النص المفهرس

صفحات 1-20

شْعُ صَحِيعُ الََّارِعُ
لابْن بطّاك
أُمِيّ الحَيَسْ عَلِيَ بْ خَلْتُ بْن عَبْ الْمُكريم
ضَبَطَ نِصَّهُ رَعَلّ عَليه
أُبُوتِيْم ◌َاسْرِبِنْ إِبْراهِيم
الجزء الثَّالِثْ
مكتبة الرشد
الرياض

كتاب الاستسقاء
باب: خروج النبي ◌َّ في الاستسقاء
فيه : عبد الله بن زيد قال: (( خرج النبي - عليه السلام - يستسقي
وَحوَّلَ رداءه)) وترجم له باب الاستسقاء في المصلى، وزاد فيه : ((خرج
النبي ◌ّ إلى المصلى يستسقي)).
أجمع المسلمون على جواز الخروج إلى الاستسقاء والبروز إليه في
المصلى عند إمساك الغيث عنهم .
واختلفوا في الصلاة ، فقال أبو حنيفة : يبرز المسلمون للدعاء
والتضرع إلى الله فيما نزل بهم ، وإن خطب مُذكِّر لهم ومُخوّف
فحسن / ولم يَعرف الصلاة في الاستسقاء، واحتج بهذا الحديث [١/ق١٨٢-ب]
الذي لا ذكر للصلاة فيه . وروى مغيرة عن إبراهيم : أنه خرج مرة
للاستسقاء فلما فرغوا قاموا يصلون فرجع إبراهيم ولم يصل .
وقال سائر الفقهاء وأبو يوسف ومحمد : إن صلاة الاستسقاء سنة
ركعتان؛ لثبوت ذلك عن النبي - عليه السلام - وليس تقصير من قصر
عنها بحجة على من ذكرها بل الذي رواها أَوْلَى ؛ لأنها زيادة يجب
قبولها .
باب : دعاء النبي ◌َل
اللهم اجعلها علیهم سنین کسني يوسف
فيه: أبو هريرة: (( أن النبي - عليه السلام - كان إذا رفع رأسه من
- ٥ -

الركعة الأخيرة يقول : اللهم أَنْجِ عياش بن أبي ربيعة ، اللهم أَنْجِ سلمة
ابن هشام ، اللهم أنْجِ الوليد بن الوليد ، اللهم أنّجِ المستضعفين من
المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها سنين كسني
يوسف)) وأن النبي - عليه السلام - قال: « غفار غفر الله لها، وأسلم
سالمها الله )) هذا كله في الصّبْح .
وفيه: عبد الله: (( أن النبي - عليه السلام - لما رأى من الناس إدبارًا
قال: اللهم سبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة حَصّت كل شيء حتى
أكلوا الجلود والميتة والجيف وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من
الجوع ، فأتاه أبو سفيان فقال : يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة
الرحم ، وإن قومك هلكوا فادع الله لهم قال الله - تعالى - : ﴿فارتقب
يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ إلى قوله : ﴿عائدون يوم نبطش البطشة
الكبرى ﴾ (١) فالبطشة [ يوم] (٢) بدر فقد مضت البطشة والدخان
واللزام وآية الروم )) .
فيه : جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيره ، قال المهلب:
وإنما دَعَا عليهم بالسبع سنين - والله أعلم - إرادة أن يضعفهم بالجوع
عن طغيانهم ؛ فإن نفس الجائع أخشع لله وأقرب للانقياد والتذلل ،
فأجاب الله دعوته وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا في رد العذاب
عنهم .
وفيه : الدعاء على الظالم بالهلاك .
وفيه : الدعاء لأسرى المؤمنين بالنجاة من أيدي العدو .
وفيه : جواز الدعاء في صلاة الفريضة بما ليس في القرآن بخلاف
(١) الدخان : ١٥ - ١٦
(٢) من ( هـ)).
-٦ -

الكوفيين ، وذكر أبو الزناد في حديث أبي هريرة أن ذلك كان في
صلاة الصبح .
وقال المهلب : والدعاء على المشركين يختلف معناه ، فإذا كانوا
منتهكين لحرم الدين وحرم أهله فالدعاء عليهم واجب ، وعلى كل من
سار بسيرهم من أهل المعاصي والانتهاك ، فإن لم ينتهكوا حرمة الدين
وأهله وجب أن يُدعَى لهم بالتوبة كما قال عليه السلام حين سئل أن
يدعوا على دَوس فقال: (( اللهم اهد دوسًا وائت بهم )) وقيل :
إنما يجب أن يكون الدعاء على أهل المعاصي في حين انتهاكهم ، وأما
عند تركهم وإدبارهم عن الانتهاك فيجب أن يُدعى لهم بالتوبة ،
وروي أن أبا بكر الصديق وزوجته كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما
يوم بدر بالهلاك إذا حمل على المسلمين ، وإذا أدبر يدعوان له
بالتوبة .
وفي قوله: (( غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله))
الدعاء للمؤمنين بالمغفرة ، تَفَاءَل لهما عليه السلام من أسمائهما
فَأْلا حسنًا ، وكان يعجبه الفأل الحسن ، وقال الخطابي : وقوله :
((غفار غفر الله لها)) فنرى - والله أعلم - إنما خصّهم بالدعاء
والمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام وبحسن بلائهم فيه ، ودعا لأسلم ؛
لأن إسلامهم كان سلمًا من غير ( حرب ) (١) ويقال : كان مع
رسول الله وَ له يوم حنين من أَسْلم أربعمائة ومن غفار
مثلها .
وقوله: (( حَصَّت كل شيء)) يعني أذهبته قال صاحب ( العين )(٢)
يقال : الحصّ : السنة الجرداء ، والحَصّ إذهاب الشعر ، والبيضة
(١) في (( هـ)): خوف .
(٢) في (( هـ)): الأفعال.
- ٧ -

تحصّ رأس صاحبها، ومن أمثال العرب: ((أفلت وانحصّ الذَّنَبُ)).
يقال للذي تفلت من منتشب ، وأصله الطائر يفلت من يد الإنسان
فيبقى في يديه من ريش ذنبه بقية .
[١ / ق١٨٣-١]
/ باب : سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا
فيه: ابن عمر قال « ربما ذكرت شعر أبي طالب وأنا أنظر إلى [وجه](١)
النبي - عليه السلام - يستسقي (٢) .
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب لك ميزاب)) (٣).
وفيه: أنس: (( أن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد
المطلب فقال : اللهم [ إنا ] (١) كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا
نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال : فيسقون )).
فيه : [ أن ] (١) الخروج إلى الاستسقاء و[الاجتماع] (٤) والبروز.
لا يكون إلا بإذن الإمام؛ لما في الخروج والاجتماع من الآفات الداخلة
على السلطان ، وهذه سنن الأمم السالفة قال الله - تعالى - :
﴿وأوحينا إلى موسى إذ اسْتسقاه قومه ﴾ (٥) وأما الدعاء في أعقاب
الصلوات [في الاستسقاء] (١) فجائز بغير إذن الإمام .
[ قال المهلب ] (١): وموضع الترجمة من الحديث قول عمر
(١) من (( هـ).
(٢) هاهنا كلمة غير واضحة في (( الأصل)) .
(٣) كذا في ((الأصل)) و((هـ))، وفي الفتح (٥٧٧/٢): ((كل ميزاب)) فقط،
وقال الحافظ: ووقع في رواية (( الحموي)): (( حتى يجيش لك)) بتقديم اللام
على الكاف وهو تصحيف .
أقول : والظاهر أن المصنف أراد التنبيه إلى رواية الحموي ، لكن فاته أن يقول:
أو سقط لفظ: ((وفي رواية)) والله أعلم.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)) : الجماع كذا .
(٥) الأعراف : ١٦٠ .
- ٨ -

اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا وهو معنى قول أبي طالب : وأبيض
يستسقى الغمام بوجهه. وأما استسقاء عمر بالعباس فإنما هو
[للرحم] (١) التي كانت بينه وبين النبي - عليه السلام - فأراد عمر أن
يصلها بمراعاة حقه ، ويتوسل إلى من أمر بصلة الأرحام بما وصلوه من
رحم العباس، وأن يجعلوا ذلك ( السبب) (٢) إلى رحمة الله تعالى.
والثمال : هو الذي يثمل القوم فيكفيهم أمرهم بإفضاله عليهم .
باب : تحويل الرداء في الاستسقاء
فيه : عبد الله بن زيد: (( أن النبي - عليه السلام - استسقى وقَلَب
رداءه )) .
وقال مرةً: (( خرج النبي ◌َّة إلى المصلى فاستسقى، فاستقبل القبلة
وقَلَبَ رداءه وصلی ر کعتین )) .
وكان ابن عيينة يقول : عبد الله بن زيد هو صاحب الأذان . ولكنه وهم
لأن هذا هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، مازن الأنصار .
وذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أن الإمام يحول رداءه
ويحول الناس أرديتهم بتحويله . وقال الليث وأبو يوسف ومحمد بن
عبد الحكم يقلب الإمام وحده رداءه ، وليس ذلك على من خلفه ،
وقال محمد بن عبد الحكم : ليس في الحديث أن الناس حولوا
أردیتهم ، وكذلك روی عیسی ، عن ابن وهب أنه کان لا یری تحويل
الرداء إلا على الإمام وحده .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بالرحم.
(٢) في (( هـ )) : سبيلا.
- ٩ -

واحتج من قال : يحول الناس بتحويل الإمام بقوله عليه السلام :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به))(١) فما فعل الإمام واجب على المأموم فعله.
واختلفوا أيضًا في صفة تحويله ، فروى ابن القاسم عن مالك قال.
(يحول ) (٢) ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على
اليمين، وروى عنه ابن عبد الحكم : إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة،
وحول رداءه ، ما على ظهره منه يلي السماء وما كان يلي السماء على
ظهره ، وبه قال أحمد وأبو ثور . وقال الشافعي : ينكس أعلاه
أسفله، وأسفله أعلاه .
والقول الأول أولى لأنه قد روى سفيان ، عن المسعودي ، عن أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عباد بن تميم ، عن عمه (( أن
النبي - عليه السلام - جعل اليمين على الشمال )) ذكره البخاري في
باب الاستسقاء في المصلى بعد هذا .
قال المهلب : وتحويل الرداء إنما هو على وجه التفاؤل بتحويل الحال
عما هي عليه - والله أعلم . ألا ترى أن النبي - عليه السلام - كان
يعجبه الفأل الحسن إذا سمع من القول ، فكيف من الفعل ؟
وفيه : دليل على استعمال الفأل من الأمور ، وإن لم يقع بالموافقة
ووقع استعمالا :
وقوله: ((صلى ركعتين)) هو حجة جمهور أهل العلم أن السنة في
الاستسقاء أن يصلي ركعتين .
(١) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): ((إنما جعل الإمام إمامًا ... )).
(٢) في (( هـ )) : يجعل.
- ١٠ -

[١/ق١٨٣ -ب)
/ باب : الاستسقاء في المسجد الجامع
فيه: أنس: (( أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر
ورسول الله ێے قائم یخطب ، فاستقبل رسول الله قائماً فقال : يا رسول الله
هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا قال: فرفع رسول الله
يديه وقال : اللهم اسقنا - ثلاث مرات ... )) وذكر الحديث .
وترجم له باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ،
وباب الاستسقاء على المنبر ، وباب من اكتفى بصلاة الجمعة في
الاستسقاء .
فيه : الاكتفاء بالاستسقاء في المسجد الجامع دون بروز إلى المصلى ،
لأن الله - تعالى - أجاب دعوة نبيه وَل وسقاهم.
وفيه : بركة دعائه عليه السلام ، ولم يختلف العلماء أنه إذا استسقى
في خطبة الجمعة أنه لا يستقبل القبلة في دعائه بالاستسقاء كما يصنع إذا
برز ، ولا يحول رداءه في خطبة [ الجمعة] (١) وإنما ذلك من سُنَّة
البروز إليها .
وفيه : إن اجتزءوا بالاستسقاء في كل جمعة في المسجد الجامع جاز .
وقد أجاز قوم الاستسقاء بغير صلاة [ ذكره ] (٢) ابن المنذر عن
قيس بن أبي حازم ، وأبي حنيفة ، قال : ورأى ذلك الشافعي . قال:
وكان الثوري يكره ذلك .
الإكام : الكُدى واحدتها أكمة ويقال : آكام ، وأكم (٣) عن
(١) من (( هـ )).
(٢) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): ذكر .
(٣) في ((هـ)) كلمة بعد ((أكم)) كأنها ((بالضم)) وليست في الأصل والمقصود
الهمزة فتصبح: ((أُكُم)) ويصح فيها الفتح أيضًا ((أُكَم)).
- ١١ -

الخليل . والظراب : الجبال [الصغار] (١) واحدها ظرب (٢) عن أبي:
عبيد ، وظرب (٢) عن الخليل. والقزع : سحاب صغار تتطاير في.
السماء وهي من أحب السحاب إلى الناس ، عن أبي حنيفة .
و((سَلْع)) جبل بقرب المدينة ، بإسكان اللام .
باب : الدعاء إذا انقطعت السبل من كثرة المطر
فيه : أنس : ( جاء رجل إلى النبي -عليه السلام- فقال : يا رسول الله،
هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله. فدعا رسول الله وَالقير ، فمطروا
من جمعة إلى جمعة ، فجاء رجل إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ،
تهدمت البيوت ، وانقطعت السبل وهلكت المواشي . فقال رسول الله :
اللهم على رءوس الجبال والآكام ، وبطون الأودية ، ومنابت الشجر ،
[فانجابت ] (٣) عن المدينة انجياب الثوب )) .
وترجم له باب الدعاء إذا كثر المطر : حوالينا ولا علينا . وزاد أنس:
هذا اللفظ في حديثه .
قال المؤلف : فيه الدعاء إلى الله في الاستصحاء كما يُدعى في
الاستسقاء ؛ لأن كل ذلك بلاء يُفزع إلى الله في كشفه، وقد سمى الله
كثرة المطر أذىّ فقال: ﴿ إن كان بكم أذىّ من مطر﴾ (٤).
ولا يحول الرداء في الاستصحاء إذ لا بروز فيه ولا صلاة تفرد له،
(١) من (( هـ ).
(٢) كأن إحداهما بفتح أوله وكسر ثانيه على وزن (كَتَف))، وهو الأكثر ،
والأخرى بفتح أوله وسكون ثانيه كما في (( تاج العروس)) (٣٦٠/١)،
وضبطت في كتاب الخليل (١٥٩/٨) ضبط قلم على الوجه الأول: ظَرِب ،
ولم تضبط في كتاب أبي عبيد ، فالظاهر أنها عنده على الوجه الثاني : ظَّرْب،
والله تعالى أعلم .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فانجاب .
(٤) النساء : ١٠٢ .
- ١٢ -

• إنما يكون الدعاء في الاستصحاء في خطبة الجمعة أو في أوقات
الصلوات وأدبارها .
وفيه من الفقه : استعمال أدب النبي - عليه السلام - المهذب
وخلقه العظيم ؛ لأنه لم يدع الله ليرفع الغيث جملة لئلا يرد على الله
فضله وبركته وما رغب إليه فيه، وسأله إياه فقال: ((اللهم على
رءوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)) لأن المطر لا
يضر نزوله في هذه الأماكن وقال: (( اللهم حوالينا ولا علينا )) فيجب
امتثال ذلك في نعم الله إذا كثرت ألا ( يسأل أحد ) (١) قطعها
[وصرفها](٢) عن العباد.
وقوله : ((فانجابت)) [ تقول العرب] (٢) [ جبت] (٣) القميص
قوَّرَت جَيْبَهُ ، عن ابن قتيبة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ جابوا الصخر
بالواد﴾ (٤) قطعوه ونقبوه ونحتوه ، ومنه: جبت الرحى إذا نقبت
وسطها مثل جَيْب القميص ، فشبه انقطاع السحاب من المدينة بتدوير
انجياب الثوب إذا قُوِّر جيبه وفتح .
*
باب : ما قيل أن النبي عليه السلام لم يحول رداءه في
الاستسقاء يوم الجمعة
فيه: أنس: (( أن رجلا شكا إلى رسول الله هلاك المال وجهد العيال ،
فدعا الله أن يستسقي ، ولم يذكر أنه حول رداءه ، ولا استقبل
القبلة)).
(١) في (( هـ)»: يسأل اللهُ عز وجل.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): جيبت . كذا .
(٢) من (( هـ)).
(٤ ) الفجر : ٩ .
- ١٣ -

[١/ ق ١٨٤-١] وقد تقدم / أن تحويل الرداء واستقبال القبلة بالدعاء إنما يكون من
سنة صلاة الاستسقاء إذا برز لها وأما في المساجد فلا يكون ذلك .
باب : إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم
فيه: أنس: (( أن رجلا جاء إلى النبي - عليه السلام - فقال : يا رسول الله،
هلكت المواشي ، وتقطعت السبل ، فادع الله ، فدعا الله فمطرنا من الجمعة
إلى الجمعة ... )) الحديث .
وفيه أن على الإمام إذا سئل الخروج إلى الاستسقاء أن يجيب إلى
ذلك ، لما فيه من الضراعة إلى الله في صلاح أحوال عباده وأن يأمرهم
بالخروج من المظالم والتوبة من الذنوب ، وإصلاح نياتهم ، ويعظهم،
وكذلك إذا سئل الإمام ما فيه صلاح أحوال الرعية أن يجيبهم إلى ذلك
أيضًا ؛ لأن الإمام راع ومسئول عن رعيته فيلزمه حياطتهم
و(تشفيعهم)(١) فيما سألوه مما لا بد لهم منه ، وكان عليه السلام لا
يرد من سأله حاجة !
باب : إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط
فيه : ابن مسعود: (( أن قريشًا أبطئوا عن الإسلام فدعا عليهم عليه
السلام فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام فجاءه أبو سفيان
فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله
فقرأ : ﴿فارتقب بوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ (٢) ثم عادوا إلى
كفرهم فذلك قوله: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى ﴾ (٣) يوم بدر».
(١) في (( هـ)): شفیعهم. كذا.
(٢) الدخان: ١٠ .
(٣) الدخان: ١٦ .
: - ١٤ -

وزاد أسباط عن منصور « فدعا رسول الله وي ليه فسقوا الغيث ، فأطبقت
عليهم سبعًا ، وشكا الناس كثرة المطر ، قال : اللهم حوالينا ولا علينا ،
(فانحدر السحاب) (١) عن رأسه فسقوا الناس حولهم)).
قال المهلب : استشفاع المشركين بالمسلمين جائز إذا رجي رجوعهم
إلى الحق، وكانت هذه القصة والنبي - عليه السلام - بمكة قبل الهجرة.
وفيه : دليل أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها
أن يرفق بهم ، ويأخذ عفوهم ، ويدعو لهم بالصلاح ، ويكف عن
ثمارهم وزروعهم ، وأما إن يئس من إنابتهم فلا يدعو لهم ؛ بل يدعو
عليهم ، ولا بأس حينئذ بقطع ثمارهم وزروعهم .
وفيه : إقرار المشركين والمنافقين بفضل النبي - عليه السلام - وقرب
مكانه من ربه ، وأنه المستشفع عنده فيما سأله إياه ، وأن تلك عادة
من الله عَلِمُوها ، ولولا ذلك ما لجئوا إليه في كشف ضرهم عند
إشرافهم على الهلكة ، فسألوه أن يكون وسيلة إلى الله في إزالة
ضرهم ، وذلك أدل الدليل على معرفتهم [ بصدقه ] (٢) ولكن
حملهم الحسد والأنفة على معاداته ومخالفته لما سبق في أم الكتاب من
كفرهم ، أعاذنا الله من العناد ، ومكابرة العيان .
باب : الدعاء في الاستسقاء قائمًا
فيه : عبد الله بن يزيد الأنصاري : (( أنه خرج مع البراء وزيد بن أرقم
فاستسقى فقام على راحلته على غير منبر فاستغفر ثم صلى ركعتين
(١) في (( هـ)) : فانحدرت السحابة.
(٢) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): على صدقه.
- ١٥ -

يجهر بالقراءة ، ولم يُؤَذِّنْ، ولم يُقُمْ، قال [ أبو ](١) إسحاق السبيعي :.
ورأى عبد الله بن يزيد النبي - عليه السلام)) .
وفيه : عبد الله بن يزيد: (( أن الرسول خرج بالناس يستسقي لهم ،
فدعا الله قائمًا ، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه )) .
السنة في الاستسقاء لمن برز إليها أن يدعو الله قائمًا ؛ لأنه حال
خشوع وإنابة وخضوع ، وكذلك لا خلاف بين العلماء أنه لا أذان ،
ولا إقامة لصلاة الاستسقاء .
باب: الجهر بالقراءة في الاستسقاء
فيه : عبد الله بن زيد: (( خرج النبي - عليه السلام - يستسقي فتوجه
(١/ ١٨٤-ب] (نحو) (٢) القبلة يدعو وحوّل رداءه / ثم صلی ر کعتین جھر فيهما
بالقراءة )) .
السنة المجتمع [ عليها ] (٣) الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء،".
وإنما اختلف في قراءة صلاة الكسوف على ما يأتي بعد هذا في
موضعه - إن شاء الله تعالى .
وهذا الحديث يدل أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة ؛ لأنه قال
فيه أنه استسقى وتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه وصلى ركعتين
و((ثُمَّ)) للترتيب في كلام العرب ، ويدل أن الثاني بعد الأول .
وممن روي عنه أن الخطبة قبل الصلاة في ذلك عمر بن الخطاب ،
(١) من (( هـ )).
(٢) في (( هـ)): إلى .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عليه . كذا .
- ١٦ -

وابن الزبير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعمر بن عبد العزيز،
وهو قول الليث .
وقال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : يبدأ بالصلاة
قبل الخطبة ، وحجتهم ما رواه أبو بكر بن حزم عن عباد بن تميم ،
عن عبد الله بن زيد (( أن النبي - عليه السلام - خرج يستسقي فصلى
ركعتين وقلب رداءه )) ذكره البخاري في باب الاستسقاء في المصلى
فذكر تقديم الصلاة على الخطبة ، وفي هذا الحديث أبو بكر بن حزم
وهو أضبط للقصة من ابنه عبد الله الذي ذكر تقديم الخطبة قبل الصلاة .
واحتجوا أيضًا بما رواه النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن
حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال: (( خرج النبي - عليه
السلام - يستسقي فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة [ ثم ] (١)
خطبنا ودعا وصلى)) والنعمان بن راشد وإن كان كثير الوهم على
الزهري فإن رواية [ أبي ] (٢) بكر بن حزم تشهد لحديثه بالصحة .
واحتج الطحاوي لأصحابه في ذلك فقال : لما اختلفت الآثار في
ذلك نظرنا فوجدنا الجمعة فيها خطبة ، وهي قبل الصلاة ، ورأينا
العيدين فيها خطبة ، وهي بعد الصلاة ، فأردنا أن ننظر خطبة
الاستسقاء بأي الخطبتين هي أشبه ، فرأينا خطبة الجمعة فريضة وصلاة
الجمعة بها مضمنة لا تجزئ إلا بها ، ورأينا خطبة العيدين ليست
كذلك؛ لأن صلاة العيدين تجزئ أيضًا وإن لم يكن معها خطبة ، ثم
رأينا صلاة الاستسقاء تجزئ أيضًا وإن لم يخطب ، وإن كان قد أساء
بترك الخطبة فيها فكانت بحكم صلاة العيدين أشبه منها بخطبة الجمعة.
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أبو .
- ١٧ -

باب : كيف حَوَّلَ النبي عليه السلام ظهره للناس
فيه: عبد الله بن زيد قال: (( رأيت النبي - عليه السلام - يوم خرج
ليستسقي فحول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة يدعو ( و) (١) حول
رداءه يصلي ... )) الحديث .
وترجم له باب استقبال القبلة في الاستسقاء وزاد فيه : (( أنه لما دعا
أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه )) .
وسنة من برز إلى الاستسقاء أن يستقبل القبلة ببعض دعائه ، وسنة .
من خطب الناس مُعَلِّمًا لهم وواعظًا أن يستقبلهم بوجهه أيضًا ، ثم
يعود عند دعاء الاستسقاء فيستقبل القبلة ؛ لأن الدعاء مستقبل القبلة
أفضل .
وقوله: (( لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه)).
فإن قول مالك وأصحابه اختلف في وقت تحويل الإمام رداءه فروى
[ابن ] (٢) القاسم وابن عبد الحكم أنه يحول رداءه إذا فرغ من الخطبة.
وروى عنه علي بن زياد أنه يقلبه بين ظهراني خطبته . وقال ابن
الماجشون: يقلبه بعد صدر منها . وقال أصبغ : إذا أشرف على فراغ
الخطبة قلب رداءه ، وهذه الأقوال كلها خارجة من هذا الحديث [ من
أصل شك المحدث ] (٢) في تحويل الرداء إن كان بعد الدعاء أو قبله ،.
وبالله التوفيق .
قال الطحاوي : وقول عبد الله بن زيد أن النبي - عليه السلام -
خرج يستسقي فاستقبل القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين ،
ولم يذكر فيه تكبيرًا: كتكبير العيدين ، وقول الشافعي : إن تكبير
الاستسقاء كتكبير العيدين واحتج بما رواه هشام بن إسحاق عن أبيه ،
(١) في (( هـ )) : ثم .
(٢) من (( هـ )).
- ١٨ -

عن ابن عباس (( أن النبي - عليه السلام - خرج في الاستسقاء
(متذللا)(١) متواضعا ودعا / وصلى ركعتين كما يصلي في العيدين)) [١/ ١٨٥٥-١]
قال الطحاوي : وهشام [ بن ] (٢) إسحاق وأبوه غير مشهورين بالعلم
ولا تثبت بروايتهما حجة .
وقوله (( كصلاة العيدين )) يحتمل أنه صلى ركعتين فكان التشبيه
واقعًا من جهة ( القَدْرِ ) (٣) لا من جهة التكبير كما قال تعالى :
﴿ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ (٤). ولم يكن المراد أنها
أمم أمثالنا في النطق والتعبد ، وإنما أراد أمم كما نحن أمم .
باب : الاستسقاء [ في المصلى ] (٥)
فيه : سفيان ، عن المسعودي (٦) ، عن أبي بكر بن حزم، عن عباد بن
تميم (٦) (( أن النبي - عليه السلام - خرج إلى المصلى يستسقي واستقبل
القبلة فصلى ركعتين ، وقلب رداءه وجعل اليمين على الشمال)).
هذا الحديث حجة لمالك ومن وافقه أن الصلاة في الاستسقاء قبل
الخطبة ؛ لأنه ذكر فيه أنه صلى قبل قَلْبه رداءه ، والعلماء لا يختلفون
أن قَلْب الرداء إنما يكون في الخطبة ، فمنهم من قال بعد تمامها .
ومنهم من قال بعد صدر منها . ومنهم من قال عند فراغها . على ما
تقدم في الباب قبل هذا، فإذا كانت الخطبة وقلب الرداء بعد الصلاة فهو
الذي ذهب إليه مالك أن الصلاة قبل الخطبة، وهو نص هذا الحديث .
(١) في ((هـ)): مبتذلاً .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عن. خطأ. وهشام بن إسحاق بن عبد الله بن
الحارث بن كنانة أبو عبد الرحمن المدني يروي عن أبيه ، وعنه حاتم بن
إسماعيل وجماعة ، ترجمته في تهذيب الكمال (١٧٤/٣٠)، ووقع في شرح
المعاني (٣٢٤/١) حاتم بن إسماعيل، عن هشام أن إسحاق بن عبد الله.
وهو تحريف أيضًا .
(٤) الأنعام : ٣٨ .
(٣) في ((هـ): العدد .
(٥) من (( هـ )).
(٦) انظر: الفتح (٥٩٨/٢).
- ١٩ -

٠٠
وقوله: ((ثم [ جعل ] (١) اليمين على الشمال)) قد تقدم ما
للعلماء فيه فأغنى عن إعادته ..
قال المهلب : وفيه دليل على أن النبي - عليه السلام - كان يلبس
الرداء على حسب لباسنا بالأندلس ولباس أهل مصر وبغداد ، وهو
غير الاشتمال به ؛ لأنه عليه السلام حول ما على يمينه على يساره ،
ولو كان لباسه اشتمالا لما صحت العبارة عنه إلا بأن يقال قلب أسفله
أعلاه ، أو حل رداءه فقلبه ، وهذا بيِّن لا إشكال فيه .
وفي المدونة [ أنه ] (٢) لا يخرج إليها بمنبر ، وقال أشهب في
المجموعة : واسع أن يخرج إليها بالمنبر أو لا يخرج .
باب : رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء.
فيه: أنس: ((جاء أعرابي إلى رسول الله وَل يوم الجمعة فقال:
یا رسول الله، هلکت الماشية، هلك العیال، هلك الناس. فرفع رسول الله
مَ * يديه [ يدعو ](٣) ورفع الناس أيديهم مع رسول الله يدعون، قال:
فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ، فمازلنا نمطر حتى كانت الجمعة
الأخرى ، فأتى الرجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، [ بَشَق ] (٤)
المسافر ومنع الطريق )) .
وذكر بعد هذا حديث أنس [ قال ] (٢): ((كان النبي - عليه السلام -
لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وإنه يرفع يديه حتى
یری بیاض إبطيه )» .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يجعل.
. (٢) من (( هـ )).
(٣) من ((هـ ) وفي ((الأصل)): فيدعو .
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): غير واضحة.
- ٢٠ -