النص المفهرس

صفحات 481-500

الغدو رواحًا . قال الله - تعالى - : ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾(١)
فدل أن الغدو خلاف الرواح ، والفرق بينهما مستفيض في كلام
الناس، والآثار الصحاح تشهد لقول مالك والفعل بالمدينة ؛ لأنه أمر
متردد في كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء ، وروى أشهب عن
مالك قال : التهجير إلى الجمعة ليس هو الغدو ، ولم يكن الصحابة
يغدون هكذا .
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة، عن النبي -
عليه السلام - قال: ((إذا كان يوم الجمعة قام على كل باب من
أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ، فالمهجّر إلى الجمعة
كالمهدي بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدي
كبشاً ... )) إلى آخر الحديث.
والمهجر : مأخوذ من الهاجرة والهجير ، وذلك وقت المسير إلى
الجمعة ، ولا يجوز أن يسمى عند طلوع الشمس هاجرة ولا هجيرًا ،
وقال في الحديث : (( ثم الذي يليه )) ولم يذكر الساعات ، فدل على
صحة قول مالك .
قال المهلب : وفيه دليل على أن المسارع إلى طاعة الله والسابق إليها
/ أعظم أجرًا ؛ ألا ترى أنه قد مثل ذلك بهدي البدنة، ثم الرائح (١/ ١٦٣٥-ب]
بعده كمهدي البقرة إلى البيضة ، فأراد عليه السلام أن يري فضل ما
بين البقرة والبدنة ، ويدل على تفاوت ما بين السابق والمسبوق في
الفضل ، وجعل الرواح إلى خروج الإمام .
وقوله : (( فإذا خرج الإمام طويت الصحف)) فدل على أنه
(١) سبأ : ١٢ .
- ٤٨١ -

من أتى والإمام في الخطبة أن أجره أقل من أجر من أتى قبله ؛ لأن
الملائكة لم تكتبه في صحفها ، وإنما يكون له أجر من أدرك الصلاة
لا أجر المسارع .
وقوله: ((حضرت الملائكة يستمعون الذكر )) يعني : الخطبة ، وقد بين :
ذلك في حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة ، وقال : ((يستمعون الخطبة)).
وقد احتج بهذا الحديث من فضل البدن على البقر ، والبقر على.
الضأن في الضحايا ، وهو قول الكوفيين والشافعي، واحتجوا
بالإجماع على أن أفضل الهدايا : الإبل ، وقالوا : ما استيسر من
الهدي : شاة . فدل ذلك على نقصان مرتبتها عما هو أعلى منها ،
وذهب مالك إلى أن أفضل الضحايا : الضأن وقال تعالى : ﴿ وفدیناه
بذبح عظيم ﴾ (١) وهو كبش لا جمل ولا بقرة ، وقال : لو علم الله
حيوانًا هو أفضل من الكبش لفدى به ( إسحاق ) (٢).
وقوله : (( من راح في الساعة الرابعة كمن أهدى دجاجة ، وفي
الساعة الخامسة كمن أهدى بيضة)) واسم الهدي لا يقع على الدجاجة
والبيضة ، وأما الغنم فقد اختلف العلماء فيها فقال بعضهم : ليست
بهدي والأكثرون منهم يجعلونها هديًا ، وثمرة هذا الخلاف أن يوجب
الرجل على نفسه هديًا فإذا ذبح شاة أجزأه عن نذره في قول من رآها
هديًا ، ولا يجزئه في قول الآخرين إلا بدنة أو بقرة . ذكره الخطابي .
وقوله: (( أهدى دجاجة وبيضة)) فمن المحمول على [ حكم ] (٣)
ما تقدمه من الكلام كقوله : أكلت طعامًا وشرابًا . والأكل إنما
(١ ) الصافات : ١٠٧ .
(٢) من ((الأصل، هـ)): والصحيح الثابت أن الفداء كان لإسماعيل لا إسحاق.
(٣) من ( هـ)).
- ٤٨٢ -

يصرف إلى الطعام دون الشراب ، إلا أنه لما عطف به على المذكور قبله
حمل على حكمه كقولهم : متقلدًا سيفًا ورمحًا . والرمح لا يتقلد إنما
يحمل ، ومثله :
[ زَجَّجْنَ ](١) الحواجبَ والعيونا . أي : كحلن العيونا .
ءـ
باب : الدهن للجمعة
فيه : سلمان الفارسي قال : قال النبي - عليه السلام -: (( لا يغتسل
رجل یوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ، ويمس
من طيب بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم
ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) .
وفيه : طاوس: قلت لابن عباس: (( ذكروا أن النبي - عليه السلام -
قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رءوسكم وإن لم تكونوا جنبًا وأصيبوا
من الطيب )) قال ابن عباس : أما الغسل فنعم وأما الطيب فلا أدري .
قال المؤلف : الدهن يوم الجمعة كالطيب لها ، وقد تقدم أن
العلماء متفقون على استحبابه ، وروي في حديث سلمان أنه عليه
السلام قال : (( إذا توضأ الرجل يوم الجمعة ولبس ثيابه ثم أتى الجمعة
وأنصت حتى تقضي الصلاة ؛ غفر له من الجمعة إلى الجمعة )) فذكر
مكان الغسل الوضوء رواه جرير بن حازم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم،
عن القرئع الضبي ، عن سلمان .
قال الطبري : وفيه البيان أن الثواب الذي وصفه النبي - عليه
(١) من ((هـ)) أي دققن الحواجب وطولنها - وهو بالزاي وجيمين المعجم الوسيط
(٣٨٩/١)، وجاء في الأصل: وحجن . وهو تحريف .
- ٤٨٣ -

السلام - إنما هو أن يشهد الجمعة بالصفة التي وصفها وأنصت لخطبة
إمامه وقراءته في صلاته دون من لم ينصت .
فإن قيل : فإذا كان كما وصفت ، فما أنت قائل فيمن كان بهذه
الصفة وكان من الإمام بحيث لا يبلغه صوته أو كان بحيث يبلغه صوته
لو رفع ، غير أن الإمام خفض صوته فلم يسمع خطبته ولا قراءته ،
هل يستحق الثواب الذي ذكره النبي - عليه السلام - أم لا ؟
قيل : إذا كان بعض هذه العلل فالله - تعالى - أكرم من أن يحرم
عبدًا له مطيعًا - انتهى في أمره إلى ما أمر به - ثواب عمله بسبب مانع
منعه إلى ما قصده وأراده .
وقوله عليه السلام : (( اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا ))
فإنه محمول عند الفقهاء على الاستحباب والندب كما تقدم في باب
[١/ ١٦٤٥-١] فضل الغسل يوم الجمعة، وقال / ابن المنذر : أكثر من نحفظ عنه من
أهل العلم يقولون : يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة .
وابن المنذر صاحب ((الإشراف)) هو القائل: وروينا هذا عن ابن
عمر ، ومجاهد ، ومكحول ، ومالك ، والثوري ، والأوزاعي ،
والشافعي، وأبي ثور ، وقال أحمد : أرجو أن يجزئه . وهو قول ابن
كنانة ، وأشهب ، وابن وهب ، ومطرف ، وابن الماجشون ، وابن
نافع ، ورووه عن مالك ، وهو قول المزني .!
وقال آخرون : لا يجزئه غسل الجمعة عن غسل الجنابة حتى ينويها،
هذا قول مالك في المدونة وذكره ابن عبد الحكم، وذكر ابن المنذر عن بعض
ولد أبي قتادة أنه قال : من اغتسل للجنابة يوم الجمعة اغتسل للجمعة .
وقال ابن حبيب : لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا
فيمن اغتسل للجنابة وهو ناسٍ للجمعة أن ذلك لا يجزئه عن
- ٤٨٤ -

غسل الجمعة، [ غير ] (١) محمد بن عبد الحكم فإنه قال : غسل
الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة ، ولا يجزئ غسل الجمعة عن غسل
الجنابة . وقال الأبهري: إنما لم [ يجزئ ] (٢) غسل الجمعة عن
الجنابة لأن غسل الجنابة فرض وغسل الجمعة مندوب إليه ليس بفرض
وسيأتي معنى قوله: (( فلا يفرق بين اثنين )) في بابه .
باب : يلبس أحسن ما يجد
فيه: ابن عمر: (( أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد
فقال : يا رسول الله ، لو اشتريت هذه ( تلبسها ) (٣) يوم الجمعة وللوفد
إذا قدموا عليك . فقال رسول الله : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في
الآخرة . ثم جاءت رسول الله منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب منها
حلة . فقال عمر : يا رسول الله ، كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما
قلت . قال رسول الله : إني لم أكسكها لتلبسها . فكساها عمر بن
الخطاب أخّا له بمكة مشركًا )) .
قوله في الحلة: (( فتلبسها للجمعة )) يدل أنه كان عندهم معهود أن
يلبس الرجل أفضل ثيابه وأحسنها لشهود الجمعة ، وقد روي عنه عليه
السلام أنه قال: (( ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي
مهنته )) من بلاغات مالك عن يحيى بن سعيد .
وذكر أهل السير : أن النبي عليه السلام كان يلبس برده الأحمر يوم
الجمعة وأحسن ثيابه ، ويمس من الطيب ، وكذلك في العيدين .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): عند. وهو خطأ.
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يجز.
(٣) في (( هـ)): فلبستها .
- ٤٨٥ -

قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت أصحاب محمد من
أصحاب بدر وأصحاب الشجرة إذا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم
وإن كان عندهم طيب مسَّوا منه ثم راحوا إلى الجمعة .
والسيراء : ثياب يخالطها حرير ، يقال : سيرت الثوب والسهم :
جعلت فيه خطوطًا ، من كتاب العين .
باب السواك يوم الجمعة
فيه : أبو هريرة قال النبي - عليه السلام -: (( لولا أن أشق على أمتي-
أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)).
وفيه: أنس قال: قال رسول الله وَلي: ((أكثرت عليكم في السواك)).
وفيه: حذيفة قال: (( كان عليه السلام إذا قام من الليل [ يشوص ](١).
فاه )).
قال المؤلف : إذا كانت الجمعة لها مزية فضيلة في الغسل لها
و[اللباس] (٢) والطيب، وكان السواك مستحبا لكل صلاة مندوبًا
إليه، كانت الجمعة أَوْلَى بذلك .
وقال المهلب: قوله: (( لولا أن أشق على أمتي)) يدل أن السنن
والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشي منها الحرج عليهم ، وإنما أكد في
السواك لمناجاة الله ولتلقي الملائكة لتلك المناجاة فلزم تطهير النكهة ،
و[تطييب ] (٣) الفم .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): شوص.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): السواك . وهو خطأ.
(٣) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): تطيب.
- ٤٨٦ -

باب : من تسوك بسواك غيره
فيه : عائشة: (( دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به
فنظر إليه رسول الله ، فقلت له : أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن ،
فأعطانیه ( فقضمته ) (١) ثم مضغته فأعطيته رسول الله فاستن به وهو
مستند إلى صدري )) .
وفيه : الترجمة ، وفيه : طهارة ريق ابن آدم ، وقد تقدم في كتاب
الطهارة .
باب : ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
/ فيه : أبو هريرة: ((كان النبي - عليه السلام - يقرأ في الفجر يوم (١٦٤٥/١-ب]
الجمعة : الم تنزيل ، وهل أتى على الإنسان )) .
ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث ، وأجازوا أن يقرأ سورة
فيها سجدة في الفجر يوم الجمعة ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب
وابن عباس و( استحبه ) (٢) النخعي وابن سيرين، وهو قول"
الكوفيين، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالوا : هو سنة ،
واختلف قول مالك في ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ
الإمام بالسجدة في الفريضة ، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك
إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم.
وقال المهلب : القراءة في الصلاة كلها محمولة على قوله تعالى :
فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ (٣) وإنما كره ذلك مالك خشية التخليط
(١) بالضاء المعجمة، وهي رواية كريمة وابن السكن، كما في الفتح (٤٣٨/٢)،
وفي (( هـ)) بالمهملة ، وهي رواية الأكثر كما في الفتح أيضاً .
(٣) المزمل : ٢٠ .
(٢) في (( هـ ) : استحسنه .
- ٤٨٧ -

على الناس ، ولذلك -والله أعلم - ترك النبي -عليه السلام- في آخر
فعله السجود في المفصل؛ لأنه الذي يقرأ به في الصلوات الخمس،
وستأتي زيادة في هذا المعنى في باب سجود القرآن - إن شاء الله تعالى.
باب : الجمعة في القرى والمدن
فيه : ابن عباس قال: ((أول جمعة جُمِّعَتْ - بعد جمعة في مسجد
رسول الله - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين)) .
( و کتب رُزیق بن حکیم إلى ابن شهاب وهو بوادي القری : هل تری
أن ◌ُجمّع ؟ - ورزیق عامل على أرض وفيها جماعة - فكتب إليه ابن
شهاب أن يجمع . قال : وحدثني سالم ، عن أبيه أن النبي - عليه
السلام- قال: ( کلکم راع و کلکم مسئول عن رعيته )) .
أجمع العلماء على وجوب الجمعة على أهل المدن ، واختلفوا في
وجوبها على أهل القرى ، فقال مالك : كل قرية فيها مسجد أو سوق
فالجمعة واجبة على أهلها . وبه قال الشافعي وجماعة ، وقال مالك
والشافعي: لا تجب على أهل العمود (١) وإن كثروا؛ لأنهم في حكم
المسافرين .
وقال أبو حنيفة والثوري : لا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار.
خاصة ، وأحاديث هذا الباب حجة لمن أوجب الجمعة على أهل القرى.
وفي احتجاج ابن شهاب أن الجمعة على أهل القرى بقوله عليه
السلام: (( كلكم راع ومسئول عن رعيته)) حجة الكوفيين في أن
(١) في لسان العرب (٣٠٩٧/٤): قيل: كل خباء كان طويلاً في الأرض يضرب :
على أعمدة كثيرة يقال لأهله : عليكم بأهل ذلك العمود .
- ٤٨٨ -

الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء أو من أَذِنَ له الأمراء ، وزعموا أن الإمام
فيها شرط ؛ لأن النبي - عليه السلام - صلى بهم يوم الجمعة وخلفاؤه
بعده، وقال مالك والشافعي: تقوم الجمعة في القرى والمدن بِوَالٍ أو غيره.
قال ابن القصار : ولو جاز أن يقول إن إقامة الجمعة بالنبي وخلفائه
شرط لجاز أن يقول ذلك في سائر الصلوات ؛ لأنه عليه السلام تولى
سائر الصلوات بنفسه واستخلف أبا بكر الصديق ، فكان يجب ألا
تصلى صلاة إلا بسلطان أو إذنه ، والجمعة لا بد أن تفعل في المسجد
مع الأئمة ، والجماعات في الجمعة كما هي في الأعياد والاستسقاء
والخسوف والحج ، وهي أعلام من الشرائع بكثرة الاجتماع لها ،
فجرت عادة السلطان بحضورها لمقاماتها ، لا أن غير ذلك لا يجوز ،
كما فعل سائر الصلوات في المسجد ، وتوعد على تركها معه في
المسجد ولم يقل أن غير ذلك لا يجوز .
باب : هل على من لم يشهد الجمعة غسل
من النساء والصبيان وغيرهم
وقال ابن عمر : إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة
فيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام - : ((من جاء منكم الجمعة
فليغتسل)).
وفيه : أبو سعيد الخدري قال النبي - عليه السلام -: (( غسل الجمعة
واجب على كل محتلم )) .
وفيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( .. نحن الآخرون
السابقون ... )) الحديث إلى قوله: (( حق على كل مسلم أن يغتسل في
كل سبعة أيام يومًا يغسل فيه رأسه وجسده )) .
- ٤٨٩ -

وفيه : ابن عمر قال النبي - عليه السلام -: ((ائذنوا للنساء بالليل إلى
المساجد)) .
وفيه: ابن عمر قال: «كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء
في الجماعة في المسجد فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره
ذلك ويغار ؟! قالت : فما يمنعه أن ينهاني ؟ قيل : يمنعه قول رسول الله :
لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) .
قال المؤلف : أما الصبيان فلا يلزمهم غسل الجمعة حتى يحتلموا
!
[١/ فى ١٦٥-١) كما / قال النبي - عليه السلام - وقد استحب مالك أن يغتسل من
حضر الجمعة من النساء والعبيد والصبيان ، وهو قول الشافعي في غير:
المحتلمين إذا شهدوا الجمعة ، وروي عن طاوس وأبي وائل أنهما كانا
يأمران نساءهما بالغسل يوم الجمعة ، وأجمع أئمة الفتوى أن الصبيان
والنساء لا تلزمهم الجمعة فسقط الغسل عنهم ، وكذلك أجمع أئمة
الفتوى أن المسافرين لا جمعة عليهم فلا غسل عليهم ، وقد روي عن
طلحة بن عبيد الله أنه كان يغتسل للجمعة في السفر ، وعن طاوس
ومجاهد مثله ، وقال أبو ثور : لا يجب ترك ذلك .
وقوله عليه السلام : «من جاء منکم الجمعة فليغتسل ، یرُدَّ هذا كله؛.
لأنه عليه السلام شرط الغسل بشهود الجمعة ، فمن لزمته الجمعة
اغتسل، ومن سقطت الجمعة عنه سقط عنه الغسل كما قال ابن عمر ،
وقوله عليه السلام: ((ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد)) حجة في أنه
لا جمعة على النساء ؛ لأنه عليه السلام جعل لأزواجهن الإذن لهن
بالليل إلى المساجد ولا جمعة في الليل ، ولو لزمتهن الصلاة في
المساجد كما تلزم الرجال لما خص الليل دون النهار ، ولم يخاطب
- ٤٩٠ -

أزواجهن بالإذن لهن ؛ بل خاطبهن آمرًاً لهن بذلك ، وإن كان إجماع
أئمة الفتوى الذين هم الحجة على أن النساء والصبيان لا جمعة عليهم
يغني عن إقامة الدليل عليه .
وكذلك حديث امرأة عمر أنها كانت تشهد العشاء والصبح في
جماعة يدل أن الصحابة فهمت إذن النبي - عليه السلام - للنساء
بالصلاة في الجماعة : إنما أريد به الليل والغلس ، على ما بوب له
البخاري قبل هذا ؛ فإن الجمعة لا إذن لهن فيها . والله الموفق .
واختلفوا في وقت غسل الجمعة ، وهل الغسل لأجل اليوم أو
لأجل الصلاة ، فقال أبو يوسف: إذا [ اغتسل ] (١) بعد طلوع الفجر
ثم أحدث فتوضأ ثم شهد الجمعة لم يكن كمن شهد الجمعة على
غسل . قال أبو يوسف : إن كان الغسل لليوم فإن اغتسل بعد الفجر
ثم أحدث فصلى الجمعة بوضوء فغسله تام ، وإن كان الغسل للصلاة
فإنما شهد الجمعة على وضوء .
وذكر ابن المنذر عن مجاهد ، والحسن البصري ، والنخعي ،
والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور أنه من اغتسل
بعد الفجر للجمعة أنه يجزئه من غسل الجمعة، وهو قول ابن وهب
صاحب مالك . وقال مالك : لا يجزئه إلا أن يكون غسلا متصلا
بالرواح ولا [ يجزئ ] (٢) في أول النهار .
وقال الطحاوي : قوله عليه السلام: (( من جاء إلى الجمعة
(١) من (( هـ)، وفي (( الأصل)): أحدث. وهو خطأ.
(٢) من ((هـ) وفي (( الأصل)): يجوز. وهو خطأ.
- ٤٩١ -

فليغتسل)) وروي ((من راح إلى الجمعة فليغتسل)) يدل أن الغسل
للرواح وقوله: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) و(( حق على
كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا » يدل أن المقصود به اليوم
لا الرواح ، والواجب حمل الأخبار على أن المقصود به الصلاة لا
اليوم ؛ لأن اليوم إنما ذكره لأن فيه الجمعة حتى تتفق معاني الأخبار ؛
ولأنهم متفقون على أنه لو اغتسل يوم الجمعة بعد فوات الجمعة أنه غير.
مصيب لغسل يوم الجمعة ، فدل أن المقصود بالغسل إلى الرواح لا إلى
اليوم .
باب : الرخصة لمن لم يحضر الجمعة في المطر
فيه: ابن عباس: (( أنه قال لمؤذنه في يوم مطير : إذا قلت : أشهد أن
لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة قل: صلوا
في بيوتكم . فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: فعله من كان خيراً مني إن الجمعة
عزمة وإني كرهت أن ( أخرجكم) (١) فتمشون في الطين والدحض)).
اختلف العلماء في التخلف عن الجمعة للمطر ، فممن كان يتخلف
عنها لذلك : ابن سيرين ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وهو قول أحمد
وإسحاق ، واحتجوا بهذا الحديث . وقالت طائفة : لا يتخلف عن
الجمعة للمطر ، روى ابن نافع قال : قيل لمالك : أيتخلف عن الجمعة .
في اليوم المطير قال : ما سمعت ، قيل له : فالحديث (( ألا صلوا في
الرحال )) قال : ذلك في السفر .
(١) بالخاء المعجمة، من الخروج، وهي كذلك في ((الأصل)) و( هـ))، وفي
المتن المطبوع مع الفتح (٤٤٦/٢) بالحاء المهملة ، من الحرج ، ولم يرد في شرح
الحافظ حتى يُعلم هل فيها روايات أم لا ، فالله أعلم .
- ٤٩٢ -

وقد رخص في ترك الجمعة لأعذار أخر غير المطر ، روى ابن القاسم
عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عن الجمعة لجنازة أخ من إخوانه لينظر
في أمره ، قال ابن حبيب عن مالك: وكذلك / إن كان له مريض [١/ق١٦٥ -ب]
يخشى عليه الموت . وقد زار ابن عمر ابنًا لسعيد بن زيد ذكر له
شكواه فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة ، وهو مذهب عطاء ، والحسن،
والأوزاعي، وقاله الشافعي في الولد والوالد إذا خاف فوات نفسه،
وقال عطاء: إذا استصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه
واترك الجمعة . وقال الحسن : يرخص في الجمعة للخائف .
وقال مالك في الواضحة: ليس على المريض والصحيح الفاني
جمعة. وقال أبو مجلز: إذا اشتكى بطنه لا يأتي الجمعة ، وقال ابن
حبيب : أرخص النبي - عليه السلام - في التخلف عن الجمعة لمن
شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن
المدينة لما في رجوعهم من المشقة لما أصابهم من شغل [ العيد] (١) ،
وفعله عثمان لأهل العوالي واختلف قول مالك فيه .
#
باب : من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب
لقول الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة
فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ (٢)
وقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعة فنودي بالصلاة من يوم الجمعة
فحق عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أم لم تسمعه . وكان أنس في
قصره أحيانًا يُجَمِّعُ وأحيانًا لا يُجَمِّعُ، وهو بالزاوية على فرسخين .
فيه : عائشة قالت : (( كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي،
فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق
(٢) الجمعة : ٩ .
(١) من ((هـ) وفي ((الأصل)): اليد . كذا.
- ٤٩٣ -

فأتى رسولَ الله إنسانٌ منهم وهو عندي ، فقال عليه السلام : لو أنكم
تطهرتم لیومکم هذا » .
اختلف العلماء في هذا الباب فقالت طائفة : تجب الجمعة على من
آواه الليل إلى أهله . روي ذلك عن أبي هريرة ، وابن عمر ، وهو
قول عطاء ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، وقال الزهري : يجب على من
كان على ستة أميال . وروي عنه أربعة أميال ، وهو قول ربيعة ،
وقالت طائفة : تجب الجمعة على من سمع النداء ، روي ذلك عن
سعيد بن المسيب ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ،
وإسحاق، وقال مالك في المجموعة: عزيمة [ الجمعة] (١) على [كل]
(٢) من كان في موضع يسمع منه النداء وذلك على ثلاثة أميال [ ومن
كان أبعد فهو في سعة ، وقال في المختصر : من كان على ثلاثة أميال
أو ] (٢) زيادة يسيرة ( لزمتهم الجمعة) (٣). وقال الكوفيون: لا تجب
الجمعة إلا على أهل المصر ، ومن كان خارج المصر فلا تجب عليه وإن
سمع النداء. وقال حذيفة: ليس على من على رأس ميل جمعة.
وقال المهلب : نص كتاب الله يدل على أن الجمعة [ تجب ] (٢)
على من سمع النداء وإن كان خارج المصر وهذا أصح الأقوال ..
قال ابن القصار : اعتل الكوفيون لقولهم أن الجمعة لا تجب على
من كان خارج المصر قالوا : لأن الأذان علم لمن لم يحضر ، والأذان
بعد دخول الوقت ، ومعلوم أن من يسمع على أميال يأخذ في المشي
فلا يلحق . فيقال لهم : معنى قوله تعالى : ﴿إذا نودي للصلاة﴾(٤)
أي إذا قرب وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساع إليها، فاسعوا ،
(١) من ((هـ)) وفي (الأصل)): النداء - خطأ.
(٣) في (( هـ)): لزمهم المشي :.
(٢) من ( هـ ).
(٤) الجمعة : ٩
- ٤٩٤ -

وليس على أنه لا يجب السعي إليها إلا حين ينادى لها ، والعرب قد
تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقوله: (( إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى
يقال له : أصبحت أصبحت)) أي : قارب الصباح ومثله : ﴿ فإذا بلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف ﴾ (١) يريد إذا قاربن البلوغ ؛ لأنه إذا
بلغت [ آخر أجلها ] (٢) لم يكن له إمساكها ، وفي إجماع العلماء
على أن من كان في طرف المصر العظيم وإن لم يسمع النداء يلزمه
السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة ، وإنما أريد
قربه ، وأما من كان خارج المصر إذا سمع النداء فهو داخل في عموم
قوله تعالى : ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر
الله﴾(٣) ولم يخص من في المصر أو خارجه .
وأما حديث عائشة : أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ،
ففيه رَد لقول [ الكوفيين ] (٤) أن الجمعة لا تجب على من كان خارج
المصر ؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم أنهم كانوا ينتابون الجمعة ، فدل
ذلك على لزومها ووجوبها عليهم .
قال محمد بن مسلمة : ومما يبين أن الجمعة لازمة لأهل العوالي إذن
عثمان لهم يوم العيد / في الانصراف ولولا وجوبها عليهم ما أَذنَ [١٦٦٥/١-)]
لهم.
وما روي عن أنس أنه كان مرة يشهد الجمعة من الزاوية وهي على
فرسخين من البصرة ، ومرة كان لا يشهدها ، والفرسخ ثلاثة أميال ،
ولو كان لازمًا عنده شهودها لمن كان على ستة أميال لما تركها بعض
المرات .
(١) الطلاق : ٢ .
(٢) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): إخراجها - خطأ.
(٤) من (( هـ)) وفي (( الأصل)): الكوفيون . وهو خطأ .
(٣) الجمعة : ٩ ..
- ٤٩٥ -

واختلفوا في عدد من تلزمهم الجمعة فروي عن أبي هريرة أنها لا تنعقد
إلا بأربعين نفسًا ، هذا قول الشافعي ، وزعم أن النبي - عليه السلام-
جمع بأربعين ، وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك
أن ثلاثين بيتًا وما قاربهم جماعة .
قال ابن القصار : ورأيت لمالك أنها لا تجب على [ الثلاثة ] (١)
والأربعة ، ولكنها تنعقد بما دون الأربعين ، وعن ربيعة أنها تنعقد باثني
عشر رجلا عدد الذين بقوا مع النبي يوم انفضوا إلى العير ، قال أبو
حنيفة : تنعقد بإمام وثلاثة أنفس ، وهو قول الأوزاعي والمزني
و(الثوري، وقال أبو يوسف) (٢): تنعقد بإمام ونفسين. وقال
الحسن : تنعقد بإمام وآخر معه .
وقال ابن القصار : هذا الخلاف كله معارض لقول الشافعي ،
وليس أحد الأقوال أولى من صاحبه ، فوجب الرجوع إلى صفة من
خوطب في الآية ، والذين أمر الله بالسعي إليها فهم قوم لهم بيع
وشراء ، فوجب طلب قوم هذه صفتهم ، ولسنا نعتبر عددًا حتى
يصيروا به جماعة ، ولكنا نقول : كل قوم لهم مسجد وسوق ينطلق
عليهم اسم جماعة ، فالجمعة واجبة عليهم سواء كانوا خمسة أو
أربعين ؛ لأن المقادير والتحديدات في الشريعة لا تثبت إلا من طريق
صحيح ، وقال المزني : لا يصح عن أصحاب الحديث ما احتج به
الشافعي من أنه حين قدم المدينة جمع أربعين رجلا لأنه معلوم أن النبي
- عليه السلام- قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون و[توافروا ] (٣) فيجوز
أن يكون جمع في موضع نزوله قبل دخوله في نفس المدينة فاتفق له
أربعون نفسًا .
---
(١) من (( هـ).
(٢) في (( هـ)): أبي ثور ، وقال الثوري وأبو يوسف.
(٣) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): تكاثروا .
- ٤٩٦ -

باب : وقت الجمعة إذا زالت الشمس وكذلك ( يذكر ) (١)
عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث
فيه: عائشة قالت: ((كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى
الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم : لو اغتسلتم )».
وفيه: أنس: (( أن النبي - عليه السلام - كان يصلي الجمعة حين تميل
الشمس قال أنس : كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة)) .
قال المؤلف : إنما ذكر البخاري الصحابة في صدر هذا الباب لأنه
قد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل
الزوال من طريق لا يثبت ، رواه وكيع عن جعفر بن [ برقان ] (٢) عن
ثابت بن الحجاج الكلابي ، عن عبد الله بن سَيدان السلمي قال :
شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق فكانت خطبته وصلاته قبل نصف
النهار ، ثم شهدتها مع عمر وعثمان إلى أن أقول : انتصف النهار ،
فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره .
وعبد الله بن سَيْدان لا يعرف ، والصحيح عن الصحابة ما ذكره
البخاري ، ونحوه ذُكر [ عن ] (٣) مالك (٤) عن عمر في قصة طنفسة
عقيل ، وأجمع الفقهاء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس إلا ما
روي عن [ مجاهد ] (٥) أنه قال : جائز أن تصلي الجمعة في وقت
صلاة العيد ؛ لأنها صلاة عيد ، وقال أحمد بن حنبل : تجوز صلاة
(١) في (( هـ)): يروى.
(٢) من (( هـ) وهو الصواب، له ترجمة فى تهذيب الكمال (١١/٥)، وكذا هو
في ترجمة ثابت بن الحجاج (٣٥١/٤)، وفي ((الأصل)): ثوبان. وهو خطأ.
(٣) من ( هـ)).
(٤) هو ابن أبي عامر، وانظر الفتح (٢/ ٤٥٠).
(٥) من ((هـ)) وهو الصواب كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، وفي ((الأصل)):
جابر . وهو خطأ.
- ٤٩٧ -

الجمعة قبل الزوال . وهذا القول يرده حديث أنس المذكور في هذا
الباب وعمل الخلفاء بعده .
وقال ابن القصار : لا تخلو الجمعة من أن تكون ظهراً فوقتها لا
يختلف ، أو بدلا من الظهر فيجب ألا يختلف أيضًا ؛ لأن الأبدال لا
تتقدم مبدلاتها ، كالقصر في السفر لا يخرج الصلاة عن أوقاتها ..
وقوله : كنا نبكر بالجمعة فإنما يريد أنهم كانوا يصلونها بعد الزوال .
في أول الوقت وهو وقت الرواح عند [ العرب] (١) .
وقوله: (( نقيل بعد الجمعة)) يعني أنهم كانوا يقيلون بعد الصلاة
بدلا من القائلة التي امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة ، وقد ذكر .
ابن أبي شيبة في حديث جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع أنهما
قالا: كنا نصلي مع رسول الله الجمعة إذا زالت الشمس .
باب : إذا اشتد الحر يوم الجمعة
فيه: أنس قال: (( كان النبي - عليه السلام - إذا اشتد البرد بَكَّرَ
بالصلاة ، وإذا اشتد الحر برد بالصلاة - يعني : الجمعة )) .
وقال أبو خلدة : (( صلى بنا أميرنا الجمعة ثم قال لأنس : کیف کان
النبي يصلي الظهر؟)) .
هذا الباب في معنى الذي قبله أن الجمعة وقتها وقت الظهر ، وأنها
تصلى بعد الزوال [ يبرد بها ] (٢) في شدة الحر ، ولا يكون الإبراد إلا
بعد تمكن الوقت . ومدار هذا الباب على ذكر الظهر ؛ فإذا صح بهذا
أن الجمعة هي الظهر لم يجز أن تصلى قبل الزوال كما زعم مجاهد
وأحمد بن حنبل .
(١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): المغرب. وهو تحريف.
(٢) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): تبريدها. وهو تحريف .
- ٤٩٨ -

باب : المشي إلى الجمعة وقول الله تعالى :
﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ (١)
ومن قال : السعي : العمل والذهاب ؛ لقول الله تعالى : ﴿ وسعی لها
سعيها﴾ (٢) وقال ابن عباس: يحرم البيع حينئذ. وقال عطاء : تحرم
الصناعات كلها . وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري : إذا أذن المؤذن يوم
الجمعة وهو مسافر فعليه أن يشهد .
فيه : عباية بن رفاعة [ قال ] (٣): أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى
الجمعة، فقال سمعت رسول الله وَ ل# يقول: ((من اغبرت قدماه في سبيل
الله حرمه الله على النار )) .
وفيه : أبو هريرة قال : سمعت النبي - عليه السلام - يقول: (( إذا
أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها تمشون ، عليكم
السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) .
وقال أبو قتادة: قال عليه السلام : (( لا تقوموا حتى تروني ، وعليكم
السكينة )) .
قال المؤلف : السعي في لسان العرب يصلح للإسراع في المشي
والاشتداد فيه ، ويصلح للعمل والترسل في المشي دون السعي ، فمن
السعي الذي هو بمعنى الإسراع قوله عليه السلام: ((إذا أقيمت الصلاة
فلا تأتوها تسعون - أي : تسرعون - وائتوها تمشون عليكم السكينة ))
وممن كان يسعى إذا سمع النداء : أنس بن مالك .
وأما السعي الذي هو بمعنى العمل ، فقوله تعالى : ﴿ وسعى لها
سعيها﴾ (٢) يعني: وعمل لها عملها، وقوله : ﴿وإذا تولى سعى في
(١) الجمعة : ٩ .
(٣) من (( هـ )).
(٢) الإسراء : ١٩ .
- ٤٩٩ -

الأرض ليفسد فيها ﴾ (١) وقال : ﴿ وأما من جاءك يسعى ﴾ (٢) دلت
هذه الآيات - لما علم أن المراد بها غير الجري - على صحة هذا
القول، وبأن قوله عليه السلام: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون
وائتوها تمشون ، وعليكم السكينة )) أن المراد بقوله تعالى : ﴿فاسعوا
إلى ذكر الله﴾ (٣) غير الجري، وكذلك قال الحسن في تأويل هذه
الآية: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة.
إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنيات والخشوع.
وإلى هذا ذهب مالك وأكثر العلماء ، وهو مذهب البخاري ؛
وكان عُمر وَأَبْنُ مسعود يقرأان: (( فامشوا إلى ذكر الله )) وقال ابن
مسعود: لو [ قرأتها ] (٤) ((فاسعوا)) لسعيت حتى يسقط ردائي.
واختلفوا في وقت تحريم البيع والشراء ، فقالت طائفة : هو زوال:
الشمس . وروي ذلك عن عطاء ، والقاسم ، والحسن ، ومجاهد ،
وقالت طائفة : [ هو ] (٥) عند النداء الثاني والإمام على المنبر. رواه
ابن القاسم عن مالك ، وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك .
واختلفوا في البيع فروى ابن القاسم عن مالك أن البيع مفسوخ ،
وروى عنه ابن وهب وعلي بن زياد : بِئْسَ ما صنع ويستغفر الله .
وقال عنه علي : ولا أرى الربح فيه حرامًا .
وقال ابن القاسم : لا يفسخ ما عقد حينئذ من النكاح وإن لم
يدخل، ولا تفسخ الهبة والصدقة والرهن والحمالة . وقال أصبغ
يفسخ النكاح . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي: البيع
صحيح ، وفاعله عاصٍ لله ؛ لأن النهي لم يقع على البيع وإنما جرى.
ذكر البيع ؛ لأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة عن الجمعة ، والمعنى
(١) البقرة : ٢٠٥ .
(٢) عبس : ٨ .
(٣) الجمعة : ٩
(٤) من (( هـ)) وفي ((الأصل)): أقرأتها ..
(٥) من ( هـ )) .
٠ـ ٥٠٠ -