النص المفهرس
صفحات 41-60
وقال أبو حنيفة وأصحابه : تصلى ركعتين كسائر النوافل ، إن شاء أطال القراءة وإن شاء قصرها ، واحتج بحديث أبي بكرة . وقد رويت في صلاة الكسوف أحاديث مختلفة فقال بها قوم من الفقهاء ، وزعم بعضهم أن القول بها كلها جائز ؛ لأن النبي - عليه السلام - صلى الكسوف [ مرات ] (١) كثيرة وخَيَّر أُمته في العمل بأي ذلك شاءوا ، منها أنه عليه السلام صلى ثلاث ركعات في ركعة ، ومنها أربع ركعات في ركعة ، ومنها خمس ركعات في ركعة ، ومنها ست ركعات في ركعة ومنها ثمان ركعات في ركعة ، قالوا : لأنه عليه السلام كان يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس تنجلي ، فإذا انجلت سجد ، فمن هاهنا زيادة الركعات . فيقال لهم : أكثر تلك الأحاديث ضعاف ، وأصح ما في أحاديث صلاة الخسوف ما ذكره البخاري ، وما رواه مالك في موطئه ، وبه قال أهل المدينة عملا ، قرنًا بعد قرن . واحتج الطحاوي لأصحابه فقال : رأينا سائر الصلوات من التطوع والمكتوبات / مع كل ركعة سجدتان فالنظر على ذلك أن تكون هذه [١/ ١٨٩٥-١] الصلاة كذلك . قال ابن القصار : فالجواب أن [ الصلوات ] (٢) قد خُصت بهيئات وصفات تفارق سائرها ، كصلاة الخوف والعيدين والجنازة ، فصلاة الخوف يجوز فيها زيادة الأفعال من الذهاب والمجيء واستدبار القبلة [والقتال ] (٣) وصلاة العيدين زيد فيها التكبير ، وصلاة الجنازة حذف منها الركوع والسجود ، ولم يكن هذا إلا لورود الشرع به ، فكذلك (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): مرارًاً. (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الصلاة . (٣) من ( هـ )). - ٤١ - صلاة الكسوف زيد في كل ركعة ركوع آخر ؛ لورود الشرع به، ولا مدخل للنظر في ذلك . وقوله: (( فيقرأ نحوًا من سورة البقرة)) يدل أن القراءة في صلاة الكسوف سر ، ولو كانت جهراً ما قال : نحوًا من سورة البقرة ؛ وبالسر فيها قال مالك والكوفيون والشافعي ، وسيأتي ذلك في موضعه- إن شاء الله تعالى . وقوله عليه السلام: ((إني رأيت الجنة والنار)) فيحتمل أن يمثلا له: فينظر إليهما بعينيه كما مُثل له بيت المقدس حين كذبه الكفار في الإسراء ، فنظر إليه فجعل يخبرهم عنه ، قال مجاهد في قوله تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ (١) قال : فُرجت له السموات حتى نظر إلى ما فيهن [ حتى انتهى بصره إلى: العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن ] (٢). ا. وقوله : ((فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته [ لأكلتم ] (٣) منه ما بقيت الدنيا)) فإن العرب تقول في لو : أنها تجيء لامتناع الشيء (لامتناع) (٤) غيره ، كقوله عليه السلام: (( لو كان بعدي نبي لكان: عمر )) ولا سبيل أن يكون بعده نبي كما لا سبيل أن يكون عمر نبياً . ولم يأخذه عليه السلام ولم يأكل منه في الدنيا ؛ لأن طعام الجنة باق أبدًا لا يفنى ، ولا يجوز أن يكون شيء من دار البقاء في دار. الفناء، وقد قدر الله أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالتعب فيه والنصب ، ولا يبدل القول لديه ، وأيضًا فإن طعام الجنة إنما شوق الله إليه عباده ، ووعدهم نيله جزاءً لأعمالهم الصالحة ، والدنيا ليست بدار جزاء ، ولذلك لم يصح لهم في الدنيا أخذه . (١) الأنعام : ٧٥ . (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أكلتم . (٢) من (( هـ )). (٤) في (( هـ): ((بامتناع)). - ٤٢ - باب : صلاة النساء مع [ الرجال ] (١) في الكسوف فيه: أسماء قالت : (( أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون ، وإذا هي قائمة تصلي . فقلت : ما للناس ؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت : سبحان الله . فقلت : آية ؟ فأشارت أي نعم قالت : فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب فوق رأسي الماء ، فلما انصرف رسول الله حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما من شيء لم أره إلا قد أريته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ، ولقد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور مثل - أو قريبًا - من فتنة الدجال - لا أدري أيتهما قالت أسماء- يؤتى أحدكم فيقال له : ما علمك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمن أو الموقن - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول : محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا ، فيقال له : نم صالحًا قد علمنا إن كنت لمؤمنًا ، وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أيهما قالت أسماء - فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته)). فيه من الفقه : حضور النساء صلاة [ الكسوف ] (٢) مع الجماعة في المساجد ، ورخص مالك والكوفيون للعجائز في ذلك وكرهه للشابة ، وقال الشافعي : لا أكره لمن لا هيئة [ لها ] (٣) بارعة من النساء ولا للصبية شهود صلاة الكسوف مع الإمام ، بل [ أحبه ] (٤) لهن ، و[أحب] (٥) لذات الهيئة أن تصليها في بيتها . ورأى إسحاق أن يخرجن شبابًا كن أو عجائز وإن كن حيضًا وتعتزل الحيض المسجد ويقربن منه . (١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): النبي عليه السلام. (٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الخسوف. (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): له . (٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أوجبه . (٥) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أوجب. - ٤٣ - : : وفيه : جواز استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في صلاة .. وفيه : جواز إشارة المصلي بيده ورأسه لمن يسأله مرة بعد أخرى ؛ لأن أسماء قالت: ((فقلت آية؟)) فأشارت عائشة (( أي نعم )) فإنما أشارت برأسها وقد كانت أشارت قبل ذلك إلى السماء . وفيه : أن صلاة الكسوف قيامها طويل لقولها (([ فقمت] (١) حتى تجلاني الغشي)) وهو حجة لمالك والشافعي على أبي حنيفة في قوله أن صلاة الكسوف إن شاء قصرها كالنوافل . وقولها: (( فجعلت أصب فوق رأسي الماء )) فيه دليل على جواز ! العمل اليسير في الصلاة . [١/ ٥ ١٨٩-ب) وفيه : أن تفكر المصلي / ونظره إلى قبلته في صلاته جائز ؛ لقوله عليه السلام : (( ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا وأوحي إلي أنكم تفتنون في القبور )» وذلك كله في الصلاة . وفيه : أن فتنة القبور حق كما يقول أهل السنة . وفيه : أن من ارتاب في تصديق النبي أَوْ شَكَّ في صحة رسالته فهو كافر ، ألا ترى قول المنافق أو المرتاب : لا أدري ، فهذا لم يؤمن بالنبي - عليه السلام - لما دخله من الارتياب والنفاق ، ومن لم يدر فقد نفى عن نفسه التصديق ، ثم زاد شكه بيانًا بقوله: ((سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته)) فأخبر أنه إنما جرى تصديق النبي على لسانه [من أجل قول الناس ذلك لا من أجل اعتقاده لصحة ما جرى على لسانه](٢). وهذا هو حقيقة الريب أن يقول اللسان ما لا يعتقد صحته القلب . وفيه : أن تمام الإيمان وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله ومعرفة (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): قمت. (٢) من ((هـ). - ٤٤ - الدلالة على ذلك ؛ ألا ترى أن الرسول نفى الإيمان عمن يقول إذا سئل عن نبيه يقول: (( لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته)). وفيه: ذم التقليد وأن المقلد لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة. فإن قال قائل : كيف قلت : إن تمام الإيمان وتمام العلم هو المعرفة بالله و( رسوله ) (١) ومعرفة الدلالة على ذلك ، وقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون عليكم بدين العذارى ، والعذارى لا علم عندهن بالدلالة على الإيمان ، وإنما عليهن التقليد وأنت قد ذممت التقليد ؟ قيل : قد جاءت هذه الكلمة في حديث ( عبيد الله ) (٢) بن عدي ابن الخيار حين كلم خاله عثمان بن عفان في أخيه الوليد بن عقبة ، وقال له: ((قد أكثر الناس في شأن الوليد ، فحق عليك أن تقيم عليه الحد . فقال : يا ابن أختي ، أدركتَ رسولَ الله ؟ فقلت : لا ، ولكن قد خلص إليّ من علمه ما خلص إلى [ العذارى ] (٣) في سترها ... )) وذكر الحديث ، ذكره البخاري في كتاب فضائل الصحابة في باب هجرة الحبشة . ومعنى قولهم (( دين العذارى)) هو أن النبي - عليه السلام - بَلَّغ عن ربه دينه حتى وصل ذلك إلى العذارى في خدورهن ، فعلمنه خالصًا لم يُشب ، وقد [ ألزم ] (٤) الله المؤمنين أن يعلموا ذريتهم حقيقة الإيمان بقوله : ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ (٥) فكل مؤمن يُعَلِّمُ بنيه في الصغر خالص الإيمان، وما يلزمه من فرائضه، ولا يعلمه اعتراض الملحدين ولا شبه الزائغين ؛ لأن الجدال فيه ربما أورث شكا ، (١) في ((هـ)): رسله . (٢) في (( هـ)»: عبد الله . خطأ. (٣) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): العذراء. (٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)) : أعلم . (٥) التحريم : ٦ . - ٤٥ - فإيمان العذارى التصديق الخالص الذي لا ريب فيه ولا شك ، بخلاف أحوال المنافق والمرتاب الذي قال: (( لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته )) . ولم يُرد بقوله: (عليكم بدين العذارى)) [ترك ] (١) معرفة الاستدلال على حقائق الإيمان والازدياد من العلم ، هذا إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى و[ إنما ] (٢) سأله تعالى زيادة في العلم ليطمئن بها ( قلبه ) (٣) ولم يكن قبلها شاكا . وهذه عائشة ترد على عبد الله بن عمر في البكاء على الميت وغير ذلك وتقول : رحم الله أبا عبد الرحمن إنما أراد رسولُ الله خلاف ما ذهب إليه ابن عمر . وترد على عروة بن الزبير تأويله في الطواف بين الصفا والمروة ، وقالت عائشة أيضًا : نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من الفقه في الدين . فحكمت لهن بالفقه في الدين ، والفقه في لسان العرب هو معرفة الشيء ومعرفة الدلالة على صحته ، فلا خلاف بين شيء من ذلك ... وقوله: (( تكعكعت )) يعني تأخرت يقال : كع الرجل : إذا نكص على عقبيه . باب : من أحب العتاقة في كسوف الشمس فيه: أسماء قالت: (( أمر النبي - عليه السلام - بالعتاقة في كسوف الشمس )). إنما يخوف الله عباده بالآيات [ ليتقربوا ] (٤) إليه بالأعمال الصالحة كالصلاة والعتق والصدقة ، وجاء أن العتق يفك المؤمن من النار . (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تركه. (٢) من (( هـ)). (٣) في (( هـ)): نفسه . (٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): ليتقدموا. - ٤٦ - وقد قرن الله في كتابه العتق بالصدقة فقال : ﴿ فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴾ (١) وبأعمال البر كلها يدفع الله البلاء والنقم عن عباده . [١/ق ١٩٠-١] با ب : الذکر في الكسوف / رواه ابن عباس . فيه: أبو موسى قال: (( خسفت الشمس فقام النبي - عليه السلام - فزعًا فخشي أن تكون الساعة فأتى المسجد ، فصلى بأطول قيام وركوعٍ وسجود رأيته قط يفعله ، وقال : هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ، ولكن يخوف الله بها عباده ، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلی ذکر الله ودعائه واستغفاره )). وترجم له باب الدعاء في الخسوف . وقد تقدم أن السنة عند نزول الآيات : الاستغفار والذكر والفزع إلى الله - تعالى - بالدعاء وإخلاص النيات بالتوبة والإقلاع ، وبذلك يكشف الله - تعالى - [ظاهر العذاب قال الله تعالى] (٢): ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ﴾ (٣). قال المهلب قوله: (( قام فزعًا يخشى أن تقوم الساعة )) يدل أن الكسوف كان بالشمس كلها ، ولم يعهد مثله قبل ذلك ، وكان ذلك قبل أن يُعلمه الله بأشراط الساعة ومقدماتها ، ولم يسرع انجلاؤه ولذلك أطال الصلاة فيه . (١) البلد : ١١ - ١٤ . (٢) من (( هـ). (٣) الأنعام : ٤٣ . - ٤٧ - باب : قول الإمام في خطبة الكسوف : أما بعد فيه : أسماء قالت : (( انصرف النبي - عليه السلام - وقد تجلت الشمس فخطب فحمد الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد )) . قد تقدم هذا الباب في أبواب الجمعة فأغنى عن إعادته . باب : الصلاة في كسوف القمر فيه: أبو بكرة قال: (( (كسفت) (١) الشمس على عهد رسول الله و ◌َاليوم فصلى بهم ركعتين ، فانجلت الشمس ، فقال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا .. الحديث . اختلف العلماء في خسوف القمر هل يجمع له للصلاة ، فذهبت طائفة إلى أنه يجمع فيه كما يجمع في كسوف الشمس سواء ، روي ذلك عن عثمان بن عفان ، وابن عباس ، وبه قال النخعي ، وعطاء ، والحسن ، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأهل الحديث، واحتجوا بقوله عليه السلام في هذا الحديث: ((فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا )» قالوا : قد عرفنا كيف الصلاة في أحدهما، فكان ذلك دليلا على الصلاة عند الأخرى ، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في ترجمته ، ولذلك ذكر كسوف الشمس وترجم عليه الصلاة في كسوف القمر [ استغناء بذكر أحدهما عن الأخرى ... وقال مالك والكوفيون : لا يجمع في كسوف القمر ] (٢) ولكن يصلي الناس فرادى ركعتين ركعتين كسائر النوافل . غير أن الليث قال: (١) في (( هـ)): انكسفتْ. (٢) من (( هـ)). - ٤٨ - هيئة الصلاة فيه كهيئة الصلاة في كسوف الشمس ، وهو قول عبدالعزيز بن أبي سلمة . وحجة مالك ومن وافقه أن النبي - عليه السلام - جمع في كسوف الشمس ولم يجمع في كسوف القمر ، فعلم أن [ معنى ] (١) قوله : (( فافزعوا إلى الصلاة )) في كسوف القمر : فرادى ، وفي كسوف الشمس : جماعة . قال ابن القصار : وأهل المدينة بأسرهم على هذا ، والمعهود أن كسوف القمر يقع أبدًا ولا يكاد يخلو منه عام ، وكسوف الشمس نادر، ومحال أن يكون كسوف القمر مألوفًا والنبي - عليه السلام - يجمع له مدة حياته فيهم ثم يخفى عليهم ذلك جملة ، وبقول مالك: لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أن النبي - عليه السلام - جمع ( لكسوف)(٢) القمر ، ولا نُقل عن أحد من الأئمة بعد النبي أنه جمع فيه . قال المهلب : ويمكن أن يكون مع تركه - والله أعلم - الجمع في كسوف القمر رحمةً للمؤمنين لئلا تخلو بيوتهم بالليل فيحطمهم الناس ويسرقونهم ، يدل على ذلك قوله عليه السلام لأم سلمة - ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه - [ حين ] (١) قالت له : ((ألا أبشر الناس ؟ فقال عليه السلام : أخشى أن [ يحطمكم ] (٣) الناس)) وفي حديث آخر : (( أخشى أن يمنع الناس نومَهم ». وقد قال تعالى : ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه﴾ (٤) فجعل السكون في الليل من النعم التي عدّدها على عباده ، وقد سمى ذلك رحمة ، وقد أشار ابن القصار إلى نحو هذا المعنى (١) من (( هـ)). (٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)»: يخطفهم. (٢) في (( هـ )) : لخسوف . (٤) القصص : ٧٣ . - ٤٩ - فقال : خسوف القمر يتفق ليلا فيشق الاجتماع له وربما أدرك الناس نيامًا فيثقل عليهم الخروج لها ، ولا ينبغي أن يقاس على ( كسوف)(١) [١/ ١٩٠٥ -ب] الشمس ؛ لأنه يدرك الناسَ مستيقظين منصرفين ، ولا يشق / اجتماعهم كالعيدين والجمعة والاستسقاء ، ولم نر صلاة جمعة ولا عيد ولا استسقاء جعلت بالليل . باب : الركعة الأولى في الكسوف أطول فیه عائشة: « أن النبي - عليه السلام - صلی في کسوف الشمس أربع. ركعات في سجدتين الأولُ الأولُ أطول )) . أجمع العلماء أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركوع الأول في صلاة الكسوف أقصر من القيام ومن الركوع الأول ؛ لقوله عليه. السلام: (( دون القيام الأول ودون الركوع الأول )) وكذلك أجمعوا أن القيام والركوع الثاني من الركعة الثانية أقصر من الأول منها . واختلف في القيام والركوع الأول من الركعة الثانية هل هو دون. الثاني من الركعة الأولى أو مثله ، وهل يرجع قوله عليه السلام : ((دون القيام الأول)) إلى الركعة الأولى أو [ إلى ] (٢) الثانية منها، فقال قوم: يرجع إلى الأولى من الركعة الأولى . وقال قوم : بل يرجع إلى القيام والركوع الثاني من الركعة الأولى . وهذا قول مالك في المدونة: أن كل ركعة من الأربع أطول من التي تليها ، وقوله في حديث عائشة: (( الأولى الأولى أطول)) حجة لقول مالك، وهذا كله حجة على أبي حنيفة في قوله : إنها ركعتان كسائر النافلة . (١) في (( هـ)): خسوف. (٢) من ( هـ)). ٥٠ - باب : الجهر بالقراءة في الكسوف فيه : الوليد، عن [ ابن ] (١) نمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : (( جهر النبي - عليه السلام - في صلاة الكسوف بقراءته ... )) الحديث . وقال الأوزاعي وغيره : سمعت الزهري عن عروة ، عن عائشة : (( أن الشمس خسفت على عهد الرسول فبعث مناديًا : (إن الصلاة ) (٢) جامعة . فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات )) قال : وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله فقلت : ما صنع أخوك في ذلك عبدُ الله بن الزبير ، ما صلى إلا ركعتين مثل صلاة الصبح إذا صلى بالمدينة . قال : أَجَلُ ، إنه أخطأ السنة . تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري في الجهر . اختلف العلماء في القراءة في صلاة الكسوف فقالت طائفة : يجهر بها . روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وبه قال أبو يوسف ومحمد ابن [ الحسن ] (٣) وأحمد وإسحاق واحتجوا بحديث سفيان وابن نمر عن الزهري . وقالت طائفة : يُسِرَّ بالقراءة فيها . روي ذلك عن عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عباس ، وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي، واحتجوا بحديث ابن عباس « أنه صلى خلف النبي - عليه السلام - فقرأ قراءة طويلة نحوًا من سورة البقرة)) [ وقد تقدم في باب (١) من ((هـ))، وهو عبد الرحمن بن نَمِر دمشقي، لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم ، وليس له في الصحيحين غَير هذا الحديث ( تهذيب الكمال : ٤٦٠/١٧)، وجاء في ((الأصل)): أبي . خطأ. (٢) في (( هـ)): بالصلاة. (٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): الحسين. خطأ، وإنما هما صاحبا أبي حنيفة ، كما في الفتح (٦٣٩/٢)، وكان في ((الأصل)) و((هـ)): أبو يوسف ومحمد ومحمد بن ... وهو تكرار . - ٥١ - صلاة الكسوف جماعة ، ولو جهر بها لم يقل نحوًا من سورة البقرة](١) وأما سفيان بن حسين ، وعبد الرحمن بن نمر ، وسليمان بن كثير فكلهم ضعيف في حديث الزهري ، وفيما ساقه البخاري من رواية الأوزاعي عن ابن شهاب ولم يذكر [ عنه ] (٢) الجهر ما يردّ رواية الوليد عن ابن نمر بالجهر ، فيبقى سليمان بن كثير وسفيان بن حسين ، وليسا بحجة في القول عن الزهري لضعفهما ، وقد عارضهما حديث عائشة ، وابن عباس ، وسمرة . فأما حديث عائشة فرواه ابن إسحاق عن هشام بن عروةً وعبد الله ابن أبي سلمة ، عن عروة ، عن عائشة قالت : (( كسفت الشمس على عهد الرسول فخرج فصلى بالناس فأطال القيام ، فَحزَرْتُ أنه قرأ سورة البقرة ، قالت : وسجد سجدتين ثم قام فحزرت أنه قرأ سورة آل عمران )» . وأما حديث ابن عباس فرواه ابن لهيعة عن [ يزيد ] (٣) بن أبي حبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: (( كنت إلى جنب النبي - عليه السلام - في صلاة الكسوف فما سمعت منه حرفًا )) . وأما حديث سمرة فرواه سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن ثعلبة ابن عباد ، عن سمرة بن جندب قال: (( صلى بنا النبي - عليه السلام- صلاة الكسوف لا نسمع له صوتًا )) . قال ابن القصار: ونقل السر في صلاة الكسوف أهل المدينة خلف عن سلف نقلا متصلا ، ولو تعارضت الأحاديث لبقي حديث ابن عباس وهو حجة . وقوله : ((أخطأ السنة)) حجة لمالك والشافعي في أن السنة أربع ركعات في ركعتين . (١) من (( هـ)). (٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): عند : كذا . (٣) من (هـ) وفي ((الأصل)): زيد. خطأ. - ٥٢ - [١/ ق ١٩١-١] / باب : ما جاء في سجود القرآن وسنّتها فيه: عبد الله قال: (( قرأ النبي - عليه السلام - النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه [ غیر ] (١) شیخ أخذ کفا من حصی أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال : يكفيني هذا، فرأيته بَعْدُ قتل كافرًا )). اختلف العلماء في سجود النجم لاختلافهم في سجود المفصل ، فروي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبي هريرة أنهم كانوا يسجدون في النجم والمفصل ، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، والليث ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وابن وهب ، وابن حبيب من أصحاب مالك، واحتجوا بهذا الحديث. وقالت طائفة : لا سجود في النجم ولا في المفصل ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأبي بن كعب ، وابن عباس ، وأنس ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وقال يحيى بن سعيد : أدركت القراء لا يسجدون في شيء من المفصل . وهو قول مالك ، واحتج من لم يرَ السجود في النجم بما ذكره البخاري عن زيد بن ثابت (( أنه قرأ الرسول والنجم فلم يسجد فيها )) وبما رواه قتادة عن عكرمة قال: (( سجد رسول الله بمكة في المفصل، فلما هاجر ترك )) . واحتج الطبري لأهل المقالة الأولى فقال : يمكن أن يكون عليه السلام لم يسجد فيها ؛ لأن زيدًا لم يسجد فيها وإنما القارئ هو الذي يسجد فيسجد السامع ، ويمكن أن يكون ترك السجود فيها ؛ ليدل أن سجود القرآن ليس منه شيء واجب . قال الطحاوي : ويمكن أن يكون قرأها في وقت لا يحل فيه السجود أو لأنه كان على غير وضوء. (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عند. وهو خطأ. - ٥٣ - واحتج ابن القصار لمذهب مالك فقال : إذا اعتبرنا سجود النجم والمفصل وجدناه يخرج من طريق سائر السجدات ؛ لأن قوله في النجم: ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (١) إنما هو أمر بالسجود ، فوجب أن يتوجه إلى سجود الصلوات، فقوله: ((اسجد)) أي : صل ، فلم يلزم ما ذكروه . ۔۔ قال الطحاوي أيضًا : والنظر على هذا أن يكون كل موضع اختلف فيه هل هو سجود أم لا ، أن ينظر فيه ، فإن كان موضع أمر فإنما هو تعليم فلا سجود فيه ، وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة . قال المهلب : يمكن أن يكون اختيار من اختار من العلماء ترك السجود في (( والنجم)) والمفصل خشية أن يخلط على الناس صلاتهم؛ لأن المفصل هو أكثر ما يقرأ في الصلوات ، وقد أشار مالك إلى هذا. وأما الذي أَخَذَ كَفا من حَصى وترك السجود مع الرسول ففيه أنه من خالف النبي - عليه السلام - استهزاءً به : كافر يعاقب في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ (٢) فكذلك أصاب هذا الشيخ فتنة وكفر ، ويُصيبه في الآخرة عذاب أليم، وقيل إنه الوليد بن المغيرة. باب : سجدة تنزيل السجدة فيه: أبو هريرة قال: ((كان النبي - عليه السلام - يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر الم تنزيل السجدة ، وهل أتى على الإنسان)). والفقهاء مجمعون على السجود في سورة تنزيل . (١) النجم : ٦٢ . (٢) النور : ٦٣. - ٥٤ - باب : سجدة ص فيه : ابن عباس قال : (( ص ليس من عزائم السجود ، وقد رأيت الرسول يسجد فيها )) . اختلف العلماء في السجود في ص ، فقالت طائفة : لا سجود فيها . روي ذلك عن ابن مسعود ، وقال : هي توبةُ نَبِيٌّ . وروي مثله عن عطاء ، وبه قال الشافعي . وقالت طائفة بالسجود فيها ، روي ذلك عن عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وعقبة بن عامر ، وعن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وطاوس ، وبه قال مالك ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وقد روي عن ابن عباس مثله ، ذكره البخاري في كتاب الأنبياء عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أَسْجُدُ في ص؟ / فقرأ: ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ [١/ ١٩١٥ -ب] حتى انتهى : ﴿فبهداهم اقتده﴾ (١) فقال: نبيكم [ ممن أمر أن] (٢) يقتدي بهم . فاحتجاج ابن عباس بالقرآن أولى من قوله : ليس ص من عزائم السجود . وقال مالك : إنها من عزائم السجود . وقال الطحاوي : والنظر عندنا أن يكون في ص سجدة ؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر لا موضع أمر ، فينبغي أن يرد إلى حكم أَشْكاله من الأخبار ، فيكون فيها سجود . واختلفوا في عزائم السجود ، فقال علي بن أبي طالب : عزائم السجود أربع: ((الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك)). (١) الأنعام : ٨٤ - ٩٠ . (٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): أمر ممن. وهو مقلوب. - ٥٥ - وعن ابن مسعود : (( العزائم خمسة : الأعراف ، وبنو اسرائيل والنجم ، واقرأ باسم ربك ، وإذا السماء انشقت)). وعن ابن جبير: عزائم السجود ثلاث : الم تنزيل ، والنجم ، واقرأ باسم ربك . وقال مالك : عزائم السجود إحدى عشرة ليس في المفصل منها شيء ، وليس فيها الثانية من الحج . وقال ( أبو يوسف) (١) : أربع عشرة وليس فيها الأولى من الحج. وقال الشافعي : أربع عشرة ليس فيها سجدة ص ؛ لأنها سجدة شكر، وفي الحج سجدتان عنده . باب : سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء وكان ابن عمر يسجد على وضوء فيه : ابن عباس : (( أن النبي - عليه السلام - قرأ والنجم فسجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس )). ووقع في نسخة الأصيلي ((وكان ابن عمر يسجد على وضوء .)) وكذلك عند أبي الهيثم عن الفربري، ووقع في بعض النسخ ((على غير وضوء )) وهكذا في رواية ابن السكن بإثبات ((غير)) والصواب رواية ابن السكن بإثبات (( غير )) لأن المعروف عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء ، ذكره ابن أبي شيبة قال : حدثنا محمد بن بشر [ ثنا ] (٢) زكريا بن أبي زائدة قال : حدثنا أبو الحسن - يعني عبيد بن الحسن ، عن رجل زعم أنه [ كنفسه ] (٣) عن سعيد بن جبير قال : كان عبد الله بن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ . (١) فى ((هـ): أبو حنيفة. (٢) من (هـ))، ومثله في مصنف ابن أبي شيبة (١٤/٢)، وفي ((الأصل)): حدثناهُ. (٣) فى ((الأصل، هـ)): كبشة. وهو تحريف. والتصويب من المصنف (٢/ ١٤)، وعنه: الفتح (٦٤٤/٢). - ٥٦ - وذكر وكيع ، عن زكريا ، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء قال : يسجد حيث كان وجهه . وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء ، فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بقول ابن عمر ، والشعبي: نسجد مع المشركين . فلا حجة فيه ؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله والتعظيم له ، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان الرسول من ذكر آلهتهم من قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ (١) فقال : تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهم لترتجى . فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم (٢) ، فلما علم الرسول ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق وحزن له ، فأنزل الله عليه تأنيسًا له وتسلية عما عرض له : ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ إلى ﴿حكيم﴾ (٣) أي : إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته . فلا يستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير وضوء ؛ لأن المشرك نجس لا يصح له وضوء ولا سجود إلا بعد عقد الإسلام . وإن كان أراد البخاري الرد على ابن عمر ، والشعبي [ بقوله ] (٤): والمشرك نجس ليس له وضوء. فهو أشبه بالصواب- إن شاء الله تعالى. (١) النجم : ٢٠ - ٢١ . (٢) هذه القصة فيها نظر، بل هي باطلة، قال ابن خزيمة: ((هذه القصة من وضع الزنادقة)). وقال القاضي عياض عن هذا الخبر: ((باطل، لا يصح فيه شيء، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل ... )). وقال ابن كثير في تفسيره: طرقها كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح)) . انظر كتاب الشفا للقاضي عياض (٧٤٨/٢ - ٧٦٨)، وشرح النووي لصحيح مسلم (٧٥/٥) ، وتفسير ابن كثير (٢٢٩/٣)، ورسالة : ((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق» العلامة الألباني حفظه الله تعالى . (٣) الحج : ٥٢ . (٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): يقول . - ٥٧ - باب : من قرأ السجدة ولم يسجد فيها فيه : زيد بن ثابت: (( أنه قرأ على النبي - عليه السلام - والنجم فلم یسجد فیها )» . هذا الحديث حجة لمالك والشافعي أن سجود القرآن سنة ، ولو كان واجبًا كما زعم الكوفيون لم يترك زيد السجود فيها ، ولا تركه النبي عليه السلام ؛ لأنه بُعث معلمًا ، وحديث زيد هذا يبين حديث ابن مسعود أن النبي - عليه السلام - حين سجد في (( والنجم ) بمكة أن ذلك كان إعلامًا منه لأمته أن قارئ السجدة بالخيار ، إن شاء سجد فيها وإن شاء لم يسجد، وكذلك فعل عمر في (( النحل)) سجد فيها مرةً ولم يسجد فيها أخرى ؛ ليُرى أن ذلك غير واجب، وقال : إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء ، وسيأتي زيادة في هذا المعنى في بابه- إن شاء الله تعالى . [١/ ق١٩٢-١] باب: سجدة ((إذا / السماء انشقت)) فيه: أبو هريرة: ((أنه قرأ: ((إذا السماء انشقت)) [ فسجد ](١) فيها، فقال أبو سلمة : ألم أرك تسجد ؟! فقال : لو لم أرَ رسول الله يسجد لم أسجد )) . ٠٠ من قال بالسجود في المفصل يرى السجود في هذه السورة ، وقد تقدم الاختلاف في ذلك ، واحتج بهذا الحديث من قال بالسجود في المفصل ، وقالوا هذا الحديث يَرُدّ ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه لم يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة ؛ لأن أبا هريرة كان إسلامه بالمدينة ، وروي أن النبي - عليه السلام - سجد في (( إذا السماء انشقت)) فكيف يقال إنه بعدما هاجر لم يسجد في المفصل ؟ (١) من ( هـ)). - ٥٨ - واحتج الكوفيون وقالوا: النظر أن يكون في ((إذا السماء انشقت )) سجود ؛ لأن قوله تعالى : ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ (١) إخبار لا أمر ، وسجود التلاوة إنما هو في موضع الإخبار ، وموضع الأمر إنما هو تعليم فلا سجود فيه ، وهذا قول الطحاوي . واحتج من قال : لا سجود في المفصل فقالوا : معنى سجود التلاوة ما كان على وجه المدح والذم، وسجدة ((إذا السماء انشقت )). خارجة عن هذا المعنى ؛ لأن قوله تعالى : ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ (١) إنما يعني أي لا يسجدون بعد الإيمان السجود المذكور في القرآن للصلاة، وهذا ليس بخطاب للمؤمنين؛ لأنهم يسجدون مع الإيمان سجود الصلاة ، هذا قول ابن القصار . قال المهلب : وأما قول أبي سلمة لأبي هريرة: ((ألم أرَك تسجد)» يعني : ألم أرَك تسجد في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها . هكذا رواه الليث ، عن ابن الهاد ، عن أبي سلمة ، فهذا يدل أنه لم يكن العمل عندهم على السجود في ((إذا السماء انشقت ))، كما قال مالك وأهل المدينة ، فأنكر عليه سجوده فيها [ ولا يجوز ] (٢) إنكار ما عليه العمل ، فهذا يدل أنها ليست من العزائم . باب : من سجد لسجود القارئ فيه : ابن عمر قال: (( كان عليه السلام يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته )) . وترجم له باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة . (١) الانشقاق : ٢٠ - ٢١ . (٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ولم يجز. - ٥٩ - أجمع فقهاء الأمصار أن التالي إذا سجد في تلاوته لزم الجالس إليه. المستمع له أن يسجد [ بسجوده . وقال عثمان: إنما السجدة على من سمعها . واختلفوا في التالي إذا قرأ السجدة ولم يسجد فيها هل يسجد المستمع لقراءته أم لا ؟ فقال ابن القاسم في المدونة : على الذين جلسوا إليه أن يسجدوا ] (١) وإن لم يسجد . وذكر ابن المنذر مثله عن الشافعي قال : إن أحب المستمع أن يسجد فليسجد . وقال ابن حبيب : لم أرَ أحدًا قال بقول ابن القاسم في ذلك ، وسمعت مطرفًا ، وابن الماجشون ، وابن عبد الحكم، وأصبغ يقولون: لا يسجدوا ؛ لأنه إمامهم . قال : وهو الصواب ؛ لأن القارئ لو كان في صلاة ولم يسجد لم يسجد [ من ] (١) معه فكذلك هذا . وفي المدونة : كره مالك أن يجلس قوم إلى قارئ يستمعون قراءته ؛ [ليسجدوا] (٢) معه إذا سجد، وأنكر ذلك إنكارًاً شديدًا. قال : وأری أن یقام وینهى ولا يجلس إليه . وقال ابن شعبان : قال مالك : فإن لم ينته وقرأ لهم فمرّ بسجدة لم يسجد ولم يسجدوا . وقد قال مالك أيضًا : أرى أن يسجدوا معه . قال المهلب وقوله : (( فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته)) . فيه الحرص على فعل الخير والتسابق إليه ، وفيه لزوم متابعة أفعال النبي و 8 على كمالها، ويحتمل أن يكون سجدوا عند ارتفاع الناس وباشروا الأرض ، ويحتمل أن يسجدوا ببلوغ طاقتهم من الإيماء في ذلك - والله أعلم . (١) من (( هـ ). : (٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل )): يسجدوا: - ٦٠ -