النص المفهرس
صفحات 221-240
ومثله قال طاوس : قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئًا . وطاوس لم يدرك معاذًا، إنما قدم اليمن في عهد رسول الله 1803 ولم يولد طاوس يومئذٍ ، فمعنى قوله : قدم علينا ، قدم بلدنا ، وهذا الزهري على علمه بالسنن يقول : إن قصة ذي الیدین كانت قبل بدر . وما ادعاه الكوفيون أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود فغير مسلّم لهم ، لِمَا قدمنا في باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة أن حديث ابن مسعود في تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة وقت قدومه من الحبشة ، وإسلام أبي هريرة / كان عام خيبر ، وقد [١/ق ٢٢٠-١] صح شهود أبي هريرة لقصة ذي اليدين ، وأنها لم تكن قبل بدر . وقولهم : إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغير صحيح ، وإنما المقتول يوم بَدْرِ ذو الشمالين، ذكر ذلك سعيد بن المسيب وجماعة من [ أهل ] (١) السير : ابن إسحاق وغيره قالوا : وذو الشمالين هو عمير بن عمرو ، من خزاعة حليف لبني زهرة ، وذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر ، وإن المتكلم كان من بني سليم ، ذكر ذلك يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وقال عمران بن حصين : رجل طويل اليدين يقال له : الخرباق . وقال الأثرم : سمعت مسددًاً يقول : الذي قتل ببدر [هو](١) ذو الشمالين بن عبد عمرو ، حليف بني زهرة ، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية فيجيء فيصلي مع النبي - عليه السلام - وذكر ابن أبي خيثمة أن ذا اليدين عَمّر إلى زمن معاوية ، وتوفي بذي (خشب ) (٢) . (١) من ( هـ)). (٢) في ترجمة ذي اليدين من الاستيعاب (٤٧٦/٢): لا ذو خشب ١ بمعجمتين، = - ٢٢١ - وقد اضطرب الزهري في رواية حديث ذي اليدين ، فجعله ذا الشمالين المقتول ببدر ، وترك العلماء حديثه ؛ لأنه مرة يرويه عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة قال : بلغني أن النبي - عليه السلام - وحدث عنه مالك ، عن سعيد وأبي سلمة أنه بلغهما أن (( النبي - عليه السلام - صلى ركعتين ثم سلم ، ولم يسجد للسهو )) وقال مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز : قول ابن شهاب أن النبي - عليه. السلام - لم يسجد يوم ذي اليدين خطأ وغلط ، وقد ثبت ذلك عنه عليه السلام . قال ابن القصار : والدليل على أن كل من تكلم في صلاته عمدًا. لمصلحتها أن صلاته تامة ، أن ذا اليدين لما قال للرسول : قد كان بعض ذلك ، علم أن الرسول لم يقصر وأن النسيان الجائز قد حصل [منه] (١) فابتدأ عامدًا فسأل الناس ، فأجابوه أيضًا عامدين ؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر ، وأن النسيان قد وقع، وبهذا احتج ابن القاسم. وقال أبو الفرج : لو صح للمخالفين ما ادعوه من نسخ حديث ذي اليدين بتحريم الكلام في الصلاة ، لم يكن لهم فيه حجة؛ لأنه قد نهى عن التسبيح في الصلاة في غير موضعه ، وأبيح للتنبيه على غفلة المصلي في صلاته ليستدركه ، فكذلك الكلام . ويدخل على أبي حنيفة والشافعي التناقض في قولهم في هذا الحديث ؛ لأنهم يجيزون المشي في الصلاة عامدًا لإصلاحها ،. كالراعف يخرج من المسجد يغسل الدم وللوضوء ، ولا يجوز ذلك وكذا فى الإصابة (٤٨٩/١) وفى أسد الغابة (١٤٥/٢): ((كان ينزل بذي = جشب من ناحية المدينة)) كذا بجيم في أوله ثم معجمة . وهو تصحيف ، ففي معجم البلدان (٣٧٢/٢) ومعجم ما استعجم (٤٩٩/١ - ٥٠٠): ((ذو خَشَب)) - بضم المعجمتين - موضع على مرحلة من المدينة على طريق الشام، والله أعلم . (١) من (( هـ). - ٢٢٢ - عندهم في غير إصلاح الصلاة ، فكذلك الكلام يجوز منه الإصلاح الصلاة ما لا يجوز منه لغير ذلك . * * باب : من لم يتشهد في سجدتي السهو وسَلَّمَ أنس والحسن ولم يتشهدا وقال قتادة : (لا) (١) يتشهد . فيه : أبو هريرة : (( أن الرسول انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : نعم . فقام رسول الله فصلى اثنتين أخريين ، ثم سلم ، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع )) . وقيل لابن سيرين : في سجدتي السهو تشهد ؟ فقال : ليس في حديث أبي هريرة . اختلف العلماء في سجدتي السهو ، وهل فيهما تشهد وسلام ، فقالت طائفة : لا تشهد فيهما ولا سلام . روي ذلك عن أنس و(طاوس)(٢) والحسن والشعبي. وقالت طائفة : لا تشهد فيهما ، وفيهما السلام . روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعمار وابن أبي ليلى وابن سيرين . وقالت طائفة : فيهما تشهد وسلام . روي ذلك عن ابن مسعود والنخعي والحكم ، ورواية عن قتادة ، واستحسن ذلك الليث ، وقاله (١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١٨/٣): ((كذا في الأصول التي وقفت عليها من البخاري، وفيه نظر ؛ فقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : يتشهد في سجدتي السهو ويسلم ، فلعل (( لا)) في الترجمة زائدة ، يكون قتادة اختلف عليه في ذلك)) ١ هـ. كذا فيه: ((ويكون))، والظاهر أن الصواب: ((أو یکون )، كما هو واضح . (٢) كذا في (( الأصل)) وفي (( هـ)): عطاء. - ٢٢٣ - مالك في العتبية والمجموعة ، وهو قول الأوزاعي والثوري والكوفيين والشافعي ، ذكره ابن المنذر . وحكى الطحاوي عن الأوزاعي والشافعي : ليس فيهما تشهد . وفيهما قول رابع : إن سجد قبل السلام لم يتشهد ، وإن سجد بعد السلام تشهد ، رواه أشهب عن مالك ، وهو قول ابن الماجشون وأحمد بن حنبل . قال المهلب : وليس في حديث ذي اليدين تشهد ولا تسليم ، ويحتمل ذلك وجهين : أحدهما : أن يكون النبي - عليه السلام - تشهد فيهما وسلم ولم ينقل ذلك المحدث ، والثاني : أنه لم يتشهد فيهما ولا سلم ، وألحق المسلمون بهاتين السجدتين الصلاة ؛ لما كانت صلاةً كَبَّرَ الرسول لهما ، فأضيف إليهما التشهد والسلام تأكيداً لهما. وقال ابن المنذر : التسليم في سجدتي السهو ثابت عن النبي - عليه السلام - من غير وجه ، وفي ثبوت التشهد عنه عليه السلام فيهما (١/ ق ٢٢٠ - ب] / نظر . وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على الشافعي في قوله : إن سجود السهو كله في الزيادة قبل السلام ؛ لأنه عليه السلام زاد في حدیث ذي اليدين السلام والكلام ثم أكمل صلاته وسجد للسهو بعد السلام . - ٢٢٤ - باب : يكبر في سجدتي السهو فيه: أبو هريرة قال: (( صلى النبي إحدى صلاتي العشي - قال محمد (١) : وأكبر ظني أنها العصر - ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم [المسجد ] (٢) فوضع يده عليها ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وخرج سَرَعَانُ الناس ، فقالوا : أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي ذا اليدين فقال : أنسيت أم قصرت ؟ فقال : لم أنس ولم تقصر . فقال : بلی قد نسیت ، فصلی ر کعتين ثم سلم ، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر [ ثم وضع رأسه فكبر ، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر ](٢))). وفيه: ابن بُحينة: (( أن الرسول قام في صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس)). قال المهلب: التكبير في سجود السهو ثابت عن النبي -عليه السلام- ولذلك ألحق المسلمون فيهما التشهد والسلام . وفي هذا الحديث من الفقه أنه لو انحرف عن القبلة في صلاته ساهيًا أو مشى قليلا ، أنه لا يخرجه ذلك عن صلاته ؛ لأن الرسول قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها ، وخرج السرعان وقالوا : إنه قصرت الصلاة ، فلم ينقض ذلك صلاتهم ؛ لأنه كان سهوًا ، فدل أن السهو لا ينقض الصلاة ، ولا يستعمل اليوم مثل هذا من الخروج من المسجد والكلام )(٣) إعادة الصلاة، والعمل الكثير في الصلاة مسقط لخشوعها، ) فلذلك استحب العلماء إعادتها من أولها إذا كثر العمل مثل هذا . واختلف العلماء في الذي يسهو مرارًا في الصلاة ، فقال أكثر أهل العلم : يجزئه [ لجميع ] (٢) ذلك سجدتان . هذا قول النخعي وربيعة (٢) من (( هـ )). (١) هو ابن سيرين أحد رجال الإسناد . (٣) كلمة لم أستطع قراءتها في ((الأصل)) وفي (( هـ )) طمس. - ٢٢٥ - ومالك والثوري والليث والكوفيين والشافعي وأبي ثور ، ومنهم من قال يسجد في ذلك كله قبل السلام ، ومنهم من قال بعد السلام على حسب أقوالهم في ذلك . وفيه قول ثاني : أن على من سها سهوين مختلفين أربع سجدات . هذا قول الأوزاعي . وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة : إذا كان عليه سهوان في صلاة واحدة، منه ما يسجد له قبل السلام ، ومنه ما يسجد له بعد السلام ، فليسجد قبل السلام وبعد السلام . قال ابن القصار : وحديث ذي اليدين حجة لأهل المقالة الأولى ، وذلك أن النبي - عليه السلام - [سلم] (١) وهذا يوجب سجود السهو، ثم مشى إلى خشبة معترضة في المسجد فاتكأ عليها ، وهذا يوجب سجود السهو ، ثم تكلم فقال : أصدق ذو اليدين . وهذا يوجب سجود سهو ، ثم سجد لجميع ذلك عليه السلام سجدتين ، وهذا حجة على من خالفه . وقال مالك : إنه إذا اجتمع سهوان في الصلاة بزيادة ونقصان (فسجودهما قبل السلام): (٢) . أخذ في الزيادة بحديث ذي اليدين ، وأخذ في النقصان بحديث ابن بحينة ، وبهذا يصح استعمال الخبرين جميعًا، واستعمال الأخبار أولى من ادعاء النسخ فيها ، والفرق بين الزيادة والنقصان بيِّن من طريق النظر؛ لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال أن يكون الجبر بعد الخروج من [الصلاة](٣) والسجود في الزيادة ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ من الصلاة . وسرعان الناس : أوائلهم ، وكذلك سرعان الخيل . (١) من (( هـ)). (٢) هكذا في ((الأصل))، وفي (( هـ)): ((وسجودهما ... )) والكلام الآتي يدل أن مالكًا يذهب إلى سجودين: مثل السلام وبعده، فكأنه سقط: ((وبعده)) والله أعلم . (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الصلاح . ولا يستقيم. - ٢٢٦ - باب : إذا لم يَدْر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا سجد سجدتين وهو جالس فيه: أبو هريرة قال : قال النبي - عليه السلام -: ((إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قُضي الأذانُ أَقْبَلَ ، فإذا ثُوِّبَ بها أَدْبَرَ ، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول : اذكر كذا وكذا ما لم يكن يذكر، حتى [ يظل ] (١) الرجل إنْ يَدْرِي كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ثلاثًا أو أربعًا، فليسجد سجدتین وهو جالس )) . اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فأخذ قوم بظاهره وقالوا : من شَكَّ في صلاته ، فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين ، وهو جالس ثم يسلم ، وليس عليه غير ذلك / روي ذلك عن أنس وأبي [٢٢١٥/١-١] هريرة وعن الحسن البصري . وقال آخرون : هذا الحديث إنما هو في ( المستنكح ) (٢) الذي يكثر عليه السهو ويلزمه حتى لا يدري أسها أم لا ، فمن كانت هذه حاله أبدًا أجزأه أن يسجد سجدتي السهو دون أن يأتي بركعة ، وإنما يأتي بركعة الذي لا يعتريه ذلك كثيراً ، قالوا : وبهذا التأويل تسلم الأحاديث من التعارض . وعلى هذا فَسَّرَ الليث بن سعد حديث أبي هريرة ، ذكره عنه ابن وهب ، وذكره ابن المواز عن مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم . ولمالك قول آخر فيمن كثر عليه السهو حتى يظن أنه لا يتم صلاته : فَلْيَلْهُ عنه ولا شيء عليه . قال عنه ابن نافع : لا يسجد له . وقال ابن عبد الحكم : من كثر عليه السهو فلا يبني على شكه ، وَلْيَلْهُ عنه ، (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يصلي. (٢) أي: المغلوب، يقال: استنكح النعاسُ عينَهُ: غلبها. المعجم الوسيط (٩٥١/٢). - ٢٢٧ - ولو سجد بعد السلام كان أحبَّ إليَّ ، ومن لا يعتريه إلا غبا فَلْيَبْنِ على يقينه ويسجد بعد السلام . وقال آخرون : حديث أبي هريرة ناقص يفسره حديث أبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن عوف ، في البناء على اليقين والإتيان بركعة للشاكِّ ، وحديث أبي هريرة فيه مضمر قد ظهر في حديث غيره فلا يجزئ من شك في صلاته أن يخرج منها إلا حتى يستيقن تمامها ؛ لأن الفرض لازم عليه بيقين فلا يسقط عنه إلا بيقين . هذا قول ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور وإسحاق . وقال آخرون : الحكم في الشك أن ينظر المصلي إلى أغلب ظنه في ذلك ، فإن مال إلى أحد العددين بنى على الأقل حتى يعلم يقينًا أنه قد صلى ما عليه . هذا قول أبي حنيفة وأصحابه ، واحتجوا في ذلك بحديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين)). وقد ذكرت طرفًا من حجة من قال بالبناء على اليقين ، ومن حجة من قال بالتحري في حديث ابن مسعود في باب التوجه إلى القبلة حيث كان في أول كتاب الصلاة فأغنى عن إعادته . وقال آخرون : إذا لم يَدْرِ كم صلى أعادها أبدًا حتى يحفظ . روي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعن الشعبي وشريح وعطاء وسعيد بن جبير ، وبه قال الأوزاعي . وحكي عن عطاء وميمون بن مهران وسعيد بن جبير قول آخر : أنهم إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات ، فإذا كانت الرابعة لم يعيدوا . قال المؤلف: أما هذان القولان الآخران [فمخالفان] (١) للآثار كلها؛ لحديث ابن مسعود في التحري، ولحديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف في البناء على اليقين ، ولحديث أبي هريرة في هذا الباب ، (١) في ((الأصل)) و((هـ)): مخالفان، والمثبت أنسب للسياق، ولعله قد سقطت الفاء من النساخ . - ٢٢٨ - فلا أعلم له وجهًا إلا من جهة الاحتياط للصلاة ، غير أن من كثر شكُّه ولم ينفك منه إِن كُلِّفَ الإعادةَ أبدًا كُلُّف ما ليس في وُسْعِهِ ، ولا معنى لمن حَدَّ في ذلك ثلاث مرات أيضًا ، وكذلك لا أعلم وجهًا لرواية ابن نافع عن مالك أنه لا سجود على من كثر شكه ؛ لأنها خلاف لحديث أبي هريرة . وقد احتج ابن القصار لقول مالك في الذي يكثر عليه السهو ، أنه ليس عليه غير السجود فقط ، فقال : الذي يكثر عليه السهو ويعتاده لا يتوصل إلى أداء صلاته في غالب الحال إلا باجتهاد ، ولو ألزمناه البناء على اليقين كلما شك أدى إلى أن لا يخرج من صلاته حتى يكثر العمل فيها ، وكلما عاد إلى ما عنده أنه يقينُه عاوده الشك فلحقته المشقة ، وأدي إلى خروج الوقت ، وفي هذا ما لا يخفى . فحكمه حكم المستحاضة التي يخرج منها الدم ، لو أمرناها بالخروج من الصلاة وغسل الدم والوضوء وهو لا ينقطع أدى إلى أن لا تصلي حتى يخرج الوقت ، ولعلها لا تصلي أصلا ، فكذلك من عادته الشك وكثرة السهو ، فينبغي أن يمضي على صلاته ، ويشبه هذا قول أبي حنيفة فإنه يقول : من شك في صلاته فلم يدر كم صلى فإن وقع له ذلك كثيرًا بنى على اجتهاده وغالب ظنه ، وإن كان ذلك أول ما عرض له فليستأنف صلاته . [ فخالفنا في الذي لا يقع منه السهو أبداً ، فنحن نقول : يبني ، وهو يقول: يبتدئ صلاته ] (١) والحجة عليه في هذا حديثُ ابن مسعود أن الرسول قال: (( من شك في صلاته فليتحر الصواب ، وليتم عليه )) وأبو حنيفة يقول : لا يتم ويستأنف . وهو خلاف الحديث، وقد روي عن مكحول والأوزاعي أنه من بنى على اليقين (١) من (( هـ)). - ٢٢٩ - فليس عليه سجدتان ، ومن لم يبن فليسجد . ذكره الطبري ، وهو خلاف حديث ابن مسعود وغيره في السجود لمن بنى على اليقين ، وخلاف لقول الفقهاء . [١/ق٢٢١ -ب] باب : السهو / في الفرض والتطوع وسجد ابن عباس سجدتین بعد وتره وفيه : أبو هريرة أن الرسول قال: (( إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فلیسجد سجدتین وهو جالس » . الكلام في هذا الحديث كالكلام في [ حديث ] (١) الباب الذي قبله ، منهم من جعله مبنيا على حديث البناء على اليقين ، ومنهم من جعله في ( المستنكح ) (٢) ومنهم من أخذ بظاهره في المستنكح وغيره، ولم يوجب الإتيان بركعة على حسب ما تقدم في الباب قبل هذا ، وأما سجود السهو في التطوع فإن جمهور الفقهاء يوجبون ذلك عليه ، إلا ابن سيرين وقتادة فإنهما قالا : إذا سها في التطوع فلا سجود عليه. والحجة للجماعة عليهما قوله عليه السلام: (( إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى)) وقوله : ((قام يصلي)) تدخل فيه جميع الصلوات فرضها ونفلها، فهو عام في كل ما يسمى صلاة ، وقد أوجب عليه السلام السجود على الساهي ، والسنة حجة على من خالفها فصح قول الجماعة . قال المهلب : وإذا كان الشيطان هو الذي يلبس عليه حتى ينسيه (١) من (( هـ )). (٢) سبق بيان معناه قريبًا، وأنه الذي يغلب عليه السهو ويكثر منه جدا . - ٢٣٠ - فليرغم أنفه بالسجود في السهو ، فيرجع راغم الأنف خاسئًا بالسجود الذي حرمه الله فائدته ، وخيبه من رحمته بإبائه منه . باب : إذا كُلِّمَ وهو يصلي فأشار بيده أو استمع فيه : كريب: (( أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة فقالوا : اقرأ عليها السلام منا جميعًا ، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر ، وقل لها : إنا أخبرنا أنك تصليها ، وقد بلغنا أن نبي الله نهى عنها ، وقال ابن عباس : وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عليها . قال كريب : فدخلت على عائشة فبلغتها ما أرسلوني . فقالت : سل أم سلمة . فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها ، فردوني إلى أم سلمة فقالت : سمعت النبي - عليه السلام - ينهى عنها، ثم رأيته يصليها حين صلى العصر ، ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام ، فأرسلت إليه الجارية فقلت : قومي بجنبه فقولي له : تقول لك أم سلمة : يا رسول الله [ سمعتك ] (١) تنهى عن هاتين الركعتين ، ورأيتك تصليها ، فإن أشار بيده فاستأخري عنه [ ففعلت الجارية ، فأشار بيده فاستأخرت عنه ] (١) فلما انصرف قال : يا بنت أبي أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان )) . اختلف العلماء في الإشارة التي تفهم في الصلاة ، فقال مالك والشافعي : لا تقطع الصلاة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : تقطع الصلاة ، وحكمها حكم الكلام . واحتجوا بما رواه ابن إسحاق ، (١) من (( هـ). - ٢٣١ - عن يعقوب بن عتبة ، عن [ أبي غطفان بن طريف ] (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة ، تفهم عنه فليُعد )) . واحتج أهل المقالة الأولى بحديث هذا الباب وقالوا : قد جاء من طرق متواترة عن الرسول بإشارة مفهومة ، فهو أولى من حديث أبي غطفان عن أبي هريرة ، فليست الإشارة في طريق النظر كالكلام ؛ لأن الإشارة إنما هي حركة عضو ، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد في الصلاة لا تفسدها ، فكذلك حركة اليد . وفي حديث عائشة جواز استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في الصلاة ، وقد روى (٢) موسى عن ابن القاسم أن من أُخبر في الصلاة بما يسرّه فحمد الله ، أو بمصيبة فاسترجع ، أو يُخبر بالشيء فيقول : الحمد لله على كل حال ، أو الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، فلا يعجبني وصلاته مجزئة . وقد تقدم في باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها في كتاب أوقات الصلوات ، الجمع بين معنى هذا الحديث وبين نهيه عليه السلام عن الصلاة بعد العصر للطبري ، فاطلبه هناك . قال المهلب : وفيه من الفقه أنه ينبغي أن يسأل أعلم الناس بالمسألة، وأن العلماء إذا اختلفوا رفعوا الأمر إلى من هو أعلم منهم وأفقه للمسألة لملازمة سبقت له ، ثم يُقتدى به ، ويُنتهى إلى فعله ، وفيه فضل عائشة وعلمها ؛ لأنهم اختصوها بالسؤال قبل غيرها . (١) من ((هـ)) وهو المُرِّي الحجازي، يروي عن أبي هريرة، وعنه يعقوب بن عتبة ابن الأخنس ، انظر: تهذيب الكمال (١٧٧/٣٤)، ووقع في ((الأصل)): عن أبي غطفان ، عن أبي طريف . وهو خطأ . (٢) من أول هنا سقط من ((هـ)) بمقدار ورقة، وسيأتي التنبيه على نهايته (ص٢٣٦). - ٢٣٢ - قال غيره: وإنما رفعت المسألة إلى أم سلمة - والله أعلم - لأن عائشة كانت تصليهما بعد العصر ، وعلمت أن عند أم سلمة من علمها مثل ما عندها ، وأنها قد رأت الرسول يصليهما في ذلك الوقت في بيتها ، فأرادت عائشة أن تستظهر بأم سلمة تقويةً لمذهبها من أجل ظهور نهيه عليه السلام عنهما ، وخشية الإنكار لقولها منفردة ، وقد حفظ / عن عائشة أنها قالت : (( ما تركهما رسول الله في بيتي سرا [١/ ق ٢٢٢-) ولا جهرًا - تريد جهراً منها - وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته » . وأما الركعتان اللتان صلاهما النبي - عليه السلام - ذلك اليوم في بيت أم سلمة فهما غير اللتين كان يلتزم صلاتهما في بيت عائشة بعد العصر ، وإنما كانت الركعتان بعد الظهر على ما جاء في الحديث ، فأراد إعادتهما ذلك الوقت أخذًا بالأفضل ، لا أن ذلك واجب عليه في سنته ؛ لأن السنن والنوافل إذا فاتت أوقاتها لم يلزم إعادتها - والله ولي التوفيق . باب : الإشارة في الصلاة قاله كريب عن أم سلمة عن النبي عليه السلام فيه : سهل بن سعد: (( أن رسول الله خرج يصلح بين [ بني عمرو ](١) ابن عوف ، فجاء النبي وأبو بكر في الصلاة فأشار إليه الرسول يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ذلك ... )) الحديث . وفيه: أسماء: ((دخلت على عائشة وهي تصلي ، فقلت : ما شأن (١) في ((الأصل)): عمر . والمثبت من الصحيح المطبوع، وهو الموافق لما في كتب أنساب العرب . - ٢٣٣ - الناس ؟ فأشارت برأسها إلى السماء ، فقلت : آية ؟ فقالت برأسها : أي نعم )) . وفيه: عائشة: (( صلى الرسول وهو في بيته شاك جالسًا ، وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا ... )) الحديث . وهذا الباب كله كالذي قبله ، فيه الإشارة المعهودة باليد والرأس ، وفيه جواز استفهام المصلي ، ورده الجواب باليد والرأس خلافًا لقول الكوفيين ، وروى ابن القاسم عن مالك من تكلم في الصلاة فأشار برأسه أو بيده فلا بأس بما خف ولا يكثر . وقال ابن وهب : لا بأس أن يشير في الصلاة بـ (( لا )) و(( نعم)). وقد اختلف قول مالك إذا تنحنح في الصلاة لرجل يسمعه ، فقال في المختصر : إن ذلك لكلام . وروى عنه ابن القاسم أنه لا شيء عليه . قال الأبهري : لأن التنحنخ ليس بكلام وليس له حروف هجاء . - ٢٣٤ - كتاب الجنائز باب : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وقيل لوهب بن منبه : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ قال : بلى ، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ، وإلا لم يفتح لك . وفيه : أبو ذر قال: قال رسول الله: (( أناني آت من ربي فأخبرني - أو قال : بشرني - أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ، فقلت : وإن زنى وإن سرق ؟ فقال: وإن زنى وإن سرق )). و فیه : عبد الله قال : قال رسول الله : « من مات یشرك بالله دخل النار ، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة )). قال عبد الواحد : فإن قال قائل : ليس ظاهر هذين الحديثين مما يوافق التبويب ، قيل له : قد ذكر البخاري حديث أبي ذر هذا في كتاب اللباس ، وقال فيه: إن النبي - عليه السلام - قال: (( ما من عبد قال : لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) إلى قوله: (وإن زنا وإن سرق ... )) الحديث . وفسره بأن قال بأثره : قال أبو عبد الله : هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال : لا إله إلا الله، غفر له . فدل قوله هذا على أن من قال : لا إله إلا الله وإن بَعُد قوله لها عن وقت موته ، ثم مات على اعتقادها أنه ممن آخر كلامه لا إله إلا الله ، وداخل في معنى التبويب إذا لم يقل بعدها خلافها حتى مات. قال المؤلف : وقد روى ابن أبي الدنيا قال : حدثنا يعقوب بن عبيد - ٢٣٥ - قال : حدثنا أبو عاصم النبيل قال : حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن [ صالح بن أبي عريب ] (١) ، عن كثير بن مرة ، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (٢): (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة )) على ظاهر الترجمة ، وروى ابن أبي شيبة : حدثنا أبو خالد ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : (( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)). قال المهلب : لا خلاف بين أئمة المسلمين أنه من قال: لا إله إلا الله ومات عليها أنه لا بد له من الجنة ، ولكن بعد الفصل بين العباد ورد المظالم إلى أهلها . وذكر ابن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث (( أن الرسول حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأوصاه أن ييسر ولا يعسر ، ويبشر ولا ينفر ، وقال : إنه سيقدم عليك قوم من أهل الكتاب يسألونك ما مفتاح الجنة ، فقل : شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له )) . قال غيره : وفي حديث أبي ذر وقول ابن مسعود رد على الرافضة (٢٢٢/١ -ب) والإباضية/ وأكثر الخوارج في قولهم: إن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم، وقد نطق القرآن أيضًا بتكذيبهم . قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٣) وقال أبو عثمان بن الحداد : والحجة عليهم في أن الله- تعالى - لا يُخَلِّدُ في النار من عمل عملا مقبولا منه؛ إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال ، وقد أخبر الله - تعالى - في كتابه الصادق به ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ (٤) وترك المثوبة على الإحسان ظلم، تعالى الله عن ذلك : (١) في ((الأصل)): (( صالح عن أبي غريب)) وهو تحريف وتصحيف ، انظر : تهذيب الكمال (٧٤/١٣)، والحديث رواه أحمد في المسند (٢٤٧/٥) ، وأبو داود في سننه (٣٫١١٦) وغيرهما . (٢) هذا آخر السقط الواقع في (( هـ)) والمشار إليه آنفًا. (٣) النساء : ٤٨، ١١٦ . (٤) النساء : ٤٠ . - ٢٣٦ - وقول وهب بن منبه : إن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك . فإنما أراد بالأسنان القواعد التي بني الإسلام عليها ، التي هي كمال الإيمان ودعائمه ، خلاف قول الغالية من المرجئة والجهمية الذين يقولون : إن الفرائض ليست إيمانًا ، وقد سماها الله إيمانًا بقوله : ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ (١) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ (٢) واستئذانهم له عمل مفترض عليهم سموا به مؤمنين كما سموا بإيمانهم بالله ورسوله . قال المؤلف : وقول ابن مسعود أصل في القول بدليل الخطاب وإثبات القياس - والله الموفق للصواب . باب : الأمر باتباع الجنائز فيه: البراء قال: (( أمرنا النبي - عليه السلام - بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا باتباع الجنائز ، وعيادة المريض ، وإجابة الداعي ، ونصر المظلوم ، .وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ، ونهانا عن آنية الفضة ، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي ، والإستبرق)). وفيه : أبو هريرة: قال النبي - عليه السلام -: (( حق المسلم على المسلم خمس : [ رد ] (٣) السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس )) . قال المؤلف : اتباع الجنائز ودفنها والصلاة عليها من فروض الكفاية عند جمهور العلماء ، واختلف [ أصحاب ] (٤) مالك في ذلك ، (١) البقرة : ١٤٣ . (٢) النور : ٦٢ . (٣) من (( هـ)). (٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قول . والمذكور بعد ذلك إنما هو من كلام أصحاب مالك لا من قوله ، فما في (( هـ )) هو الصواب . - ٢٣٧ - فذكر ابن المواز قال عبد الملك : الصلاة على الميت فريضة يحملها من قام بها . وحكى ابنُ سحنون عن أبيه مثله ، وقال أصبغ بن الفرج : هي سُنّة ، وعيادة المرضى [ ندب ] (١) وفضيلة . : وأما إجابة الداعي فإن كانت الدعوة إلى وليمة النكاح، فجمهور العلماء يوجبونها [ فرضًا ] (٢) ويوجبون الأكل فيها على من لم يكن صائمًا إن كان الطعام طيبًا ، ولم يكن في الدعوة منكر ، وغير ذلك من الدعوات يراه العلماء حسنًا من باب الألفة وحسن الصحبة . وأما نصر المظلوم ففرض على من يقدر عليه ويطاع أمره ، وإبرار القسم ندب وحض إذا أقسم الرجل على أخيه في شيء لا مكروه فيه ولا يشق عليه ، فعليه أن يبرّ قسمه ، وذلك من مكارم الأخلاق ، ورد السلام فرض على الكفاية عند مالك والشافعي ، وعند الکوفیین فرض معين على كل واحد من الجماعة . وتشميت العاطس واجب وجوب سنة ، والشرب في آنية الفضة واستعمالها حرام على الرجال والنساء ، وكذلك آنية الذهب ، والتختم بالذهب حرام على الرجال خاصة ، مباح للنساء ، والحرير المصمت الذي لا يخالطه غيره لا يجوز لبسه للرجال ، إلا أنهم اختلفوا في لباسه للحرب ، و[ حال ] (٢) التداوي للجرب وشبهه ، وهو حلال للنساء . وسقط من حديث البراء الخصلة السابعة المنهي عنها ، وهي ركوب المياثر ، وذكرها في حديث البراء في كتاب الاستئذان ، وفي كتاب الأشربة . وقوله عليه السلام : (( حق المسلم على المسلم )) يعني حق حرمته (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)": مندوب. مــيـ .(٢) من (( هـ). - ٢٣٨ - عليه وجميل صحبته له ما لم يكن فرضًا في الحديث كتشميت العاطس، وعيادة المريض ، وإجابة الدعوة ، وهو كقول أبي هريرة : حق على المسلم أن يغتسل كل جمعة ، وأن يستاك ويمس من طيب أهله، وليس شيء من ذلك عنده فرضًا ، وسيأتي القول في هذا الحديث مستوعبًا في كتاب الاستئذان والسلام فهو موضعه - إن شاء الله تعالى - وفي كتاب النكاح في إجابة دعوة الوليمة . باب : الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه فيه: عائشة: (( أن أبا بكر دخل على النبي وهو مسجى ببرد حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكبّ / عليه فقبله ثم بكى فقال : بأبي أنت (١) يا نبي الله ، لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ، فخرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال : اجلس ، فأبى [ فقال : اجلس، فأبى] (٢) فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس وتركوا عمر فقال: أما بعد، فمن کان منکم یعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن کان یعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ إلى ﴿الشاكرين﴾(٣) والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل ذلك حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس فما سمع بشر إلا يتلوها )». [١/ق٢٢٣-١] وفيه : أم العلاء : (( بايعت النبي - عليه السلام - قالت : اقتُسم المهاجرون قُرْعَةً ، فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا ، فوجع وجعه الذي مات فيه ، فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد (١) كذا في ((الأصل))، و((هـ)) وأخشى أن يكون سقط: ((وأمي)) وهو ثابت في الفتح (١٣٦/٣). (٢) من ((هـ). (٣) آل عمران : ١٤٤ . - ٢٣٩ - أكرمك الله، فقال النبي - عليه السلام - : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ قلت : بأبي أنت [ وأمي ](١) يا رسول الله، فمن يكرمه الله ! فقال : أما هو فقد جاءه اليقين ، والله إني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي قالت : فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًاً)). وفيه : جابر: (( لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي وينهوني ، والنبي لا ينهاني ، فجعلت عمتي فاطمة تبكي ، فقال النبي : تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموها )) . قال المهلب : فيه جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبدُ منه أذى، وفيه جواز تقبيل الميت عند وداعه ، ونهى الرسول عن المكامعة (٢) إنما هي في حال الحياة ، فلما ارتفعت في الميت جاز تقبيله، وقد روى عبد الرزاق عن الثوري ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن القاسم بن محمد، عن عائشة (( أن رسول الله دخل على عثمان بن مظعون فأكب عليه فقبله ثم بكى ، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه )) وفيه جواز البكاء على الميت من غير نوح ، وكذلك في قوله عليه السلام في حديث جابر: ((تبكين أو لا تبكين )» إباحة البكاء أيضًا ، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء الله . وأما قول أبي بكر الصديق : لا يجمع الله عليك موتتين ، فإنما قال ذلك - والله أعلم - لأن عمر بن الخطاب وغيره قالوا : إن رسول الله لم يمت وسيبعث ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ، ذكرته عن عمر في فضائل أبي بكر الصديق ، فأراد أنه لا يجمع الله عليه ميتتين في الدنيا، بأن يميته هذه الميتة التي قد ماتها ثم يحييه، ثم يميته ميتة أخرى، وليس قوله : لا يجمع الله عليك ميتتين ، بمعارض لقوله تعالى : (١) من (( هـ)). (٢) هي الضَّمَّ، يقال: كامع المرأة: ضمها إليه يصونها. المعجم الوسيط (٧٩٨/٢) - ٢٤٠ -