النص المفهرس

صفحات 521-540

اختار الله فيها الصلاة ، وهو قول أبي بردة وابن سيرين . وقال أبو
أمامة : إني لأرجو أن تكون في هذه الساعات : إذا أذن المؤذن ، أو
إذا جلس الإمام على المنبر ، أو عند الإقامة .
وقال الشعبي : هو ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل . وحجة هذا
القول ما روى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن أبي
بردة بن أبي موسى قال: (( قال لي عبد الله بن عمر : سمعت أباك
يحدث عن رسول الله وَلّ في شأن ساعة الجمعة ؟ قلت : نعم
سمعته يقول : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: ((هي ما بين
مجلس الإمام إلى تقضي الصلاة)) وروى الأوزاعي عن [ من
حَدَّثَهُ] (١) عن أبي الخير ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول
الله وَّةُ: ((إذا زالت الأفْيَاء وراحت [الأرواح] (٢) فاطلبوا إلى الله
- تعالى - حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين، وإنه كان للأوابين غفوراً)»
وقال عبد الله بن سلام : هي ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس.
وروي مثله عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، ومجاهد ، وطاوس .
قال المهلب : وحجة من قال : إنها بعد العصر قوله: ((يتعاقبون
فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة العصر ،
ثم يعرج الذين باتوا فيكم )) فهو وقت العروج وعرض الأعمال على
الله - تعالى - فيوجب الله - تعالى - [ فيه ] (٢) مغفرته للمصلين
من عباده ؛ ولذلك شدد النبي - عليه السلام - على من حلف على
سلعة بعد العصر لقد أعطي بها أكثر ؛ تعظيمًا للساعة ، وفيها يكون
اللعان والقسامة، وقيل في قوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة
، (٣) أنها بعد العصر.
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): جدته . وهو تحريف.
(٢) من ( هـ)).
(٣) المائدة : ١٠٦ .
- ٥٢١ -

ومعنى قوله: ((وهو قائم [ يصلي] (١))) قد فَسَّرَهُ عبد الله بن
سلام لأبي هريرة فقال: ألم يقل رسول الله: ((من جلس ينتظر
الصلاة فهو في صلاة)) فقال أبو هريرة: بلى . فقال : هو ذاك .
وروى ابن أبي أويس عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، عن الثقة ،
عن صفوان بن سليم ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري قال.
قال النبي - عليه السلام - : (( الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم
الجمعة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس [ أغفل ما يكون
الناس](١)».
باب : إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة .
فصلاة الإمام ومن بقي جائزة
فيه: جابر [ قال ](١): (( بينما نحن نصلي مع النبي - عليه السلام -
إذ أقبلت عير تحمل طعامًا ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي إلا اثنا
عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها
وتركوك قائمًا ﴾ (٢))) .
!
قال المؤلف : في هذا الحديث أنهم كانوا في الصلاة حين أقبلت
العير، روى حماد، عن يونس، عن الحسن ((أن النبي - عليه
السلام - كان يخطب يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فابتدرها.
الناس، وبقي رسول الله ◌َّل في نفر يسير، فقال رسول الله وَلجيه:
لو تتابعتم لسال بكم الوادي نارًا . ونزلت هذه الآية)).
قال الأصيلي : وقد وصف الله - تعالى - أصحاب محمد بأنهم
(١) من (( هـ)).
(٢) الجمعة : ١١ .
- ٥٢٢ -

لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ (١) إلا أن يكون هذا الحديث
قبل نزول هذه الآية .
قال المهلب : يحتمل قول جابر: (( بينما نحن نصلي مع النبي -
عليه السلام)) أن يكون / في الخطبة كما قال الحسن ؛ لأن من انتظر [١/ق١٧١-٢]
الصلاة فهو في صلاة ، ولا يظن في الصحابة إلا حسن الظن .
واختلف العلماء في الإمام يفتتح صلاة الجمعة بالجماعة ثم يفترقون
[ عنه ] (٢) فقال الثوري: إذا ذهبوا إلا رجلين صلى ركعتين، وإن
بقي معه رجل واحد صلى أربعًا .
وقال أبو ثور : إذا بقي معه واحد صلى الجمعة ؛ لأنه قد دخل في
صلاة هي له ولهم جمعة . ورآه الشافعي ، وقال أبو يوسف ومحمد:
إذا افتتح الجمعة وكبر للإحرام ثم ( نفروا ) (٣) كلهم صلى الجمعة
وحده . وقال أبو حنيفة : إذا نفر عنه الناس قبل أن يركع ويسجد
سجدة يستقبل الظهر ، وإذا نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة بنى
على الجمعة .
وقال ابن القصار مثله عن مالك ، وهو قول المزني . وقال زفر :
إذا نفروا عنه قبل أن يجلس للتشهد بطلت صلاته لأنه يراعى فيها
الاجتماع إلى آخرها . وعن الشافعي روايتان : إن بقي معه اثنان حتى
تكون صلاته صلاة جماعة أجزأهم ، والقول الآخر : لا تجزئهم حتى
يكونوا أربعين رجلا .
وقال إسحاق : إن بقي معه اثنا عشر رجلا صلى الجمعة ركعتين
على ظاهر هذا الحديث ؛ لأن الذين بقوا مع النبي - عليه السلام -
(١) النور : ٣٧ .
(٣) في (( هـ )) : تفرقوا عنه .
(٢) من (( هـ ).
- ٥٢٣ -

كانوا اثني عشر رجلاً . وهذه المسألة فرع على اختلافهم في عدد من
(تقوم ) (١) بهم الجمعة ، وقد تقدم .
والصحيح قول من قال : إن نفروا عنه بعد عقد ركعة يسجد فيها أنه
يصلي الجمعة ركعتين ، لقول النبي - عليه السلام -: (( من أدرك
ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) فبان أن أدنى ما يقع به الاشتراك
هو فعل الركعة ، ولا يجوز أن يعتبر في جواز البناء الدخول في
الجمعة وحده؛ لأن الإمام متى كَبَّر حصل [ دخوله ] (٢) في الجمعة،
وإن لم يصح له البناء عليها إلا بمشاركة المؤتمين ، يُبيِّنُ هذا أنهم لو
نفروا عنه وقد كَبَّر ولم يكبروا هم لم يصح أن يبني الإمام على
جمعته، فكذلك إذا نفروا بعد أن [ كبروا ] (٣).
فإن قيل : إن الجمعة قد استقرت بدخولهم فيها فلا معتبر بعقد
الركعة.
قيل : إذا أدرك التشهد من الجمعة هو مدرك لتكبيرة الإحرام مع
الإمام ولا يعتد بها ولا يبني عليها جمعة فسقط قولهم .
واحتج الطحاوي لأصحابه قال : شرط صحة الجمعة الإمام
والمأموم، فلما كان المأموم تصح له الجمعة بأن يدرك بعض الصلاة مع
الإمام وإن لم يدرك جميعها ، كذلك ينبغي أن يصح للإمام مشاركة
المأمومين له في بعض صلاته .
(١) في (( هـ)»: تصح.
(٢) من (( هـ ) وفي ((الأصل)): داخلاً .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): كبر. وهو خطأ.
- ٥٢٤ -

باب : الصلاة بعد الجمعة وقبلها
فيه: ابن عمر: (( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي قبل الظهر
ركعتين ، وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء
ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)) .
اختلف العلماء في الصلاة بعد الجمعة فقالت طائفة : يصلي بعدها
[ ركعتين ] (١) في بيته كالتطوع بعد الظهر ، روي ذلك عن ابن عمر،
وعمران بن حصين ، والنخعي ، وقال مالك : إذا صلى الإمام الجمعة
فينبغي أن يدخل في منزله ولا يركع في المسجد ، لما روي عن النبي -
عليه السلام - أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد .
قال: ومن خلفه أيضًا إذا سلموا فأحبّ [ إليّ] (٢) أن ينصرفوا
ولا يركعوا في المسجد ، وإن ركعوا فذلك واسع .
وقالت طائفة : يصلي بعدها ركعتين ثم أربعًا ، روي ذلك عن
علي، وابن عمر ، وأبي موسى ، وهو قول عطاء ، والثوري ، وأبي
يوسف ، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين ،
وقال الشافعي : ما أكثر المصلي بعد الجمعة من التطوع فهو أحب إليّ.
وقالت طائفة: يصلي بعدها أربعًا لا يفصل بينهن بسلام، روي ذلك عن
ابن مسعود ، وعن علقمة ، والنخعي ، وهو قول أبي حنيفة وإسحاق .
واحتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عمر (( أن النبي - عليه
السلام - [ كان ] (٣) لا يصلي بعد الجمعة إلا ركعتين في بيته)). قال
المهلب : وهما الركعتان اللتان تصلى (٤) بعد الظهر في سائر الأيام .
(١) من (( هـ )) .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): النبي وَّ، فكأن كلمة ((إليّ)) تصحفت على
الناسخ إلى ((النبي)) فزاد فيها: وَ﴾.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): قال.
(٤) كذا في (( الأصل)) و((هـ )) والضمير يعود على الصلاة المشتملة على الركعتين،
هذا إذا لم يكن هناك وهم، فإن الجادة: ((تصلَّيان)) فالله تعالى أعلم .
- ٥٢٥ -

وكرر ابن عمر ذكرها من أجل أنه عليه السلام كان يصليها في بيته ،
ووجه ذلك - والله أعلم - أنه لما كانت الجمعة ركعتين لم يصل بعدها
[١/ ق١٧١ -ب) صلاة / مثلها خشية أن يظن أنها التي حذفت منها ، وأنها واجبة ،
فلما زال عن موطن القصد صلى في بيته . وقد روى ابن جريج عن
[عمر] (١) بن عطاء بن أبي [الخُوار] (٢) (( أن نافع بن جبير أرسله
إلى السائب ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة ،
فقال : نعم صليت معه الجمعة ، فلما سلم الإمام قمت فصليت .
فقال : لا تعد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى
تكلم أو تخرج ؛ فإن النبي - عليه السلام - أمرنا أن لا [ نَصل] (٣)
صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج)) .
وروى الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : كنا نقرأ
في المسجد فنقوم فتصلي في الصف ، فقال عبد الله : صَلُّوا في
رحالكم لئلا يراكم الناس فيرونها سنة . وقد أجاز [مالك ] (٤)
الصلاة بعد الجمعة في المسجد للناس ، ولم يجزه للأئمة .
وحجة أهل المقالة الثانية ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال : صليت
مع ابن عمر الجمعة فلما سلم قام فركع ركعتين ، ثم صلى أربع
ركعات ثم انصرف ، وما رواه سفيان ، عن أبي حصين ، عن أبي
عبد الرحمن ، عن علي [ بن أبي طالب ] (٥) أنه قال : من كان
مصليًا بعد الجمعة فليصل ستا . ووجه قول أبي يوسف ما رواه
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عمرو . وهو خطأ.
(٢) في ((الأصل، هـ )»: الجوزاء. وهي خطأ صوابها: الخُوَار بضم المعجمة وفتح
الواو ، انظر ترجمة عُمر هذا في تهذيب الكمال (٤٦١/٢١).
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): نوصل.
(٤) من ( هـ)) وفي ((الأصل)): تلك . وهو خطأ.
(٥) من ((.هـ ).
- ٥٢٦ -

الأعمش ، عن إبراهيم ، عن سليمان بن [ مسهر ] (١) عن خرشة بن
الحر أن عمر بن الخطاب كره أن يصلى بعد صلاة مثلها .
ووجه أهل المقالة الثالثة ما رواه ابن عيينة ، عن سهيل بن أبي
صالح [ عن أبيه ] (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل:
((من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا)).
وأما الصلاة قبل الجمعة فقد تقدم اختلاف العلماء في الصلاة عند
استواء الشمس في أبواب أوقات الصلوات فأغنى ذلك عن إعادته هنا،
والحمد لله .
*
باب : قول الله تعالى: ﴿ فإذا قضيت الصلاة﴾ (٣) الآية
فيه : سهل قال: (( كانت فينا امرأة تحقل على أربعاء في مزرعة لها
سلقًا ، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر ،
ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها ، وكنا نتصرف من صلاة الجمعة ،
فنسلم عليها ؛ فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه ، وكنا نتمنى يوم الجمعة
لطعامها ذلك، وما [ كنا ] (٤) نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)).
وترجم له باب القائلة بعد الجمعة ، وزاد فيه عن أنس قال: (( كنا نبکر
إلى الجمعة ثم نقيل )) .
والفقهاء متفقون على أن معنى قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا في الأرض ﴾ (٣) الإباحة ؛ لأنه ورد بعد تقدم أمره بالسعي
إلى الصلاة ، وترك البيع ؛ فأبان بقوله تعالى : ﴿ فإذا قضيت الصلاة
(١) من ((هـ)) وهو الفزاري الكوفي، ترجمته في تهذيب الكمال (١٦٣/١٢) وفي
(( الأصل)): مسعر . وهو خطأ.
(٢) من (( هـ )).
(٣) الجمعة : ١٠ .
(٤) من (( هـ) وفي ((الأصل)): كان . كذا .
- ٥٢٧ -

فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ (١) زوال ما أوجب عليهم
من السعي وترك البيع في وقت الصلاة ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وإذا
حللتم فاصطادوا ﴾ (٢) .
وموافقة الحديث للترجمة وهو قوله : (( كنا ننصرف من الجمعة
فنسلم عليها فتقرب إلينا ذلك الطعام)) ألا ترى أن انصرافهم بعد
الجمعة لم يكن واجبًا عندهم ، وإنما كانوا ينصرفون لما ذكره من
الغَدَاء، ثم القائلة عوضًا مما فاتهم من ذلك في وقته ، وهذا الحديث
بَيِّن في رَدِّ قول مجاهد وأحمد بن حنبل أن الجمعة تصلى قبل الزوال
استدلالا بقوله: (( وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة )) ولا يسمى بعد
الجمعة وقت الغداء ، فبان أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان
عوضًا مما فاتهم في وقته من أجل [ بدارهم ] (٣) بالسعي إلى الصلاة
والتهجير إلى الجمعة ، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة
العلماء، فلا معنى للاشتغال بما خالفهم ، وقد تقدم ما للعلماء في
ذلك من الحجة في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس .
وقال صاحب العين : الأربعاء ( الجداول ) (٤) واحدها ربيع
وقوله: (( تحقل )) مأخوذة من الحقل ، والحقل : الزرع المتشعب
الورق .
(١) الجمعة : ١٠ .
(٢) المائدة : ٢ .
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): بداوهم فلعلها": بدؤهم من الابتداء. وما في
((هـ)) من المبادرة ، والله أعلم .
(٤) من (هـ)) وفي ( الأصل)) : الجداويل.
- ٥٢٨ -

باب : صلاة الخوف وقول الله تعالى :
﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿ مهينًا﴾(١)
فيه : ابن عمر قال: (( غزوت مع النبي - عليه السلام - قبَلَ نَجْد ،
فوازينا العدو [ فصاففنا] (٢) لهم، فقام رسول الله ◌َلا يصلي لنا،
فقامت طائفة معه، وأقبلت / [ طائفة ] (٣) على العدو، فركع رسول الله (١/ ق١٧٢-١]
بمن معه وسجد سجدتين ، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ،
فجاءوا فركع رسول الله بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم ، فقام كل
واحد منهم فركع لنفسه ركعة ثم سجد سجدتین ) .
قال المؤلف : لم يذكر البخاري في أبواب صلاة الخوف غير حديث
[ ابن ] (٤) عمر هذا ، وذكر في كتاب المغازي حديث مالك عن يزيد
ابن رومان، عن صالح بن خوات، عمن شهد مع رسول الله وَله
صلاة الخوف يوم ذات الرقاع (( أن طائفةً صلت معه وطائفة وجَاهَ
العدو، فصلى النبي بمن معه ركعة ثم ثبت قائمًا ، فأتموا لأنفسهم ،
ثم انصرفوا وصَفُّوا وِجَاهَ العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم
الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ، ثم
سلم بهم )) .
قال مالك : هذا أحسن ما سمعت في صلاة الخوف . هكذا رواه
البخاري عن قتيبة ، عن مالك ، وكذلك هو في موطأ القعنبي ، وابن
بكير ، وأبي مصعب ، قال مالك : وحديث يزيد بن رومان أحب ما
(١ ) النساء : ١٠١ - ١٠٢ .
(٢) من (( هـ)، وفي ((الأصل)): تصاففنا .
(٣) من (( هـ)).
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)) : أبي. وهو تحريف.
- ٥٢٩ -

سمعت إليّ . وفي موطأ يحيى بن يحيى قال مالك : وحديث القاسم
أحبّ ما سمعت إليّ في صلاة الخوف .
وذكر إسماعيل بن إسحاق ، عن ابن وهب ، عن مالك قال :
حديث يزيد أحب إليّ . ثم رجع فقال : يكون قضاؤهم بعد السلام
أحبّ إلي على حديث القاسم . وذكر البخاري في المغازي عن
مسدد، عن يحيى القطان ، عن يحيى بن سعيد (١) ، عن القاسم بن
محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة قال : يقوم
الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه ، وطائفة من قِبَلِ العدو
ووجوههم إلى العدو فيصلي بالذين معه ركعة ، ثم يقومون فيركعون.
لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم ، ثم يذهب هؤلاء إلى
مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان ، ثم يركعون
ويسجدون سجدتين .
هكذا رواه مسدد عن القطان ، عن يحيى بن سعيد لم يذكر فيه
سَلامَ الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها ، ولا ذكر سلام الرسول
بالطائفة الثانية قبل أن تتم لأنفسها ، و[ ذكر ] (٢) مالك ذلك في روايته.
عن يحيى بن سعيد ، والزيادة من الحافظ مقبولة .
۔۔
وذكر [البخاري ] (٣) في المغازي حديث جابر إلا أنه لم يسنده
قال: وقال أبان : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن
جابر قال: ((كنا مع النبي وَ ل بذات الرقاع فصلى بطائفة ركعتين،
ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، فكان للنبي أربع
ركعات وللقوم ركعتان )» .
وهذه الأحاديث كلها قد قال بها قوم من الفقهاء ، وسأذكر أقوالهم
بعد ذِكْرِي مَنْ قال ( بأحاديث ابن عمر المتقدمة ) (٤) في هذا الباب .
(١) هو الأنصاري، والحديث في الفتح (٤٨٦/٧، رقم ٤١٣١). (٢) من (( هـ)).
(٣) من ((هـ)) وهو في الفتح (٤٩١/٧، رقم ٤١٣٦)، وفي (( الأصل)): مالك. وهو وهم.
(٤) كذا فى ((الأصل)) و((هـ)). وإنما المتقدم هو حديث واحد.
- ٥٣٠ -

في حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى التي صلى بها النبي - عليه
السلام - ركعة لم ( تتم ) (١) ركعتها الثانية إلا بعد سلام النبي ،
أنهم كانوا في انصرافهم وِجَاءَ العدو في حكم الصلاة ، وكذلك
الطائفة الثانية قضوا ركعتهم بعد صلاة النبي أيضًا .
وقال بهذا أبو حنيفة ، وأشهب صاحب مالك ، والأوزاعي ، ثم
رجع فأخذ بحديث غزوة ذات الرقاع ، قاله سحنون ، إلا أن أبا
حنيفة فرق بين الطائفة الأولى والثانية في القراءة في الركعة الثانية التي
تقضيها فقال : لا تقرأ الطائفة الأولى فيها لأنها في حكم صلاة الإمام
حتى يصلي بالطائفة الثانية تمام صلاته، وقراءته فيها تُسقط عنهم
القراءة، ثم يسلم وينصرف . والطائفة الثانية تقرأ لأنها تقضي بعد
(صلاة) (٢) الإمام، ولم يتحمل عنهم القراءة، ولم يكونوا في حكمه.
قالوا : وحديث ابن عمر تشهد له الأصول المجتمع عليها في سائر
الصلوات أن المأموم لا يقضي إلا بعد سلام الإمام ، وليس في
الأصول خروج المأموم قبل فراغ إمامه من صلاته التي افتتحها معه ،
وهم الطائفة الأولى على ما رواه مالك في حديث ابن القاسم ، وذلك
[ يوجب] (٣) انتظار الإمام فراغ المأمومين من صلاتهم، فيصير الإمام
تابعًا لهم ، ولا نظير لهذا في الأصول .
قال ابن القصار : فالجواب أن هذه الصلاة نفسها قد خرجت عن
الأصول عند أبي حنيفة وعندنا ؛ لأنه ليس في الأصول أن المأموم
ينصرف بعد ركعة فيعمل أعمالا غير عمل الإمام ويذهب ويجيء
ويستدبر القبلة حتى / يفرغ الإمام من صلاته ثم يجيء فيتم (بهم) (٤)، [١/ ١٧٢٥ -ب]
ويقول إن الله - تعالى - أمر نبيه أن يفرق الناس طائفتين ، ويجعل
(١) في (( هـ)): تفض.
(٢) في (( هـ)): سلام.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): وجه . وهو خطأ .
(٤) كذا في ((الأصل)، و (( هـ).
- ٥٣١ -

لكل طائفة ركعتين فينبغي أن يسوّى بينهما ، فلما قلتم وقلنا في
الطائفة الثانية أن ركعتها الثانية تكون خارجة من صلاة الإمام ؛ وجب
أن تكون الطائفة الأولى كذلك فتكون ركعتها الثانية خارجة عن حكم
صلاة الإمام .
وقولنا يؤدي إلى الاحتراز من العدو لأن الطائفة الأولى إذا تمت
صلاتها ومرت وجاه العدو واحتاجت إلى القتال فعلته ، وهي في غير
صلاة وتمكنت بغير شغل قلب بالصلاة ، وعندكم إن رمى واحد منهم
بسهم [ أو ] (١) قاتل بطلت صلاته ، وهذا أضرّ على المسلمين من
قولنا ، وقد يحترز من العدو بالصياح والكلام ليعلم المصلين ما طرق
من الحوادث وهذا خارج الصلاة أمكن ، وأما حديث يزيد بن رومان
في أن الطائفة الأولى إذا صلى بها الإمام ركعة فإنها تتم لنفسها بقية
صلاتها وتسلم ثم تنصرف وجاء العدو ، ثم تأتي الطائفة [الثانية] (٢)
فيصلي بها الإمام ركعة ، ثم يثبت الإمام حتى تقضي ركعتها الثانية
ويسلم بهم ، فقال به الشافعي ، واختاره أحمد بن حنبل ، وهو الذي
رجع عنه مالك .
قال الشافعي : والمصير إليه أَوْلَى من حديث القاسم ؛ لأنه موقوف.
وحديث يزيد أشبه بظاهر كتاب الله - تعالى. واحتج [ الشافعي ](٢)
بأن الله - تعالى - ذكر استفتاح الإمام ببعضهم بقوله تعالى : ﴿ فلتقم
طائفة منهم معك ﴾ (٣) ثم قال: ﴿ فإذا سجدوا فليكونوا من
ورائكم﴾(٣) وذكر انصراف الطائفتين والإمام من الصلاة معًا بقوله:
﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ (٤) وذلك للجمع لا للتبعيض ، ولم يذكر أن
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): لو. وهو خطأ.
(٢) من ( هـ)).
(٤) النساء : ١٠٣
(٣) النساء : ١٠٢ .
- ٥٣٢ -

على واحد منهم قضاء ، قال : وفي الآية دليل على أن الطائفة الثانية
لا تدخل في الصلاة إلا بعد انصراف الطائفة الأولى لقوله تعالى :
﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ﴾ (١) دليل على أن
الطائفة الأولى تنصرف فلم يبق عليها من الصلاة شيء تفعله بعد الإمام ..
وقال ابن القصار : يقال للشافعي كلما أمكن أن لا تخرج
[الصلاة] (٢) من الأصول فهو أولى ، وفي الأصول سلام الإمام قبل أن
يقضي المأموم صلاته ، ولولا أن الضرورة دعت إلى أن تقضي الطائفة
الأولى ما بقي عليها قبل فراغ الإمام لما جَوَّزْنَا لها ذلك ، ولا ضرورة
بنا إلى أن تقضي الثانية باقي صلاتها قبل إمامها ، ومبادرة الإمام أولى
من بقائه لما يحدث ويشغل قلب صاحب الجيش أشد ممن يتبعه فيخفف
عليه بالمبادرة بالسلام . وقوله : ﴿ فليصلوا معك ﴾ معناه ما بقي من
صلاتك ، ويقضون ما فاتهم ، فأما أن يصلوا معه ما لم يصله معهم
فمحال . وقوله : ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ لا يقتضي أن يكون قضاء
الجميع معًا وإنما هو إخبار عما أبيح لهم فعله بعد الصلاة من ذكر الله
وغير ذلك كما قال : ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ﴾ (٣) ولم
يقتض ذلك بأن يكون قضاء مناسكهم معًا ؛ لأن قضاء من تعجل في
يومين قبل قضاء من تأخر ، وقد خاطب الله الجميع لا البعض .
وأما حديث القاسم فقد قال به مالك ، وأحمد بن حنبل ، وأبو
ثور ، وفي رواية مالك [ أن ] (٤) سلام الطائفة الأولى إذا قضت
ركعتها ، وينصرفون إلى العدو وهم في غير صلاة ، ثم تصلي الطائفة
الثانية ركعتها الأولى وراء الإمام ثم يسلم الإمام ويتمون لأنفسهم بعد
سلامه ، وهو موافق لحديث يزيد إلا في سلام النبي قبل أن تتم
الطائفة الثانية ركعتها الثانية .
(١) النساء : ١٠٢ .
(٣) البقرة: ٢٠٠ .
(٢) من (( هـ)).
(٤) من ((هـ)) وفي (( الأصل)): له . كذا .
- ٥٣٣ -

قال المهلب : وهذه الصفة - أعني حديث القاسم - هي الموافقة
لكتاب الله - تعالى - قال الله - تعالى -: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت
لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ﴾ يعني الباقين
﴿فإذا سجدوا﴾ [ يعني المصلين ﴿فليكونوا من ورائكم﴾](١) يعني
الذين هم مواجهة العدو ، فاشترط الله - تعالى - أن تكون إحدى
الطائفتين في غير صلاة مواجهين للعدو والثانية في الصلاة ، وقوله:
﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ / [ يدل أن الأولى
قد صلت تمام صلاتها. وقوله تعالى: ﴿فليصلوا معك﴾](١) يقتضي
بقية صلاة النبي - عليه السلام - كلها وإذا اقتضى ذلك وجب أن
يسلم؛ لأن آخر صلاته السلام .
[١/ ق١٧٣-١]
قال غيره : وهذا أشبه بالأصول ؛ لأن المأموم أبدًا إنما يقضي بعد
فراغ إمامه وسلامه ، فهو أولى على ما بيناه من حديث يزيد بن رومان .
وأما حديث جابر فقد حكي عن الشافعي أنه قال به ، وقال :
صلاة الخوف يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين . وهو على أصله في
جواز صلاة المفترض خلف المتنفل .
قال أصحابه : هذا إذا كان في سفر وهو مخير عنده في السفر بين
القصر والإتمام ، ولم يحفظ عن النبي - عليه السلام - أنه صلى
صلاة خوف قط في حضر [ ولم يكن له حرب في حضر ] (١) إلا يوم
الخندق ، ولم تكن نزلت صلاة الخوف بعدُ .
ودفع مالك وأبو حنيفة هذا التأويل وقال أصحابهما : إن النبي -
عليه السلام - كان في حضر [ بيطن ] (٢) النخل على باب المدينة ،
ولم يكن مسافراً ، وإنما كان خوف فخرج منه محترسًا ، ولم ينقل عنه
عليه السلام سلام في ركعتين بهم .
(١) من (( هـ ).
: (٢) من (( هـ )) وهي غير واضحة في الأصل.
- ٥٣٤ -

قال ابن القصار : وكذلك نقول: إذا كان الخوف في حضر أن
يصلي بكل طائفة ركعتين ، ولو ثبت أنه كان في سفر فصلى بكل
طائفة ركعتين لكان هذا خاصا للنبي للفضيلة في الصلاة خلفه .
قال المهلب : لا يصح أنه كان في حضر ؛ لأن جابرًاً ذكر في
الحديث أنهم كانوا بذات الرقاع ، وقد كانت صلاة الخوف نزلت .
وقال الطحاوي : ولا حجة لمن قال بهذا الحديث ؛ لأنه قد يجوز
أن يكون ذلك من النبي ، والفريضة تصلى مرتين فتكون كل واحدة
منهما فريضة ، وقد كان ذلك يفعل في أول الإسلام ثم نسخ ، وقد
ذكرت الحديث بذلك في باب إذا صلى [ ثم أَمَّ ] (١) قومًا عند حديث
معاذ في أبواب الإمامة قبل هذا .
قال المؤلف : وقد روي عن جابر خلاف حديثه هذا المتقدم ، روى
شعبة ، عن الحكم ، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: (( صلينا مع
النبي - عليه السلام - صلاة الخوف فركع في الصف المتقدم ركعة ،
وسجد سجدتين ، ثم تأخروا ، ثم تقدم الآخرون ، فركع بهم ركعة
واحدة، وسجد سجدتين فكانت للنبي و18َّ- ركعتين وللناس ركعة ركعة»
وقد يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - صلى على ما روى جابر
مرتين على صفتين . وقد قال أحمد بن حنبل : أحاديث صلاة الخوف
صحاح كلها ، ويجوز أن تكون في مرات مختلفة على حسب شدة
الخوف ، ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه . وهو قول الطبري
وطائفة من أهل الحديث .
قال ابن القصار : وحكي عن أبي يوسف والمزني أنهما قالا : صلاة
الخوف منسوخة ولا يجوز أن تصلى بعد النبي - عليه السلام -
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): فَمَّ .
- ٥٣٥ -

وقالا : إنما خاطب الله نبيه بذلك فهو خاص له لا يشاركه فيه غيره ؛
لأن في صلاة الخوف تغيير هيئات لا تجوز إلا خلف النبي وَ *- ؛ لأن
كونهم خلفه عوض من تغيير الهيئات ، وكانت صلاة الخوف ثابتة في
الشريعة ثم نسخت بدلالة تأخيره عليه السلام الصلاة يوم الخندق عن
وقتها إلى هويّ من الليل ثم قضاها دفعةً، ثم قال: ((ملأ الله
قبورهم وبيوتهم نارًا: " فلو جازت صلاة الخوف لم يكونوا يؤخرون.
الصلاة عن وقتها . وهذا قول شاذ وجماعة الفقهاء على خلافه .
قال الطحاوي : ومما يرد هذا القول قوله تعالى : ﴿خذ من
أموالهم صدقة تطهرهم ﴾ (١) الآية فكان الخطاب هاهنا له ، وقد
أجمعوا أن ذلك معمول به مِنْ بَعْدِه ، كما كان يعمل به في حياته .
قال ابن القصار: وما ذكروه من النسخ بدلالة تأخيره يوم الخندق
فهو قول من لا يعرف السنن ، وذلك أن الله - تعالى - أمر نبيه بصلاة
الخوف بعد الخندق ؛ لأن يوم الخندق كان سنة خمس وصلاة الخوف
في غزوة ذات الرقاع في سنة سبع فكيف يُنسخ الآخرُ بالأول ! وإنما
يُنسخ الأولُ بالآخر ، والصحابة أعرف بالنسخ من غيرهم وقد صلوا
صلاة الخوف .
فأما قولهم : إن فيها تغييراً وترك الركوع والقبلة ، فيقال لهم : في
هذا ما أوجبه القرآن وفعله عليه السلام ، ثم [ إن ] (٢) استدراك فضيلة
الوقت مع تغيير الصفات أَوْلى ؛ ألا ترى عادم الماء أخذ عليه أن يصلي
في الوقت بالتيمم ولم يرخص له في تأخيرها عن وقتها حتى يجد
الماء، فسقط قولهم .
(١) التوبة : ١٠٣ .
(٢) من (( هـ)).
- ٥٣٦ -

[١ / ق١٧٣ -ب]
/ باب : صلاة الخوف رجالا ور كبانًا
فيه : نافع عن ابن عمر نحواً من قول مجاهد إذا اختلطوا قيامًا ، وزاد
ابن عمر عن النبي - عليه السلام -: (( وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا
قیامًا ور کبانًا )) .
أما صلاة الخوف [ رجالا ] (١) وركبانًا فلا تكون إلا إذا اشتد
الخوف واختلطوا في القتال ، وهذه الصلاة تسمى صلاة (المسايفة) (٢)
فيصلي إيماءً وكيف تَمَكَّن ، وممن قال بذلك ابن عمر ذكره عنه مالك
في الموطأ ، إن كان خوفًا شديدًا صلوا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا
مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ، وهو قول مجاهد ، وطاوس ،
وإبراهيم ، والحسن ، والزهري ، وطائفة من التابعين ، روى ابن
جريج عن مجاهد قال : إذا اختلطوا فإنما هو الذكر والإشارة بالرأس.
فمذهب مجاهد أنه يجزئه الإيماء عند شدة القتال كمذهب ابن
عمر، وهو مذهب مالك ، والثوري ، والشافعي .
وقول البخاري: وزاد ابن عمر عن النبي - عليه السلام -: (( وإن
كانوا أكثر فليصلوا قيامًا وركبانًا )) فإنما أراد أن ابن عمر رواه عن النبي
- عليه السلام - وليس من رأيه ، وإنما هو مسند، وكذلك قال مالك.
قال نافع : ولا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن النبي -عليه السلام.
وقول الشافعي في ذلك: لا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة الخفيفة
ويطعن ، وإن تابع الطعن أو الضرب أو عمل عملا يطول بطلت
صلاته.
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ركابًا. كذا.
(٢) بغير نقط واضح في ((الأصل، هـ )) والأقرب أنها كما أثبتُّ بالياء آخر
الحروف والفاء ، وستأتي واضحة النقط كما أثبتها في ((الأصل)) في غير
موضع من باب : الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو ، وجاءت هذه
الكلمة في أصول فتح الباري : المسابقة ، بالباء الموحدة والقاف (٥٠٤/٢) وقال
محققه : ولعلها : المسايفة . فهي كذلك إن شاء الله .
- ٥٣٧ -

قال الطحاوي : وذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على
دابته ، وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول . قال : وذهب آخرون
إلى أن الراكب إن كان يقاتل فلا يصلي ، وإن كان راكبًا لا يمكنه
النزول ولا يقاتل صلى .
قالوا : وقد يجوز أن يكون النبي يوم الخندق لم يصل ؛ لأن القتال
عمل ، والصلاة لا يكون فيها عمل . وذكر الطحاوي هذين القولين،
ورَدَّ القول الأول بأن الرسول لم يكن صلى يوم الخندق ؛ لأن صلاةً
الخوف لم تكن نزلت حينئذ . قال : وروى ابن وهب ، عن ابن أبي.
ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن عبد الرحمن بن [أبي ] (١) سعيد
الخدري ، عن أبيه قال: ((صلى النبي وَله الظهر والعصر والمغرب
يوم الخندق بعد المغرب بهوي من الليل كما كان يصليها في وقتها ،
وذلك قبل أن ينزل الله [ عليه ] (١) في صلاة الخوف ﴿فرجالا أو
ركبانًا ﴾ .
قال الطحاوي: [ فأخبر ] (٢) أبو سعيد أن تركهم الصلاة يومئذ
ركبانًا إنما كان قبل أن [ يباح ] (٣) لهم ذلك ثم أبيح [ لهم ] (١) بهذه
الآية ، فثبت بذلك أن الرجل إذا كان في ( الخوف ) (٤) لا يمكنه
النزول عن دابته أن له أن يصلي عليها إيماءً ، وكذلك لو أن رجلا كان
على الأرض خاف أن يفترسه سبع أو يضربه رجل بسيف فله أن يصلي
قاعدًا إن كان يخاف ذلك في القيام ، ويومئ إيماءً ، وذلك كله قول
أبي حنيفة ، وأبي يوسف، ومحمد .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((الأصل)) و((هـ)): أخبرني !! ، والتصويب من شرح معاني الآثار
(٣٢١/١) وأبو سعيد هو الخدري الصحابي راوي الحديث المتقدم ، رضي الله عنه.
(٣) من (( هـ)) ومثله في شرح المعاني: وفي ((الأصل)): ينزل.
(٤) من ((الأصل)) و(( هـ)) وفي شرح المعاني: الحرب.
- ٥٣٨ -
٠

وقال ابن المنذر : وكل ما فعله المصلّي في حال شدة الخوف مما لا
يقدر على غيره ، فالصلاة مجزئة عنه قياسًا على ما وضع عنه من
القيام والركوع والسجود لعلة ما هو فيه من مطاردة العدو ، وهذا أشبه
بظاهر الكتاب والسنة مع موافقته للنظر .
وروى علي بن زياد عن مالك فيمن خاف أن ينزل عن دابته من لصوص
أو سباع فإنه يصلي عليها الفريضة حيث توجهت به ويومى، وقاله أشهب.
باب : يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
فيه : ابن عباس قال: (( قام النبي - عليه السلام - وقام الناس معه
فکبر و کبروا معه ، ور کی ورکع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ، ثم
قام الثانية فقام الذين سجدوا فحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا
وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة ، ولكن يحرس بعضهم بعضًاً )).
قال المؤلف : حديث ابن عباس هذا إذا كان العدو في القبلة من
المسلمين فإنه يجعل الناس صفين خلفه فيركع بالصف الذي يليه ويسجد
معه ، والصف الثاني قائمون يحرسون ، فإذا قام من سجوده إلى
الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الأولون فركع النبي بهم
وسجد، والصف الثاني يحرسونهم، وهم كلهم / في صلاة وقد [١ / ١٧٤]
روى هذا الحديث سفيان ، عن أبي بكر بن [ أبي ] (١) الجهم ، عن
عبيد الله (٢)، عن ابن عباس ((أن الرسول صلى بهم صلاة الخوف
بذي قرد ، والمشركون بينه وبين القبلة)) وقد روي نحوه عن [ أبي ](٣)
(١) كأنها سقطت من ((الأصل)) و((هـ))، وأبو بكر هو ابن عبد الله بن أبي
الجهم، وقد ينسب إلى جده، ولأبي بكر ترجمة في تهذيب الكمال (٩٩/٣٣).
(٢) هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود .
(٣) في (( الأصل)) و(( هـ )) (( ابن)) والصحيح في هذا الصحابي أنه ((أبو عياش))
كما في تهذيب الكمال (٣٤/ ١٦٠) وحديثه المشار إليه رواه أبو داود (١٢٣٦)
والنسائي (١٧٦/٢) وهو في شرح المعاني (٣١٨/١) وغيرها، وربما خلطه بعضهم
بغيره ممن يقال له ابن عياش كما في تهذيب الكمال (١٦٢/٣٤)، فراجعه .
- ٥٣٩ -

عياش الزرقي ، وجابر بن عبد الله ، عن النبي - عليه السلام - وبه
قال ابن عباس : إذا كان العدو في القبلة أن يصلي على هذه الصفة ،
وهو مذهب ابن أبي ليلى ، وحكى ابن القصار عن الشافعي نحوه .
وقال الطحاوي ذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان في القبلة
فالصلاة هكذا ، وإن كانوا في غير القبلة فالصلاة كما روى ابن عمر
وغيره . قال : وبهذا تتفق الأحاديث ، قال : وليس هذا [بخلاف](١)
للتنزيل ؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى : ﴿ولتأت طائفة أخرى
لم يصلوا فليصلوا معك ﴾ (٢) إذا كان العدو في غير القبلة، ثم
أوحي إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا في القبلة ففعل
الفعلين جميعًا كما جاء الخبران .
وترك مالك وأبو حنيفة العمل بهذا الحديث لمخالفته لكتاب الله وهو
قوله : ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ (٢) والقرآن يدل
على ما جاءت به الروايات في صلاة الخوف عن ابن عمر [وغيره](٣)
من دخول الطائفة الثانية في الركعة الثانية ولم يكونوا صلوا قبل ذلك ..
وقال أشهب وسحنون : [ إذا كان العدو في القبلة ] (٣) لا أحب
أن يصلي بالجيش أجمع ؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه ؛
ويصلي بطائفتين سنة صلاة الخوف .
باب : الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على [ الصلاة] (٤)
صلوا إيماءً كل امرئ لنفسه . فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة
حتى ينكشف القتال أو يأمنوا [ فيصلوا ] (٥) ركعتين ، فإن لم يقدروا
(١) من ((هـ)) وقي (( الأصل)): الخلاف.
(٣) من (( هـ)).
(٢) النساء : ١٠٢.
(٤) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): الفتح . وهو خطأ.
(٥) من (( هـ)) وفي ((الأصل)) : أو يصلوا. وهو خطأ.
- ٥٤٠ -