النص المفهرس

صفحات 201-220

والأوزاعيُّ ، واختلف قول مالك في ذلك ، فمرة كرهه ، ومرة أجازه
وقال : لا بأس بقتلها إذا آذته وخَفَّفَه ، وكذلك الحية والطير يرميه
بحجر يتناوله من الأرض ، فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته .
وأجاز قتل الحية والعقرب في الصلاة : الكوفيون والشافعي وأحمد
وإسحاق ، وكره قتل العقرب في الصلاة : إبراهيم النخعي ، وسئل
مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ، ولا يتمكن من وضع يديه
بالأرض ، قال : أرجو أن يكون خفيفًا ولا يتعمد ذلك .
وروى علي بن زياد عن مالك في المصلي يخاف على صبي بقرب
نار فذهب يُنَحِّه قال: إن انحرف عن القِبلة ابتدأ، وإن لم ينحرف بَنَى.
وسئل أحمد بن حنبل عن رجل أمامه سترة فسقطت / فأخذها (٢١٦٥/١ -ب]
فأركزها ، قال : أرجو ألا يكون به بأس . فذكر له عن ابن المبارك أنه
أمر رجلا صنع ذلك بالإعادة ، قال : لا آمره بالإعادة ، وأرجو أن
يكون خفيفًا . وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة
المکتوبة، وهو قول أبي ثور.
قال الخطابي: وقوله: ((فذعته)) رواه جماعة بالدال من الدَّعِّ
الذي هو الدفع من قوله تعالى: ﴿يدع اليتيم﴾ (١) والأصل في دع:
دعع ، فإذا أسندت الفعل إلى نفسك قلت : دَعَعْتُهُ ، فإن قلت:
دَعَتّه، لم يجز في العربية ؛ لأنه لا يجوز في العربية أن تدغم العين
في التاء ، وإنما يدغم الحرف في مثله أو فيما قارب مخرجُه مخرجَه ؛
فبطل بذلك أن يكون بالدال .
[ قال الخطابي ] (٢): والصواب فيه ما حدثني [ الخيام ] (٣) عن
(٢) من (( هـ)).
(١) الماعون : ٢ .
(٣) هو خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام أبو صالح البخاري كما في « غريب
الحديث )) للخطابي (١٦٣/١)، ذكر الخطابي في مقدمة شرحه لصحيح
البخاري المسمى بـ (( أعلام الحديث)) (ص ١٠٥ - ١٠٦) قال : سمعنا معظم=
- ٢٠١ -

النسفي ، عن البخاري (( فذعته )) بالذال ، وحكي عن ثعلب ، عن
الأصمعي قال : الذعت : الخنق . قالا : والذعت أيضًا أن تُمَعِّكَ
الرجل في التراب ، فإذا أسندت الفعل من ذعت إليك قلت : ذعتُّه ،
أذعته ، وكان الأصل ذعته ، فأدغمت لام الفعل التي هي [ تاء ] (١)
المتكلم كما تقول [ منته ] (٢) وسبته من قولك مت الحبل، بمعنى مدّ،
وسبت رأسه : حلقه ، وسبت شعره : أرسله (٣).
باب : إذا انفلتت الدابة في الصلاة
قال قتادة : إن أخُذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة .
فيه: الأزرق بن قيس قال: (( كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا
علی ( حَرْف ) (٤) نهر إذ جاء رجل يصلي فإذا لجام دابته بيده ، فجعلت
الدابة تنازعه وجعل يتبعها - قال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي - فجعل
رجل من الخوارج يقول : اللهم افعل بهذا الشيخ . فلما انصرف الشيخ
قال : إني سمعت قولكم ، وإني غزوت مع رسول الله لو ست غزوات
أو سبع غزوات [ أو ثمان ] (٥) وشهدت تيسيره ، وإني إن كنت أرجع
مع دابتي أحب إليّ من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق عليّ)).
وفيه : عائشة: (( خسفت الشمس ، فقام رسول الله فقرأ سورة طويلة
ثم ركع فأطال ، ثم قال حين فرغ: لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء
كتاب الصحيح من خلف بن محمد الخيام قال: حدثنا إبراهيم بن معقل النسفي.
=
وترجمته في (( الأنساب)) للسمعاني (٢٢٦/٥)، و((شذرات الذهب))
(٣٨٦/٢) وغيرهما، ووقع في ((الأصل)): الحماسي، وفي ((هـ):
الحمامي ، وهما تحريف .
(١) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): فاء. (٢) من ((هـ)) وفى ((الأصل)): منته.
(٣) وفي ((غريب الحديث)) للخطابي: وسَأَتَّهُ وسَأَبْتُهُ بمعنى خنقته .
(٤) بفتح المهملة وسكون الراء - أي: جانبه - وهي رواية الكشميهني ، ولغيره :
(( جرَف)) بضم الجيم والراء بعدها فاء وقد تسكن الراء ، وهو المكان الذي أكله
السيل. وانظر: الفتح (٩٨/٣ - ٩٩).
(٥) من (( هـ)).
- ٢٠٢ -

وَعَدْتُهُ ، حتى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني
[جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني](١)
تأخرت ، ورأيت فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب)) .
لا خلاف بين الفقهاء أنه من أفلتت دابته وهو في الصلاة أنه يقطع
الصلاة ويتبعها ، وقال مالك في المختصر : من خشي على دابته الهلاك
أو على صبي رآه في الموت فليقطع صلاته . وروى عنه ابن القاسم في
مسافر انفلتت دابته وخاف عليها ، أو على صبي ، أو أعمى أن يقع في
بئر أو نار ، أو ذكر متاعًا يخاف أن يتلف ، فذلك عذر يبيح له أن
يستخلف ولا يفسد على من خلفه شيئًا .
وقول أبي برزة للذي أنكر عليه قطع الصلاة واتباع دابته : (( شهدت
تيسير النبي - عليه السلام )) يعني تيسيره على أمته في الصلاة وغيرها،
ولا يجوز أن يفعل هذا أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من النبي -
عليه السلام - وقوله: ((وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إليّ ... ))
إلى آخر قوله ، أخبر أن قطعه للصلاة واتباعه لدابته أفضل من تركها ،
وإن رجعت إلى مكان علفها وموضعها في داره ، فكيف إن خشي
عليها أنها لا ترجع إلى داره ، فهذا أشد لقطعه للصلاة واتباعه لها .
ففي هذا حجة للفقهاء في أن كل ما خشي تلفه من متاع أو مال أو
غير ذلك من جميع ما بالناس الحاجة إليه أنه يجوز قطع الصلاة
وطلبه، وذلك في معنى قطع الصلاة لهرب الدابة .
وأما قوله عليه السلام في حديث عائشة: (( لقد رأيت أريد أن
آخذ قطفًا حين رأيتموني جعلت أتقدم )" فهذا المشي عمل في الصلاة ،
وكذلك (( حين رأيتموني تأخرت )) عمل أيضًا ، إلا أنه ليس فيه قطع
للصلاة ، ولا استدبار للقبلة ، ولا مشي كثير مثل ما يمشي من انفلتت
(١) من (( هـ)).
- ٢٠٣ -

دابته وبعدت عنه ، فدل هذا الحديث إن مشى إلى دابته خطى يسيرة
نحو تقدمه عليه السلام إلى القطف ، وكانت دابته قريبًا منه في قبلته أنه
لا يقطع صلاته .
[١/ق ٢١٦- ١]
وقد سئل الحسن البصري / عن رجل صلى وأشفق أن تذهب دابته
قال : ينصرف . قيل له : أفيتم على ما مضى؟ قال : إذا ولى ظهره
القبلة استأنف [ الصلاة ] (١) . وسئل قتادة عن رجل دخلت الشاة في
بيته وهو يصلي فيطأطئ رأسه ليأخذ القصبة يضربها ؟ قال : لا بأس به.
باب : ما يجوز من النفخ في الصلاة والبزاق
ويذكر عن عبد الله بن عمرو نفخ النبي عليه السلام في سجوده في
كسوف الشمس .
وفيه : ابن عمر: (( أن نبي الله رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على
أهل المسجد وقال : إن الله قبل أحدكم ، فإذا كان في صلاته فلا يبزقن -
أو قال : لا یتنخمن - ثم نزل فحتها بیده » .
وفيه: أنس قال النبي - عليه السلام -: ((إذا كان أحدكم في الصلاة
فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله
تحت قدمه الیسری » .
اختلف العلماء في النفخ في الصلاة ، فكرهته طائفة ولم توجب
على من نفخ إعادة ، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس
والنخعي، ورواية عن مالك ، قال علي عن مالك : أكره النفخ في
الصلاة ولا يقطعها كما يقطعها الكلام . وهو قول [ أبي يوسف ] (٢)
(١) من ( هـ)).
(٢) من ((هـ)) وهو الصواب كما وقع في نقل الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠٢/٣)
عن ابن بطال في هذا الموضع، وجاء في (( الأصل)): أبي حنيفة. وهو خطأ،
وسيأتي نقل المؤلف لقول أبي حنيفة في القول الثالث .
- ٢٠٤ -

وأشهب وأحمد وإسحاق . وقالت طائفة : هو بمنزلة الكلام يقطع
الصلاة . روي عن سعيد بن جبير ، وهو قول مالك في المدونة .
وفيه قول ثالث : أن النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام ويقطع
الصلاة ، هذا قول أبي حنيفة والثوري ومحمد .
والقول الأول [ أولى ] (١) لما ذكره البخاري عن عبد الله بن عمرو
((أن الرسول نفخ في سجوده)) وذكر ابن أبي شيبة لأبي صالح ((أن
قريبًا لأم سلمة صلى فنفخ، فقالت أم سلمة: لا تفعل، فإن رسول الله
مَ لّ قال لغلام لنا أسود: [ يا] (١) رباح، ترب وجهك)).
وقال ابن بريدة : كان يقال : من الجفاء أن ينفخ الرجل في صلاته.
فدل هذا أن من كرهه إنما جعله من الجفاء وسوء الأدب ، لا أنه بمنزلة
الكلام عنده ؛ ألا ترى أن أمّ سلمة لم تأمر قريبها حين نفخ في صلاته
بإعادتها ، ولو كان بمنزلة الكلام عندها ما تركت بيان ذلك ولا فعله
رسول الله وَلَد .
ويدل على صحة هذا اتفاقهم على جواز التنخم والبزاق في
الصلاة، وليس في النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما في البزاق
من النطق بالتاء والفاء اللتين يفهمان من رمي البصاق ، ولما اتفقوا
على جواز البزاق في الصلاة جاز النفخ فيها ؛ إذ ليس بينهما فرق في
أن كل واحد منهما بحروف ، ولذلك ذكر البخاري حديث البزاق في
هذا الباب ليستدل به على جواز النفخ ؛ لأنه لم يسند حديث عبد الله
ابن عمرو أن النبي - عليه السلام - نفخ في سجوده ، واعتمد على
الاستدلال من حديث النخامة والبزاق وهو استدلال حسن، وأما
البزاق اليسير فإنه يحتمل في الصلاة إذا كان على اليسار أو تحت
القدم، كما جاء في الحديث ، غير أنه ينبغي إرساله بغير نطق بحرف
(١) من (( هـ)).
- ٢٠٥ -

مثل التاء والفاء اللتين يفهمان من رمي البزاق ؛ لأن ذلك من النطق ،
وهو خلاف الخشوع فيها .
باب : إذا قيل للمصلي تقدم أو انتظر فانتظر فلا بأس
فيه : سهل بن سعد قال: (( كان الناس يصلون [ مع النبي ◌َلي)] (١)
وهم عاقدو أُزْرهم من الصِّغَر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن
رءوسکن حتی یستوي الرجال جلوسًا » .
التقدم في هذا الحديث هو تقدم الرجال بالسجود النساء ؛ لأن
النساء إذا لم يرفعن رءوسهن حتى يستوي الرجال جلوسًا ، فقد
تقدمهن بذلك وصرن منتظرات لهم ، وفي هذا من الفقه جواز وقوع
فعل المأموم بعد الإمام بمدة، ويصح ائتمامه، كمن زحم ولم يقدر على
الركوع والسجود حتى قام الناس ، وفيه جواز سبق المأمومين بعضهم
لبعض في الأفعال ولا يضر ذلك ، وفيه إنصات المصلي لمخبر يخبره ،
وفيه جواز الفتح على المصلي وإن كان الذي يفتح عليه في غير صلاة ؛
لأنه قد يجوز أن يكون القائل للنساء لا ترفعن رءوسكن في غير صلاة.
باب : لا يردُّ السَّلام في الصلاة
فيه : عبد الله: (( كنت أسلم على النبي [وهو ] (١) في الصلاة فيرد
[١/ ٢١٧-بـ] عليّ، فلما رجعنا سلمت عليه فلم يرد عليّ / وقال : إن في الصلاة
شغلا )) .
وفيه : جابر قال : (( بعثني رسول الله في حاجة له فانطلقت ثم رجعت
وقد قضيتها ، فأتيت النبي فسلمت عليه فلم يرد عليّ، فوقع في قلبي
ما الله به أعلم ، فقلت في نفسي : لعل رسول الله وجد عليّ أن أبطأت
(١) من (( هـ )).
- ٢٠٦ -

[عليه ] (١) ثم سلمت فرد عليّ ، وقال : إنما منعني أن أرد عليك أني
كنت أصلي، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة)).
أجمع العلماء أن المصلي لا يرد السلام متكلمًا ، واختلفوا هل يرد
بالإشارة ، فكرهته طائفة ، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ،
وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، واحتج
الطحاوي لأصحابه بقوله: ((فلم يرد عليّ ، وقال : إن في الصلاة
شغلا )) واختلف فيه قول مالك ، فمرة كرهه ، ومرة أجازه ، وقال:
ليرد مشيرًا بيده وبرأسه . ورخصت فيه طائفة ، روي [ذلك](١) عن
سعيد بن المسيب وقتادة والحسن .
وفيه قول ثالث : وهو أنه يرد عليه إذا فرغ من الصلاة ، روي ذلك
عن أبي ذر وأبي العالية وعطاء والنخعي والثوري . واحتج الذين
رخصوا في ذلك بما رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن ابن عون ،
عن ابن سيرين قال: (( لما قدم عبد الله من الحبشة وأتى الرسول وهو
يصلي فسلم عليه فأومأ وأشار ( برأسه ) (٢))).
قال : حدثنا ابن عيينة ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر قال :
((سألت صهيبًا : كيف كان النبي يصنع حين يسلّم عليه وهو يصلي ؟
[قال: يشير بيده)) وعن ابن عمر ((أن النبي وَل أتى قباء، فجاء
الأنصار يسلمون عليه وهو يصلي ] (١) فأشار إليهم بيده )) وقال عطاء:
سلم رجل على ابن عباس ، وهو يصلي فأخذ بيده فصافحه وغمزه .
وقد ثبتت الإشارة عن الرسول في الصلاة في آثار كثيرة ، ذكرها
البخاري في آخر كتاب الصلاة ، فلا معنى لقول من أنكر رد السلام
بالإشارة .
وكذلك اختلفوا في السلام على المصلي ، فكره ذلك قوم ، وروي
(١) من (( هـ ).
(٢) في (( هـ)) : بيده .
- ٢٠٧ -

عن جابر بن عبد الله قال : لو دخلت على قوم وهم يصلون ما
سلمت عليهم . وقال أبو مجلز : السلام على المصلي عجز . وكرهه
عطاء والشعبي ، ورواه ابن وهب عن مالك ، وبه قال إسحاق .
ورخصت فيه طائفة ، روي ذلك عن ابن عمر ، وهو قول مالك
في المدونة وقال : لا يكره السلام على المصلي في فريضة ولا نافلة .
وفعله أحمد بن حنبل .
باب : رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به
فيه : سهل بن سعد: (( أن النبي - عليه السلام - جاء وأبو بكر يصلي،
[ فأشار إليه النبي ◌َ ل﴿ بأن يصلي] (١) فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ... ))
الحديث .
رفع الأيدي استسلام وخشوع لله - تعالى - في غير الصلاة ،
فكيف في الصلاة التي هي موضوعة للخشوع والضراعة إلى الله -
تعالى - والحجة في هذا الحديث في رفع أبي بكر يديه بحضرة
الرسول ولم ينكر ذلك عليه .
باب : الخَصْر في الصلاة
فيه : أبو هريرة قال: (( نهى النبي - عليه السلام - أن يصلي الرجل
مختصراً )).
قال المهلب : إنما كره الخصر في الصلاة ؛ لأنه يشبه المختالين ،
والخصر أن يضع الرجل يديه على خاصرتيه ، وفيه معنى الكبرياء ،
فلا يحل القليل منه ، فكيف في الصلاة التي هي موضوعة للخشوع ،
(١) من (( هـ).
- ٢٠٨ -

والخيلاءُ والكبرُ ينافيان الخشوع ، وكرهه ابن عباس وعائشة والنخعي ،
وهو قول مالك والأوزاعي والكوفيين .
ورأى ابن عمر رجلا وضع يديه على خاصرتيه في الصلاة فقال :
هذا الصلب في الصلاة ، كان رسول الله ينهى عنه . وقالت عائشة :
هو من فعل اليهود . وقالت مرةً : هكذا أهل النار في النار .
وقال مجاهد : وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار . وقال
الخطابي : المعنى أنه فعل اليهود في صلاتهم ، وهم أهل النار ، لا على
أن لأهل النار المخلدين فيها راحة ، قال تعالى : ﴿لا يفتر عنهم وهم
فيه مبلسون ﴾ (١) . وقال ابن عباس : الشيطان يخصر كذلك . قال
حميد بن هلال : إنما كره التخصر في الصلاة ؛ لأن إبليس أهبط
مختصراً .
#
باب : تفكر الرجل الشيء في الصلاة
وقال عمر بن الخطاب إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .
فيه : عقبة بن الحارث : (( صليت مع النبي - عليه السلام - العصر
/ فلما سلم قام سريعًا ، ثم دخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى ما في
[١/ق٢١٨ -١]
وجوه القوم من تعجبهم لسرعته ، فقال : ذكرت وأنا في الصلاة تبرّاً
عندنا ، فكرهت أن يمسي أو یبیت عندنا فأمرت بقسمته )) .
وفيه: أبو هريرة: أن الرسول قال: ((إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له
ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فلا يزال بالمرء
يقول له : اذکر ما لم یکن یذکر ، حتى لا يدري كم صلى)) .
وفيه : أبو هريرة قال: (( يقول الناس : أكثر أبو هريرة . فلقيت رجلا
(١) الزخرف : ٧٥.
- ٢٠٩ -

فقلت: بم قرأ رسول الله وَليلة البارحة في العتمة ؟ قال: لا أدري. قلت :
لم تشهدها ؟ قال : بلى . فقلت : لكن أنا أدري، قرأ بسورة كذا وكذا)).
قال المهلب : الفكر في الصلاة أمر غالب لا يمكن الاحتراز من
جميعه ؛ لما جعل الله للشيطان من السبيل إلى تذكيرنا ما يسهينا به عن
صلاتنا ، وخير ما يستعمل به الفكر في الصلاة ما هو فيه من مناجاة
ربه ، ثم بعده الفكر في إقامة حدود الله ، كالفكر في تفريق الصدقة
كما فعل النبي - عليه السلام - أو في تجييش جيش لله - عز وجل -
على أعدائه المشركين كما قال عمر . وروى هشام بن عروة ، عن أبيه
قال : قال عمر : إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة .
ولذلك قال عليه السلام: (( من صلى ركعتين لا يحدث فيهما
نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه )) ليحض على الإقبال على الصلاة ،
وليجاهدوا الشيطان في ذلك بما رغبهم فيه وأعلمهم من غفران الذنوب
لمن أجهد نفسه فيه ، وهذا الانصراف من النبي - عليه السلام -
لا يدخل في معنى التخطي ؛ لأن على الناس كلهم الانصراف بعد
الصلاة، فمن بقي في موضعه فهو مختار لذلك ، وإنما التخطي في
الدخول إلى المسجد لا في الخروج منه .
وأما قوله عليه السلام: (( اذكر كذا ، اذكر كذا )) فإن أبا حنيفة أتاه
رجل قد رفع مالا ثم غاب عن مكانه سنين ، فلما انصرف نسي
الموضع الذي جعله فيه ، فذكر ذلك لأبي حنيفة تبركًا برأيه ، ورغبة
في فضل دعائه ، فقال له أبو حنيفة : توضأ هذه الليلة وصل ،
وأخلص النية في صلاتك لله ، وفرغ قلبك من خواطر الدنيا ومن كل
عارض فيها . فلما جاء الليل فعل الرجل ما أمره به ، وأجهد أن لا
يجري على باله شيء من أمور الدنيا ، فجاءه الشيطان فذكره بموضع
المال ، فقصده من وقته فوجده فيه ، فلما أصبح غدا إلى أبي حنيفة
فأخبره بوجود المال ، فقال أبو حنيفة : قدرت أن الشيطان سيرضى أن
- ٢١٠ -

يشغله عن إخلاص فكره في صلاته لله - تعالى - ويصالحه على ذلك
بتذكيره بما فقده من ماله ؛ ليلهيه عن صلاته استدلالا بهذا الحديث .
فعجب جلساؤه لجودة انتزاعه لهذا المعنى الغامض من هذا الحديث .
وقول الرجل لأبي هريرة: ((لا أدري ما قرأ رسول الله)). يدل
أنه كان مفكرًا في صلاته ؛ فلذلك لم يدر ما قرأ به النبي - عليه
السلام . وقول أبي هريرة: (( يقول الناس : أكثر أبو هريرة )) ففيه أنه
أكثر من العلم ، وكان حافظًا له ضابطًا ؛ لأن الإكثار ليس بعيب ،
وإنما يكون عيبًا فيه إذا خشي قلة الضبط ، فقد يكون من الناس غير
مكثر من العلم ولا ضابط له مثل هذا الرجل الذي لم يحفظ ما قرأ به
رسول الله ◌َ و في العتمة.
وفيه أنه قد يجوز أن يُنفى فعل الشيء عمن لم يحكمه ؛ لأن أبا
هريرة قال للرجل : لم تشهدها . يريد شهودًا تاما ، فقال الرجل :
بلى شهدتها ، كما يقال للصانع إذا لم يحسن صنعته : ما صنعت
شيئًا . يريدون الإتقان ، وللمتكلم : ما قلت شيئًا . إذا لم يعلم ما
يقول .
وقوله عليه السلام: (( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))
و((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) (١) يريد لا صلاة تامة.
(١) هذا الحديث لا يصح، انظر كتاب ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (ص ٢١ -
٢٢) بتعليق الشيخ العلامة المحقق نادرة هذه الأزمان وخاتمة المحققين والنقاد :
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله تعالى ، فقد أبدع في هذا
الكتاب بتعليقات باهرة ومحكمة ومختصرة ، تدل على ملكة فريدة في هذا
الفن، فللَّه دَرُّه، ومما يشرفني أن أعيش ما يربو على عشرة سنين بين كتابات
هذا العلامة الفذّ: تأليفًا وتحقيقًا وتعليقًا، محاولا دراسة منهجه في نقد الرواة=
- ٢١١ -

باب : ما جاء في [ السهو ] (١) إذا قام من ركعتي الفرض
فيه: ابن بحينة أنه قال: ((صلى لنا رسول الله مح ليه ركعتين من بعض
الصلوات ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته
ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم ، فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم »
ورواه يحيى بن سعيد عن الأعرج وذكر أنها كانت صلاة الظهر .
واختلف العلماء فيمن قام من اثنتين ساهيًا ، هل يرجع إلى
الجلوس؟ فقالت طائفة بحديث ابن بحينة : إذا استتم قائمًا ، واستقل
من الأرض فلا يرجع ، وليمض في صلاته ، وإن لم يستو قائمًا
[٢١٨٥/١- ب] جلس. وروي ذلك عن علقمة وقتادة وعبد الرحمن بن أبي ليلى / وهو
. قول الأوزاعي وابن القاسم في المدونة والشافعي .
وقالت طائفة : إذا فارقت أليته الأرض وإن لم يعتدل فلا يرجع
ويتمادى ، ويسجد قبل السلام ، رواه ابن القاسم عن مالك في
المجموعة .
وقالت طائفة : يقعد وإن كان استتم قائمًا روي ذلك عن النعمان بن
بشير والنخعي والحسن البصري ، إلا أن النخعي قال : يجلس ما لم
يفتتح القراءة . وقال الحسن : ما لم يركع .
= والأخبار ، والذي أماط به اللثام عن منهج الأئمة المتقدمين، بعد أن توالت الأيام
عليه بالهجر والنسيان ، بل والخلل في الفهم والتطبيق . فوجدته شيخًا عالمًا
حاذقًا متقنًا ذكيًا أمينًا، بعيد الغوص فيما خَلَّفَهُ لنا الأئمة الأعلام من ثروة بالغَةِ
الدقة في المنهج القويم للجرح والتعديل والتصحيح والتعليل . وكانت ثمرة هذه
المحاولة ما وفقت إلى جمعه من كلامه في الرواة ، وقواعد أهل الفن المعتبرة في
أصول الحديث ، وقسمت الكتاب إلى هذين القسمين ، وهو قيد الجمع على
الحاسب الآلي ، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): التشهد. وهو تحريف مخالف لوضع الباب.
- ٢١٢ -

وفي المدونة لابن القاسم قال : إن أخطأ فرجع بعد أن قام سجد
بعد السلام . وقال أشهب وعلي بن زياد : قبل السلام ؛ لأنه قد
وجب عليه السجود في حين قيامه ، ورجوعه إلى الجلوس زيادة .
وعلة الذين قالوا يقعد وإن استتم قائمًا القياس على إجماع الجميع أن
المصلي لو نسي الركوع من صلاته وسجد ، ثم ذكر وهو ساجد أن
عليه أن يقوم حتى يركع ، فكذلك حكمه إذا نسى قعودًا في موضع
قيام حتى قام أن عليه أن يعود له إذا ذكره .
قال الطبري : والصواب قول من قال إذا استوى قائمًا يمضي في
صلاته ولا يقعد ، فإذا فرغ سجد سجدتي السهو لحديث ابن بحينة أن
نبي الله حين اعتدل قائمًا - من أن يذكر بنفسه أو يذكره من خلفه
بالتسبيح، وأي الحالين كان فلم ينصرف النبي - عليه السلام - إلى
الجلوس بعد قيامه ، وقد روي [ عن ] (١) عمر بن الخطاب وابن
مسعود ومعاوية وسعيد والمغيرة بن شعبة وعقبة بن عامر أنهم قاموا في
اثنتين ، فلما ذكروا بعد القيام لم يجلسوا ، وقالوا : إن الرسول كان
يفعل ذلك
وفي قول أكثر العلماء : أنه من رجع إلى الجلوس بعد قيامه من
اثنتين أنه لا تفسد صلاته إلا ما ذكر ابن أبي زيد عن سحنون أنه قال :
أفسد الصلاة برجوعه . والصواب قول الجماعة ؛ لأن الأصل ما
فعله، وترك الرجوع رخصة وتنبيه أن الجلسة الأولى لم تكن فريضة ؛
لأنها لو كانت فريضة لرجع النبي - عليه السلام - وقد سجد عنها
فلم يقضها ، والفرائض لا ينوب عنها سجود ولا غيره ، ولا بد من
قضائها في العمد والسهو .
(١) من (( هـ)).
- ٢١٣ -

وقد شذت فرقة فأوجبت الأولى فرضًا وقالوا : هي مخصوصة من
بين سائر فروض الصلاة بأن ينوب عنها سجود السهو كالعرايا من
المزابنة ، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعًا ، لا يقاس
عليها شيء من أعمال البر في الصلاة .
ومنهم من قال: هي فرض ، وأوجب الرجوع إليها ما لم يعمل
المصلي بعدها ما يمنعه من الرجوع إليها ، وذلك عقد الركعة التي قام
إليها يرفع رأسه منها ، وقولهم مردود بحديث ابن بحينة فلا معنى
للاشتغال به ، وإنما ذكرته ليعرف فساده .
وأجمع العلماء أن من ترك الجلسة الأولى عامدًا أن صلاته فاسدة
وعليه إعادتها ، قالوا : وهي سنة على ( حيالها ) (١) فحكم تركها
عمدًا حكم الفرائض ، وأجمعوا أن الجلسة الأخيرة فريضة إلا ابن علية
قال : ليست بفرض قياسًا على الجلسة الوسطى ، واحتج بحديث ابن
بحينة في القيام من ثنتين .
والجمهور حجة على من خالفهم لا يجوز عليهم جهل [ ما
عليه](٢) الشاذ المنفرد ، على أن ابن علية يوجب فساد صلاة من لم
يأت بأعمال الصلاة كلها : سننها وفرائضها ، وقوله مردود بقوله ،
ويرد أيضًا قولَهُ قولُهُ عليه السلام: (( وتحليلها التسليم)) والتسليم لا
يكون إلا بجلوس فسقط قولهم .
وفي حديث ابن بحينة حجة لمن جعل سجود السهو في النقص قبل
السلام ، وقد اختلفوا في ذلك فذهبت فرقة إلى أن السجود كله قبل ،
(١) في (( هـ)) : حالها
(٢) من (( هـ)).
- ٢١٤ -

روي هذا عن أبي هريرة ومكحول ، وعن الزهري وربيعة والأوزاعي
والليث والشافعي . وقالت فرقة : السجود كله [ بعد ] (١) السلام ،
روي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار وسعد وابن عباس وأنس ،
وهو قول النخعي والحسن والثوري والكوفيين ، واحتجوا من طريق
النظر بإجماعهم على أن حكم من سها في صلاته أن لا يسجد في
موضع سهوه ، وإنما يؤخر ذلك إلى آخر صلاته لتجمع له السجدتان
كل سهو في صلاته ، ومعلوم أن السلام قد يمكن فيه السهو أيضًا
فوجب أن يؤخر السجدتان عن السلام أيضًا كما يؤخر عن التشهد .
وذهب مالك إلى أن سهوه إن كان نقصانًا من الصلاة فسجوده قبل
السلام على حديث ابن بحينة ، وكل سهو كان زيادة في الصلاة فإن
سجوده بعد السلام على حديث ذي اليدين ، وهو قول أبي ثور ،
ولا مدخل للنظر مع وجود السنن ، فلا معنى لقول الكوفيين .
باب : إذا صلی خمسًا
فيه : ابن مسعود: (( أن الرسول / صلى الظهر خمسًا فقيل له : أزيد (١/ق ٢١٩-١]
في الصلاة ؟ فقال : وما ذاك ؟ قال : صليت خمسًا ، فسجد سجدتين
بعد السلام )» .
اختلف الفقهاء في المصلي إذا قام إلى خامسة ، فقالت طائفة بظاهر
هذا الحديث : إن ذكر وهو في الخامسة قبل كمالها ، رجع وجلس
وتشهد وسلم ، وإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الخامسة ، فإنه يسلم
ويسجد للسهو ، وصلاتُه مجزئة عنه ، هذا قول عطاء والحسن
والنخعي والزهري ، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قبل . وهو خطأ.
- ٢١٥ -

وقال أبو حنيفة : إذا صلى الظهر خمسًا ساهيا نُظر ، فإن لم يقعد
في الرابعة قدر التشهد فإن صلاته الفرض قد بطلت ويضيف إلى:
الخامسة سادسة [وتكون نافلة ويعيد الفرض ، وإن جلس في الرابعة:
مقدار التشهد فصلاته مجزئة ويضيف إلى الخامسة سادسة ] (١) وتكون
الخامسة والسادسة نفلا ، وإن ذكر وهو في الخامسة قبل أن يسجد فيها.
ولم يكن جلس في الرابعة رجع إليها فأتمها كما نقول وسجد بعد
السلام .
قال ابن القصار : فلا ينفك أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث من
أحد وجهين : إما أن يكون عليه السلام قعد في الرابعة قدر التشهد ،
فإذا سجد ولم يزد على الخامسة سادسة أو لم يقعد فإنه لم يُعد
الصلاة، وهم يقولون : قد بطلت صلاته، ولو كانت باطلة لم
[يسجد] (٢) عليه السلام للسهو ولأعاد الصلاة.
وقوله : (( فسجد سجدتين بعد ما سلم )) هو حجة لمالك في أن
سجود السهو في الزيادة بعد السلام ، وخلاف لقول الشافعي في أن
سجود السهو في الزيادة قبل السلام ، وقول مالك يشهد له الحديث ،
ومن طريق النظر أن سجود النقص جبران ، والجبران يقع داخل الصلاة
فيجعل زيادة فعل مكان ما سقط من الفعل ، وتجعل الزيادة التي هي
ترغيم للشيطان خارج الصلاة ، ولا تدخل زيادة فعل على زيادة فعل
فتكثر الزيادات .
وقال المهلب : السجود في الزيادة إنما هو لأحد معنيين : ليشفع ما
قد زاد إن كان زيادة كثيرة، وقد روي عن النبي أنه قال: (( إذا وجد
ذلك أحدكم فليسجد سجدتين تشفع له ما تقدم )) ، وإن كانت زيادة
(١) من ( هـ ).
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): يتشهد ، وهو تحريف لا يناسب السياق ..
- ٢١٦ -

قليلة فالسجدتان ترغيم للشيطان الذي أسهى وأشغل حتى زاد في
الصلاة، فأغيظ الشيطان بالسجدتين؛ لأن السجود هو الذي استحق إبليس
بتركه العذاب في الآخرة والخلود في النار ، فلا شيء أرغم له منه .
باب : إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث يسجد سجدتين
مثل سجود الصلاة أو أطول
فيه : أبو هريرة قال: (( صلى لنا رسول الله الظهر أو العصر فسلم ،
فقال له ذو اليدين : (أقصرت) (١) الصلاة يا رسول الله ؟ فقال رسول الله
لأصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم. فصلى ركعتين أخريين ثم سجد
سجدتین )) .
قال سعد : (( وصلى عروة بن الزبير المغرب ركعتين فسلم وتكلم ثم
صلى ما بقي وسجد سجدتين وقال : هكذا فعل الرسول )).
هذه الترجمة رد على أهل الظاهر في قولهم أنه لا يسجد أحد من
السهو إلا في الخمسة المواضع التي سجد فيها رسول الله : وهو
السلام من ثنتين على حديث ذي اليدين ، والقيام من ثنتين على
حديث ابن بحينة إلا أنه يجعل السجود في ذلك بعد السلام ، أو من
صلى الظهر خمسًا على حديث ابن مسعود ، وفي البناء على اليقين
على حديث أبي سعيد الخدري، وفي التحري على حديث ابن مسعود.
وجماعة الفقهاء يقولون : إن من سلم في ثلاث ركعات ، أو قام
في ثلاث ، أو نقص من صلاته مَالَهُ بَالٌ ، أو زاد فيها ، فعليه سجود
السهو ؛ لأن النبي - عليه السلام - علم الناسَ في السلام من ثنتين ،
(١) في (( هـ)): أنقصت.
- ٢١٧ -

والقيام منها ، وزيادة خامسة ، وفي البناء على اليقين والتحري سجودَ
السهو ليستعملوا ذلك في كل سهو يكون في معناه .
واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث ابن مسعود أن النبي - عليه
السلام- قال: ((إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب ، وليتم
عليه ، ثم ليسجد سجدتين )) فأمر بالسجود لكل سهو ، وهو عام إلا
أن يقوم دليل .
وفي قصة ذي اليدين من الفقه أن اليقين لا يجب تركه للشك ،
حتى يأتي بيقين يزيله ؛ ألا ترى أن ذا اليدين كان على يقين من أن
فرض صلاتهم تلك أربع ركعات ، فلما أتى بها رسول الله على غير
تمامها، وأمكن في ذلك القصد من جهة الوحي ، وأمكن النسيان ؛
لزمه أن يستفهم حتى يصير إلى يقين يقطع به الشك ، وفيه من الفقه أن
{٢١٩/١-ب] من سلم ساهيًا في صلاته وتكلم وهو يظن أنه قد أتمها / فإنه لا يضره
ذلك ويبني على صلاته .
وقد اختلف قول العلماء في كيفية رجوع المصلي إلى إصلاح
صلاته، فقال مالك في المدونة : كل من رجع إلى إصلاح ما (بنى)(١)
عليه من صلاته فليرجع بإحرام . وروى ابن وهب عنه أنه قال : إن
لم يكبر فلا يضره ذلك مع إمام كان أو وحده . وقال ابن نافع : إن
لم يدخل بإحرام أفسد صلاته على نفسه وعلى من خلفه إن كان إمامًا.
وقال الأصيلي : رواية ابن وهب هي القياس ؛ لأن رجوعه إلى صلاته
بنية تجزئه من ابتداء بإحرام ، كما فعل عليه السلام في حديث ذي
اليدين ، وليس سلامه ساهيًا مما يخرجه من صلاته .
وقال غيره : إن لم يكبر في رجوعه فلا شيء عليه ؛ لأن التكبير
(١) في ((هـ)): بقي.
- ٢١٨ -

شعار حركات المصلي ، وأصل التكبير في غير الإحرام إنما كان للإمام
ثم صار سُنّة بمواظبة النبي - عليه السلام - [ عليه ] (١) وتكبير
الصلوات محصور فلا وجه للزيادة فيه ، ألا ترى أن الذي يحبسه
الإمام عن القيام لا يكبر إذا قام لقضاء ما عليه ؛ لأنها زيادة على تكبير
الصلاة ، وسلامه ساهيًا لا يخرجه عن الصلاة عند جمهور العلماء
[و] (١) إذا كان في صلاة بنى عليها فلا معنى للإحرام ؛ لأنه غير
مستأنف لصلاة بل هو متمم لها ، وإنما يؤمر بالتكبير من ابتدأ الصلاة
أو استأنفها .
قال ابن القصار : وقول ذي اليدين لرسول الله : (( أقصرت الصلاة
أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَله: لم تقصر ولم أنس))
يدل أنه من تكلم ساهيًا في الصلاة لم يفسدها ، وهو قول مالك
والشافعي . والحجة لذلك أنه لما قال ذو اليدين : بل قد نسيت ،
علمنا أنه لم يكن القصر في الصلاة ، وأن الرسول فعل ذلك ناسيًا ،
فحصل كلامه عليه السلام في حال نسيان الصلاة غير مفسد لها ،
ولو كان الكلام يفسدها لابتدأ عليه السلام [ الصلاة ] (١) ولم يَبْنِ.
هذا رَد على أبي حنيفة وأصحابه والثوري ، فإنهم زعموا أن من
تكلم في الصلاة ساهيًا أو عامداً لمصلحتها أنه قد أفسدها . وروي مثل
قولهم عن النخعي وقتادة ، وقاله ابن وهب وابن كنانة من أصحاب
مالك . قال ابن وهب : إنما كان حديث ذي اليدين في بدء الإسلام،
ولا أرى لأحدٍ أن يفعله اليوم .
وقال ابن كنانة : لا يجوز لأحد اليوم ما جاز لمن كان مع النبي -
عليه السلام - لأن ذا اليدين ظن أن التقصير نزل وقد علم الناس كلهم
اليوم أن تقصير الصلاة لا ينزل ، فعلى من تكلم الإعادة . قال عيسى
(١) من (( هـ)).
- ٢١٩ -

ابن دينار : فقرأته على ابن القاسم فقال : ما أدري ما هذه الحجة ،
قد قال لهم النبي - عليه السلام - : (( كل ذلك لم يكن . قالوا:
بلى قد كان بعض ذلك )) فقد كلموه عمدًا بعد علمهم أنها لم تقصر
وبَنَوْا.
وقال الشافعي : الكلام في مصلحة الصلاة عمدًا لا يجوز . وقال
مالك : الكلام في مصلحتها عمدًا لا يفسدها ، مثل أن يقول الإمامه :
بقيت عليك ركعة أو تسليمة ، أو يسأله الإمام عن شيء تركه فيجيبه .
وقال الأوزاعي : إن تكلم لفرض يجب عليه لم تفسد صلاته ، وإن
كان لغير ذلك بطلت ، والفرض عليه رَدَّ السلام ، أو أن يرى أعمى
يقع في بئر فينهاه .
واحتج الكوفيون فقالوا : حديث ذي اليدين منسوخ ، نسخه
حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم في النهي عن الكلام في الصلاة ،
وعللوا الحديث فقالوا : أبو هريرة [ لم يشهد ] (١) قصة ذي اليدين ؛
لأن ذا اليدين قتل يوم بدر ، قالوا : ويدل على ذلك ما رواه الليثُ بن
سعد عن نافعٍ ، وابنُ وهبٍ ، عن عبد الله العمري ، عن نافع ، عن
ابن عمر: « أنه ذكر له حديث ذي اليدين فقال : كان إسلام أبي
هريرة بعد ما قتل ذو اليدين )) .
فعلى هذا معنى قول أبي هريرة: ((صلى لنا رسول الله )) يعني
صلى بالمسلمين ، وهذا جائز في اللغة ، كما قال النزال بن سبرة :
قال لنا رسول الله: ((إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف، وأنتم
اليوم بنو عبد الله، ونحن بنو عبد الله)) يعني لقوم النزال ، فهذا
النزال يقول: قال لنا رسول الله وهو لم يره ، يريد بذلك قال لقومنا.
(١) من (( هـ )).
- ٢٢٠ -