النص المفهرس

صفحات 181-200

أي لا يضير بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه ويستأثر به دونه ، وقال بعض
أهل اللغة : إنما هو تضارون من الضرار وهو ( أن ) (١) يتضارر
الرجلان عند الاختلاف ، يقال : ضار الرجلُ الرجلَ مضارة وضرارًا،
وقد وقع الضرار بينهما والاختلاف .
باب : من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب
فيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا أدرك أحدكم سجدة من
صلاة العصر / قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة [١/ ق١١٠ -ب)
من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)) .
وفيه : ابن عمر قال: قال النبي: (( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من
الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، أوتي أهلُ التوراة
التوراةَ ، فعملوا حتى إذا انتصف النهارُ عجزوا ، فَأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا ،
ثم أوتي أَهْلُ الإنجيل الإنجيلَ ، فعملوا إلى صلاة العصر ، ثم عجزوا ،
فأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا ، ثم أوتينا القرآن ، فعملنا إلى غروب الشمس ،
فَأُعْطينا قيراطين قيراطين فقال أهل ( الكتابين ) (٢) : أي رب، أَعْطَيْتَ
هؤلاء قيراطين قيراطين ، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن [ كنا ] (٣)
أكثر عملا . قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء ؟ قالوا : لا .
قال: [فهو ] (٤) فضلي أوتيه من أشاء )).
وفيه: أبو موسى قال الرسول 18: ((مثل المسلمين واليهود والنصارى
كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملا إلى الليل ، فعملوا إلى نصف
(١) في ((هـ)): ((أن لا)).
(٢) في (( هـ)) : الكتاب .
(٣) من (( هـ)).
(٤) من (( هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): هو.
- ١٨١ -

النهار فقالوا : لا حاجة لنا إلى [ أجرك] (١) ، فاستأجر آخرين ، فقال :
أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت . فعملوا حتى إذا كان وقت
العصر ، قالوا : لك ما عملنا . فاستأجر قومًا فعملوا بقية يومهم حتى
غابت الشمس ، واستكملوا أجر الفريقين)).
قوله صلى الله عليه: (( من أدرك سجدة )) يريد ركعة ، فكنى بذكر
السجدة عنها ؛ إذ لا يكون مدركًا سجدة إلا بعد إدراك ركعة ، وقد
جاء حديث أبي هريرة هذا بلفظ آخر عنه أنه قال: (( من أدرك ركعة
من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك
ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك العصر))
ومعلوم أن الرسول لم يرد الركوع خاصة حتى يكون معه سجود ،
فمرة عبر بالسجود عن الركوع ، ومرة اقتصر على ذكر الركوع
وأئمة الفتوى متفقون على أن من لم يدرك الركعة لم يدرك السجدة،
وهذا الحديث عند الفقهاء خرج مخرج العموم ، ومعناه الخصوص ؛
لنهيه عليه السلام أن يتحرى بالصلاة طلوع الشمس وغروبها ، فالمراد
به أصحاب الضرورات ؛ لأنهم لا يلزمهم صلاة إلا أن يدركوا منها
ركعة، أو يدركوا من الصلاتين المشتركتين الأولى منهما ، وركعة من
الثانية ، وهم : المغمى عليه والمجنون يفيقان ، والحائض تطهر ،
والكافر يسلم ، والصبي يبلغ ، كل هؤلاء عند مالك يصلون الصلاة
التي يدركون منها ركعة بسجدتيها في آخر وقتها ، فإن لم يدركوا منها
ركعة بسجدتيها بعد الفراغ مما يلزمهم من الطهارة لم يجب عليهم أن
يصلوا ، وقال الشافعي مثله في أحد قوليه ، واختلف قوله فيهم إذا
أدركوا ركعة من العصر ، فقال : يعيدون الظهر والعصر ، وكذلك لو
(١) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): عملك.
- ١٨٢ -

أدركوا مقدار تكبيرة الإحرام من العصر . فوافقه أبو حنيفة في أنهم إن
أدركوا من وقت صلاة مقدار تكبيرة الإحرام فقد أدركوها .
واحتج أصحاب الشافعي فقالوا : إنما أراد الرسول بذكر الركعة
البعض من الصلاة ، فكأنه قال : من أدرك عمل بعض الصلاة في
الوقت ، والدليل على ذلك قوله : من أدرك ركعة، وقال مرة أخرى:
من أدرك سجدة ، فدل أنه أراد البعض ، والتكبيرُ بعض الصلاة.
وقال ابن القصار : فالجواب أن هذا ينقض عليه أصله في الجمعة ؛
لأنه يقول : من لم يدرك ركعة بسجدتيها من الجمعة ؛ فلم يدركها .
والحجة لقول مالك قوله عليه السلام : (( من أدرك ركعة من العصر
قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) . فدل هذا الكلام أنه لا يكون
مدركًا بإدراك أقل من ركعة ؛ إذ لو كان أقل من ركعة بمنزلتها لم يكن
لتخصيصها بركعة معنى ، وتكبيرة الإحرام لا تسمى ركعة ، ويبيّنَ
صحة هذا قوله : (( من أدرك ركعة [ من الصلاة فقد أدرك الصلاة)).
وهذا يلزم من قال: إنه إن أدرك ركعة ] (١) من العصر قبل غروب
الشمس وجب عليه أن يصلي الظهر والعصر ؛ لأنه عليه السلام إنما
جعل من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس مدركًا لصلاة
واحدة وهي العصر ، فلا يجوز أن يكون مدركًا لغيرها ، ولا يجوز
أن يجب عليه غير ما أوجبه الرسول ، وقد اتفقنا أنه لو بلغ الصبي
وأسلم الكافر ، وطهرت الحائض في وقت المغرب لم تلزمهم صلاة
الصبح ، فكذلك صلاة الظهر ؛ لأنه لم يدرك من وقتها شيئًا، وأيضًا
فإن الشافعي يقول : إن صلاة الظهر تفوت قبل دخول وقت العصر ،
فإذا فاتت فلا قضاء لما فات وقته .
(١) من ((هـ)) وكأنه انتقل نظر ناسخ ((الأصل)) من ((أدرك ركعة)) الأولى إلى
الثانية ، فسقط منه ما بين الحاجزين ، وهذا يتكرر منه في غير موضع .
- ١٨٣ -

.ويقول أبو حنيفة - فيمن عدا المغمى عليه - أنهم إن أدركوا العصر
في وقتها لم يقضوا صلاة الظهر ؛ لأن بينها وبين العصر وقتًا تفوت
فيه .
وفي حديث أبي هريرة من الفقه حجة لما ذهب إليه عامة الفقهاء أنه
[١١١٥/١-] من نام عن صلاة الصبح / أو نسيها ، فأدرك منها ركعة قبل طلوع
الشمس وركعة بعدها أنه يتمها ، وكذلك العصر ، هذا قول مالك ،
والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وعامة العلماء .
وخالف بَعْضَ هذا الحديث أبو حنيفة فقال : إن أدرك ركعة من
العصر قبل مغيب الشمس أنه يتمها بعد مغيب الشمس ، ولا يصلي
غير عصر يومه في ذلك الوقت ، ولا يجوز أن يقضي فيه صلاة فائتة
غيرها ، وإذا أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس بطلت صلاته،
واستقبلها بعد ارتفاع الشمس .
وأصحاب الضرورات [ عنده ] (١) إذا لم يدركوا إلا ذلك الوقت
لم يلزمهم شيء ، واحتج بأن العصر يقع آخرها في وقت يصلح
للإنسان أن يبتدئ الصلاة فيه ، وليس هكذا طلوع الشمس ؛ لأنه ليس
وقتًا للصلاة، وقالوا: ألا ترى أن النبي وَ ل قد أخر الصلاة حين
نومه عن الصبح من أجل انتباهه عند طلوع الشمس ، ولم يصلها حتى
ارتفعت، وهذا رَد لحديث أبي هريرة؛ لأنه عليه السلام قال: ((من
أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فليتم صلاته ، ومن
أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته )) .
فسوى بين العصر والصبح في أن حكمهما واحد في الإتمام بعد غروب
الشمس وبعد طلوعها ، وقد يجوز أن يبتدئ قضاء الفرض في وقت
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): غيره.
- ١٨٤ -

لا يجوز أن تؤخر الصلاة إليه ، فكذلك يجوز أن يقع آخر صلاته في
وقت لا يجوز أن يبتدئ الصلاة فيه ، وعلتهم تقلب عليهم ؛ فيقال :
إن العصر قد ابتدأها في وقت لا يجوز أن يفعلها فيه، وصلاة الصبح
ابتدأها في وقتها ، فإذا جاز ذلك في العصر فالصبح أولى .
قال المهلب : وإنما أدخل حديث ابن عمر وأبي موسى في هذا
الباب لقوله: ((ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا
قيراطين قيراطين)) ، ليدل على أنه قد يستحق بعمل [ البعض ] (١)
أجرَ الكُلِّ ، مثل الذي أعطى [ من العصر إلى الليل أجرَ النهار كلِّه
لمستأجريه أولى ، فمثل هذا بالذي أعطى ] (٢) على كل ركعة أدرك
وقتها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت .
وأما احتجاجهم بأن الرسول أخر الصلاة في الوادي حين انتبه حتى
ارتفعت الشمس ، فلا حجة لهم فيه ؛ لأنه قد ثبت [ أنهم ] (٣) لم
يستيقظوا يومئذ حتى أيقظهم حَرَّ الشمس ، ولا يكون لها حرارة إلا
والصلاة جائزة ذلك الوقت (٤) .
باب : وقت المغرب
[ و](٥) قال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء.
فيه : رافع بن خديج قال: (( كنا نصلي المغرب مع النبي ◌َّر فينصرف
أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله )) .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): العصر.
(٢) من ((هـ)) وسقط من ناسخ (( الأصل)) بسبب انتقال البصر.
(٣) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): أنه .
(٤) كتب هاهنا في الأصل فقط: (( تم الجزء الثاني والحمد لله وسلام على عباده
اللذين اصطفى » .
(٥) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية.
- ١٨٥ -

وفيه : جابر قال: ((كان النبي - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة
والعصرَ والشمسُ بيضاء نَقيَّة ، والمغربَ إذا وجبت ، والعشاءَ أحيانًا
وأحيانًا ، إذا رآهم اجتمعوا عجّل، وإذا رآهم أبطئوا أخّر ، والصبح
كانوا - أو كان - الرسول يصليها بغَلَس)) .
وفيه: سلمة (١) قال: (( كنا نصلي مع النبي - عليه السلام - المغرب
إذا توارت بالحجاب )) .
وفيه : ابن عباس قال: (( صلى النبي سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا )).
أجمع العلماء على أن وقت المغرب غروب الشمس ، وذهب مالك
والأوزاعي ، وأحد قولي الشافعي أن وقت المغرب غروب الشمس ،
لا يؤخر عنه في الاختيار ، وذهب أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد ،
وإسحاق إلى أن لها وقتين .
وقد قال مالك في الموطأ ما يدل على هذا ، قال : إذا غاب الشفق
خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء . وقال محمد بن مسلمة - من
أصحاب مالك - : أول وقت المغرب غروب الشمس ، ولمن شاء
تأخيرها إلى مغيب الشفق فذلك له ، وهو منها في وقتٍ غَيْرُهُ أَحْسَنُ
منه ، واحتج الذين قالوا : إن لها وقتين بقوله عليه السلام: (( إذا
حضر العَشَاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشَاء )) ، وكل ذلك يدل على
( سعة الوقتية ) (٢) قالوا: وقد قرأ فيها الرسول بالطور والصافات
والأعراف ، والحجة لمالك ومن وافقه أن الروايات لم تختلف في
(١) كان في الأصل، و((هـ)): أبو سلمة، والصواب حذف لفظ الكنية ، فإنه
سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - راجع: فتح الباري (٤٩/٢)، ويأتي في
الشرح هنا على الصواب .
(٢) في ((هـ)) : توسعة الوقت .
: - ١٨٦ -

صلاة جبريل بالنبي ؛ فإنه صلى به العشاء في وقت واحد ، وكذلك
أحاديث هذا الباب كلها تدل على ذلك ، ألا ترى أن قول رافع بن
خديج: (( كنا ننصرف من المغرب مع رسول / الله، وأحدنا يبصر (١١١٥/١-ب]
مواقع نبله )). وقال جابر: (( كان النبي صلى الله عليه يصلي المغرب
إذا وجبت الشمس)). وقال سلمة: ((إذا توارت بالحجاب)). وهذا
كله يدل على المبادرة بها عند غروب الشمس .
وقال ابن خواز بنداذ : إن الأمصار كلها بأسرها لم يزل المسلمون
على تعجيل المغرب فيها ، ولا نعلم أحدًا أَخْرَ إقامتها في مسجد
جماعة عن غروب الشمس ، وفي هذا ما يكفي مع العمل بالمدينة
على تعجيلها ، ولو كان وقتها واسعًا لعمل المسلمون فيها كسائر
الصلوات، من أذان المؤذنين واحدًا بعد واحد ، والركوع بين الأذان
والإقامة لها ، فتركهم ذلك دليل على المبادرة بها ، وكان عمر بن
الخطاب يكتب إلى عماله : ولا تنتظروا بصلاتكم اشتباك النجوم،
وصلوها والفجاج مسفرة .
وصلاها ابن مسعود حين غربت الشمس ، وقال : هذا والذي لا
إله إلا هو وقت هذه الصلاة . ولم يُرو عن أحد من الصحابة أنه
أخرها عن هذا الوقت .
وقوله: ((والصبح كانوا - أو كان - النبي وَ لا يصليها بغلس)).
فالمعنى كانوا مع النبي مجتمعين أو لم يكونوا مجتمعين ، فإنه صلى الله
عليه كان يصليها بِغَلَسٍ ، ولا يصنع فيها كما كان يصنع في العشاء من
تعجيلها إذا اجتمعوا أو تأخيرها إذا أبطئوا ، وإنما كان شأنه التعجيل
بها أبدًا ، وهذا من أفصح الكلام .
وفيه حذفان : حذف خبر (( كانوا )) وهو جائز كحذف خبر المبتدأ
- ١٨٧ -

كقوله تعالى : ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ (١) فالمعنى: واللائي لم
يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر . فحذف الجملة التي هي الخبر لدلالة ما
تقدم عليه ، ويحذف خير (( لكن )) أيضًا كقول الشاعر :
ولكن زنجيا عظيم المشافر
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي
المعنى : ولكن زنجيًا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي .
. وقوله: (( أو )) يعني: لم يكونوا مجتمعين ، حذف الجملة التي
بعد (( أو )) مع كونها مقتضية لها كقول ذي الرمة :
فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خدي آذانها وهو جانح
أراد: أو حين أقبل الليل فحذف ((أقبل)) مع كون ((حين ))
مقتضية له من حيث هي مضافة إليه ، فإذا جاز حذف المضاف إليه مع
كونه كالجزء من المضاف ، كان حذف ما بعد (( أو )) أقرب ؛ لأنه ليس
كالجزء منها .
*
باب : من كره أن يقال للمغرب العشاء
فيه: عبد الله بن مغفل ((أن الرسول صل) قال: ((لا يغلبنكم الأعراب
على اسم صلاتكم المغرب، قال : وتقول الأعراب: هي العشاء )).
قال المهلب : إنما كره أن يقال للمغرب العشاء - والله أعلم - لأن
التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأي أحد لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم
الأسماء كلها ثم عرضهم﴾ (٢) الآية .
قال غيره : وهذا يدل أنه لا يجب أن يقال : للمغرب العشاء
الأولى كما تقول العامة ، وينبغي أن تفرد كل صلاة باسمها ، ليكون
(١) الطلاق : ٤ .
(٢) البقرة : ٣١ .
- ١٨٨ -

أبعد لها من الإشكال إلا العتمة ؛ فإنها قد صحت في الآثار الثابتة لها
اسمان : العتمة والعشاء .
#
باب : ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا
فيه: أبو هريرة عن الرسول ول#: (( أثقل الصلاة على المنافقين العشاء
والفجر)). وقال: ((لو يعلمون ما في العتمة والفجر)).
وقال أبو عبد الله : والاختيار أن يقال : العشاء لقوله : ﴿ومن بعد
صلاة العشاء ﴾ (١) ، ويذكر عن أبي موسى : كنا نتناوب الرسول عند
صلاة العشاء فَأَعْتَمَ بها .
وقال ابن عباس وعائشة : أعتم الرسول بالعشاء .
وقال بعضهم عن عائشة : أعتم الرسول بالعتمة .
وقال جابر : كان الرسول لم يصلي العشاء.
وقال أبو برزة : كان النبي يؤخر العشاء .
وقال أنس : أَخَّر النبي العشاء الآخرة .
وقال ابن عمر ، وأبو أيوب ، وابن عباس : صلى النبي المغرب والعشاء.
فيه: ابن عمر قال: (( صلى لنا النبي صلى الله عليه ليلة صلاة العشاء -
وهي التي يدعو الناس : العتمة - ثم انصرف ، فأقبل علينا ، فقال :
أرأيتكم ليلتكم هذه ؛ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر
الأرض أحد » .
هذا يدل على أن / العشاء لها اسمان في القرآن والسنة، فأما [١١٢٥/١-١]
(١) النور : ٥٨ .
- ١٨٩ -

القرآن فقوله تعالى: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾ (١)، وأما السنة
فقوله عليه السلام: (( لو تعلمون ما في العتمة والفجر)). وإن كان
السلف قد اختلفوا في ذلك ، فروي عن ابن عمر أنه كره أن يقال لها:
((العتمة)) . وعن سالم ، وابن سيرين مثله ، وأجازه أبو بكر الصديق،
وابن عباس ، وذكر ذلك ابن أبي شيبة .
قال الطبري : وأصل ذلك من استعتام النَّعَم ، يقال : حلبها عتمة،
والعتمة بقية اللبن تُغْبقُ بها الناقة بعد هويّ من الليل ، فقيل لها :
العتمة ؛ لأنها كانت تُصلَّى حين تُغْبَقُ النَّعَم ، وقيل لكل مبطئ بأمر :
عتم بكذا : إذا أبطأ به. وقد عَتَم هذا الأمر و[ عَتَّم ] (٢) فهو عاتم
ومعتم : إذا أبطأ .
۔۔
قال المهلب : وقد احتج بهذا الحديث من زعم أن الخضر ليس
بحي، [ ولو ] (٣) كان حيا حين قال الرسول هذا القول. لم يجاوز
المائة السنة ، وقال تعالى : ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ (٤)
باب : وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا
فيه : جابر قال: (( كان النبي - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة ،
والعِصرَ والشمسُ حَيَّة ، والمغربَ إذا وجبت ، والعشاءَ إذا كثر الناس
عَجَّل، وإذا قَلُّوا أَخَّرٍ، والصبحَ بِغَلَسِ)) .
وأما قوله: (( والعشاء إذا كثر الناس عجل)) . فتعجيله بها كان بعد
مغيب الشفق ، [ وقد أجمع العلماء أن وقت العشاء الآخرة مغيب
الشفق ] (٥) .
(١) النور : ٥٨ .
(٢) هكذا في ((الأصل)) و((هـ)): ((عتم)) فيحتمل أن تكون مشددة التاء المثناة
كما ضبطتها وهو الموافق لرسم الكلمة في النسختين ، ويحتمل أن تكون ((أعتم))
فسقطت الهمزة من الكلمة فالله أعلم . راجع المعجم الوسيط (٥٨٣/٢).
(٣) في ((الأصل)): ولكن ، كذا . وهو خطأ.
(٤) الأنبياء : ٣٤ .
(٥) من (( هـ )) .
- ١٩٠ -

واختلفوا في مغيب الشفق ، فروي عن ابن عباس ، وابن عمر ،
وعبادة بن الصامت أنها الحمرة التي تكون في المغرب بعد غروب
الشمس ، وهو قول مكحول ، وابن أبي ليلى ، ومالك ، والثوري ،
والأوزاعي ، وأبي يوسف ، ومحمد ، والشافعي . وقال أبو حنيفة
والمزني : الشفق : البياض الذي بعد الحمرة ، فإذا غاب ذلك البياض
وجبت العشاء الآخرة . وقد روي عن ابن عباس أيضًا أنه البياض ،
وعن أبي هريرة وأنس مثله ، وهو قول عمر بن عبد العزيز .
وذكر ابن شعبان ، عن مالك ، قال : إذا ذهبت الحمرة وبقي
البياض ، فأرجو أن تجزئ المصلي صلاته . وما ذلك عنده باليقين ،
وذهاب البياض هو الذي لا شك فيه ، وفيه قول ثالث : أن الشفق
اسم المعنيين عند العرب ، وهما الحمرة والبياض ، وكان عَلِي يصليها
إذا غاب الشفق ، وقال عمر : عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل ..
وينام المريض .
وأما تأخيرها فسيأتي في بابه ذكر الاختلاف فيه - إن شاء الله -
وكان رسول الله يستحب تأخير العشاء ، ويكره ما يشق على أمته من
طول انتظارها ؛ لأنه كان رءوفًا بالمؤمنين ، فلذلك كان يعجلها إذا
اجتمعوا .
ومن هذا الحديث استدل مالك - والله أعلم - على أن صلاة
الجماعة في وسط الوقت أفضل من الصلاة في أوله فرادى ، واستحب
مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا الصلاة حتى يجتمع الناس طلبًا
للفضل ؛ لأن المنتظر للصلاة في صلاة .
*
- ١٩١ -

باب : فضل العشاء
فيه : عائشة قالت: (( أعتم رسول الله ليلة بالعشاء وذلك قبل أن يَفْشُوَ
الإسلام ، فلم يجئ حتى قال عمر : نام النساء والصبيان ، فخرج فقال
لأهل المسجد : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم)).
وفيه : أبو موسى قال: ((اشتغل الرسول في بعض أمره فأعتم بالصلاة
حتى ابهار الليل ، ثم خرج فصلى بهم ، فلما قضى صلاته ، قال لمن
حضره : على رسلكم ، أبشروا ، إنه من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من
الناس يصلي هذه [ الساعة ] (١) غيركم)).
فيه إباحة تأخير العشاء إذا علم أن بالقوم قوة على انتظارها ؛
ليحصلوا على فضل الانتظار ثم الصلاة ؛ لأن المنتظر للصلاة في
صلاة، وهذا لا يصلح اليوم لأئمتنا ؛ لأن الرسول لما أمر الأئمة
بتخفيف الصلاة، وقال: ((إن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة))
كان تركُ التطويل عليهم في انتظارها أَوْلَى .
وقد روى مجالد ، عن عامر، عن جابر، قال: (( أبطأ رسول الله
[١/ ١١٢٥- بـ) عَلَ لة ذات ليلة عن صلاة العشاء حتى ذهب هوي من الليل / حتى نام
بعض من كان في المسجد ، ثم خرج فقال : (( لولا ضعف الضعيف،
وبكاء الصغير ، لأخرت العشاء إلى عتمة من الليل)) . ذكره الطبري.
وتأخيره عليه السلام الصلاة إلى هذا الوقت من الليل ، إنما كان من
أجل الشغل الذي منعه منها ، ولم يكن ذلك من فعله عادة، وقد جاء
في بعض طرق هذا الحديث معنى شغله : ما كان روى الأعمش ، عن
أبي سفيان، عن جابر قال: ((جهز رسول الله وَ﴾ ذات ليلة جيشًا
حتى قرب نصف الليل، أو [ ثلثه ] (٢)، خرج إلينا رسول الله فقال:
(١) من ((هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): الصلاة" ..
(٢) في ((الأصل)) و(هـ)): ((بلغه))، وهو تحريف .
- ١٩٢ -

قد صلى الناس ورقدوا ، وأنتم تنتظرون الصلاة ، أما إنكم لم تزالوا
في صلاة ما انتظرتموها)) . وروى زر بن حبيش ، عن ابن مسعود ،
قال: (( خرج علينا رسول الله وَلّه ونحن ننتظر العشاء ، فقال لنا :
ما على الأرض أحد من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت
غيركم)). فنزلت: ﴿ ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون
آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴾ (١) ، وليسوا كالمشركين الذين
يجحدون ذلك كله ، ذكره الطبري .
وقوله : ( إبهارّ الليل ) : انتصف . عن ابن السكيت ، والبهرة:
الوسط من الإنسان والدابة وغيرهما ، يقال : ابهارّ النهار حين ترتفع
الشمس . ويقال : ابهارّ الليل : ذهب عامته ، وبقي نحو من ثلثه،
وقد ابهار عليه الليل : أي طال .
وقال سيبويه : لا نتكلم بابهار إلا مزيدًا وهو في القمر .
وقال أبو سعيد الضرير : قد يبهار الليل قبل أن ينتصف ، وابهراره
طلوع نجومه إذا تتامت ؛ لأن الليل إذا أقبل أقبلت فحمته ، فإذا
تطالعت نجومه واشتبكت ، ذهبت تلك الفحمة ، والباهر الممتلئ
نورًاً، قال الأعشى :
أبلج مثل القمر الباهر
حکمتموه فقضی بینکم
وقال صاحب العين : أعتم القوم وعتموا : إذا صاروا في العتمة أو
وردوا .
(١) آل عمران : ١١٣ .
- ١٩٣ -

باب : ما يكره من النوم قبل العشاء
فيه : أبو برزة (( أن نبي الله مدير كان يكره النوم قبل العشاء ، والحديث
بعدها )) .
قال المهلب : إنما كره النوم قبل العشاء لئلا يستغرق في النوم ،
فيفوته وقتها المستحب ، وربما فاته وقتها كله ، فمنع من ذلك قطعًا
للذريعة .
واختلف السلف في النوم قبلها فكان ابن عمر يكاد يَسُبُّ الذي ينام
قبل العشاء .
وقال أنس : كنا تجتنب الفرش قبل صلاة العشاء ، وكتب عمر ألا
ينام قبل أن يصليها ، فمن نام فلا نامت عينه .
وكره ذلك : أبو هريرة ، وابن عباس . وعن عطاء ، وطاوس ،
وإبراهيم ، ومجاهد مثله . وهو قول مالك ، والكوفيين .
ورخصت فيه طائفة روي عن علي بن أبي طالب أنه كان ربما غفا
قبل العشاء ، وكان ابن عمر ينام ويوكِّل من يوقظه ، وعن أبي
موسى، وعبيدة مثله ، وعن عروة ، وابن سيرين والحكم أنهم كانوا
ينامون نومة قبل الصلاة ، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك ، وقال
به بعض الكوفيين واحتج لهم الطحاوي وقال : إنما كره النوم قبلها لمن
خشي عليه فوت وقتها ، أو فوت الجماعة فيها ، وأما من وكَّلَ لنفسه
من يوقظه لوقتها ، فمباح له النوم ، واحتجوا بفعل ابن عمر ، وأبي
موسى ، وعبيدة ، فدل أن النهي عن النوم قبلها ليس [ هو ] (١) نهي
تحريم لفعل الصحابة [ له ] (١) ، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنجى
وأحوط .
(١) من ((هـ).
- ١٩٤ -

وقال الطحاوي : قال الليث : قول عمر بن الخطاب : فمن رقد
بعد المغرب فلا أرقد الله عينه ، أن ذلك بعد ثلث الليل الأول . وقال
الطحاوي : تحمل الكراهة على أنها بعد دخول وقت العشاء ،
والإباحة قبل دخول وقتها ، وسيأتي بيان السمر المنهي عنه بعد العشاء،
والسمر المباح بعد هذا في موضعه - إن شاء الله .
باب : النوم قبل العشاء لمن غلب
فيه: عائشة قالت: (( أعتم رسول الله يلقي بالعشاء ، حتى ناداه عمر :
الصلاة ، نام النساء والصبيان ، فخرج فقال : ما ينتظرها من أهل
الأرض ( أحد ) (١) غيركم ، قال : ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة ، وكانوا
يصلون فيما بين الشفق إلى ثلث الليل )).
وفيه: ابن عمر (( أن النبي وَلي شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا / [١/ ١١٣٥-١]
في المسجد ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم خرج علينا عليه
السلام ، ثم قال : ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم ،
وكان ابن عمر لا يبالي ( قدمها ) (٢) أم أخرها ، إذا كان لا يخشى أن
يغلبه النوم عن وقتها وقد كان يرقد قبلها )) .
وفيه : ابن عباس قال: ((أعتم رسول الله وي لقى ليلة بالعشاء حتى رقد
الناس ، واستيقظوا ، ورقدوا، واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب فقال :
الصلاة ، فخرج الرسول ، وقال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن
يصلوها هكذا)) .
(١) من ((الأصل)): وليست في ((هـ))، ولا في النسخة السلطانية.
(٢) في (( هـ))، والنسخة السلطانية ((أقدمها)).
- ١٩٥ -

النوم المذكور في هذا الحديث إنما هو نوم القاعد الذي يخفق برأسه
لا نوم المضطجع ، والدليل على ذلك أنه لم يكن يذكر أحد من الرواة
أنهم توضئوا من ذلك النوم ، ولا يدل قوله: (( ثم استيقظوا )) على
النوم المستغرق الذي يزيل العقل وينقض الوضوء ؛ لأن العرب تقول
استيقظ من سِنّته وغفلَتِه ، وإلى هذا ذهب الشافعي في أن نوم الجالس
لا ينقض الوضوء ، ويشبه أيضًا مذهب مالك في مراعاته النوم الخفيف
في كل الأحوال ؛ لأنه ليس بحدث وهو رد على المزني في قوله : إن
قليل النوم وكثيره حدث ينقض الوضوء ؛ لأنه محال أن يذهب على
أصحاب الرسول أن النوم حدث ينقض الوضوء ، فيصلون بالنوم ،
ولا يسألون رسول الله وَ ﴿ عن ذلك، وقد رُوي عن ابن عمر ، وابن
عباس ، وأبي أمامة ، وأبي هريرة أنهم كانوا ينامون قعودًا ،
ولا يتوضئون ، فدل هذا أنه كان نومًا خفيفًا .
فإن قال قائل : فقد جاء عن أنس أنهم حين كانوا ينتظرون [الصلاة
مع ] (١) النبي - عليه السلام - ناموا مضطجعين ، ثم صلوا ولم
يتوضئوا، ذكره الطبري ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس قال :
((كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة مع الرسول فيضعون
جنوبهم، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون)) .
ففي هذا حجة لمن لم يَرَ من النوم وضوءًا أصلا ، وهو قول أبي
موسى الأشعري ، وأبي مجلز ، وعمرو بن دينار ، فهذا خلاف ما
تأولتَ في هذه الأحاديث . أنهم كانوا ينامون نومًا خفيفًا .
قيل : قد جاء حديث قتادة عن أنس بلفظ آخر ، وفيه ما يدل على
ما قلناه وهو قوله: ((ثم يقومون))، فمنهم من يتوضأ ومنهم من
(١) من (( هـ)).
- ١٩٦ -

لا يتوضأ . ذكره الطبري ، فبان بهذا الحديث أن من استغرق في نومه
مضطجعًا أو جالسًا ، فهم الذين كانوا يتوضئون ، ومن كان نومه
خفيفًا فهم الذين كانوا لا يتوضئون كما قلنا ، وإجماع العلماء على
[أن ](١) النوم مزيل للعقل ينقض الوضوء، يرد قول من لم ير من
النوم وضوءًا أصلا .
وأما نوم ابن عمر قبل العشاء ، فيدل - والله أعلم - أنه كان منه
نادرًا إذا غلبه النوم ، فكان يوكل من يوقظه على ما ذهب إليه بعض
الكوفيين ، وروى معمر ، عن أيوب ، عن نافع : أن ابن عمر كان
ربما رقد ( من ) (٢) العشاء الآخرة، ويأمر أن يوقظوه .
وقوله: (( ربما)) . يدل أنه كان منه في النادر ، فيحتمل أن يفعله
إذا أراد أن [ يجمع ] (٣) بأهله ، أو لعذر يمنعه من حضور الجماعة ،
ثم يجمع بأهله - والله أعلم .
باب : وقت العشاء إلى نصف الليل
قال أبو برزة : كان الرسول # يستحب تأخيرها .
فيه: أنس : ((أَخَّر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ، ثم
قال: قد صلى الناس وناموا ، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها)) .
اختلف العلماء في وقت عشاء الآخرة ، فروي عن عمر بن
الخطاب وأبي هريرة أن آخر وقتها إلى ثلث الليل . وهو قول عمر بن
(١) من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)): عن.
(٣) في ((الأصل)): يجتمع، والمثبت من (( هـ)).
- ١٩٧ -

عبد العزيز ، ومكحول ، وإليه ذهب مالك لغير أصحاب الضرورات،
واستحب لمساجد الجماعات ألا يعجلوها في أول وقتها إذا كان ذلك
غير مضر بالناس ، وتأخيرها قليل أفضل عنده ، وعند الشافعي وقتها.
إلى ثلث الليل أيضًا ، وقال النخعي : آخر وقتها ربع الليل .
وذهب أبو حنيفة والثوري إلى أن آخر وقتها نصف الليل ، وروي
عن ابن عباس أن آخر وقتها طلوع الفجر ، وقد روى ابن وهب ، عن
مالك مثله ، وهذا لمن له الاشتراك من أهل الضرورات .
وحجة من قال : آخر وقتها ثلث الليل ، قول عائشة في الباب
الذي قبل هذا : (( فكانوا يصلونها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث
الليل)) .
[١١٣٥/١- ب] وحجة من قال : وقتها نصف الليل ، حديث أنس الذي / في هذا
الباب، أن النبي وَّل أخر العشاء إلى نصف الليل.
وقال بعض العلماء : وهذا عندي على معنى التعليم لأمته بآخر
الوقت المختار ، كما فعل عليه السلام حين صلى الصبح حين طلع
الفجر ثم صلاها في اليوم الثاني حين أسفر إعلامًا منه بسعة الوقت ،
ولذلك قال: ((ما بين هذين وقت)).
باب : فضل صلاة الفجر
فيه : جرير (( أن نبي الله قال إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ؛ فقال : أما
إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون - أو قال : لا تضاهون -
في رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل
- ١٩٨ -

غروبها فافعلوا . ثم قال : ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها﴾ (١) )) .
وفيه: أبو موسى قال عليه السلام: (( من صلى البردين دخل الجنة)).
في حديث جرير فضل المبادرة والمحافظة على صلاة الصبح والعصر
وأن بذلك تنال رؤية الله - تعالى - يوم القيامة ، وإنما خصتا بالذكر
والتأكيد لفضلهما باجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فيها ، وهو
معنى قوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ (٢).
وأما قوله عليه السلام: (( من صلى البردين دخل الجنة)) فإن أبا
عبيدة قال : المراد بذلك الصبح والعصر ، والعرب تقول للغداة
والعشي : بردا النهار و(أبرداه ) (٣)، قال الخطابي: وإنما قيل لهما:
بردان وأبردان لطيب الهواء وبرده في هذين الوقتين ، وأنشد ثعلب :
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
ولا الفيء من برد العشي تذوق
قال: وأما قوله: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة)) . فليس
هذا من بردي النهار ؛ لأنه لا يجوز تأخير الظهر إلى ذلك الوقت ،
وإنما الإبراد : انكسار وهج الشمس بعد الزوال ، وسمي ذلك إبرادًا؛
لأنه بالإضافة إلى حَرِّ الهاجرة بَرْد ، وقد روي مثل هذا التفسير عن
محمد بن كعب القرظي .
(١) طه : ١٣٠ .
(٣) في (( هـ)): أبراده .
(٢) الإسراء : ٧٨ .
- ١٩٩ -

باب : وقت الفجر
فيه : زيد بن ثابت حدثهم (( أنهم تسحروا مع النبي - عليه السلام - ثم
قاموا إلى الصلاة، قلت : كم بينهما ؟ قال : قدر خمسين أو ستين آية )).
وفيه : سهل بن سعد يقول: (( كنت أنسحر في أهلي ، ثم يكون سَرْعَة
بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله (ێ )) .
وفيه : عائشة: (( كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله وَاخ صلاة
الفجر [ متلفعات ](١) بمروطهن ، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين
الصلاة ، لا يعرفهن أحد من الغَلَس )) .
أجمع العلماء على أن وقت صلاة الصبح طلوع الفجر ، وهو
البياض المعترض في الأفق الشرقي ، واختلفوا في التغليس [ بها ] (٢)
هل هو أفضل أم الإسفار ، فممن كان يغلس بالفجر : أبو بكر ،
وعمر ، وعثمان ، وأبو موسى ، وابن الزبير ، وهو قول مالك ،
والليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وممن كان يسفر بالصبح : ابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وعمر بن
عبد العزيز وأصحاب عبد الله .
وقال ابن سيرين : كانوا يستحبون أن ينصرفوا من الصبح ، وأحدهم
يرى مواقع نبله ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري،
واحتجوا لفضل [ الإسفار ] (٣) بما رواه شعبة، عن (أبي داود) (٤).
(١) من (( هـ))، وكذا بالنسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): ملتفعات.
(٢) من ((هـ)) وهو الموافق لقول المصنف بعد ذلك: ((فممن كان يغلس بالفجر))
وجاء في الأصل (( فيها )) .
(٣) من ((هـ).
(٤) كذا في ((الأصل))، و((هـ)): ولم أعرفه ، وقال أبو داود الطيالسي في مسنده
(١٢٩/١، رقم ٩٥٩) : حدثنا شعبة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن
عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج - به ، ولم أره بالإسناد
الذي أورده المؤلف ، فأخشى أن يكون وهم في النقل ، والله أعلم .
- ٢٠٠ -