيان عن هذا المعنى فقال : الحمد لله الذي آجرنا على ما لابُدَّ لنا منه، وأثابنا على ما لو تكلفنا سواه صرنا إلى معصيته . فلذلك قال عليه السلام لها: (( اتقي الله واصبري )) أي اتقي معصيته بلزوم الجزع الذي يحبط الأجر ، واستشعري الصبر على المصيبة بما وعد الله على ذلك ، وقال بعض الحكماء لرجل عزاه : إن كل مصيبة لم يُذهِبْ فرحُ ثوابها بألم حزنها لهي المصيبة الدائمة والحزن الباقي . وفي هذا الحديث دليل على جواز زيارة القبور ؛ لأن ذلك لو كان (١) الزمر : ١٠ . - ٢٤٩ - لا يجوز لما ترك عليه السلام بيان ذلك ، ولأنكر على المرأة جلوسها عند القبر ، وسيأتي بيان هذا المعنى في بابه - إن شاء الله . باب : غسل الميت ( ووضوؤه ) (١) بالماء والسدر وحنط ابن عمر ابنًا لسعيد بن زيد وحمله ولم يتوضأ وقال ابن عباس: المسلم لا ینجس حیا ولا ميتًا وقال سعد : لو كان نجسًا ما مسسته وقال عليه السلام : المؤمن لا ينجس . فيه: أم عطية: (( دخل علينا رسول الله حين توفيت ابنته فقال : اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة کافوراً أو شيئًا من كافور ، فإذا فرغتن فآذنني . فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقْوَه فقال : أشعرنها إياه - تعني إزاره )) . وترجم له باب يجعل الكافور في آخره . قال ابن المنذر: السُّنَّة أن يغسل الميت بالماء والسدر غسلا، ولا معنى لطرح ورقات من السدر في الماء كفعل العامة ؛ لأن الغسل إنما يقع بالسدر المضروب بالماء ، وأنكر أحمد الورقات التي يطرحها العامة في الماء . جمهور العلماء على أن يغسل الميت الغسلة الأولى بالماء ، والثانية [٢٢٥/١-١) بالماء والسدر، والثالثة بماء فيه كافور / وروى قتادة عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل من أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين ، والثالثة بماء فيه كافور ، ومنهم من يذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء والسدر على ظاهر قوله عليه السلام: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك بماء وسدر)) وهو قول أحمد، ورووا في حديث (( أن النبي - عليه السلام - غسل ثلاث غسلات كلهن بالماء والسدر )) . (١) في (( هـ )): ووضوئه ، وكلاهما له وجه . - ٢٥٠ - وكان إبراهيم النخعي لا يرى الكافور في الغسلة الثالثة ، وإنما الكافور عنده في الحنوط ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، ولا معنى لقولهم؛ لقوله عليه السلام: ((اجعلن في الآخرة كافورًاً)) وعلى هذا أكثر السلف . وقيل : إن الكافور بسبب الملائكة . وفي أمره عليه السلام باستعمال الكافور دليل على جواز استعمال المسك وكل ما جانسه من الطيب في الحنوط ، وأجاز المسك أكثر العلماء ، وأمر عليّ بن أبي طالب أن يجعل في حنوطه وقال : هو من أفضل حنوط النبي - عليه السلام - واستعمله أنس وابن عمر وسعيد بن المسيب ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق . وكرهه عمر بن الخطاب وعطاء والحسن ومجاهد ، وقال عطاء والحسن : إنه ميتة . وفي استعمال النبي - عليه السلام - له في حنوطه الحجة على من كرهه . واختلف الصحابة في غُسل من غَسَّل ميتًا ، فروي عن عليّ بن أبي طالب وأبي هريرة أنَّ عليه الغسل . وهو قول ابن المسيب وابن سيرين والزهري ، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في العتبية قال : وعليه أدركت الناس . ولم أره يأخذ بحديث أسماء بنت عميس . وقالت طائفة : لا غسل عليه . روي ذلك عن ابن مسعود وسعد وابن عمر وابن عباس وجابر ، ومن التابعين : القاسم وسالم والنخعي والحسن البصري ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والليث ، وحكى ابن حبيب عن مالك أنه لا غسل عليه ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واحتج ابن حبيب بحديث أسماء بنت عميس: (( أنها غسلت أبا بكر الصديق بعد موته ، فلما فرغت من غسله سألت من حضر من المهاجرين والأنصار هل عليها غسل ؟ قالوا : لا )) . قال ابن القصار : واختلف العلماء في ابن آدم إذا مات ، فقالت - ٢٥١ - طائفة : ينجس بالموت . وقالت طائفة : لا ينجس . وليس لمالك فيه نص ، وقد رأيته لبعض أصحابه أنه طاهر ، وهو الصواب ، واختلف فيه قول الشافعي ، والدليل على طهارته أن النبي- عليه السلام - قبل عثمان بن مظعون لما مات والدموع تسيل على خديه ، ولو كان نجسًا لم يجز أن يفعل الرسول هذا ، وخاصة فإن الدموع إذا سالت عليه وهو نجس لم يجز أن تلاصقها بشرة الحي ؛ لأنها تصير نجسة رطبة . وقد قال عليه السلام: (( المؤمن لا ينجس)) وهو بعد موته مؤمن كما كان في حياته ، فثبتت طهارته كما قال ابن عباس . قال عبد الواحد : فإن قيل : فقد صح أن المؤمن لا ينجس ، وأن المؤمن قد سقطت عنه العبادة بعد موته ، فما وجه غسل الميت الذي ليس بنجس ولا متعبّد، وما معنى غسله ثلاثًا ؟ قيل : يحتمل أن يكون معنى غسله - والله أعلم - أنه تنظيف لمباشرة الملائكة إياه ، وللقائه لله - تعالى - ولذلك يجعل له الكافور ليلقاه طيب الرائحة ، وأمر أن يغسل ثلاثًا أو خمسًا ، وليس التحديد في ذلك بواجب، وإنما أريد بالغسل الإنقاء ؛ لقوله عليه السلام: ((أو أكثر من ذلك إن رأيتن)). فإن قيل : إن واحدة تكفيه ، فما معنى الثلاث والخمس ؟! قيل : للمبالغة في غسله ؛ ليلقى الله بأكمل الطهارات ، فإن قيل : فماذا يطهر إذا لم يعلم به جنابة ، ولا حيض بالمرأة ، ولا بجسدها نجاسة ؟ فالجواب : أنه يجوز أن يكون [ به جنابة ] (١) لا نعلمها من احتلام وغيره ، ويغشاه الموت فيموت جنبًا ، أو يمس جسده في مرضه شيء من النجاسات ولا يعلم ذلك ، فوجب أن يؤخذ له بالوثيقة ويحتاط له؛ ليوقن له أنه لقى الله طاهرًا - والله أعلم . وقد قال سعيد بن المسيب والحسن البصري : إن كل ميت يجنب ، (١) من (( هـ ). - ٢٥٢ - ولو مات وهو طاهر من ذلك كله لكان تطهيره حسنًا ؛ إذ قد يكون به رائحةُ عرقٍ ذفرٍ من المرض أو مهنة ، لبعده عن الغسل ، كما أمر الرسول- عليه السلام - بالغسل يوم الجمعة لمن ليس بجنب ولا عليه نجاسة إلا زيادة في التطهير لمناجاة ربه يوم الجمعة ، فالميت أحوج إلى ذلك للقاء الله - تعالى - وللقاء الملائكة . باب : ما يستحب أن يغسل وتراً فيه: أم عطية قالت: (( قال النبي - عليه السلام - ونحن نغسل ابنته : اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك بماء وسدر ... )) الحديث . وفي حديث حفصة: ((اغسلنها وتراً ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا)). قال ابن المنذر : في حديث أم عطية / دليل على أن أقل ما يغسل [٢٢٥٥/١ -ب] الميت ثلاث ، وعلى أن الغاسل إذا رأى غسله أكثر من ثلاث ألا يغسله إلا وترًا ، ومعنى أمره بالوتر - والله أعلم - ليستشعر المؤمن في أعماله أن الله - تعالى - وحده لا شريك له كما قال عليه السلام لسعد حين رآه يشير بأصبعين في دعائه: ((أحِّد أحِّد )). ولا يحفظ ذكر السبع في حديث أم عطية إلا من رواية حفصة بنت سيرين عنها ، ولم يرو ذلك محمد بن سيرين عن أم عطية إلا أنه روى هذه الألفاظ عن أخته ، عن أم عطية ، وروى سائر الحديث عن أم عطية . وقال مالك والشافعي : يغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا . وقال عطاء : أو [سبعًا] (١) وقال أحمد: لا يزاد على سبع. وقال الشافعي: (١) من ((هـ)) وهو الصواب، وفي ((الأصل)): تسعًا. وهو تصحيف. قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع . راجع فتح الباري للحافظ ابن حجر ، حديث رقم (١٢٥٣) . - ٢٥٣ - لا يقتصر عن ثلاث. وروى ابن وهب عن مالك أنه ليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف ، ولكنه يغسل ويطهر ، وأحب إليّ أن يغسل ثلاثًا أو خمسًا كما قال عليه السلام . وقال أبو حنيفة: إذا زاد على الثلاثة سقط الوتر . وهذا خلاف للحديث ، وذهب الكوفيون والثوري ومالك والمزني أنه إذا خرج منه حدث بعد تمام غسله غسل ذلك الموضع ، ولم يُعد غسله ؛ لأنها عبادة على الحي قد أداها ، وليس على الميت عبادة . وقال الشافعي: إن خرج منه شيء بعد الغسلة الثالثة أعيد غسله. وقال أحمد: يعاد غسله إذا خرج منه شيء إلى [ سبع] (١) غسلات، ولا يزاد عليها . والقول الأول أَوْلى ؛ لأنه لو خرج من الحي بعد الغسل حدث لم ينتقض غسله ، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الخي . باب : يبدأ بميامن الميت ومواضع الوضوء ء فيه : أم عطية: (( قال النبي - عليه السلام - في غسل ابنته : ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها )). واستحب العلماء أن يُبدأ بميامن الميت ومواضع الوضوء ؛ لفضل الميامن وفضل أعضاء الوضوء ؛ لأن الغرر والتحجيل يكون فيها ، وقال ابن سيرين : يبدأ بمواضع الوضوء ثم بميامنه . وقال أبو قلابة : يبدأ بالرأس واللحية ثم الميامن . واختلف الفقهاء في وضوء الميت وفي غسله ، فقال مالك : إن وضئ فحسن . وقال أبو حنيفة : لا يوضأ ؛ لأن العبادة ساقطة عنه والتكليف؛ ولأن المضمضة أن يمج ذلك من فيه، والاستنشاق لمن له نفس يجذبه، والميت لا يقدر على ذلك . وقال الشافعي: يوضأ قبل غسله .. (١) في ((الأصل)) و((هـ)): ((تسع))، وسبق عن أحمد أنه لا يزاد على السبع، فالظاهر أن ما وقع في الأصلين خطأ ، وأثبت الصواب . - ٢٥٤ - قال ابن القصار : والحجة لقول مالك أنه قد ثبت وجوب غسله كالجنب ، فلما كان وضوء الجنب عند الغسل مستحبا ، كذلك هذا ، ولما كان الحي يتوضأ في غسله ليلقى ربه في أعلى مراتب الطهارة ، كان في الميت الذي حصل في أول منازل الآخرة أولى أن يلقى ربه في أعلى مراتب الطهارة أيضًا . وقول الكوفيين : إن العبادة ساقطة عنه ، وقد تعبدنا نحن بتطهيره، والمضمضة للتنظيف . ونحن نفعلها كما نغسل المواضع الغامضة منه ، فإن ترك وضوؤه فلا بأس ؛ لأن الرسول قال: ((وأي وضوء أعم من الغسل )) . باب : هل تكفن المرأة في إزار الرجل فيه: أم عطية قالت: (( قال النبي - عليه السلام - في غسل ابنته : فإذا فرغتن فآذنني ، فلما فرغنا آذناه ، فنزع إزاره من حقوه وقال : أشعرنها إياه)» . لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن تكفن المرأة في ثوب الرجل ، والرجل في ثوب المرأة ، قال ابن المنذر : أكثر العلماء يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب . وفي المجموعة قال ابن القاسم : الوتر أحب إلى مالك في الكفن ، وإن لم يوجد للمرأة إلا ثوبان لفت فيهما . وقال أشهب : لا بأس بالأكفان في ثوب الرجل والمرأة . وقال ابن شعبان : المرأة في عدد أثواب الأكفان أكثر من الرجل ، وأقله لها خمسة . وقال أبو حنيفة وجماعة : أدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب ، والسُّنَّة فيها خمسة . وقال ابن المنذر : درع وخمار ولفافتان : لفافة تحت الدرع تلف بها ، وأخرى فوقه ، وثوب لطيف يشد على وسطها يجمع ثيابها . - ٢٥٥ - وقوله: (( أشعرنها إياه )) أي اجعلنه يلي جسدها ، والشعار الثوب الذي يلي الجسد عند العرب ، وسيأتي تفسير الحقو في باب الإشعار للميت - إن شاء الله تعالى . باب : نقض شعر المرأة وقال ابن سيرين : لا بأس أن ينقض شعر المرأة فيه : أم عطية: (( أنهن جعلن رأس بنت الرسول ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه ، ثم جعلته ثلاثة قرون: ناصيتها وقرنيها )) . وترجم له باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون ، وباب يلقى شعر المرأة [١/ ٢٢٦٥-] خلفها / وزاد فيه: (( فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناه خلفها)). معنى نقض شعر المرأة - والله أعلم - لكي يبلغ الماء البشرة ، ويعم الماء جميع جسدها ، وتضفير شعرها بعد ذلك أحسن من استرساله وانتشاره ؛ لأن التضفير يجمعه ويضمه . وقال الشافعي وأحمد : يضفر رأس المرأة ثلاثة قرون : ناصيتها وقرنيها ، ثم يلقى خلفها على حديث أم عطية . وهو قول ابن حبيب. وقال ابن القاسم في العتبية : يلف شعر المرأة ، وأما الضفر فلا أعرفه . وقال الكوفيون: يرسل من بين يديها من الجانبين [ جميعًا ] (١) ثم [يسدل] (٢) الخمار عليه . وقال الأوزاعي : ليس مشط رأس الميتة بواجب ، ولكن يفرق شعرها وترسله مع خديها . وقول من اتبع الحديث أولى ، ولا حجة لمن خالفه . (١) من (( هـ). (٢) فى (( هـ): يشد . - ٢٥٦ - باب : كيف الإشعار للميت وقال الحسن : الخرقة الخامسة يشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع وفيه: أم عطية : (( دخل علينا الرسول ونحن نغسل ابنته فقال : اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورًا ، فإذا فرغتن فآذنني . قالت : فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه ، فقال : أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك )) ولا أدري أي بناته . وزعم ابن سيرين أن الإشعار : الفُفْنَهَا فيه ، وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تشعر ولا تؤزر . وقوله : (( أشعرنها إياه )) فإنه أراد اجعلنه على جسدها ، ومنه قوله عليه السلام: (( الأنصار شعار ، والناس دثار )) وقال ابن جريج : قلت لعطاء : ما معنى أشعرنها إياه ، أتؤزر ؟ قال : لا أراه إلا [قال](١): الففنها فيه . كقول ابن سيرين . قال المؤلف : فإذا لفت فيه مما يلي جسمها منه فهو شعار لها ، وما فضل [ منه ] (١) فتكرير لَفِّه عليها أستر لها من أن تؤزر فيه مطلقًا دون أن يلف عليها ما فضل منه ، فلذلك فسر أن الإشعار أريد به لفها في الإزار ، وكان ابن سيرين أعلم التابعين ( بغسل ) (٢) الموتى، هو وأيوب بعده . قال المهلب : وإنما أعطاها إزاره تبركًا بالنبي. و((الحَقْوُ)) في اللغة موضع عقد الإزار من الرَّجُل وهو الخصر ، وقال صاحب العين : هو الكشح والجمع [ أَحْقاء ] (٣)، والحقو أيضًا الإزار. روي هذا كله في الحديث ، ففي هذا الحديث سمي الإزار حقواً . (١) من (( هـ)). (٢) فى (( هـ) : بعلم. (٣) في ((الأصل)) و((هـ)): ((أحق)) وهو خطأ، والمثبت من المعجم الوسيط (١٨٩/١) وغيره . - ٢٥٧ - وفي باب : هل تكفن المرأة في إزار الرجل ؛ سمي الحقو موضع عقد الإزار، فقال: (( فنزع من حقوه إزاره)) فهذا شاهد لأهل اللغة، وقد استدل قوم من هذا الحديث أن غسل النساء للمرأة أولى من غسل زوجها لها ، وهذا قول الشعبي وأبي حنيفة والثوري . وقالوا : إنما لم يجز غسلها؛ لأنه ليس في عدة منها ، ولو ماتت هي لم يمتنع من التزويج عقيب موتها ، ولو مات هو لمنعت من التزويج حتى تخرج من عدتها . وقال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق : يغسل الرجل امرأته إذا ماتت ، واحتجوا بأن فاطمة بنت النبي أوصت إلى زوجها علي أن يغسلها . وكان هذا بحضرة الصحابة ولم ينكره منهم أحد ؛ فصار إجماعًا . واعتل الكوفيون بأن لزوجها أن يتزوج أختها ، فلذلك لا يغسلها ؛ لأنه إذا غسلها وقد تزوج أختها فقد جمع بينهما ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأنها في حكم الزوجة بدليل الموارثة ، لا في حكم المبتوتة ، ويجوز لكل واحد منهما من صاحبه من النظر والمباشرة ما لا يجوز لغيرهما . وقال ابن القصار : والجمع بين الأختين إنما حرم منه الجمع بينهما بعقد النكاح والنظر إلى كل واحدة منهما بعين الشهوة واللذة ، وهذا غير موجود في مسألتنا ، وأما إذا نظر إلى إحداهما على طريق الحرمة المتقدمة ، فهو جائز كمن ينظر إلى أختيه من الرضاع ، وإلى أختين مملوكتين . وأما غسل المرأة زوجها فهو إجماع لا خلاف فيه . وقول المحدث (١) : لا أدري أي بناته . فقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان ، عن حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية قالت (١) هو أيوب، كما جزم به الحافظ في الفتح (٣/ ١٦٠). - ٢٥٨ - (( توفيت زينب بنت رسول الله، فقال رسول الله وَالله: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا )) وقال بعض أهل السير : هي أم كلثوم . # باب : الثياب البيض للكفن فيه: عائشة: (( أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب بمانية بيض سحولية من كرسف ، ليس فيها قميص ولا عمامة )) . وترجم له باب الكفن بغير قميص ، وباب الكفن بغير عمامة . قال ابن المنذر : وروي عن الرسول أنه قال: (( خير ثيابكم البياض، فألبسوها أحياءكم ، وكفنوا بها موتاكم)) والسحولية : البيض، والسحل: الثوب الأبيض ، وقيل: إن ((سحول )) قرية باليمن تصنع بها ثياب [ القطن] (١) / وتنسب إليها، والكرسف: [٢٢٦٥/١- ب] القطن ، والفقهاء يستحبون في الكفن ما في هذا الحديث ، ولا يرون في الكفن شيئًا واجبًا لا يتعدى ، وما ستر العورة أجزأ عندهم . قال مالك : ليس في كفن الميت حدّ ، ويستحب الوتر . وقال مرة: لا أحب أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب . وقال ابن القصار : لا يستحب القميص في الكفن ، والسُّنَّة تركه . وبه قال الشافعي . وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنه لا يقمص الميت ، ولا يعمم، ويدرج في ثلاثة أثواب بيض إدراجًا ، كما فعل بالنبي - عليه السلام - وكان جابر بن عبد الله وعطاء لا يعممان الميت . وقالت طائفة : لا بأس بالقميص والعمامة في الكفن . روي ذلك عن ابن عمر . وقال ابن حبيب : استحب مالك للرجل خمسة أثواب يعد فيها (١) من (( هـ)). - ٢٥٩ - القميص والعمامة والمئزر، ويلف في ثوبين، وقال في المدونة: من شأن الميت أن يعمم عندنا . وقال أبو حنيفة : لا بأس أن يكفن في قميص .. قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: قوله: (( ليس فيها قميص ولا عمامة)) يدل أن القميص الذي غسل فيه الرسول نزع عنه حين كفن ؛ لأنه إنما قيل : لا تنزعوا القميص ليستر به ولا يكشف جسده ، فلما ستر بالكفن استغني عن القميص ، ولو لم ينزع القميص حين كفن لخرج عن حد الوتر الذي أمر به النبي - عليه السلام - واستحسنه في غير ما شيء استشعاراً للتوحيد ، وكانت تكون أربعة بالثوب المبلول ، ويستبشع أن يكفن على قميص مبلول . فإن قيل : فقد روى يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال: ((كفن رسول الله وَّ﴾ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه ، وحلة نجرانية )) قيل : هذا حديث انفرد به يزيد بن أبي زياد، و[ هو ] (١) لا يحتج به لضعفه ، وحديث عائشة أصح ، الذي نفت عنه القميص . باب : الکفن في ثوبین فيه: ابن عباس: (( (بينا) (٢) رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته ، قال النبي - عليه السلام - : اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبين ، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة مُلبيًا )). وترجم له باب الحنوط للميت وقال فيه : (( فأقصعته أو قال : فأقعصته ))، وترجم له باب كيف يكفن المحرم ؟ . قال المؤلف : قال مالك وأبو حنيفة : لا أحب لأحد أن يكفن في أقل من ثلاثة أثواب ، وإن كفن في ثوبين فحسنٌ على ظاهر قوله (١) من (( هـ). (٢) في ((هـ)): بينما . - ٢٦٠ -