النص المفهرس
صفحات 201-220
عن [ زيد ] (١) بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج
قال: قال رسول الله وَ له: ((أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر)).
واحتج أهل المقالة الأولى بمداومته عليه السلام ، ومداومة أصحابه
على التغليس بها، ألا ترى قولها: (( كن نساء المؤمنات يشهدن مع
رسول الله وَله صلاة الفجر، فينصرفن متلفعات لا يعرفهن أحد من
الغلس)) . وهذا إخبار عن أنه كان يداوم على ذلك ، أو أنه أكثر
فعله، ولا تحصل المداومة إلا على الأفضل .
وزعم الطحاوي بأن آثار هذا الباب إنما تتفق بأن يكون دخوله عليه
السلام في صلاة الصبح مغلسًا ، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف منها
مسفرًا . وهذا فاسد من قوله لمخالفته قول عائشة ؛ لأنها حكت أن
انصرافهن من الصلاة كان ولا يُعْرَفْنَ من الغلس .
وروى حماد بن سلمة ، عن / [ عبيد الله ] (٢) بن عمر، عن [١/ق١١٤-١]
عمرة، عن عائشة قالت: ((كنا نصلي مع رسول الله وَله صلاة
الفجر في مروطنا فننصرف ، وما يعرف بعضنا وجوه بعض )) .
فبان بهذا الحديث أن النساء كن لا يُعرفن أرجال هن أم نساء ؛
فإنهن كن يسرعن الانصراف عند الفراغ من الصلاة ، ويدل أن الإمام
لا يطيل القراءة جدا ، ولو أطالها لما انصرفن إلا في الإسفار البيِّن.
والذي يجمع بين حديث عائشة وبين قوله عليه السلام : (( أسفروا
بالفجر)) من التأويل ما قاله أحمد بن حنبل ، فإنه قال : الإسفار
الذي أراد عليه السلام هو أن يتضح الفجر ، فلا يشك أنه قد طلع ،
قال غيره : والإسفار في اللغة : الكشف ، يقال : أسفرت المرأة عن
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): يزيد، خطأ.
(٢) من ((هـ))، وهو الصواب، راجع ترجمة حماد من ((تهذيب الكمال)):
(٢٥٥/٧)، وفي ((الأصل)): عبد الله، خطأ.
- ٢٠١ -
وجهها إذا كشفته ، فكأنه قال عليه السلام : أسفروا بالفجر أي تَبيّنوه
ولا تغلسوا بالصلاة وأنتم تشكّون في طلوعه حرصًا على طلب الفضل
بالتغليس ، فإن صلاتكم بَعْدَ تَّيقنِ طلوعه أعظم للأجر ، وعلى هذا
التأويل لا تتضاد الآثار ، ومما يشهد لصحة هذا التأويل حديث ابن
مسعود أنه سأل الرسول وَله: ((أي الأعمال أفضل، قال: الصلاة
لأول وقتها)) . ومن جعل الإسفار تأخير الصلاة عن أول وقتها فهو
محجوج بهذا الحديث ، وحمل الآثار على ما ينفي التضاد عنها أولى،.
والحمد لله .
وفي حديث زيد بن ثابت ، وسهل بن سعد تأخير السحور ، وإنما
كانوا يؤخرونه إلى الفجر الأول ، وسيأتي [ معنى ذلك ] (١) في
كتاب الصيام [ إن شاء الله تعالى ] (١).
والمروط : أكسية من صوف رقاقٍ ، واحدها : مرْط .
ومتلفعات يعني : مشتملات ، يقال : تَلَّفَعَ بثوبه ، إذا اضطبع به .
وتَلفَّعَ الرجلَ الشيبُ: إذا شَمِلَهُ . عن صاحب العين ، وقال صاحب
الأفعال : لفاع المرأة كالقناع .
:.
باب : من أدرك ( ركعة من الفجر ) (٢)
فيه : أبو هريرة : قال عليه السلام: (( من أدرك من الصبح ركعةً قبل أن
تطلع الشمسُ ، فقد أدرك الصبحَ، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن
تغرب الشمسُ فقد أدرك العصر)) .
(١) من (( هـ) ..
(٢) فى ((هـ))، والنسخة السلطانية: ((من الفجر ركعة)).
- ٢٠٢ -
قد تقدم الكلام في معنى هذا الحديث قبل هذا بما أغنى عن إعادته،
ونذكر هنا ما لم يمض هناك ، وفي هذا الحديث دليل أن من لم يدرك
من الوقت ركعة فلم يدرك منه شيئًا ، ومن لم يدرك منه شيئًا ممن
تلزمه الصلاة قبل الوقت فلا صلاة عليه ، وهذا يرد قول أبي حنيفة في
المغمى عليه أنه إذا أفاق لأَقَلِّ من ركعة قبل غروب الشمس أنه يلزمه
قضاء خمس صلوات فدون ، ولا يلزمه أكثر من ذلك ؛ لأن من لم
يدرك من الوقت إلا أقل من ركعة لم تلزمه صلاة الوقت فكيف تلزمه
غير صلاة الوقت .
وذهب مالك والشافعي إلى أن المغمى عليه لا يقضي إلا ما أدرك
وقته بإدراك ركعة من الصلاة .
باب : من أدرك ( ركعة من الصلاة ) (١)
فيه: أبو هريرة أن النبي وَلو قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدرك الصلاة)) .
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : معناه : من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة ، واستدلوا على ذلك
بأن الساعي إلى الصلاة ومنتظرها في صلاة ، وبما رُوي عن أبي هريرة
أنه قال : إذا انتهى إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم ، فقد دخل
في التضعيف ، وإذا انتهى إليهم وقد سلم الإمام ولم يتفرقوا فقد دخل
في التضعيف - يعني الدرجات السبع وعشرين .
وقال عطاء : كان يقال: إذا خرج من بيته وهو ينويهم فقد دخل في
(١) في ((هـ)، والنسخة السلطانية: ((من الصلاة ركعة)).
- ٢٠٣ -
التضعيف ، وعن أبي وائل وشريك : من أدرك التشهد فقد أدرك
فضلها ، والفضائل لا تدرك بقياس .
وقال آخرون : معنى هذا الحديث أن مدركَ ركعة من الصلاة
[مدرك] (١) حکمها کله ، وهو کمن أدرك جميعها فیما یفوته من سهو
الإمام وسجوده لسهوه وإن لم يدركه معه ، وأنه لو أدرك وهو مسافر
ركعة من صلاة مقيم لزمه حكم المقيم في الإتمام ، وهذا قول مالك
وجماعة .
[١/ فى١١٤ - ب] والدليل على أنه أراد حكم الصلاة لا فضلها / قوله: ((من فاته
التأمين فقد فاته خير كثير )) . وهذا الحديث يدل أنه من لم يدرك ركعة
من الصلاة فلا مدخل له في حكمها ، إلا أن العلماء اختلفوا في دليل
هذا الحديث ، فذهب مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ،
وزفر ، ومحمد ، والشافعي ، وأحمد إلى أن من أدرك ركعة من
الجمعة أضاف إليها أخرى ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إذا أحرم
في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين ، وهو قول النخعي ،
والحكم ، وحماد ، واحتجوا بقوله عليه السلام: (( فما أدركتم
فصلوا، وما فاتكم فاقضوا )) .
والذي فاته [ ركعتان ] (٢) لا أربع، والقول الأول أَوْلَى؛ لأنه إذا
لم يدرك ركعة من الجمعة لم يدرك شيئًا منها ، ومن لم يدرك منها
شيئًا صلى أربعًا بإجماع ، وقد سئل ابن شهاب عن من أدرك التشهد
[يوم الجمعة] (٣)، قال: يصلي أربعًا، واستشهد بهذا الحديث
وقال: هي السنة . وفي دليل هذا الحديث رد على عطاء ، ومكحول،
(١) في (( الأصل)) : مدركًا .
(٣) من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)) : ركعتين .
- ٢٠٤ -
وطاوس ، ومجاهد في قولهم : أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة أنه
يصلي أربعًا . وقالوا : إن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة ،
وذهب مالك وجماعة من الفقهاء إلى أنه يصلي ركعتين مع الإمام ؛
لأنه أدركها كلها، واحتج الطحاوي لهذا القول ، فقال : لا يختلفون
أنه لو شهد الخطبة ، ثم أحدث فذهب يتوضأ ، ثم جاء وأدرك مع
الإمام ركعة ، أنه يصلي ركعتين ، فلما كان فوات الركعة لا يمنعه فعل
الجمعة ، كانت الخطبة أحرى بذلك ، فدل على بطلان قول عطاء .
وفيه أيضا رد على أبي حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي،
وأحمد في قولهم : أنه من أدرك التشهد من [ المسافرين ] (١) خلف
إمام مقيم لزمه الإتمام ، ومالك إنما رَاعَى إدراك ركعة معه ، بدليل هذا
الحديث ، وهو قول النخعي ، والحسن ، وكذلك رَاعَى مالك إدراك
الركعة في وجوب سهو الإمام على المأموم ، ومذهبه في ذلك أن
سجدتي السهو إن كانتا قبل السلام سجدهما معه ، وإن كانتا بعد
السلام لم يسجدهما معه وسجدهما إذا أتم صلاته ، وهو قول
الأوزاعي ، والليث ، وقال أبو حنيفة والشافعي : إذا أدرك التشهد
وأحرم قبل سلام إمامه لزمه أن يسجد معه للسهو . ومالك أسعدُ
الناس باستعمال نصِّ هذا الحديث ودَلِيلهِ .
ومن قول مالك أيضًا : أنه من لم يدرك ركعة من صلاة الجماعة
ممن صلاها وحده في بيته لم يُعِدْها ، وقال أيضًا : من أدرك ركعة من
صلاة الجماعة لم يصل تلك الصلاة في جماعة .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المسافر.
- ٢٠٥ -
باب : الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
فيه : عمر (( أن النبي - عليه السلام - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى
تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب)) .
وفيه : ابن عمر أن نبي الله وَالر قال: ((لَا تَحَرَّوْا بصلاتكم طلوعَ
الشمس ولا غروبها ، وإذا طلع حاجبُ الشمس، فأخِّروا الصلاة حتى
ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس ، فأخروا الصلاة حتى تغيب )) .
وفيه : أبو هريرة (( أن النبي ◌َّ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع
الشمس وبعد العصر حتى تغرب ... )) الحديث .
وترجم لحديث ابن عمر وأبي هريرة باب : لا يتحرى الصلاة قبل
غروب الشمس ، وزاد فيه : قال معاوية : إنكم لتصلون صلاة لقد
صحبنا رسول الله # فما رأيناه يصليهما ، ولقد نهى عنهما يعني
الركعتين بعد العصر:
:
اختلف العلماء في تأويل نهيه عليه السلام عن الصلاة بعد الصبح
وبعد العصر ، فقال مالك : المراد بذلك النافلة دون الفرض،
والفرائض الفائتة تصلي أي وقت ذكرت ؛ لقوله عليه السلام : ((من
أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس ، وأدرك ركعة من العصر
قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة)) . ومعلوم أنه إذا أدرك ركعة
فلا يقع إتمام الصلاة إلا في الوقت المنهي عنه ، فدل ذلك على ما
قلناه، وهو قول أحمد ، وإسحاق .
وقال الشافعي : المراد به النافلة المبتدأة ، وأما الصلوات المفروضات
والمسنونات ، أو ما كان يواظب عليه من النوافل فلا . واحتج
بالإجماع على صلاة الجنازة ، وبحديث عائشة أن الرسول قضى
الركعتين بعد العصر
- ٢٠٦ -
وقال الكوفيون : المراد / بذلك النوافل ، ويقضي الفرائض في [١/ ق١١٥-]
هذين الوقتين . وأما إذا برزت الشمس قبل أن ترتفع ، وإذا
[تدلت] (١) للغروب قبل أن تغرب ، فلا يجوز أن يصلي فيه فريضة ،
ولا نافلة ، ولا على جنازة إلا عصر يومه خاصة ؛ لقوله عليه السلام:
((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ... )). وقد تقدم
الرد عليه في أول هذا الباب مع قول مالك ، وفي باب من أدرك ركعة
من العصر قبل الغروب ، بما فيه كفاية .
وقد روي عن جماعة من السلف قول آخر ، قالوا : نهى الرسول
عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، فأما ما لم يبدُ حاجب
الشمس للطلوع ولم يتدل للغروب فالصلاة جائزة ، وحجتهم حديث
ابن عمر أن الرسول قال: (( لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع
الشمس ولا عند غروبها)) وقوله: ((إذا طلع حاجب الشمس فأخروا
الصلاة حتى ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى
تغيب )) .
وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وبلال،
وأبي أيوب ، وأبي الدرداء ، وابن عمر ، وابن عباس ، وعن
أصحاب عبد الله مثله ، وتأولوا أن المراد بالنهي عن الصلاة : هذان
الوقتان خاصة، ألا ترى قول ابن عمر: (( [ أُصلي ] (٢) كما رأيت
أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدًا يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير ألا
تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها )).
واحتج من أجاز صلاة الفرض في هذين الوقتين ، بقوله عليه
السلام: ((لا تحروا بصلاتكم)). وهذا يقتضي من يبتدئ صلاته ذلك
(١) من (( هـ))، وسيأتي قول بعضهم: ولم يتدل - يعني حاجب الشمس -
للغروب - ، وفي (( الأصل)) : نزلت .
(٢) من ((هـ))، وفى ((الأصل)): صلى وهو خطأ.
- ٢٠٧ -
الوقت ويقصده ، وأما من انتبه من نومه أو ذكر من نسيانه ، فلا يدخل
في النهي ؛ لأنه ليس بقاصد ولا متحر لذلك، وقوله : (( من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها [ إذا ذكرها ])) (١) : يعارض النهي ، ويبين
أنه ليس بمتحرِ لها من فاتته ، وإنما المتحري القاصد إليها بتطوعه أو
فرضه .
قال المهلب : ومعنى كراهية الصلاة في هذين الوقتين أن قومًا كانوا
يتحرون طلوع الشمس وغروبها ، فيسجدون لها عبادة من دون الله ،
فنهى النبي - عليه السلام - عن مماثلتهم ، وعن أوقاتهم المعهودة .
باب : من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر
فيه : ابن عمر قال : أصلي كما رأيتُ أصحابي يصلون ، لا أنهى أحدًا
يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير ألا تحرّوا طلوع الشمس ولا غروبها .
وقد تقدم الكلام في هذا الحديث في الباب الذي قبل هذا ، ونذكر
هاهنا ما لم يمض هناك ، وغرض البخاري في هذا الباب رد قول من
منع الصلاة نصف النهار عند استواء الشمس ؛ لأن قوله : «لا أمنع
أحدًا يصلي بليل أو نهار ما شاء ، غير ألا تحروا طلوع الشمس ولا
غروبها )) . يدل أنه لا بأس بالصلاة عند استواء الشمس، وهذا قول
مالك ، والليث ، والأوزاعي .
قال مالك : ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون ؛
ويصلون نصف النهار . وعن الحسن وطاوس مثله ، والذين منعوا:
الصلاة نصف النهار : عمر بن الخطاب وابن مسعود والحكم .
وقال الكوفيون : لا يصلي نصف النهار لا فرض ولا نفل ، وقال.
(١) من (( هـ)).
- ٢٠٨ -
أبو يوسف والشافعي : لا بأس بالتطوع نصف النهار يوم الجمعة
خاصة ورووا في ذلك حديثًا : أن جهنم لا تسجر يوم الجمعة .
قال الطحاوي : وقد روي في حديث الصنابحي وغيره النهي عن
الصلاة عند استواء الشمس بقوله عليه السلام: (( فإذا استوت
قَارَنَهَا ... )). فإنها أحاديث لا تصح ؛ لأن الصحابة كانوا يتنفلون
يوم الجمعة في المسجد حتى يخرج عمر بن الخطاب ، وكان لا يخرج
حتى تزول الشمس بدليل طنفسة عقيل ، فكانت صلاتهم قبل خروج
عمر في حين استواء الشمس ؛ إذ كان خروجه عند الزوال ، ولا
يجوز على جماعة الصحابة جهل السنة ، لو صحت تلك الأحاديث.
وذكر ابن أبي شيبة ، قال : كان مسروق يصلي نصف النهار ، فقيل
له : إن الصلاة هذه الساعة تكره . فقال : ولم ؟ قيل له : إن أبواب
جهنم تفتح نصف النهار . قال : إن الصلاة أحق ما استعيذ به من
جهنم حين تفتح أبوابها ، وأجاز مكحول الصلاة نصف النهار للمسافر.
[١/ ق١١٥ -ب]
/ باب : ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها
[ و] (١) قال كريب: عن أم سلمة قالت: ((صلى الرسول وَلفه بعد
العصر ركعتين وقال : شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد
الظهر )) .
وفيه : عائشة قلت : « والذي ذهب به، ما تركهما حتى لقي الله ، وما
لقي الله حتى ثقل عن الصلاة ، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا -
يعني الركعتين بعد العصر - وكان عليه السلام يصليهما ، ولا يصليهما
(١) من ( هـ)).
- ٢٠٩ -
في المسجد ، مَخَافَةَ أن يثقل على أمته ، وكان يحب ما يخفف
[عنهم] (١)) وقالت مرة: (( ما ترك النبي - عليه السلام - السجدتين بعد
العصر عندي قط))، وقالت مرة: (( ركعتان لم یکن الرسول {آل# يدعهما
سرا ولا علانية : ركعتان قبل الصبح ، وركعتان بعد العصر )) .
في قصة عبد القيس حجة للشافعي في أنه يقضي المرء بعد الصبح
والعصر ما فاته من النوافل المعتادة كالفرائض المنسية ، ولا يقول بذلك.
مالك وأبو حنيفة ، إلا أن مالكًا استحسن لمن لم يصل ركعتي الفجر
أن يصليها بعد طلوع الشمس ، واحتجوا على الشافعي في ذلك
بتواتر الآثار عن النبي أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع
الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب ، وأن عمر كان يضرب الناس
على [ الصلاة ] (٢) بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير
عليه، فدل أن صلاته عليه السلام الركعتين بعد العصر خصوص له
دون أمته .
قال الطحاوي : ومما يدل على ذلك ما أخبرنا به علي بن شيبة ،
أخبرنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن
قيس ، عن ذكوان، عن أم سلمة قالت: (( صلى الرسول العصر ثم
دخل بيتي ، فصلى ركعتين ، فقلت : يا رسول الله ، صليت صلاة
لم تكن تصليها ! قال : قدم عَلَيَّ مَال ، فشغلني عن ركعتين كنت
أركعهما بعد الظهر ، فصليتهما الآن . قلت : يا رسول الله،
أفنقضيهما إذا ( فاتتانا) (٣)؟ قال: لا)). فنهى عليه السلام في هذا
الحديث أن يصليهما أحد بعد العصر قضاء عما كان يصليه بعد الظهر ،
(١) من (( هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): عليهم.
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) كأنها : الرأس.
(٣) في (( هـ)): فاتتا ..
- ٢١٠ -
فدل ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا فاتتا خلاف حكمه عليه
السلام، فليس لأحد أن يصليهما بعد العصر ، ولا أن يتطوع حينئذ
أصلا ؛ لأن من فعل ذلك ، فهو متطوع في غير وقت تطوع ، وقال
أصحاب الشافعي : الأزرق بن قيس من الشيوخ . ولو صح حديثه
لاحتمل التأويل ، وذلك أن نهيه عليه السلام عن قضائهما مما يدل أنه
لا تجوز صلاتهما بعد العصر ، وإنما نهى عن قضائهما على وجه الحتم
والوجوب ، وأما من شاء أن يتطوع بالصلاة ذلك الوقت رغبة في
الفضل فله في صلاته عليه السلام بعد العصر أفضل الأسوة.
فإن قال قائل : إن أحاديث هذا الباب معارضة لنهيه عليه السلام
عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب
الشمس ، فكيف السبيل إلى الجمع بينهما ؟
قال الطبري : لا تعارض بينهما بحمد الله ، ولها ( معاني ) (١)
صحيحة ، وذلك أن للنهي وجوهًا : منها الكراهة ، ومنها العزم
والتحريم ، ولا سبيل لأمته إلى علم مراده منها إلا ببيانه عليه السلام،
ولما لم يذكر في ظاهر نهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح دلالة
لسامعه على معنى مراده منه ، كان غير جائز ترك بيانه ، فكانت
صلاته التي صلاها بعد العصر تبيينًا منه لأمته أن نهيه على وجه
الكراهة، لا على وجه التحريم ، كتحريمه عند بروز حاجب الشمس
للطلوع ، وعند مغيب حاجبها للغروب ، وإعلام منه لهم أن من صلى
بعد العصر وبعد الصبح غير حرج ما لم يوافق وقت الطلوع والغروب.
وذلك نظير نهيه إياهم عن المزعفر بالزعفران واستعماله ، وعن لبس
(١) كذا في ((الأصل))، و((هـ)) بإثبات الياء آخر الكلمة.
- ٢١١ -
المعصفر والأرجوان ، ولبسه إياها إعلام منه لهم أن نهيه عن ذلك على
وجه الكراهية لا على وجه التحريم ؛ لأنه لو كان على وجه التحريم
كان أبعدهم من فعله ؛ لأنه أتقاهم لله ، وأشدهم له خشية .
فإن ظن ظان أن ذلك كان خاصًا له دون أمته ، فقد ظن خطأ،
وذلك أن ما خص الله به رسوله فغير جائز أن يكون غير مبين لأمته إما
بنص التنزيل ، أو بخبر يقطع العذر أنه خاص له ؛ لأن الله قد ندب
عباده إلى التأسي به ، ولو جاز أن يكون في أفعاله التي خص بها دون
أمته ما لم يوقفهم عليه أنه خاص له ، لم يجز لأحد التأسي به في
شيء من أفعاله حتى يأمرهم بها ، وإذا كان ذلك كذلك بان صحة
[١/في١١٦-١] [القول] (١) لمن نسي / ركعتي الفجر، ثم ذكرهما بعد صلاة
الصبح، أو نسي ركعتي الظهر ، ثم ذكرهما بعدما صلى العصر ، أن
له أن يصليهما ما لم يَبْدُ حاجبُ الشمس للطلوع أو يتدلى للغروب ،
وأن لمن طاف بالبيت بعد الصبح أن يركع ركعتي الطواف ما لم يوافق
الطلوع والغروب ، وكذلك صلاة الجنازة ، وصلاة الكسوف ، وأن
يجتنب فيما لم يَخَفْ فوته من ذلك تأخيره إلى غروبها أو طلوعها ،
وبذلك جاء الخبر عن الرسول وَ لا أنه فعل ذلك في ركعتي الفجر -
إذ نام عنهما - فقضاهما بعدما طلعت الشمس ، ولم ينكر على من
فعلهما بعد طلوعها
باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم
فيه: بريدة أنه قال في يوم غيم: ((بَكِّرُوا بالصلاة، فإن الرسول وَّل
قال: من ترك صلاة العصر حبط عمله)).
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): القولين.
- ٢١٢ -
و
قال ابن المنذر : رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال : إذا كان يوم
غيم ، فأخِّرُوا الظهر ، وعجلوا العصر . وهو قول مالك .
وقال الحسن البصري : أخروا الظهر والمغرب ، وعجلوا العصر
والعشاء الآخر ، وهو قول الأوزاعي ، وقال الكوفيون : يؤخر الظهر
ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء . وروي مطرف عن
مالك أنه استحب تعجيل العشاء في الغيم ، وقال أشهب : لا بأس
بتأخيرها إلى ثلث الليل . وفيها قول آخر قاله ابن مسعود : عجلوا
الظهر والعصر وأخروا المغرب .
[وقال ] (١) المهلب : لا يصح التبكير في الغيم إلا بصلاة العصر
والعشاء ؛ لأنهما وقتان مشتركان مع ما قبلهما ، ألا ترى أنهم
يجمعونها في المطر في وقت الأولى منهما وهي سنة من الرسول ،
وقد مضى شيء من معنى هذا الباب في باب (( مَن ترك العصر)).
باب : الأذان بعد ذهاب الوقت
فيه: أبو قتادة قال: (( سرْنَا مع رسول الله وَ لال ليلةً فقال بعض القوم:
لو عَرَّسْتَ بنا يا رسول الله ، قال : أخاف أن تناموا عن الصلاة . قال
بلال: أنا أوقظكم . فاضطجعوا ، وأسند بلال ظهره إلى راحلته ، فغلبته
عيناه فنام ، فاستيقظ النبي - عليه السلام - وقد طلع حاجب الشمس
قال: يا بلالُ، أين ما قلتَ؟ قال: ما أُلْقَيَتْ عليَّ نومة مثلُها قط. قال :
إن اللهَ قبض أرواحكم حين شاء ، ورَدَّهاَ عليكم حين شاء ، يا بلالُ ، قُمْ
فأذن بالصلاة ، فتوضأ الناسُ فلما ارتفعت الشمس وابياضَّتْ قام
فصلی )» .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فقال.
- ٢١٣ -
اختلف أهل العلم في الأذان بعد ذهاب الوقت ، فذهب أحمد بن
حنبل ، وأبو ثور إلى جواز ذلك ، واحتجا بهذا الحديث ، وقال
الكوفيون : إذا نسي صلاة واحدة ، وأراد أن يقضيها من الغد ،
(يؤذن) (١) لها ويقيم ، فإن لم يفعل فصلاته تامة . وقال الثوري :
ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة . وقال محمد بن الحسن : إن
أذن في الفوائت فحسن ، وإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل الرسول
يوم الخندق فحسن .
وقال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي : يقيم للصلوت الفوائت ،
ولم يذكروا أذانًا . واحتج هؤلاء بأن صلاته عليه السلام يوم الخندق
الفوائت كلها كان بغير أذان ، وإنما أذن للعشاء الآخرة فقط ؛ لأنها
صليت في وقتها ، ولم تكن فائتة .
وفيه من الفقه: أن النبي وَّلو كان ينام أحيانًا كنوم الآدميين ، وذلك
في النادر من حاله ، وسأبين حكم نومه عليه السلام عند قوله : ((إن
عيني تنام ، ولا ينام قلبي )) في باب قيام الرسول بالليل في رمضان
وغيره .
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح ،
وإنما أكدت المحافظة عليها لأجل هذه العارضة التي عرضت للنبي
باستيلاء النوم عليه ، وعلى أهل عسكره حتى فاته وقتها ، ويدل على
أنها الوسطى : توكيله بلالا في السفر والحضر بمراقبة وقتها ، ولم
يأمره بمراقبة غيرها ، ألا ترى أن النبي لم تفته صلاة غيرها بغير عُذْرِ
(شَغَلَهُ) (٢) عنها ..
قال غيره : وقوله : فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس ، وتركُه
للصلاة حتى ابيضّت الشمس . فإن الكوفيين قالوا: إنما أَخَّر عليه
(١) في ((هـ)) : فيؤذن .
(٢) في (( هـ)»: وشغله.
- ٢١٤ -
السلام الصلاة ذلك الوقت لما تقدم من نهيه عن الصلاة عند طلوع
الشمس ، وقال أصحاب مالك والشافعي وغيرهم : إنما أخر صلاته
بمقدار / ما توضأ الناس ، وتأهبوا للصلاة ، وفي ذلك المقدار (١/ق١١٦-ب]
ارتفعت الشمس .
وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث ، ذكره في كتاب
الاعتصام في باب: المشيئة والإرادة، وقال فيه: (( فقضوا حوائجهم،
وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس، وابيضّت ، فقام فصلى)) ، وقد
روى عطاء أن نبي الله إنما أمرهم بالخروج من ذلك الوادي على طريق
التشاؤم به ، وقال لهم: (( اخرجوا من ( الوادي ) (١) الذي أصابكم
فيه الغفلة)) . كما نهى عليه السلام عن الصلاة في أرض بابل ،
وحجر ثمود ، وعن الوضوء بمائها ، وهو مثل قوله في حديث
مالك، عن زيد بن سلم: (( إن هذا واد به شيطان )) فكره الصلاة في
البقعة التي فيها الشيطان ؛ إذ كان السبب لتأخير الصلاة عن وقتها .
وقد روى جبير بن مطعم في حديث نومه عن الصلاة ، أنهم لم
يستيقظوا حتى ضربهم حَرَّ الشمس .
قال المهلب : وقد قال ابن وهب وعيسى بن دينار : إن خروجهم
من الوادي منسوخ بقوله : ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (٢) وهذا خطأ؛
لأن ( طه ) مكية ، وقصة نومه عن الصلاة كان بالمدينة ، ومما يدل
على ذلك قول ابن مسعود : بنو إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه،
والأنبياء هن من العتق الأول ، و[ هن ] (٣) من تلادي - يعني أنهن
من أول ما حفظه من القرآن واستفاده - و((التلاد)) قديم ما يفيده
الإنسان من المال وغيره .
(١) في ((هـ )) : المكان.
(٢) طه: ١٤. (٣) في ((الأصل)): هي.
- ٢١٥ -
وفي هذا الحديث حجة لقول مالك أنه قال : من فاتته صلاة
الصبح، أنه يصليها ، ولا يركع ركعتي الفجر قبلها . قال أشهب :
وسئل مالك : هل ركع الرسول و90َ ركعتي الفجر حين نام عن صلاة
الصبح حتى طلعت الشمس ؟ قال : ما بلغني . وقال أشهب : بلغني.
أنه وَ لّ ركع. وقال علي بن زياد: وقاله غير مالك، وهو أحب إليّ
أن يركع ، وهو قول الكوفيين ، والثوري ، والشافعي قالوا : يصلي
ركعتي الفجر ، ثم يصلي الفجر . وقد قال مالك : إن أحب أن
يركعهما من فاتته بعد طلوع الشمس فَعَل .
والتعريس : النزول بالليل .
باب : من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت
فيه: جابر (( أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت
الشمس، فجعل يسب كفار قريش ، قال : يا رسول الله ، ما كدت أن
أصلِّيَ العصر، حتى كادت الشمس تغرب، قال رسول الله وَلاير : والله ما
صَلَّيْتُهَا ، فقمنا إلى بُطْحَان ، فتوضأ للصلاة ، وتوضأنا لها ، فصلى
العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب)) .
قال بعض أهل العلم : لا أعلم خلافًا في جواز جمع الصلاة بعد
ذهاب الوقت ، لمن فاتته بِعُذْرِ بيّن كالنوم وشبهه إلا الليث بن سعد،
فإنه قال في القوم يفوتهم الصلاة أنهم يصلون فرادى ، وهذا الحديث
خلاف قوله ، وحجة ( الجماعة ) (١) ..
واختلف أصحاب مالك فيمن فاتته الجمعة لعذر أو لغير عذر ،
فقال ابن القاسم : كنت مع ابن وهب بالإسكندرية ، فلم نأت الجمعة
(١) في ((هـ)): ((للجماعة)).
- ٢١٦ -
لأمر خفناه ، ومَعَنَا قوم، فكرهت أن أجمع بهم ، وجمع بهم ابن
وهب ، فسألنا مالكًا عن ذلك فقال : لا يجمع إلا المسافرون
(والمحبوسون ) (١) والمرضى .
وقال الكوفيون : لا يصلي الظهر جماعة في المصر ، وسواء كانوا
مرضى أو محبوسين . وهو قول الثوري ، وفي المجموعة عن ابن
القاسم : لا يجوز للمرضى والمسجونين الجمع . وروى عنه يحيى ابن
يحيى في العتبية فيمن خلفهم المطر عن الجمعة ، فليجمعوا ظهرًا إن
كان أمرًا غالبًا يُعذرون به كالمرض ، وإن كان مطر ليس بمانع فجمعوا
فليعيدوا . وقال أصبغ : إن جمع المتخلفون بغير عذر أساءوا ولا
يعيدون .
ولابن القاسم في المجموعة مثله ، وفيها لأشهب وابن نافع أن
المتخلفين يصلون الجمعة جماعة ، وهو قول الليث والشافعي ، وقال
الليث : في مسجد أو غيره . ذكره الطحاوي ، ولا فرق بين الجمعة
وغيرها في قياس ولا نظر إذا فاتت في جواز جمعها بدليل هذا الحديث.
باب : من نسي صلاة ( فليصلها ) (٢) إذا ذكر
ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم : من نسي صلاة واحدة عشرين سنة / لم يعد إلا تلك
الصلاة الواحدة .
[١/ ق١١٧-١]
وفيه : أنس قال: (( من نسي صلاة فليصل إذا [ ذكرها ](٣) لا كفارة
لها إلا ذلك ﴿ وأقم الصلاة لذكري﴾ (٤) .
(١) في (( هـ)) : والمسجونون .
(٢) في (( هـ)) : فليصل ، وكذا بالنسخة السلطانية.
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : ذكر.
(٤ ) طه : ١٤ .
- ٢١٧ -
اختلف العلماء : إذا صلى صلاة ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة من يوم
آخر ، هل يعيد الصلاة التي صلى إذا بقي من وقتها شيء بعد قضاء
الفائتة أم لا ؟ فذكر ابن المنذر ، عن طاوس ، والحسن البصري ،
والشافعي، وأبي ثور [ أن ] (١) من ذكر صلاة وهو في صلاة أخرى ،
أنه يتم [ التي ] (٢) هو فيها ، ثم يصلي الفائتة، ليس عليه غير
ذلك، فقياس قوله: ((إن ذكرها بعد أن فرغ منها)) . أنه ليس عليه
شيء أيضًا إلا إعادة المنسية فقط .
وقال مالك : يصلي التي نسي ، ثم يعيد ما كان في وقته مما كان قد
صَلَاهُ، واستدل أهل المقالة الأولى، بقوله وَخَله: ((من نسي صلاة
فليصل إذا ذكر))، ولم يقل: فَلْيُعِدْ ما كان في وقته، واحتج
أصحاب الشافعي لقولهم بأن الترتيب إنما يجب في صلاة يوم بعينه
وجوب فرض وهذا إجماع ، وأما في الفوائت فلا يجب ذلك ،
استدلالا بإجماع الأمة على أن رتبة رمضان فرض ، فإذا أفطره أحد
بمرض أو نسيان سقط عنه الترتيب ، ولهذا نظائر كثيرة من القياس .
والحجة لقول مالك قوله : ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (٣) فَدَلَّ هذا
أن وقتَ الذكر وقت للصلاة المنسية ، وإذا اجتمعت صلاتان في وقت
واحد فالواجب تقديم الأُولى ، فاستدل مالك بآخر الحديث ،
واستدل الشافعي بأوله .
#
(١) من ((هـ)).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): الذي.
(٣) طه : ١٤.
- ٢١٨ -
باب : قضاء الصلوات الأُولى فالأُولى
فيه : جابر : (( جعل عمر بن الخطاب يوم الخندق يسب كفارهم ، فقال:
ما کدت أصلي العصر حتی غربت ، قال : فنزلنا بُطْحَانَ ، فصلی بعد ما
غربت الشمس ، ثم صلى المغرب)) .
أجمع العلماء على الاستدلال بهذا الحديث ، فقالوا : من فاتته
صلوات كثيرة ، وأيقن أنه يقضيها ، ويصلي التي حضر وقتها قبل
فواتها ، أنه يبدأ بالأُولى فالأُولى ، واختلفوا : إذا خشي فوت وقت
الحاضرة إن بدأ بالمنسية ، فقالت طائفة : يبدأ بالتي ذكر فيصليها ، وإن
فاتته هذه ، هذا قول عطاء ، والزهري ، ومالك ، والليث ، واتفق
مالك وأصحابه على أن حكم أربع صلوات فما دونه حكم صلاة
واحدة يبدأ بهن ، وإن خرج وقت الحاضرة ، واختلفوا في خمس
صلوات ، فحكى ابن حبيب ، عن مالك أن خمسًا قليل يبدأ بهن وإن
خرج وقت الحاضرة ، وهو قول أبي حنيفة .
وذكر ابن سحنون ، عن أبيه أن خمس صلوات ( كثيرة ) (١) ، يبدأ
بالتي حضر وقتُها ، وقالت طائفة : يبدأ بالتي نسي إلا أن يخاف فوت
التي حضر وقتها ، فإن خاف ذلك صلاها ، ثم صلى التي نسي .
هذا قول ابن المسيب ، والحسن البصري ، والأوزاعي ، والثوري ،
والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وعلة أهل هذه المقالة
أنه إن بدأ بالمنسية ، وفاته وقت الحاضرة ، فقد اجتمع عليه فَوْتَان ،
فَوْتُ الحاضرة مع فوْت المنسية، فَفَوْتٌ واحدٌ أحسنُ حالا من فَوْتَيْنِ .
ووجه القول أنه يبدأ بالمنسية إن كانت خمسًا فدون ، وإن فات
(١) في (( هـ )) : كثير .
- ٢١٩ -
وقت الحاضرة ؛ لأن المنسية عندهم واجبة قبل صلاة الوقت ، فإذا
ذكرها اشتركت مع صلاة الوقت في الوجوب ، ولها حق التقدمة ،
فكأنها ظهر وعصر اجتمعا في يوم واحد ، فوجب أن يقدم الظهر وإن
قدمت العصر وجب إعادتها ؛ لأن الترتیبَ عندهم في خمس صلوت
فدونَ مِنَ الفوائتِ وجوبُ سُنَّة ، وإنما لم يجب الترتيب عندهم في
أكثر من خمس صلوات ؛ لأنها مشتبهة بصلاة اليوم بعينه ، ولو وجب
في أكثر من ذلك لوجب في سنين كثيرة ، وذلك ما لا يطاق عليه ؛
لأنه لا سبيل إلى أن يقضي صلاة سَنَة أو أكثر في يومين ولا ثلاثة ،
ولو تكلف ذلك أحد لترك أيام القضاء بغير صلوات ، وهذا جهل من
قائله ، فلم يكن بُد من حد بين القليل والكثير في ذلك .
وفي هذا الحديث رَد على جاهل ، انتسب إلى العلم وهو منه
بريء، زعم أنه من ترك الصلاة عامدًا أنه لا يلزمه إعادتها .
واحتج بأن الرسول وَ لا قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها
[١/ف ١١٧- بـ] إذا ذكرها))، ولم يذكر / العامد ، فلم يلزمه القضاء، وإنما يقضيها
الناسي والنائم فقط ، وهذا ساقط من القول يئول إلى إسقاط فرض
الصلاة عن العباد ، وقد ترك الرسول يوم الخندق صلاة الظهر والعصر
قاصدًا لتركها لشغله بقتاله العدو ، ثم أعادها بعد المغرب .
ويقال له: لَمَّ أوجب النبي بَّ على الناسي والنائم الإعادة، كان
العامدُ أولى بذلك ؛ لأن أقل أحوال الناسي سقوط الإثم عنه ، وهو
مأمور بإعادتها، والعامد لا يسقط عنه الإثم ، فكان أولى أن تلزمه
إعادتها ، ولا يوجد في شيء من مسائل الشريعة مسألة : العامد فيها
معذور، والناسي غير معذور ، بل الأمر بضد ذلك لقوله عليه السلام:
- ٢٢٠ -