النص المفهرس
صفحات 281-300
وفيه من الفقه : أن نزع الأذى من الطريق من الأعمال الصالحة التي
يرجى بها الغفران من الله - تعالى - وقد قال عليه السلام : ((الإيمان
بضع وسبعون شعبة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة
الأذى من الطريق)) .
باب : احتساب الآثار
وقال مجاهد: ( خطاكم) (١) آثار المشي في الأرض (بأرجلكم)(٢).
وفيه : أنس قال : قال النبي - عليه السلام -: (( يا بني سلمة ، ألا
تحتسبون آثارکم » .
قال المؤلف : قوله: ألا تحتسبون آثاركم . إنما قال لهم / ذلك [١٢٨٥/١-ب]
لأنهم كانوا على بُعد من مسجده عليه السلام، [ فأرادوا ] (٣) أن
يتحولوا بقرب المسجد فكره النبي - عليه السلام - أن يعري المدينة .
قال المهلب : فحضهم على البقاء واحتساب الآثار ، واستشعارهم
النية والإخلاص لله - تعالى - في مشيهم ، ودخل في معنى ذلك كل
ما يصنع الله تعالى من قليل أو كثير ، أن يراد به وجهه - تعالى -
ويخلص له فيه ، ( وهو ) (٤) الذي يزكو ثوابه وأجره ، وقال ابن
عباس: في الأنصار نزلت حين أرادوا أن ينتقلوا : ﴿ ونكتب ما
قدموا﴾(٥) أعمالهم ﴿وآثارهم﴾ (٥): فيما مشوا أبعدهم مكانًا (٦).
(١) في (( هـ)) : خطاهم.
(٢) في (( هـ)): بأرجلهم.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فأراد - خطأ. (٤) في (( هـ)): فهو .
(٥) يس : ١٢ .
(٦) ضرب في (( الأصل)) على ما سوى لفظ الآية، وكتب بدلا منه في الحاشية:
نثبت مكاننا ، وبجواره (( ع)) ، وهذا موافق لما أورده ابن كثير عن ابن جرير
بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما .
- ٢٨١ -
قال الطبري : وفيه من الفقه صحة قول القائل : تفضل المقاربة بين
الخطا في المشي إلى الصلاة على الإسراع إليها ، وذلك أن ابن عباس
ذكر أن قول الله: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ (١) نزلت إعلامًا من
الله تعالى نبيه أنه يكتب خطا المشائين إلى الصلاة ، ويوجب لهم
ثوابًا؛ حضا منه تعالى للذين أرادوا النقلة إلى قرب مسجده على الثبات
في مواضعهم ، وإِنْ نَأَتْ ، وترغيبًا لهم في احتساب خطاهم ،
ومشيهم إلى الصلاة ، وقد روي عن الرسول أن من بعد من المسجد
أفضل .
وروى ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن ابن أبي [ ذئب ] (٢)، عن
عبد الرحمن بن مهران ، عن عبد الرحمن بن سعيد ، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله: ((الأبعد فالأبعد من المساجد أعظم أجراً)) .
وروي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد
القديمة، وفعله مجاهد [ و] (٣) أبو وائل ، وقد روي عن بعضهم
خلاف هذا ، سئل الحسن : أيدع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره ؟
قال : كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه .
وسئل أبو عبد الله بن لبابة عن الذي يدع مسجده ويصلي في الجامع
للفضل في كثرة الناس فقال : لا يدع مسجده ، وإنما فضل الجامع في
صلاة الجمعة فقط
باب : فضل العشاء في جماعة
فيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( ليس صلاة أثقل على المنافقين
من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما ، لأتوهما ولو حبوا ، ولقد
(١) يس : ١٢ .
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): ذؤيب خطأ.
(٣) من (( هـ ))
- ٢٨٢ -
هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤم الناس ، ثم آخذ شُعَلا من
نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة [بعد ](١))).
قد تقدم الكلام في معنى هذا الحديث في باب « الاستهام للأذان»،
فلا معنى لإعادته . وبهذا الحديث احتج من قال : إن الوعيد بالإحراق
لمن تخلف عن صلاة الجماعة أريد به [ المنافقون ] (٢)؛ لذكرهم في
أول الحديث ، وهذا ليس [ بيِّن ] (٣) ؛ لأنه يحتمل أن يكون عليه
السلام أخبر المؤمنين أن من شأن المنافقين ثقل الفجر والعشاء عليهم في
الجماعة ، فحذر المؤمنين من التشبه بهم في ذلك ، وامتثال طريقتهم -
والله أعلم - وإنما ثقلت صلاة العشاء على المنافقين للزومها في وقت
ثقيل متصل بالنوم ، فأشبهت صلاة الفجر في ذلك وقد قال عثمان بن
عفان : من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ، ومن شهد الصبح
فكأنما قام ليلة . وهو بيِّن في ذلك .
باب : اثنان فما فوقهما جماعة
فيه: مالك بن الحويرث ، قال النبي عليه السلام : (( إذا حضرت
الصلاة ، فَأَذِّنَا وأقيما ، ثم ليؤمكما أكبركما )) .
اختلف العلماء في أقل اسم الجمع ، فذهب قوم إلى أن الاثنين
جمع ، واستدلوا بهذا الحديث ، وقالوا : كل جماعة قليلة كانت أو
كثيرة ، فالمصلي فيها له سبع و[عشرون ] (٤) درجة . قال إبراهيم
النخعي : إذا صلى الرجل مع الرجل لهما أجر التضعيف خمس
وعشرون درجة ، وهما جماعة .
(١) من (( هـ)).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المنافقين.
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): بشيء.
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): عشرين - كذا.
- ٢٨٣ -
وقالت طائفة : الثلاثة جماعة ، روي ذلك عن الحسن البصري ،
وقال إسماعيل بن إسحاق : في حديث أبي بن كعب أن النبي - عليه
السلام - قال: (( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل
وحده)) دليل أن صلاة الرجل مع الرجل في معنى الجماعة .
باب : من جلس في المسجد / ينتظر الصلاة وفضل المساجد
[١/ ق١٢٩-١]
فيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام
في مصلاه ، ما لم يُحْدِثْ : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، لا يزال
أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا
الصلاة)) .
وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل
إلا ظله)) وذكر منهم: (( رجل قلبه معلق بالمساجد)).
قوله عليه السلام: ((:الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه)»
تفسير لقوله: ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا﴾ (١) يريد المصلين،
والمنتظرين للصلاة ، ويدخل في ذلك من أشبههم في المعنى ، ممن
حبس نفسه على أفعال البرِّ كلِّها ، والله أعلم .
قال المهلب : فالصلاة من الملائكة استغفار ودعاء ، وهي من الله
رحمة ، وقد فسر أبو هريرة الحدث فقال : فساء أو ضراط ، وقد روي
عنه: (( ما لم يحدث)) : ما لم يؤذ أحدًاً . فتأول العلماء في ذلك
الأذى أنه الغيبة وشبهها ، وإنما هو - والله أعلم - أذى الحدث ، يفسر
ذلك حديث النوم ، لكن النظر يدل أنه إذا آذى أحدًا بلسانه أنه
(١) غافر : ٧ .
- ٢٨٤ -
ينقطع عنه استغفار الملائكة ، لأن أذى السب والغيبة فوق أذى رائحة
الحدث ، فإذا انقطع عنه استغفار الملائكة بأذى الحدث ، فأولى أن
ينقطع بأذى السب وشبهه .
#
باب : فضل من غدا إلى المسجد أو راح
فيه : أبو هريرة ، قال نبي الله: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له
نزله من الجنة كلما غدا أو راح )).
فيه : الحض على شهود الجماعات ، ومواظبة المساجد للصلوات ،
لأنه إذا أعد الله له نزله في الجنة بالغدو والرواح ، فما ظنك بما يُعدُّ
لَهُ ويتفضل عليه بالصلاة في الجماعة واحتساب أجرها والإخلاص فيها
لله تعالى .
باب : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
فيه: عبد الله بن بُحينة، (( أن رسول الله رأى رجلا من الأزد وقد
أقيمت الصلاة [ يصلي ] (١) ركعتين ، فلما انصرف رسول الله لاثَ به
الناس ، فقال رسول الله : الصبح أربعًا، الصبح أربعًا )).
اختلف ( الناس ) (٢) في تأويل هذا الحديث ، فكرهت طائفة
للرجل أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر ،
واحتجوا بهذا الحديث . رُوي هذا عن سعيد بن جبير ، وعروة بن
الزبير ، وابن سيرين ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
(١) من ((هـ)) وهو الصحيح المناسب والموافق للمطبوع، وفي ((الأصل)): ((فصلى))
وهو يوهم أنه شرع في الصلاة بعد الإقامة أو أثنائها وهو غير وارد هنا .
(٢) كتبت في هامش (( الأصل)): العلماء، وأمامها (( ح)).
- ٢٨٥ -
وقالت طائفة : لا بأس أن يصليها خارج المسجد ما تيقن أنه يدرك
الركعة الأخيرة مع الإمام . هذا قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي ،
إلا أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد .
وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما ، وإلا
صلاهما في المسجد .
وقال مالك : إن خشي أن تفوته الركعة الأولى فلا يصليهما ،
وليدخل مع الإمام ، كقول الثوري ، إلا أنه قال : وإن لم يخف
فوت ركعة ، فليركعهما خارج المسجد في غير أفنيته اللاصقة به .
وحجة من أجاز أن يصليهما في المسجد ، ما روي عن ابن مسعود
أنه دخل المسجد ، وقد أقيمت الصلاة ، فصلى إلى أسطوانة في
المسجد ركعتي الفجر ، وذلك بمحضر حذيفة وأبي موسى . ورُوِي
مثله عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس . ذكره الطحاوي.
وحجة من قال: يُصلي [ خارج المسجد ] (١) ، ما روي عن ابن
عمر أنه صلاهما قبل أن يدخل في المسجد في الطريق ، ثم دخل
المسجد فصلى الصبح مع الناس .
وأما [ حجة ] (٢) أهل المقالة الأولى من طريق النظر ، فقالوا
تشاغله بالفريضة أولى من تشاغله بالتطوع .
واحتج الآخرون فقالوا : قد أجمعوا أنه لو كان في منزله ، فعلم
دخول الإمام في صلاة الفجر ، أنه ينبغي له أن يركع ركعتي الفجر ما
لم يخف فوت صلاة الإمام ، ولم يجعلوا تشاغله بالسعي إلى
الفريضة أفضل من تشاغله بهما في منزله .
(١) من ((هـ)).
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): طريق - خطأ
- ٢٨٦ -
قال الطحاوي : وقد روي أن النبي - عليه السلام - مَرَّ بابن بحينة
وهو يصلي بين يدي نداء الصبح . فقال : لا تجعلوا هذه الصلاة
كصلاة الظهر وبعدها / ، واجعلوا بينهما فصلا . فأبان في هذا [١/في١٢٩ -ب]
الحديث أن الذي كرهه رسول الله لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة
في مكان واحدٍ دون أن يفصل بينهما بشيء يسير ؛ لأنه كره له أن
يصليهما في المسجد ، فإذا فرغ منهما تقدم إلى الصفوف فصلى
الفريضة مع الناس . وقد روي مثل هذا المعنى في غير هذا الحديث .
روى ابن جريج ، عن عمر بن عطاء ، أن نافع بن جبير أرسله إلى
السائب بن يزيد يسأله : ماذا سمع من معاوية في الصلاة بعد الجمعة ؟
فقال : صليت معه في المقصورة الجمعة فلما فرغت قمت لأتطوع
فأخذ بثوبي فقال : لا تفعل حتى تتقدم أو تكلم ؛ فإن رسول الله كان
يأمر بذلك .
ولم يختلفوا أنه من لم يُصَلِّ العشاء فدخل المسجد فوجدهم في
الإشفاع أنه جائز أن يصلي العشاء ناحيةً من المسجد بحيث يأمن تخليط
الإمام عليه .
وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون النهي في قوله: ((الصبح أربعًا))
لأنه جمع بين الصلاتين من الفرض والنفل في مكان واحد ، كما نهى
من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعًا في مكانٍ واحدٍ حتى يتكلم أو
يتقدّم .
وَأَمَّا قوله في الترجمة: ((إذا أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا
المكتوبة)) فقد رُوي هذا اللفظ عن النبي - عليه السلام - رواه [أبو](١)
عاصم عن زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن سليمان بن
(١) من ((هـ))، وهو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وفي ((الأصل)):
ابن- خطأ .
- ٢٨٧ -
يسار ، عن أبي هريرة ، عن الرسول ، إلا أن ابن عيينة ، وحماد بن
زيد ، وحماد بن سلمة ، أوقفوه على أبي هريرة ، فلذلك تركه
البخاري .
وأجمعوا أن من عليه صلاة الظهر فدخل في المسجد ليصليها
فأقيمت عليه العصر ، أنه لا يقطع صلاته ، ويكملها .
قال مالك : ومن أَحْرَمَ بفريضة في المسجد فأقيمت عليه تلك
الفريضة ، فإن لم يركع قطع بسلام ، ودخل مع الإمام ، وإن
[ركع](١) صلى ثانيةً وسلم ودخل معه، وإن صلى ثالثةً صلى رابعةً
ولا يجعلها نافلةً ويسلم ويدخل مَعَهُ ، وإن كانت المغرب قَطَعَ ودخل
مع الإمام ، عَقَدَ ركعةً أم لا . وإن صلى اثنتين أتمهما ثلاثا وخرج .
فهذا يدل أن حديث مالك المرسل عن أبي سلمة أن الرسول قال :
((أصلاتان معًا؟!)). إنما هو عندي فيمن اشتغل بنافلة عن فريضة ،
ولو كان فيمن اشتغل بفريضة لأَمَرَهُ بقطع الصلاة ، ولو كان في
الرابعة، أو الثالثة من المغرب .
قال الخطابي: قوله: (( لات به الناس )) معناه : أحاطوا به ،
واجتمعوا عليه ، وكل شيء اجتمع والتبس بعضه ببعض فهو لائث
فقلب كما قال الله - تعالى - ﴿على شفا جُرُفٍ هارٍ﴾ (٢): أي هائر.
وقال صاحب الأفعال : لاث الشجر والنبات : التف بعضه ببعضٍ،
ولات بغيره كذلك ومنه : لات الإزار والعمامة : إذا رد بعضها على.
:
بعض .
:
(١) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): كان خطأ.
(٢) التوبة : ١٠٩
٠ - ٢٨٨ -
باب : حَد المريض أن يشهد الجماعة
فيه : عائشة ، أنه ذكر عندها المواظبة على الصلاة والتعظيم لها .
فقالت: (( لما مرض النبي - عليه السلام - مرضه الذي مات فيه
فحضرت الصلاة فَأُذِّنَ ، فقال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس ، فقلت له :
إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس .
وأعاد ، فأعادوا له . فأعاد الثالثة فقال : إنكن صواحب يوسف ، مروا
أبا بكر فليصل بالناس . فخرج [ أبو ] (١) بكر فصلَّى ، فوجد الرسول
من نفسه خفَّةً ، فخرج يُهادى بين رجلين ، كأني أنظر رجليه تخطّان من
الوَجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخر ، فأومأ إليه النبي أن مكانك . ثم
[أُتِيَ](٢) به حتى جلس إلى جنبه . فقيل للأعمش: كان النبي يُصلي
وأبو بكر يُصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه :
نعم)) .
قال المؤلف : قوله : باب حدّ المريض أن يشهد الجماعة معناه :
باب حدة المريض وحرصُه على شهود الجماعة ، كما قال عمر بن
الخطاب في أبي بكر الصديق : وكنت أداري منه بعض الحد - يعني
بعض الحدة - والمراد بهذا [ الحديث ] (٣) الحض على شهود الجماعة
والمحافظة عليها (٤).
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وفيه من الفقه : جواز الأخذ
بالشدة لمن جازت له الرخصة ؛ لأن الرسول كان له أن يتخلف عن
الجماعة لعذر [ المرض ] (٥) فلما تحامل على نفسه وخرج بين رجلين
(١) من ((هـ)، وفي ((الأصل)): أبا . كذا .
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أوتي.
(٣) كتبت في هامش ((الأصل)): الباب (( ح)).
(٤) انظر للمزيد في معنى هذا اللفظ: ((فتح الباري)) (١٧٨/٢).
(٥) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المريض.
- ٢٨٩ -
تخط رجلاه الأرض ؛ دَلَّ على فضل الشدة على الرخصة ، وَرَغَّب
أُمَّتَهُ في شهود الجماعات ؛ لما لهم فيها من عظيم الأجر ، ولئلا يعذر
أحد منهم نفسه في التخلف عنها ما أمكنه وقدر عليها ، إذ لم يعذر
نفسه عليه السلام ولم يرخص لها في حال عجزه عن الاستقلال على
[١/ ١٣٠- ١] قدميه مع علمه أن الله / قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،
وبذلك عمل السلف الصالحون ، فكان الربيعُ بن خثيم يخرج إلى
الصلاة يهادى بين رجلين ، وكان أصابه الفالج ، فيقال له : إنك لفي
عذر ، فيقول : أجل ، ولكني أسمع المؤذن يقول : حي على الصلاة
حي على الفلاح ، فمن سمعها فليأتها ولو حبواً .
وكان أبو عبد الرحمن السلمي يُحْمَلُ وهو مريض إلى المسجد .
وقال سفيان : كان سويد بن غفلة ابن ( ست ) (١) وعشرين ومائة
سنة يخرج إلى الصلاة .
وكان أبو إسحاق الهمداني يهادى إلى المسجد فإذا فرغ من صلاته
لم يقدر أن ينهض حتى يُقام .
وقال سعيد بن المسيب : ما أَذَّن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في
المسجد .
. وقول عائشة : ((إن أبا بكر رجل أسيف)) ، يعني : سريع الحزن
والبكاء . والأسف عند العرب : شدة الحزن والتندم . يقال منها :
أسف فلان على كذا يأسف ، إذا اشتد حزنه ، وهو رجل أسيف
وأسُوف ، ومنه قول يعقوب: ﴿يا أسفى على يوسف﴾ (٢) يعني:
يا حزنا ويا جزعا ؛ توجعًا لفقده . وقيل (٣): قال الخزاعي
(٢) يوسف : ٨٤ .
(١) في (( هـ )) : سبع:
(٣) كذا في ((الأصل)) و (( هـ )).
- ٢٩٠ -
[ الأسيف ] (١) : الضعيف من الرجال في بطشه ، وأما الأسفُ فهو
الغضبان المتلهف ، كما قال الله - تعالى - : ﴿ولما رجع موسى إلى
قومه غضبان أسفًا ﴾ (٢) .
#
باب : الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رَحْلِه
فيه : ابن عمر ، أنه أَذْنَ بالصلاة - في ليلة ذات برد وريح - ثم قال :
ألا صلوا في الرِّحال. ثم قال: إن رسول الله كان يأمر المؤذن - إذا كانت
ليلة ذات برد ومطر - يقول : ألا صلوا في الرِّحَال .
وفيه : عتبان بن مالك ، (( أنه كان يَؤْمٌّ قومَهُ وهو أعمى ، وأنه قال
لرسول الله: يا رسول الله ، إنما تكونُ الظلمةُ والمطر والسَّيْلُ، وأنا رجل
ضرير البصر ، فصلُّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مُصلّى .. ))
الحديث .
أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعات في شدة المطر
والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح بهذه الأحاديث ، ألا ترى أن
عتبان بن مالك سأل النبي - عليه السلام - أن يصلي في بيته مكانًا
يتخذه مصلى إذا كان المطر والسَّيْل ، ففعل ذلك ؛ فدل أن شهود
الجماعات سُّنَّة ؛ لأنه لما سقط عنه الإتيان إلى الجماعة ، وجاز له أن
يصليها في بيته منفردًا، وبقوله: ((ألا صلوا في الرِّحَال)) علم أنها
سُنَّة ، ولو كانت الصلاة لا تجوز في البيوت إلا جماعة ، لما ترك
الرسول بيانه لأمته ؛ لأن الله أخذ عليهم ميثاق البيان لهم ، ولقال
لعتبان : لا تصح لك في مصلاك [ هذا ] (٣) صلاة منفردة حتى
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الأسف.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): هذه.
(٢) الأعراف : ١٥٠ .
- ٢٩١ -
يجتمع معك فيه غيرك ، فصح قول الجماعة أن الجَمْع سَنَّة، وإذا
وسع التخلف عن الجماعة للظلمة والمطر ، فالتخلف لعذر المرض
مثله. وقد قال إبراهيم النخعي: ما كانوا يُرَخِّصُون في ترك الجماعة إلا
لخائف أو مريض .
باب : هل يصلي الإمام بمن حضر ؟
وهل يخطب يوم الجمعة في المطر ؟
فيه : ابن عباس ، أنه خطب في يوم ذي رَدْغ، فأمر المؤذن لما بلغ ((حي.
على الصلاة)) قال : قل: الصلاة في الرحال ، فنظر بعضهم إلى بعض
كأنهم أنكروا فقال : كأنكم أنکرتم هذا ، إن هذا فَعَلَهُ من هو خير مني -
يعني رسول الله - إنها عَزْمة، وإني كرهتُ أن أُحْرِجكم .
وفيه : أبو سعيد الخدري ، قال : جاءت سحابة فمطرت حتى سال
السَّقْفُ - وكان من جريد النَّخْل - فأقيمت الصلاة ، فرأيت رسول الله
يَسْجُدُ في الماء والطين ، حتى رأيت أثر الطين في جبهته .
وفيه: أنس: (( قال رجل من الأنصار: إني لا أستطيع [ الصلاة] (١)
معك - وكان رجلا ضخمًا - فصنع للنبي طعامًا فدعاه إلى منزله ،
فبسط له حصيرًا ، ونضح طرف الحصير فصلى عليه ركعتين
الحديث .
فيه من الفقه : أن الجماعات تقام بمن حضرها في المساجد وفي
البيوت .
وفيه : أن المساجد لا تعطل في المطر والطين ولا غيره .
١٠
(١) من ((هـ))، وفي ( الأصل)): صلاة.
- ٢٩٢ -
وفيه : أن [ الجمعة ] (١) ليس لها عدد من الناس لا تجوز الصلاة
دونهم .
وأجمعوا أنه لا يخطب يوم الجمعة على واحدٍ ، ولا يصلي معه
جمعة .
واختلفوا في الاثنين : فقال الليث : يخطب الإمام باثنين . وقاله
أبو حنيفة .
وقال بعض أصحابه : لا يخطب إلا مع ثلاثة سوى الإمام .
وفيه / : أن الجمعة يُتخلف عنها في المطر ، كما يتخلف عن سائر [١/ ق١٣٠ -ب]
الصلوات . وسيأتي ذلك في كتاب الجمعة ، إن شاء الله .
والدَّوْسُ : [الدرس] (٢)، داست الخيل القتلى: إذا وطئتهم،
ودياس البقر مثله ، من كتاب العين ، وقد تقدم تفسير الردغ في باب
الكلام في الأذان .
باب : إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة
وكان ابن عمر يبدأ بالعَشَاء .
وقال أبو الدرداء : من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقبل على
صلاته وقلبه فارغ .
فيه : عائشة ، قالت : قال عليه السلام: (( إذا وُضعَ العَشَاء ، وأقيمت
الصلاة ، فابدءوا بالعَشَاء)).
(١) من ((هـ)) وهو المناسب هنا، وفي ((الأصل)): ((الجماعة)).
(٢) من ((هـ))، يُقال: داس الزرع أو الحصيدَ أو الحبَّ: دوسه (المعجم
الوسيط: ٣٠٣/١) وفي ((الأصل)): الدوس . خطأ.
- ٢٩٣ -
وفيه : أن رسول الله قال: (( إذا قُدِّم العَشَاء ، فابدءوا به قبل أن تصلوا
صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عَشائكم)) .
ورواه ابن عمر ، عن النبي أيضًا ، قال: فكان ابن عمر يوضع له الطعام،
وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حتى يفرغ منه ، وإنه ليسمع قراءة الإمام .
وقال ابن عمر مرةً، قال رسول الله: (( إذا كان أحدكم على الطعام
فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة )) .
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث : فذكر ابن المنذر أنه قال
بظاهره : عمر بن الخطاب وابن عمر ، وهو قول الثوري وأحمد.
وإسحاق .
وقال الشافعي : يبدأ بالطعام إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه .
فإن لم يكن كذلك ترك العَشاء ، وإتيان الصلاة أَحَبُّ إلي .
وذكر ابن حبيب مثل معناه .
وقال ابن المنذر عن مالك : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون طعامًا
خفيفًا .
وقال أهل الظاهر: لا يجوز لأحد حَضَرَ طعامه بين يديه ، وسمع
الإقامة ، أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء ، فإن فعل فصلاته باطلة .
وحجةُ الذين قالوا يبدأ بالصلاة ، أنهم حملوا قوله عليه السلام :
(«فابدءوا بالعشاء )) على الندب لما يخشى من شغل باله بالأكل فيفارقه
الخشوع ، وربما نقص من حدود الصلاة ، أو سَهَا فيها . وقد بين هذا
المعنى أبو الدرداء في قوله: ((من فقه المرء إقباله على طعامه حتى
يُقبل على صلاته وقلبه فارغ )) . ولو كان إقباله على طعامه هو الفرض
عليه لم يَقُل فيه : من فقه المرء أن يبدأ به ، بل كان يقول : من
:
- ٢٩٤ -
الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به ، فَبَيَّن العلة في قوله عليه السلام :
(ابدءوا بالعشاء)) أنها لما يخاف من شغل البال . وقد رأينا شغل البال
في الصلاة لا يفسدها ؛ ألا ترى أن النبي صلى في جُبّة لها عَلَم ،
فقال: ((خذوها وائتوني بأنبجانية)) ، فأخبر أن قلبه اشتغل بالعَلَم ولم
تبطل صلاته .
وقال عمر بن الخطاب : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .
وقال عليه السلام: (( لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول [له](١):
اذكر كذا ، حتى ( يضل ) (٢) الرجل، لا يدري كم صَلّى))، ولم
يأمرنا بإعادتها لذلك ، وإنما استحب أن يكون المصلِّي فارغ البال من
خواطر الدنيا ؛ ليتفرغ لمناجاة ربه .
وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يَتْبَعَهُ من ملك
بُضْعَ امرأة ولم يَيْنِ بها، ولا من بنى دارا ولم يكملها ؛ ليتفرغ قلبه من
شواغل الدنيا ، فهذا في الغزو ، فكيف في الصلاة التي هي أفضل
الأعمال ، والمصلي واقف بين يدي الله .
وقد احتج بهذا الحديث الكوفيون وأحمد وإسحاق ، في أن وقت
المغرب واسع ، وقالوا : لو كان لها وقت واحد ، ما ( كان ) (٣)
لأحد أن يشتغل فيه بالأكل حتى يفوت .
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)): يظل .
(٣) من ((الأصل))، و((هـ)): وجُعل فوقها في الأصل علامة التصويب ، وكتب
في الحاشية (( جاز)) بدون ((صح))، ولا (( ح)).
- ٢٩٥ -
باب : إذا دُعي [ الإمام ] (١) إلى الصلاة وبيده ما يأكل
فيه : عمرو بن أمية ، قال: (( رأيت النبي يأكل ذراعًا يحتزُّ منها ، فدعي
إلى الصلاة فقام فطرح السكِّين فصلى ولم يتوضأ)) .
هذا الحديث يفسر أمر الرسول أن يبدأ بالعَشَاء قبل الصلاة . ويدل
على أنه على الندب لا على الوجوب ؛ لأنه قام إلى الصلاة وترك
الأكل .
وقد تأول أحمد بن حنبل من هذا الحديث : أن من شرع في
الأكل، ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ، ولا يتمادى في
الأكل؛ لأنه قد أخذ منه ما يمنعُه من شغل البال ، وإنما الذي أمر
بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لئلا يشغل به باله .
[١/ ١٣١٥-أ] : وَيَرُدَّ هذا التأويل / أن ابن عمر قد روى في الباب قبل هذا أن
الرسول قال: ((إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي
حاجته منه)) ، ومن كان على الطعام يقتضي تقدمَ أكلِه منه قبل إقامة
الصلاة ، وقد أَمَرَهُ الرسول ألا يعجل حتى يقضي حاجته منه ، وهو
خلاف ما تأوله أحمد بن حنبل .
باب : فيمن كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج
فيه: الأسود، قال: (( سَأَلْتُ عائشة : ما كان الرسول يصنع في بيته؟
قالت : كان يكونُ في مَهْنَة أهله - يعني في خدمة أهله - فإذا حضرت
الصلاة خرج إليها )).
لَمَّا لم يكن يذكر في هذا الحديث أنه أزاح عن نفسه هيئة مهنته ،
(١) من (( هـ).
- ٢٩٦ -
دَلَّ أن المرء له أن يُصلي مُشَمِّرًا، وكيف كان من حالاته ، لأنه إنما
يُكْرَه له التشمير و[ كفت] (١) الشعر والثياب إذا كان يقصد بذلك
الصلاة، وكذلك قال مالك : أنه لا بأس أن يقوم إلى الصلاة على هيئة
جلوسه وبذلته .
وفيه : أن الأئمة والعلماء يتولون خدمة أمورهم بأنفسهم ، وأن
ذلك من فِعْل الصالحين .
#
باب : من صلى بالناس وهو لا يريد
وہے و
إِلا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صلاة النبي وَسنته
فيه : مالك بن الحويرث ، أنه قال في مسجد أبي قلابة : إني لأصلي
بكم وما أريد الصلاة ، أصلي كيف رأيتُ النبي يُصلي . فقلتُ لأبي
قلابة : كيف كان يصلي ؟ قال : مثل شيخنا هذا، وكان الشيخ يجلس
إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى )) .
قال المهلب : يجوز للإنسان من هذا الحديث أن يُعَلِّمَ غيره الصلاة
والوضوء عيانًا وعملا ، كما فعل جبريل في إمامته بالرسول حين أَرَاهُ
كيفية الصلاة عيانًا . وبهذا الحديث أخذ الشافعي في أن كل من سجد
السجدة الآخرة من الركعة الأولى أو الثانية ، أنه لا يقوم حتى يستوي
جالسًا ، وهي صفة من صفات الصلاة . وقد ثبتت صفة أخرى عن
النبي قال بها مالك وغيره : وستأتي في موضعها - إن شاء الله .
(١) من (هـ))، وفي ((الأصل)»: كف.
- ٢٩٧ -
باب : أهل العلم والفضل أحق بالإمامة
فيه : أبو موسى ، قال : « مرض النبي فاشتد مرضه فقال : مروا أبا بكر
فَلْيُصَلِّ بالناس . قالت عائشة : إنه رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم يستطع
أن يصلي بالناس . قال : مُري أبا بكر فليصل بالناس . فعادت . فقال :
مُري أبا بكر فليصل بالناس . فعادت . فقال : مري أبا بكر فليصل:
بالناس ، فإنكن صواحب يوسف . فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة
الرسول)) . روته عائشة، وأنس، وحمزة الأسلمي عن النبي عليه السلام.
اختلف العلماء في من أَوْلَى بالإمامة ، فقالت طائفة : يؤم القوم.
أعلمهم وأفضلهم . قال عطاء : يؤم القوم أفقههم ، فإن كانوا في
الفقه سواء فأقرؤهم ، فإن كانوا في الفقه والقراءة سواء فَأَسَنُّهم .
قال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي : يؤم القوم أفقههم . وهو:
قول أبي ثور .
وقال الليث : يؤمهم أفضلهم وخيرهم .
وقالت طائفة : القارئ أَوْلَى من الفقيه . هذا قول الثوري ، وأبي
حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق .
واحتجوا بما رواه [ الأعمش ] (١) وشعبة عن إسماعيل بن رجاء،
عن [ أوس ] (٢) بن ضَمْعَج عن أبي مسعود البدري ، قال : قال.
رسول الله: (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة.
سواء فأعلمهم بالسُّنَّة ، فإن كانوا في السُّنَّةِ (٣) [ سواء فأقدمهم
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): أحمد خطأ.
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): أويس - خطأ.
(٣) من أول هنا سقط في الأصل ، وهو بمقدار ورقة مخطوط ، وسيأتي التنبيه على.
آخره .
- ٢٩٨ -
هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما )) وزاد فيه شعبة:
(« ولا يؤم الرجل في أهله ، ولا في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته
إلا بإذنه)) . والتكرمة : فراشه. قاله إسماعيل بن رجاء ، وبما رواه
ابن جريج عن نافع عن ابن عمر ، قال : كان سالم مولى أبي حذيفة
يؤم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكة؛ لأنه كان
أكثرهم قرآنًا ، فيهم أبو سلمة بن عبد الأسود وعمر بن الخطاب .
قالوا: وحديث أبي مسعود معارض لقوله {وَله: ((مروا أبا بكر
يُصلي بالناس)) ؛ لأنه كان فيهم من كان أقرأ منه للقرآن .
قيل : لا تعارض بينهما بحمد الله ، ويحتمل أن يكون النبي
عبد الله
ونيعم
قال: ((يؤم القوم أقرؤهم)) في أول الإسلام حين كان حفاظ القرآن
قليلا وقت قدّم عمرو بن سلمة - وهو صبي - للصلاة في مسجد
عشيرته وفيه الشيوخ . وكان تنكشف عورته عند السجود ، فدل أن
إمامته بهم في مثل هذه الحال كانت لعدم من يقرأ من قومه . ولهذا
المعنى كان يؤم سالم المهاجرين والأنصار في مسجد قباء - حين أقبلوا
من مكة مهاجرين - لعدم الحُفَّاظ حينئذ .
فأما وقت قوله وَّ: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)» فقد كان تقرر
الإسلام وكثر حفاظ القرآن وتفقهوا فيه ، فلم يكن الصديق رضي الله
عنه - على جلالته وثاقب فهمه ، وتقدمه في كل خير - يتأخر عن
مساواة القُرَّاء ، بل فضلهم بعلمه ، وتقدمهم في كل أمره . ألا ترى
قول أبي سعيد : وكان أبو بكر أعلمنا .
وقال الطبري: لما استخلف النبي ◌َّ الصديق رضي الله عنه على
الصلاة بعد إعلامه لأمته أن أحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله صح أنه
- ٢٩٩ -
يَوْمَ قَدَّمَهُ للصلاة كان أقرأ أمته لكتاب الله وأعلمهم وأفضلهم؛ لأنهم
كانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن حتى يتعلموا معانيه وما يراد به ، كما
قال ابن مسعود : كان الرجل مِنَّا إذا تَعَلَّم عشر آياتِ لم يجاوزهن
حتی یتعلم معانیهن والعمل بهن .
ولَّا كان النبي ◌َّ لا يستحق أن يتقدمه أحد في الصلاة، وجعل ما
كان إليه منها بمحضر جميع الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه كان
جميع أمور الإسلام تبعًا للصلاة. ولهذا قَدَّمَهُ رسول الله وَهُ
للصلاة، والصلاة لا يقوم بها إلا الدعاة ومن إليه السياسة وعقد
الخلافة ؛ كصلاة الجمع والأعياد التي لا يصلح القيام بها إلا لمن إليه
القيام بأمر الأمة وسياسة الرعيّة .
وصحّ أنه أفضل الأُمة بعدهُ لقيام الحجة بأن أولى البرية بعقد الخلافة
أفضلهم وأقومهم بالحق وأعدلهم وأوفرهم أمانة وأحسنهم على محجة
الحق استقامة ، وكذلك كان الصديق رضي الله عنه .
قال المهلب : إن قال قائل : إن عمر أعلم من أبي بكر ، واستدل
بحديث الذّنُوب والذّنُوبَيْن، و((فِي نَزْعِهِ ضَعْف )) قيل : إنه ليسٍ كما
ظننت ، إنما الضعف في المدة التي وليها أبو بكر ، لا فيه ولا في
علمه، إنما كان الضعف في نشر السنن لقرب مدته وضعفها عن أن
يتمكن بتثبيت السنن ؛ لأنه ابتلي بارتداد الناس ومقاتلة العرب .
وأما مراجعة عائشة ، وحرصها أن يستخلف غير أبي بكر ، فإنما
خَشِيَتْ أن يتشاءم الناس بإمامة أبي بكر فيقولون : مُذْ أمَّنا هذا فَقَدْنَا
رسولَ الله ◌َّ﴾، وقد روي هذا عنها رضي الله عنها .
- ٣٠٠ -