النص المفهرس

صفحات 261-280

باب : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا
قاله أبو قتادة عن الرسول .
فيه: أبو هريرة، قال الرسول: ((إذا سمعتم الإقامة ، فامشوا إلى
الصلاة، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ،
وما فاتكم فأتموا )) .
قال المهلب / : معنى أمره بالسكينة في السعي إلى الصلاة - والله [١/ق١٢٥-١]
أعلم - لئلا [ يُبْهر ] (١) الإنسان نفسه ، فلا يتمكن من ترتيل القرآن،
ولا من الوقار اللازم له في الخشوع .
وقوله عليه السلام : (( إذا سمعتم الإقامة ، فامشوا إلى الصلاة)) .
يرد ما فعله ابن عمر من إسراعه إلى الصلاة حين سمع الإقامة، ويبين
أن الحديث على العموم ، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة ، كما
تلزم من كان في سعة من الوقت .
وقوله: (( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا )) فيه حجة لمن قال:
إن ما أدرك المأموم من صلاة الإمام ، فهو أول صلاته ، وقد اختلف
العلماء في ذلك ، ففي المدونة ، عن مالك ، أن ما أدرك فهو أول
صلاته ، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة ،
ورواه ابن نافع ، عن مالك ، وقال سحنون في العتبية : هذا الذي لم
نعرف خلافه ، وهو قول مالك ، أخبرني به غير واحد ، وهو قول
سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، ومكحول ، وعطاء ،
والزهري، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وقالت طائفة : ما
أدرك مع الإمام ، فهو آخر صلاته والذي يقضيه أول صلاته ، روي
ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر ، والنخعي ، والشعبي ، وابن
(١) من ((هـ ))، والمعنى: لئلا يُجْهد الإنسان نَفْسَهُ حتى يتتابع نَفَسُهُ من الإعياء.
( المعجم الوسيط ٧٣/١)، وفي ((الأصل)): يتهد - خطأ .
- ٢٦١ -

سيرين ، وأبي قلابة ، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك في
العتبية ، ورواه أشهب عنه ، وهو قول أشهب ، وابن الماجشون ،
واختاره ابن حبيب ، وقال : الذي يقضي هو أولها ؛ لأنه لا يستطيع.
أن يخالف إمامه ، فتكون له أولى وللإمام ثانية أو ثالثة .
وحكى الطحاوي ، عن أبي حنيفة : أن الذي يدرك مع الإمام هو
آخر صلاته وهو عنده قول الثوري ، وحجة هذا القول رواية من اروى
هذا الحديث : وما فاتكم فاقضوا . والقضاء لا يكون إلا لفائت ،
ومعلوم أن الفائت من صلاة المأموم ما سبقه به إمامه ، وفي إجماعهم
أنه يقضي بقية صلاته كما وردت السنة دليل على أن الذي يقضيه
فائت، وأن الذي صلى مع الإمام ليس هو الفائت .
فإن قيل : فلم تأمره إذا قضى الفائت بالتشهد ، وقد فعله قبل ذلك
[عندك ] (١) في موضعه .
قيل : لأنه لم يفعل التسليم ، ومن سنة التسليم أن يكون عقيب
التشهد . وحجة القول الأول قوله عليه السلام: ((وما فاتكم فأتموا)).
والتمام لا يكون إلا للآخر ، ومستحيل أن يكون ما أدرك : آخر
صلاته، ( فعمله ) (٢) أولا، لأنه لا يكون آخرًا إلا وقد تقدمه أول.
فإن قال قائل : كيف يصح في قول مالك أن يكون ما أدرك أول
صلاته ، ولا خلاف عنده أنه من أدرك مع الإمام ركعتين أنه يقرأ فيهما.
كما يقرأ الإمام بأم القرآن في كل ركعة ، فإذا سلم ، قام فقرأ فيما
يقضي: بالحمد وسورة في كل ركعة ؟
قيل : جواب هذا السؤال اتفاق الجميع على أن الإحرام لا يكون
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): غيرك خطأ .. (٢) في ((هـ)): فيعمله.
- ٢٦٢ -

إلا في أول الصلاة ، والتشهد والسلام لا يكون إلا في آخرها ، فكان
ما أدرك : أول صلاته ، وجواب آخر : وهو قوله عليه السلام : ((وما
فاتكم فاقضوا)) ، وذلك أن الذي فاته هو الدي فعله إمامه ، وهي
قراءة أم القرآن وسورة في كل ركعة ، فوجب عليه قضاء مثله ، وهذا
المعنى بعينه يقتضي قوله عليه السلام: ((وما فاتكم فأتموا)) لأن التمام
في اللغة إتمام شيء ناقص تقدمه ، ولا يكون تماما لشيء حتى يؤتى
بكل ما نقص منه ، وقد فَسَّرَ أهل اللغة القضاء على [ غير ] (١) ما
احتج به الفقهاء ، وقالوا : القضاء يكون لغير فائت قال صاحب
الأفعال : قضى الشيء : صنعه ، قال تعالى : ﴿ فقضاهن سبع
سماوات في يومين ﴾ (٢) أي صنعهن، وقال: ﴿فاقض ما أنت
قاض﴾ (٣) أي اصنع ما أنت صانع . قال أبو ذؤيب :
داود أو صَنَعِ السَّوابِغَ تُبَّعُ
وعليهما مسبرودتان قضاهما
أي صنعهما داود ، قال : ويقال : قضيت الحق : خرجت منه ،
وقضيت العمل والأمر : فرغت منهما ، قال تعالى : ﴿ فإذا قضيت
الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (٤) ، وهذا كله يدل على صحة قول من
قال : إن ما أدرك فهو أول صلاته .
وفي المسألة قول ثالث قاله المزني ، وإسحاق ، وأهل الظاهر
قالوا: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيهما بالحمد وسورة مع
الإمام ، وإذا قام للقضاء ، قضى بالحمد وحدها ، فيما يقضي لنفسه،
كأنه آخر صلاته ، فهؤلاء طردوا قولهم على أصولهم إلا أنه لا سلف
لهم فيه ، فلا معنى له .
(١) من ((هـ)) ولابد منه.
(٣) طه : ٧٢ .
(٢) فصلت : ١٢ .
(٤) الجمعة : ١٠ .
- ٢٦٣ -

باب : متى يقوم / الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة ؟
. [١/ ق١٢٥ -ب]
فيه: أبو قتادة قال: قال رسول الله: ((إذا أقيمت الصلاة ، فلا تقوموا.
حتى تروني)). وترجم له باب لا يسعى إلى الصلاة ، ولا يقم إليها
مستعجلا ، وليقم إليها بالسكينة والوقار ، وزاد في الحديث: (( لا تقوموا
حتى تروني ، وعليكم بالسكينة والوقار)).
فائدة هذا الحديث أن تكون الإقامة متصلة بالصلاة ، وألا يقام لها
إلا بحضرة الإمام ، وأمرهم - عليه السلام - ألا يطيعوا المؤذن في
ذلك خشية التراخي والمهلة بين الإقامة والدخول في الصلاة ، فينتظرونه
قيامًا ، لأن شأن الدخول في الصلاة ، اتصاله بإقامة من غير فصل ،
فلذلك نهاهم عن القيام قبل خروجه - والله أعلم .
وقد اختلف السلف في ذلك ، فقالت طائفة : إذا أقيمت الصلاة ،
فلا يقوم الناس حتى يأتي الإمام ، على ظاهر حديث أبي قتادة ،
وروي ذلك عن علي ابن أبي طالب ، وهو قول إبراهيم . وقالوا
ينتظره الناس قعودًا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي . وروي عن
الحسن ، وعمر بن عبد العزيز أنهم ينتظرونه قيامًا .
واختلف في قيام المأمومين إلى الصلاة إذا كان الإمام في المسجد ،
فروي عن [ سالم ] (١) ، وأبي قلابة ، والزهري ، وعطاء أنهم كانوا
يقومون في أول الإقامة ، وبه قال أحمد ، وإسحاق [ وقال أبو حنيفة.
ومحمد ] (٢): يقومون في الصف إذا قال المؤذن : حي على الفلاح،
وإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام ، وهو فعل أصحاب عبد الله،
والنخعي . وقال أبو يوسف ، ومالك ، والشافعي : لا يكبر الإمام
(١) من ((هـ)) وهو الصواب والمناسب للسياق، وفي الأصل: ((مالك)) وهو وهم.
(٢) من (( هـ )).
- ٢٦٤ -

حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، وهو قول الحسن البصري ، وأحمد ،
وإسحاق .
قال ابن المنذر : وعلى هذا جلّ الأئمة : مالك ، والشافعي ،
والعمل في أمصار المسلمين ، يعني في تكبير الإمام بعد تمام الإقامة .
قال المهلب: وقوله: (( لا تسع إلى الصلاة ، ولا تقم إليها
مستعجلا)). فذلك لأن السكينة تلزم عند الوقوف بين يدي الله ، وفي
القيام إلى الصلاة استشعار بحال الوقوف بين يدي الله - تعالى .
باب : هل يخرج من المسجد لعلة ؟
فيه : أبو هريرة (( أن نبي الله خرج وقد أقيمت الصلاة ، وعُدلت
الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه ، انتظرنا أن يكبر، انصرف [و] (١)
قال : على مكانكم فمكثنا على هيئتنا ، حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء،
وقد اغتسل )) .
وترجم له باب إذا قال الإمام : مكانكم حتى يرجع انتظروه . وقال فيه
: ((أقيمت الصلاة ، فسوى الناس صفوفهم ، فخرج رسول الله ، فتقدم
وهو جنب ، ثم قال : على مكانكم ... )) وذكر الحديث .
معنى هذا الباب : هل يخرج من المسجد إذا ذكر أنه جنب دون أن
يتيمم أم لا ؟ وقد تقدم هذا الباب في كتاب الطهارة ، وذكرت هناك
اختلاف العلماء في ذلك فأغنى عن إعادته .
وقال المهلب : فيه أن يكون بين الأذان والإقامة مهلة عند الضرورة
بقدر اغتساله عليه السلام وانصرافه إليهم .
(١) من ( هـ )).
- ٢٦٥ -

،
فإن قال قائل : فإن هذا الحديث يعارض حديث أبي قتادة أنه عليه
السلام قال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني)) ..
قيل : يحتمل أن يكون حديث أبي قتادة على غير الإيجاب والحتم،
بل على وجه الرفق بهم لئلا ينتظروه قيامًا .
وفيه: جواز انتظار الجماعة لإمامها الفاضل ما دام في سعة من الوقت ..
وفيه : جواز انتظارهم له قيامًا ، وهذا مما يكون فيما قرب .
وفي هذا الحديث حجة لمالك وأبي حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد
تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء ، ويرد قول الشافعي في إجازته.
تكبير المأموم قبل إمامه ، لأنه روى حديث أبي هريرة على ما رواه
مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول
الله كبر في صلاة من الصلوات ، ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب ،
ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء ، فاحتج به الشافعي في ذلك ، ونقض
أصله ؛ لأنه حديث مرسل ، وهو لا يقول بالمراسيل .
ومالك الذي ذكره في موطئه تركه ، وأراد أن يعرفنا أنه رواه ، ولم
يقل به ، لأنه قد صح عنده أنه عليه السلام ، لم يكن كبر حينئذ على
ما رواه أبو هريرة ، وهذا الحديث رواه يونس ، ومعمر ، والأوزاعي،
[١/ ٥ ١٢٦-١] وصالح / بن كيسان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة، وأنه عليه السلام لم يكن كبر ، وذهب فاغتسل ، ثم رجع ،
فكبر . ولو لم يكن يستأنف التكبير عند رجوعه لما صحت صلاة من
خلفه ؛ لأنه كان يقع تكبيره بعد تكبيرهم ، ولا يستحق الإمام اسم
الإمامة إلا بتقديم فعلهِ فعلَ من يأتم به واتباعهم له ، ومن كبر قبل
إمامه فلم يأتم به ولا حصل متبعًا له .
- ٢٦٦ -

باب : قول الرجل : ما صلینا
فيه: جابر بن عبد الله (( أن النبي - عليه السلام - جاءه عمر بن الخطاب
يوم الخندق فقال : يا رسول الله ، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس
تغرب ، فقال - عليه السلام - : والله ما صليت . فنزل عليه السلام إلى
بُطْحَان ، فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها
المغرب )) .
في هذا الحديث رد على قول من يقول ، إذا سئل : هل صليتَ ؛
وهو منتظر للصلاة ، فيكره أن يقول : لم أصل . وهو قول [ إبراهيم
النخعي ] (١) ، رواه ابن أبي شيبة ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ،
عن أبي هاشم ، عن إبراهيم أنه كره أن يقول الرجل : لم نصل ،
ويقول : نصلي ، وقول الرسول : والله ما صلينا ، خلاف قول
إبراهيم، ورد له ، فلا معنى له .
باب : الإمام تعْرِضُ له الحاجةُ بعد الإقامة
فيه: أنس قال: ((أقيمت الصلاة ، والنبي - عليه السلام - يناجي
رجلا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)) .
وترجم له باب الكلام إذا أقيمت الصلاة .
في هذا الحديث رد لقول الكوفيين أن المؤذن إذا أخذ في الإقامة ،
وقال : قد قامت الصلاة ، وجب على الإمام [ تكبيرة ] (٢) الإحرام،
ولو كان ما قالوه سنة الصلاة ، ما كان عليه السلام يُدخل بين الإقامة
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل ): إبراهيم والنخعي، وهو خطأ يُعلم مما سيأتي.
(٢) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): تكبير.
- ٢٦٧ -

وبين الدخول في الصلاة عملا من غيرها ، ويدل على صحة هذا
القول عملُ الخلفاء الراشدين به من بعد الرسول ، وأمرهم بتسوية
الصفوف بعد الإقامة ، فإذا أخبروا بذلك كبروا ، وبهذا قال مالك ،
وأهل الحجاز ، ومحمد بن الحسن .
وما تعلق به الكوفيون من قول أبي هريرة : لا تفتني بآمين ، فإنما
كان نادرا منه ، لأن شأنه في صلاته كما كان عمل الخلفاء بعده .
قال المهلب : وفي هذا الحديث دليل أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس
من وكيد السنن ، وإنما هو من مستحبها ، وقد قال مالك : إذا بعدت
الإقامة من الإحرام رأيت أن تعاد الإقامة استخبابا ؛ لأن فعل الرسول
في هذا الحديث يدل أنه ليس بلازم ، وإنما كان عند الحاجة التي يخاف
فوتها من أمر المسلمين : .
واختلف العلماء في الكلام بعد الإقامة ، فأجازه الحسن البصري ،
وقال أبو مجلز : أقيمت الصلاة ، وصفت الصفوف ، فابتدر رجل
لعمر ، فكلمه فأطالا القيام ، حتى ألقيا إلى الأرض والقوم صفوف .
وكره الكلام بعد الإقامة : النخعي ، والزهري ، وهذا الحديث
حجة عليهما .
:
باب : وجوب صلاة الجماعة
وقال الحسن : إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها .
..-
فيه : أبو هريرة قال النبي : ( والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر
بحطب ليحطب ، ثم آمر بالصلاة ، فيؤذّنُ لها ، ثم آمر رجلا فيؤم
الناس، ثم أخالف إلى رجال ، فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي
- ٢٦٨ -

بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرْماتين حسنتين ، لشهد
العشاء)).
وقوله: ((لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب ... )) دليل على
تأكيد الجماعة ، وعظيم أمرها ، وقد أمر الله - تعالى - بالمحافظة
على الصلوات بقوله : ﴿ حافظوا على الصلوات﴾ (١)، ومن تمام
محافظتها صلاتها في جماعة .
وأجمع الفقهاء أن الجماعة في الصلوات سنة إلا أهل الظاهر ،
فإنها عندهم فريضة واحتجوا بهذا الحديث ، وقالوا : هي كل صلاة .
واختلفوا في الصلاة التي هَمَّ النبي - عليه السلام - بأن يأمر
فيحطب ( فيحرقَ ) (٢) رجلٌ مَنْ تخلف عنها ، فقالت طائفة : هي
صلاة العشاء ، واحتجوا بما رواه ابن وهب / ، عن ابن أبي ذئب، [١٢٦،٥/١-ب]
عن عجلان (مولى المشمعل)(٣)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله:
(« لينتهين رجال [من ] (٤) حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو
لأحرقن حول بيوتهم)). ويشهد لهذا القول قوله: ((لو يعلم أحدهم
أنه يجد عظمًا سمينا ، لشهد العشاء )) هذا قول سعيد بن المسيب ،
وقال آخرون : هي الجمعة ، [ رواه أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله، عن النبي وَ ل*ر، قال: هي الجمعة ] (٥)، وهو قول
الحسن البصري ، وقاله يحيى بن معين : أن الحديث في الإحراق على
من تخلف عن الرسول : يوم الجمعة لا في غيرها .
ومما يدل أن صلاة الجماعة سنة ما روي عن ابن مسعود أنه قال :
(١) البقرة : ٢٣٨.
(٢) في (( هـ )) : فيحرقون كذا .
(٣) زيدت في هامش الأصل، وأمامها ((صح))، انظر ((تهذيب الكمال))
(٥١٧/١٩)، وليست في ((هـ)).
(٤) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): من .
(٥) من (( هـ ).
- ٢٦٩ -

(( عليكم بالصلوات الخمس حيث ينادى بهن ، فإنهن من سنن نبيكم،
ولو تركتم سنته لضللتم ، ولقد عهدتنا ، وإن الرجل ليهادى بين
رجلين حتى يقام في الصف)) . ومما يدل على أنها سنة أن نبي الله لم
يقل لهم حين توعدهم بالإحراق عليهم ، أنه من تخلف عن الجماعة،
فلا تجزئه صلاته ، ولو كانت فرضًا ما سكت عن ذلك ؛ لأن البيان
منه لأمته [ فرض ] (١) عليه .
قال المهلب : وقد قيل إن هذا الحديث أريد به المنافقون ، وإليهم
توجه الوعيد [ فيه، و] (٢) احتج قائل ذلك [ بأن ] (٣) الرسول
[أقسم] (٤) أنه لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين
لشهد العشاء ، وليس هذا من صفات المؤمنين ، وقيل : إن الحديث
في المؤمنين والوعيد إليهم متوجه ، والدليل على ذلك قصة كعب بن
مالك وصاحبيه ، وأن الله [ سبحانه ] (٤) وبخهم بذلك ولم يوبخ
المنافقين ، ولا ذكرهم ، ولا عُني بإخراجهم إلى الصلاة ، ولا التفت
إلى شيء من أمرهم ، بل كان معرضًا عنهم عالمًا بسوء طويتهم ،
فكيف كان يُعنى بتأديبهم على ترك الصلاة في الجماعة ، وهو يعلم أنه
لا صلاة لهم ، ولا يلزمه التهمم بأمرهم ، لِمَا كان أطلعه الله عليه من
فساد نياتهم .
والعرْقُ: العظم إذا كان عليه لحم ، وقد تَعَرَّقْتُ العظم واعترقْتُهُ ،
وعَرَقْتُه ، وأعرقه عرقًا : أكلت ما عليه ، ورجل معروق ، ومعترق :
خفيف اللحم، فإذا كان العظم لا لحم عليه فهو عِراق. من كتاب العين.
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فرضًا خطأ.
(٢) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): وبه - كذا .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فإن خطأ.
(٤) من (( هـ ))
- ٢٧٠ -

وفيه العقوبة في الأموال على ترك السنن ؛ لأن نبي الله لم يهم من
الإحراق إلا بما يجوز له فعله ، وسيأتي هذا الحديث في أبواب
الإشخاص (١) والملازمة ، وفي كتاب الأحكام ، وترجم له فيها باب
إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت ، وفيه شيء من الكلام على
حسب ما يقتضيه التبويب .
وأما ضربه عليه السلام المثل بالعظم السمين والمرماتين ، فإنه أراد
الشيء الحقير، وقال أبو عبيد: ((المرماتين: ما بين [ ظلفي ] (٢)
الشاة ، وهذا حرف لا أدري ما وجهه )) .
وقال الحربي (٣) : وهو قول الخليل ، ولا أحسب هذا معنى
الحديث ، ولكنه كما أخبرني أبو نصر، عن الأصمعي قال : المرماة :
سهم الهدف . ويصدق هذا ما حدثني به عبيد الله بن عمر ، عن
معاذ، ( عن أبيه ) (٤) ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ،
عن أبي هريرة أن الرسول قال: (( لو أن أحدكم إذا شهد الصلاة معي
كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان، لفعل )) . وقال أبو عمرو :
مرماة ومرام ، وهي الدقاق من السهام المستوية .
باب : فضل صلاة الجماعة
وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر وجاء أنس إلى
مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة
فيه : ابن عمر أن الرسول قال: (( صلاة الجماعة ، تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة )) .
(١) بكسر الهمزة، وهو إحضار الغريم من موضع إلى موضع، انظر ((فتح الباري)»
كتاب (( الخصومات)) (٨٥/٥) والحديث هناك رقم (٢٤٢٠) . وسيأتي .
(٢) من (( هـ)، ومثله في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد، وفي ((الأصل)):
ضلعي ، خطأ .
(٣) غريب الحديث له: (٩٦/١).
(٤) من (( الأصل)) و(( هـ )) وليست في المصدر السابق.
- ٢٧١ -

وفيه : أبو سعيد مثله .
وفيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( صلاة الرجل في الجماعة
تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه : خمسًا وعشرين ضعفًا ؛ وذلك
أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا
الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة ،
فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل
عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة )).
قوله : بِسبع وعشرين درجة ، وخمس وعشرين ضعفًا ، وخمس
وعشرين جزءًا ، يدل على تضعيف ثواب المصلي في جماعة على
ثواب المصلي وحده بهذه الأجزاء وهذه الأوصاف المذكورة ، وقد
استدل قوم بهذا الحديث على أن الأفضل لكثير الجماعة على قليلها ،
وبما عليه أكثر العلماء فيمن صلى جماعة اثنين فما فوقهما ، أن لا يعيد
[١/ في١٢٧-١) في جماعة / أخرى أكثر منها ، وقد روينا آثار مرفوعة عن أبي بن
كعب وغيره أنَّ كلما كثرت الجماعة كان ثواب المصلي أكثر ، وليست
بالقوية . ولا مدخل للقياس في الفضائل ، وإنما يقال بما صح
التوقيف فيه .
قال ابن القصار : وهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة في جماعة
سنة ، كما قال الفقهاء ، وخالف ذلك أهل الظاهر ، وقالوا : صلاة
الجماعة فريضة ، والدلالة عليهم منها في وجهين اثنين : أحدهما : أنه
أثبت صلاة الفذ وسماها صلاة ، وهم يقولون : ليست بصلاة ،
والثاني : أنه عليه السلام فاضل بينهما ، فأثبت للجماعة فضلا ، فدل
أن المنفردة فاضلة إلا أن مرتبتها أنقص .
وهذه الدرجات والأجزاء التي تفضل بها صلاة الجماعة ، منها في
حديث أبي هريرة : أربع ؛ لقوله: ((وذلك أنه إذا توضأ ، ثم خرج
- ٢٧٢ -

إلى المسجد)) لأن قوله: ((وذلك)) إشارة إلى تفسير الجمل المذكورة
في أول الكلام ، فقوله: (( ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا
الصلاة)). هذه درجة وهي نية الصلاة في جماعة، وقوله: ((لم
يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحطت عنه [ بها ] (١)
خطيئة)). فهذه درجة ثانية، وقوله: ((فإذا صلى لم تزل الملائكة
تصلي عليه ما دام في مصلاه)) ، وهذه درجة ثالثة ، والدرجة الرابعة
قوله: (( إن أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة)).
وفي حديث آخر لأبي هريرة قال عليه السلام: (( لو يعلم الناس ما
في النداء ، والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه
لاستهموا)) فهاتان درجتان، و((ولو يعلمون ما في التهجير ، لاستبقوا
إليه))، فهذه درجة، وقوله: ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح))
يريد [ فضل ] (١) اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في الصبح ،
لقوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ (٢)، وقال عليه السلام:
(تجتمع فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار في العصر والفجر» فهاتان درجتان.
وتمام الدرجات الباقية من جنس هذه المذكورة لا محالة ، فطلبنا في
الآثار والقرآن ، ما جانس هذه الدرجات ، مما تختص به صلاة
الجماعة ، وليست للفذّ، فوجدنا منها : إجابة النداء إلى الصلاة ،
لقوله تعالى: ﴿أجيبوا داعي الله﴾ (٣)، ولقوله: ﴿إذا نودي
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (٤)، ومنها : لزوم الخشوع
في السير إلى المسجد، لقوله عليه السلام: (( ائتوا الصلاة وعليكم السكينة)).
ومنها لزوم الذكر في سيره ، وقد روى وكيع ، عن فضيل [بن](٥)
مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال : (( من
(١) من (( هـ)).
(٢) الإسراء : ٧٨ .
(٣) الأحقاف : ٣١ .
(٤) الجمعة : ٩ .
(٥) في ((الأصل))، و(( هـ)): ((عن)) وهو خطأ واضح، وعطية هو العَوْفي،
والإسناد ضعيف .
- ٢٧٣ -

قال إذا خرج إلى الصلاة : اللهم [ إني أسألك ] (١) بحق السائلين.
عليك ، وبحق ممشاي هذا، لم أخرجه أشرا ، ولا بطرًا ، ولا رياءً».
ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك ، واتباع مرضاتك ، أسألك أن
(تنقذني ) (٢) من النار، وأن تدخلني الجنة ، وأن تغفر لي ذنوبي ،
فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ؛ خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون
له ، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته)).
ومثل هذا لا يدرك بالرأى ، ولا يكون إلا عن الرسول .
ومنها : السلام على الرسول ، والدعاء عند دخوله في المسجد ،
وعند خروجه ، فهاتان درجتان ، روى النسائي من حديث المقبري ،
عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - قال : (( إذا دخل أحدكم
المسجد ، فليسلم على النبي - عليه السلام - ، وليقل : اللهم افتح
لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليسلم على النبي ، وليقل : اللهم
اعصمني من الشيطان )» .
ومنها : السلام عند دخوله في المسجد ، إن كان خاليًا ، فقد روي
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ (٣) . قال:
هو المسجد إذا دخلته فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .
ومنها : الركوع في المسجد عند دخوله ، فقد أمر الرسول بذلك
وهو تحية المسجد .
ومنها : ترك الخوض في أمر الدنيا ؛ لحرمة المسجد والصلاة ،
وذكر الله - تعالى - فيه لقوله تعالى : ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع
ويذكر فيها اسمه﴾ (٤) وكان عمر يضرب الناس على ذكر الدنيا في
المسجد ، واتخذ البطحاء لمن أراد اللغط فيه .
(١) من (( هـ).
(٣) النور : ٦١ .
(٢) في (( هـ)»: تبعدني .
(٤) النور : ٣٦ .
- ٢٧٤ -

ومنها : إجابة الدعاء بحضرة النداء للصلاة ، فقد قال عليه السلام:
((ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء ، والصف في سبيل الله)).
ومنها : اعتدال الصفوف ، وإقامتها ، والتراصص فيها ، وإلزاق
المنكب بالمنكب ، والقدم بالقدم ، فقد جاء في الحديث أن ذلك من
تمام الصلاة .
ومنها : استماع قراءة الإمام والتدبر لها ، وقد جاء في قوله تعالى:
وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (١) أن ذلك في الصلاة .
ومنها: قوله: ربنا [ و] (٢) لك الحمد إذا قال الإمام: / سمع (١/ق١٢٧ -ب]
الله لمن حمده ، كما جاء في الحديث .
ومنها : شهادة الملائكة لمن حضر الجماعة ؛ لقوله عليه السلام :
((أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)).
ومنها : تحري موافقة الإمام [ في ] (٣) الجماعة ، فلا يختلف على
الإمام في ( القرآن ) (٤) والعمل ؛ لقوله عليه السلام: (( إنما جعل
الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه )) .
ومنها : فضل تسليمه على الإمام وعلى من بجنبه .
ومنها : فضل دعاء الجماعة .
ومنها : الاعتصام بالجماعة من سهو الشيطان ؛ لقوله عليه السلام:
((أَصَدَقَ ذُو اليدين)) ولا يجوز على الجماعة كلها السهو، فتمت
[سبعةً ] (٥) وعشرين درجة .
(١) الأعراف : ٢٠٤ .
(٢) من ( هـ)).
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): و.
(٤) في (( هـ) : القول .
(٥) هكذا في ((الأصل))، وفي (( هـ)): ((سبع))، والجادة إما ((سبعًا وعشرين))
وإما ((سبع وعشرون)).
- ٢٧٥ -

فإن قال قائل : فما معنى اختلاف الدرجات والأجزاء في الآثار ،
فمرة قال: ((بسبع وعشرين درجة))، ومرة قال: ((بخمسة وعشرين
جزءاً)) ؟!
فالجواب : أن الفضائل لا تدرك بالرأي ، وإنما تدرك بالتوقيف ،
وهذا الاختلاف له معنى صحيح يؤيد بعضه بعضا ، وذلك أنه يحتمل.
أن يكون عليه السلام أعلمه الله - عز وجل - أن فضل صلاة الجماعة
على صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا ، ثم زاد تعالى في فضل
الجماعة على صلاة الفذ ( فكمله ) (١) سبعًا وعشرين، ومثل هذا
المعنى كثير في شريعته عليه السلام .
فقد أخبر عليه السلام أنه من « صلى عليه مائة من المؤمنين ، شفعوا
فيه))، وفي حديث آخر: (( من صلى عليه أربعون))، وفي حديث
آخر: (( ما من مسلم يشهد له أربعة بخير [ إلا ] (٢) أدخله الله الجنة،
فقيل : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة ، قيل : واثنان ؟ قال : واثنان ))؛
وهذا كله إنما كان ينزل على النبي فيه الوحي، ويعلم بما لم يعلم قبل
ذلك ، كما قال له تعالى: ﴿قل ما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ (٣)
ثم أعلمه بعد ذلك أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فكان يخبر
أمته على حسب ما يوحى إليه ، ولم ينطق عن الهوى ، فكذلك
تضعيف ثواب صلاة الجماعة - والله أعلم .
وفيه وجه آخر يحتمل أن يكون السبع و[العشرون ] (٤)
[الدرجة] (٥) للعشاء والصبح ، ويكون لسائر الصلوات خمس
و[عشرون] (٦) درجة، وسأذكر وجه ذلك في الباب بعد هذا إن شاء الله.
(١) في (( هـ)) : فكملت .
(٢) سقط من ((الأصل)) و((هـ).
(٣) الأحقاف : ٤٦ .
(٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): العشرين خطأ.
(٦) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عشرين خطأ.
(٥) من ( هـ ).
- ٢٧٦ -

وأما ما روي عن الأسود أنه كان يتبع المساجد إذا فاتته الجماعة ،
فقد روي ذلك عن حذيفة ، وسعيد بن جبير ، وذكر الطحاوي ، عن
الكوفيين ومالك : إن شاء صلى في مسجده وحده ، وإن شاء أتى
مسجدًا آخر فطلب فيه الجماعة . إلا أن مالكًا قال : إلا أن يكون في
المسجد الحرام ، أو مسجد الرسول فلا يخرجوا منه ، ويصلوا فيه
وحدانًا؛ لأن [ هذين ] (١) المسجدين للفذ أعظم أجراً ممن صلى في
جماعة .
وقال الحسن البصري : ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد . قال
الطحاوي : والحجة لمالك أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس
وعشرين درجة ، والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول أفضل
من الصلاة في غيرهما ؛ فلذلك لا يتركهما ابتغاء الصلاة في غيرهما.
وفي مختصر ابن شعبان عن مالك : أنه من صلى في جماعة فلا يعيد
في جماعة إلا في مسجد مكة والمدينة .
وأما صلاة اثنين جماعة في مسجد قد جمع فيه ، فإن العلماء
اختلفوا في ذلك ، فروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في
مسجد قد جمع فيه ، وهو قول عطاء ، والحسن البصري في رواية ،
وإليه ذهب أحمد ، وإسحاق ، وأشهب صاحب مالك .
وروى ابن مزين عن أصبغ قال : دخلت المسجد مع أشهب وقد
صلى الإمام ، فقال يا أصبغ : ائتم بي وتنحى إلى زاوية ، فائتممت
به. واحتج أحمد في ذلك بقوله عليه السلام: (( صلاة الجمع تزيد
على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة )) .
وقالت طائفة : لا تجمع في مسجد مرتين ، روي ذلك عن سالم ،
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): هاتين . كذا .
- ٢٧٧ -

والقاسم ، وأبي قلابة ، وهو قول مالك ، والليث ، والثوري ،
والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي .
وقال بعضهم : إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة ، وأن أهل البدع
يتطرقون إلى مخالفة الجماعة ، وقال مالك والشافعي : إذا كان مسجد
على طريق [ و] (١) لا إمام له، أنه لا بأس أن يجمع فيه قوم بعد قوم.
باب : فضل صلاة الفجر في جماعة
فيه: أبو هريرة أن نبي الله قال: (( تفضل صلاة ( الجَمْع ) (٢) صلاة
أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا ، و[تجتمع ] (٣) ملائكة الليل
وملائكة النهار في صلاة الفجر )) ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم:
﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ (٤).
وفيه : أبو الدرداء قال : ما أعرف من (٥) محمد - عليه السلام - شيئًا
إلا أنهم يصلون جميعاً .
. [١/ ق١٢٨-] وفيه: أبو موسى / قال رسول الله: ((أعظم الناس أجرًا في الصلاة ،
أبعدهم ممشى)).
قال المؤلف : قد بَيَّن في هذا ( الحديث ) (٦) المعنى الذي أوجب
التفضيل لشهود الفجر في جماعة، [و] (٧) هو اجتماع ملائكة الليل والنهار
(١) من (( هـ).
(٢) من ((الأصل))، و((هـ))، وفي ((فتح الباري)) (٢/ ١٦٠): ((الجميع)).
(٤) الإسراء : ٧٨ .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تجمع.
(٥) في ((الأصل)) بعد حرف ((من)) بياض بمقدار كلمة، وفي نفس الموضع من
(هـ)) علامة لحق، لكن لم يكتب شيئًا في الحاشية ، وكأن الناسخ استشكل
هذا الموضع ، وسيأتي شرح المصنف لهذا الموضع بدون حاجة إلى زيادة ، وفي
((فتح الباري)) (٢/ ١٦١): ((مِنْ أُمَّة محمد ... )) ونبه الحافظ ابن حجر أنها
رواية أبي ذر وكريمة، وأن للباقَين: ((من محمد)) بحذف المضاف. قال:
وعليه شرح ابن بطال ومَن تبعه )».
(٧) زدته على ((الأصل)) و(( هـ)) لاتصال الكلام.
(٦) في (( هـ )) : الباب .
- ٢٧٨ -

فيها، ولقد قال عمر بن الخطاب : لأن أشهد الفجر في جماعة أحب
إلي من أن أقوم ليلة . وقد روى أبو هريرة عن الرسول أن ملائكة
الليل والنهار يجتمعون في صلاة العصر أيضًا .
قال المهلب : فلما خص الفجر بشهود الملائكة لها ، وكان مثل
ذلك في صلاة العصر ، وأشبهت الفجر في هذه الفضيلة ، أمر
الرسول بالمحافظة على العصر ليكون من حضرهما ترفع الملائكة
عمله، وتشفع له .
قال المؤلف : ويمكن أن يكون اجتماع الملائكة في الفجر والعصر
هُمَا الدرجتان الزائدتان على الخمسة و[العشرين] (١) جزءًا في سائر
الصلوات التي لا تجتمع الملائكة فيها - والله أعلم - وإنما قلت هذا من
قول أبي هريرة : سمعت الرسول يقول: (( تفضل صلاة الجماعة
صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا ، وتجتمع ملائكة الليل
وملائكة النهار في صلاة الفجر)) . فذكر اجتماع الملائكة في الفجر
بواو فاصلة، واستأنف الكلام ، وقطعه من الجملة المتقدمة ، [ فدل
ذلك على أن اجتماع الملائكة يوجب فضلا ودرجة زائدة] (٢) على
الخمسة وعشرين، فصارتا درجتين الفجر والعصر، ليستا لغيرهما من الصلوات.
وقال المهلب : وفي حديث أبي الدرداء جواز الغضب عند تغير
الدين وتغير أحوال الناس في معاشرتهم ، وإنكار المنكر بالغضب إذا
لم يستطع على أكثر من ذلك ، وهو أضعف الإيمان .
وقوله: (( ما أعرف من محمد شيئًا )) يريد من : شريعة محمد شيئًا
لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة ، فحذف [ المضاف](٣)
لدلالة الكلام عليه .
(١) من ((هـ)) وهو الجادة، وفي الأصل: ((عشرين)).
(٢) من (( هـ )) .
(٣) في ((الأصل)) و((هـ)): ((فحذف المضاف إليه)) وهو خطأ، إنما المحذوف هو
المضاف، وليس المضاف إليه، وهو كذلك فى ((الفتح)) (١٦١/٢).
- ٢٧٩ -

وقوله : ((أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم ممشى)) فذلك
لكثرة الخطا ، وقد روي هذا عن الرسول .
باب : فضل التهجير إلى الصلاة
فيه: أبو هريرة قال عليه السلام: (( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن
شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له)). ثم قال: ((الشهداء
خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم، والشهيد في
سبيل الله)). وقال: (( لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ، ثم
لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ، لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في
التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأنوهما ولو
حَبّوا)) .
والتهجير : السير في الهاجرة ، وهي شدة الحر ، ويدخل في معنى
التهجير المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها ؛ ليحصل له
فضل الانتظار ( قبل) (١) الصلاة.
قال المؤلف : قوله : ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ،
يدل أن صلاة الظهر عند الزوال أفضل ، يدل على ذلك قوله عليه
السلام حين سئل : أي العمل أفضل ؟ قال: ((الصلاة لأول وقتها)).
وقد تقدم أن الآثار التي وردت بالإبراد ، ليست بمعارضة لهذا
الحديث، بل هي رخصة لفضل الجماعة ، وليتسع الناس في
الاجتماع، وهذا الحديث فيه ثلاثة أحاديث جمعها أبو هريرة في مساق
واحد ، وقد يمكن أن يكون سمعها من الرسول في وقت واحد - والله
أعلم - فأتى بها كما سمعها .
(١) في ((الأصل))، و((هـ)): بعد، وضرب عليه في ((الأصل)) وكتب في
الحاشية ((قبل))، وأمامها ((صح)) وهو الصواب .
- ٢٨٠ -