النص المفهرس

صفحات 161-180

صَلِّ الظهر حين تزيغ الشمس . وقال إبراهيم : كنا نصلي الظهر مع
علقمة أحيانًا نجد ظلا ، نجلس فيه ، وأحيانًا لا نجد ظلا نجلس فيه ،
وذكر ذلك كله ابن أبي شيبة .
وقال الطحاوي : ذهب قوم إلى تعجيل الظهر في الزمان كله في
أول وقتها ، واحتجوا بهذه الآثار وخالفهم آخرون ، فقالوا : أما في
الشتاء فيعجل بها ، وأما في الصيف ، فتؤخر حتى يتبرد بها ، وهو
قول الكوفيين ، وأحمد ، وإسحاق ، ورواية أبي الفرج عن مالك .
واحتجوا بالآثار المروية عن الرسول بالإبراد ، وقالوا : معلوم أن
الإبراد لا يكون إلا في الصيف / وخالف ذلك الآثار التي جاءت [١٠٧٥/١-١]
بتعجيل الظهر في الحر ، فما دل على أن أحد الأمرين أولى من
الآخر؟ قيل : لأنه روي أن تعجيل الظهر قد كان يفعل ، ثم نسخ ،
حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا يحيى بن معين ، حدثنا إسحاق
ابن يوسف ، حدثنا شريك، عن بيان [ عن ] (١) قيس بن أبي
حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: ((صلى بنا رسول الله وَفيه صلاة
الظهر بالهجير ، ثم قال : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فأبردوا عن
الصلاة)) فأخبر المغيرة في هذا الحديث أن أمر النبي بالإبراد بالظهر بعد
أن كان يصليها في الوقت ، نَسَخَ تعجيل الظهر في شدة الحر ،
ووجب استعمال الإبراد في شدة الحر .
وقد رُوي عن أنس بن مالك ، وابن مسعود ، عن النبي أنه كان
يعجلها في الشتاء ، ويؤخرها في الصيف ، من طرق ثابتة ، ذكرها
(١) في ((الأصل))، و(( هـ)): بن، خطأ. وهو بيان بن بشر الأحمسي ، يروي
عن قيس بن أبي حازم ، وعنه شريك النخعي القاضي ، وترجمته في ((تهذيب
الكمال للمزي : (٣٠٣/٤) .
- ١٦١ -

۔۔
الطحاوي ، فدل ذلك على أن حديث جابر ، وأنس ، وأبي برزة ،
مفسَّر (بحديث) (١) المغيرة .
واحتج أهل المقالة الأولى ، فقالوا : ليس الأمر بالإبراد ناسخًا
لتعجيل الظهر في شدة الحر ، وحكم الظهر أن يعجل في سائر الزمان
لمن أراد الأخذ بالأفضل ؛ لأن الرسول كان يعجلها في أكثر أمره ،
وإنما أمرهم بالإبراد رخصة لهم لشدة الحر عندهم رفقًا بهم ، وقد
روي عن سعيد بن أبي المليح ، عن ميمون بن مهران ، قال : لا بأس
بالصلاة نصف النهار ، وإنما كانوا يكرهون الصلاة نصف النهار لأنهم
كانوا يصلون بمكة ، وكانت شديدة الحر ، ولم يكن لهم ظلال ،
فقال : أبردوا بها
وروى الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، قال :
صليت خلف عبد الله بن مسعود الظهر حين زالت الشمس ، فقال :
هذا والذي لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة ، قالوا : وهذا محمول
على الزمان كله ، وبَيَّنَ هذا ما رواه الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن بشير بن أبي
مسعود ، عن أبيه، (( أنه رأى رسول الله يصلي الظهر حين تزيغ
الشمس ، وربما أخرها في شدة الحر )) فهذا يدل أنه لم يكن يبرد
بالصلاة في الحَرِّ كله ؛ لأن ((ربما)) تقع للتقليل، وإنما كان يفعل ذلك
في النادر ، وليدل أمته على أن ما أمرهم به من الإبراد ، قد يفعله هو
أيضًا ، وإن كان أكثر دهره يعجل الصلاة ولا يبرد بها ، وأنهم مخيرون
بالأخذ بأي ذلك شاءوا .
فمن أراد الأفضل ، كان له التعجيل ، ومن أراد الأخذ بالرخصة
كان له الإبراد ، وهذا المعنى فَهْمُ عمر بن الخطاب ، فكتب إلى أبي.
(١) في ((هـ ): لحديث، وهذا يعكس المعنى، وهو خطأ.
- ١٦٢ -

موسى الأشعري : أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس . فدله على
الأفضل في خاصة نفسه لعلمه بفهم أبي موسى، ومعرفته بأول الوقت،
وأنه لا يشكل عليه ، ولعلمه بحرصه على الأخذ في نفسه بالأفضل ،
وإن كان أشق عليه ، وكتب إلى عماله : أن صلوا الظهر إذا فاء الفيء
ذراعًا . ولم يخص بذلك صيفًا من شتاء، فحملهم على سعة الوقت،
وما [ يستوي] (١) عامة الناس في معرفته ، إذ لو حملهم على أول
الوقت المحدود ، لأدخل عليهم الحرج ؛ إذ لا يعرف أول الوقت على
الحقيقة كلُّ الناس ، ورأى أن الوقت الذي يشمل عامتهم ويجتمعون
فيه للصلاة يدركون فيه من فضل الجماعة ، أكثر مما فاتهم من التعجيل
بها لو صلوا منفردين بغير جماعة ، فهذا [ تأويل ] (٢) يجمع ما
اختلف من الآثار في تعجيل الظهر والإبراد ، والله الموفق .
واختلف العلماء. في الوقت المختار [ من الظهر ] (٣)، ففي المدونة
عن مالك أنه استحب [ أن يصلي ] (٣) الظهر والعصر والعشاء بعد
تمكن الوقت عنده ، إذا فاء الفيء ذراعًا على ما كتب به عمر إلى
عماله ، وهذه خلاف رواية أبي الفرج عن مالك ، واختلف أيضًا عن
أبي حنيفة في ذلك ، فحكى ابن القصار عن الكرخي عنه أن وجوب
صلاة الظهر معلق بآخر الوقت عنده ، وأن الصلاة في [ أوله
نفل](٤)، فإن صلى إنسان عند الزوال ، ثم بقي إلى آخر الوقت على
حال سليمة يصح معها أن يكون مخاطبًا بها ، ناب ذلك الفعل عن
الواجب ، وإن مات أو جُنَّ أو أُغْمِي عليه أو حاضت امرأة قبل بلوغ
الوقت الآخر ، كانت الصلاة التي صلى عند الزوال نفلا لا أداء عن
(١) في (( الأضل)): سوى، وهو تصحيف، والمثبت من (( هـ)).
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تأول .
(٤) في ((الأصل)): أول الوقت تقبل ، كذا .
(٣) من (( هـ)).
- ١٦٣ -

فرض لَزِمَه ، وحكي عنه أنه في أول الوقت نفل على كل حال ،
وحكي عنه أنه واجب موقوف ، فإن بقي على حال تلزمه الصلاة آخر
الوقت كان واجبًا ، وإن كان على حال لا تلزمه الصلاة كان نفلا .
والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله ، واحتج له الكرخي ، أقال
لو وجيت الصلاة بزوال الشمس، فأخرها مُؤَخِّر، كان عاصيًا !
[١/ ١٠٧٥ -ب] قال: وقد أجمعوا أنه يؤخرها إلى آخر الوقت / فلا يكون عاصيًا.
قال ابن القصار : وهذا لا يلزم ؛ لأنا نقول وجوب الصلاة وجوبًا.
موسعًا ، حتى أنه مخير في إيقاعها أي وقت شاء بعد الزوال
كالكفارات ، هو مخير في أيها شاء . .
قال غيره : ومما يدل على فساد قول أبي حنيفة ما ثبت من صلاة.
الرسول للظهر في أحاديث هذا الباب حين زاغت الشمس، وإذا
زالت الشمس ، وبالهاجرة ، وبالظهائر ، وإنما امتثل عليه السلام في
ذلك ما وقت له جبريل حين صلى به ، وقال له : بهذا أمرت ،
فمحال أن يتعلق فرض الظهر بآخر الوقت ، ويخالف في ذلك الرسول
- عليه السلام - ، ويصلي الظهر عند الزوال ، ويوقع فرضه في غير
وقته، وهو المبين عن الله لعباده ما فرض عليهم ، وهذا ما لا يجوز
لأحد أن يظنه بالنبي ، وهذا من قول أبي حنيفة تحديد لمخالفة السنة.
[الثابتة] (١)، والحجة في السنة لا في ما خالفها .
قال ابن القصار : والقول أنه واجب موقوف فاسد ؛ لأن وجوب
الفعل لا يقف على ما يحصل عنه حالة ثابتة، و[ إنما ] (٢) يتعلق
بشروط تحصل قبل وجوبه أو معه ، فأما أن يتعلق بما يتأخر عنه
(١) من (( هـ)).
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): إنها . خطأ .
- ١٦٤ -

فهو محال ، فبطل أنه واجب موقوف ، فلم يبق إلا أنه واجب مخير
فيه ؛ لأنه إن قيل إنه مضيق خرج عن اتفاقهم على أنه لا يأثم من
أَخَّرَهُ إلى آخر الوقت .
واختلفوا في آخر وقت الظهر ، فقال مالك في رواية ابن عبد الحكم
عنه : آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثله ، بعد القدر الذي
زالت عنه الشمس ، وهو أول وقت العصر بلا فصل ، وهو قول
الثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحاق .
وقال الشافعي وأبو ثور : بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر
فاصلة ، لا تصلح للظهر ولا للعصر في الاختيار ، وهو أن يزيد الظل
أدنى زيادة على المثل ، واحتجا بحديث عبد الله بن عمرو أن الرسول
قال: ((وقت الظهر ما لم تحضر العصر))، وهذا لا حجة فيه لما
سنبينه - إن شاء الله .
قال أبو حنيفة : آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثليه .
فخالف الآثار والناس في قوله في المثلين في آخر وقت الظهر ،
وخالفه أصحابه ، وذكر الطحاوي عنه رواية موافقة لقول الجماعة أن
آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، إلا أنه قال : ولا يدخل
وقت العصر ، حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فترك بين الظهر
والعصر وقتًا مفردًا لا يصلح لأحدهما ، وهذا لم يتابع عليه ، كما لم
يتابع الشافعي على قوله أن بين آخر القامة وأول القامتين وقت لا يصلح
للظهر ولا للعصر في الاختيار .
وهذا كله لا يتحصل ولا يفهم ؛ لأن ما بعد الحد في جميع
المحدودات إنما هو أول آخر الشيء الذي يليه ، وليس هو من غيره ،
وهذا يلزم أصحاب الشافعي باحتجاجهم بقوله عليه السلام: ((آخر
وقت الظهر ما لم تحضر العصر )) ، وأيضًا فإنه قد صح اشتراك وقت
- ١٦٥ -

الظهر والعصر بعرفة في وقت واحد ، فلولا أن الوقت مشترك بينهما
لم يجز جمعه عليه السلام بينهما ، كما لم يجز الجمع بين الصبح
وغيرها من الصلوات ..
قال المهلب : وإنما خطب الرسول في حديث أنس بعد الصلاة ،
وذكر الساعة، وقال: ((سلوني)) لأنه بلغه أن قومًا من المنافقين ينالون.
منه ، ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه ، فتغيظ عليهم ، وقال :
((لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به)). وأما بكاء الناس ، فإنهم
[خافوا ] (١) نزول العذاب المعهود في الأمم الخالية عند تكذيب
الرسل؛ لأنهم كانوا إذا جاءتهم آية فلم يؤمنوا لم يمطلهم العذاب ،
قال تعالى: ﴿ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر﴾ (٢) و﴿لقضي إليهم
أجلهم ﴾ (٣) . فبكوا إشفاقًا من ذلك ألا ترى فهم عمر حين برك
على ركبتيه وقال : رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد نبيًا .
حين قال عليه السلام للسائل له عن أبيه: (( أبوك حذافة ))، وكان
هذا الرجل لا يُعرف أبوه حتى أخبر به الرسول وَ لآن.
وسأزيد في الكلام في معنى هذا الحديث في كتاب الفتن ، وفي كتاب
الاعتصام في باب (( ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعني)) - إن
شاء الله. وقال أنس: ((كنا إذا صلينا خلف الرسول ◌َّل بالظهائر،
سجدنا على أثوابنا إتقاء الحر)) . فذلك - والله أعلم - لأن الحجاز
كثير الحَرِّ ، وليس هذا في حين شدة الحرِّ جدا الذي أمر فيه الرسول
بالإبراد ؛ لأنه صلى الله عليه كان جُلُّ أَمْزِهِ المبادرة .
قال غيره : ويجوز أن يبادر في الحر بالظهر ، وقد أُمَر بالإبراد
وأخذ بالشدة على نفسه ، ولئلا يظن أحد أن الصلاة لا تجوز في
(١) في ((الأصل)): يخافوا، والمثبت من ((هـ)).
(٢) الأنعام : ٨ .
(٣) يونس : ١١ .
- ١٦٦ -

الوقت الذي أمر فيه / بالإبراد ، فأراد تعليم أمته ، والتوسعة عليهم - [١٠٨٥/١-١]
والله أعلم .
وفيه جواز السجود على الثياب . وعُرْض الشيء : جانبه ، يقال :
نظرت إليه عن عُرْض ، وعرض النهر والبحر : وسطهما ، عن الخليل.
والظهائر : جمع ظهيرة ، والظهيرة : شدة الحر .
وقوله في حديث أبي برزة : (( رجع والشمس حيّة )) يريد ثم يرجع
والشمس حية .
باب : تأخير الظهر إلى العصر
فيه : ابن عباس (( أن الرسول صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء)). قال أيوب: لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى .
قوله: ((سبعًا)) يريد المغرب والعشاء، و((ثمانيّا)) الظهر والعصر،
وقد تأول مالك في هذا الحديث أنه كان في مطر ، كما تأوله أيوب ،
وهو قول الشافعي ، وهذا الحديث حجة في اشتراك أوقات الصلوات
وهو يرد قول الشافعي أن بين آخر [ وقت ] (١) الظهر ، وأول وقت
العصر فاصلة لا تصلح للظهر ولا للعصر ، وعلى من قال : لا يدخل
وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، وهو أبو حنيفة ؛ لأن
النبي لم يفصل بين الظهر والعصر ، ولو كان بينهما وقت لا يصلح
لإحدى الصلاتين لَبَيْنَهُ النبي - عليه السلام .
واختلف العلماء في جمع الصلاتين لعذر المطر ، فقال مالك :
يجوز أن يجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر ، ولا يجمع بين الظهر
(١) من (( هـ ).
- ١٦٧ -

والعصر في المطر، وهو قول ابن عمر ، وعروة ، وسعيد بن
المسيب، والقاسم بن محمد ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبي
سلمة ، وعمر بن عبد العزيز ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال
الشافعي : يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء إذا كان
المطر دائمًا ولا يجمع في غير حال المطر ، وبه قال أبو ثور ، وقال
مالك : يجمع بين المغرب والعشاء في الطين والظلمة ، وإن لم يكن
مطر . وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع في الربح والظلمة .
والجمع عند مالك أن يؤخر المغرب ، ثم يؤذن لها ويقيم ويصلي ،
ثم يؤذن في المسجد للعشاء ويقيمون ويصلون وينصرفون قبل مغي
الشفق ، لينصرفوا وعليهم إسفار .
وقال محمد بن عبد الحكم : الجمع في ليلة المطر في وقت
المغرب، ولا يؤخر المغرب . وذكر أنه قول ابن وهب ، وأنه اختلف
فيه قول مالك .
وروى البرقي عن أشهب مثل قول ابن وهب ، قال محمد : لأنه
إن أخر المغرب لم يصل واحدة منهما في وقتها ، ولأن يصلي في وقت
إحداهما أولى .
وخالف أبو حنيفة وأصحابه هذا الحديث ، وقالوا : لا يجمع أحد
بين الصلاتين في مطر ولا غيره ، وقالوا في حديث ابن عباس : هذا
ليس فيه صفة الجمع ، وممكن أن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها ،
وصَلاها ، ثم صلى العصر في أول وقتها ، وصنع بالمغرب والعشاء
كذلك ، قالوا : وهذا سمي جمعًا ولا يجوز أن تُحَالَ أوقاتُ الحضر.
إلا بيقين . وروي عن الليث مثله ، وقد تأول عمرو بن دينار وأبو
الشعثاء في هذا الحديث مثل تأويل أبي حنيفة .
- ١٦٨ -

وروى عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ، عن ابن
عباس قال : صلى الرسول بالمدينة ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا . قال
عمرو : قلت لجابر : أظنه أَخَّر الظهر وعَجَّل العصر ، وأخر المغرب
وعجل العشاء ، قال : وأنا أظنه . وهذا تأويلُ من لم يَرَ الجمعَ ،
وإلى هذا المعنى أشار البخاري في ترجمته .
وقد ذكر ابن المواز ، عن ابن الماجشون مثله قال : لا بأس بتأخير
الظهر إلى آخر وقتها ، وتقديم العصر في أول وقتها ، والجمع بينهما،
وهذا التأويل ليس بشيء ؛ لأنه عليه السلام لَمَّا لَمْ يجمع بين العصر
والمغرب ، ولا بين العشاء والصبح ، علمنا أنه جمع بين صلاتين في
وقت إحداهما وهو وقت الأخرى ، فصح أن الظهر يشترك مع
العصر، والمغرب مع العشاء في باب الإجزاء لا في باب الاختيار على
رواية ابن وهب ، وعلى قول أشهب ، وهو قول ربيعة، وابن سيرين.
ولو كان هذا الجمع كما زعم أبو حنيفة وأبو الشعثاء في آخر وقت
الأولى وأول وقت الثانية ، لجاز الجمع بين العصر والمغرب ، وبين
العشاء والصبح . ولَمَّا أجمعوا أن السنة إنما وردت في الظهر
والعصر، والمغرب والعشاء ، عُلِمَ أن ذلك لاشتراك وقتيهما ، وأَنَّ ما
تأولوه ليس بجمع ؛ إذ لو كان جمعًا لجاز مثله في العصر والمغرب ،
والعشاء والفجر ، فسقط قولهم .
وقد رُوي حديث ابن عباس هذا على خلاف ما تأوله أيوب ومالك،
روى أبو داود عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن سعيد / بن جبير، عن ابن عباس، قال: (( جمع [١٠٨٥/١ -ب]
رسول الله وَ له بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة في
غير خوف ولا مطر ، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن
- ١٦٩ -

لا يحرج أمته )» هكذا يقول حبيب بن أبي ثابت: من غير خوف ولا مطر
بالمدينة ، وإذا كان بالمدينة فلا معنى لذكر السفر فيه .
وقد روى صالح مولى التوأمة عن ابن عباس مثله: (( من غير خوف
ولا مطر))، وليست رواية من روى في هذا الحديث (( من غير خوف
ولا سفر)) معارضة الرواية من روى ((من غير خوف ولا مطر))؛ لأنه
قد صح عن الرسول أن هذا الجمع كان بالمدينة في حضر ، فمن نَفَى
المطر روى أنه كان بالمدينة وزاد على من نفى السفر لأنه وافقه أنه لم
يكن في سفر ، فهي زيادة يجب قبولها .
ففيه من الفقه جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر ، وإن لم يكن
مطر ، وقد أجاز ذلك طائفة من العلماء إذا كان ذلك لعذر يخرج به
صاحبه ويشق عليه ، على ما روى حبيب بن أبي ثابت . قال ابن
سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين في الحضر إذا كانت حاجة أو
شيء ما لم يتخذه عادة . وأجاز ذلك ربيعة بن عبد الرحمن ، وقال
أشهب في المجموعة : لا بأس بالجمع بين الصلاتين في الحضر بغير
مطر ولا مرض ، وإن كانت الصلاة أول الوقت أفضل . وروى ابن
وهب ، عن مالك : من صلى العصر أول وقت الظهر ، أنه يعيد
ما دام في الوقت استحبابًا . قال بعض أصحابه : ومعنى ذلك أنه
صلى بعد الزوال بقدر أربع ركعات للظهر .
وذكر ابن المواز ، عن ابن الماجشون أنه لا بأس بتأخير الظهر إلى:
آخر وقتها ، وتقديم العصر إلى أول وقتها ، والجمع بينهما ، وقد
سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : أليس قد قال ابن عباس:
(( لئلا يحرج أمته ؟)) وهذا الحديث رخصة للمريض للجمع بين
الصلاتين .
وقال مالك : إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر.
- ١٧٠ -

والعصر عند الزوال ، وجمع بين المغرب والعشاء عند الغروب ، فأما
إن كان الجمع أرفق به ، ولم يخش أن يغلب على عقله ، فليجمع
بينهما في وسط وقت الظهر ، وعند غيبوبة الشفق ، قال مالك :
والمريض أَوْلَى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك عليه ، وقال
الليث: يجمع المريض ، وقال أبو حنيفة : يجمع المريض كجمع
المسافر - عنده في آخر وقت الأولى ، وأول وقت الثانية . فأما في
المطر فلا يجمع عنده [ بحال ] (١) . وقال الشافعي : لا يجمع
المريض بين الصلاتين .
#
باب : وقت العصر
فيه: عائشة (( أن الرسول 18 كان يصلي العصر، والشمس لم تخرج
من حجرتها)). وقال مرة: ((لم يظهر الفيء من حجرتها)).
وفيه : أبو هريرة (( أن النبي كان يصلي العصر ، ثم يرفع أحدنا رحله
في أقصى المدينة والشمس مرتفعة حيّة )) .
وفيه: أنس: (( كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن
عوف ، فيجدهم يصلون العصر )) .
وفيه أبو أمامة قال: (( صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ، ثم خرجنا
حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي العصر ، فقلت : يا عم
ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر. وهذه صلاة رسول الله (وَلاته
التي كنا نصلي معه )» .
وفيه : أنس قال: (( كنا نصلي العصر ، فيذهب الذاهب إلى قباء ،
(١) من (( هـ)).
- ١٧١ -

فيأتيهم والشمس مرتفعة))، وقال مرة: (( كنا نصلي العصر والشمس
مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العَوَالِي ، فيأتيهم والشمس مرتفعة ،
وبعض العوالي من المدينة على أربعة أمیال أو نحوه » .
هذا الباب كله يدل على تعجيل العصر وأَنَّهُ السنة ، واختلفوا في
أول وقت العصر ، فقال مالك ، والثوري ، وأبو يوسف ، ومحمد،
وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : أول وقت العصر إذا صار ظل كل
شيء مثله . وقال الشافعي : أوله إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء
ما، حتى ينفصل من آخر وقت الظهر على ما تقدم في الباب قبل هذا.
وقال أبو حنيفة : أول وقت العصر أن يصير ظل قامتين بعد الزوال،
ومن صلى العصر قبل ذلك لم يجز ، فخالف الآثار ، وخالفه
أصحابه ، ووقت القامتين آخر وقت العصر المختار عند مالك في رواية
ابن عبد الحكم عنه ، وفي المدونة : لم يكن مالك يذكر القامتين في
وقت العصر ولكنه كان يقول : والشمس بيضاء نقية .
[١/ق١٠٩-١]
واختلفوا في التعجيل بصلاة العصر / وتأخيرها ، فذهب أهل
العراق إلى أن تأخيرها أفضل ، واحتجوا بما روي عن ابن مسعود ،
وأبي هريرة أنهم كانوا يؤخرونها حتى تصفر الشمس ، وكان علي
يؤخرها حتى ترتفع الشمس على الحيطان ، وقال أبو قلابة ، وابن
شبرمة : إنما سميت العصر لتعتصر . وهو قول النخعي ، وممن كان
يعجل العصر عمر بن الخطاب ، وكتب إلى عماله : أن صلوا العصر
والشمس مرتفعة بيضاء نقية ، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة .
وكان ابنه عبد الله يصليها والشمس بيضاء نقية ويعجلها مرة ، ويؤخرها
أخرى .
- ١٧٢ -

وروى هشام بن عروة قال : قدم رجل على المغيرة بن شعبة ، وهو
على الكوفة ، فرآه يؤخر العصر ، فقال : لم تؤخر العصر ، وقد
كنت أصليها مع النبي ◌ّللر ثم أرجع إلى أهلي إلى بني عمرو بن عوف
والشمس مرتفعة حية ؟ وأحاديث هذا الباب تدل على تعجيل صلاة
العصر ، ألا ترى قول عائشة أن النبي كان يصلي العصر والشمس لم
تخرج من حجرتها ، ولا تكون الشمس في قصر الحجرة على قصر
حيطانها ، إلا في أول وقت العصر ، وقول أنس وأبي برزة : كنا
نصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله والشمس مرتفعة حيّة ، يدل
على تعجيلها أيضًا ؛ لأن حياة الشمس أن تجد حرها ، وقول أنس :
فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة . ولا يكون ذلك إلا
في أول وقتها .
قال أبو سليمان الخطابي : حياتها : صفاء لونها قبل أن تصفر أو
تتغير .
وقول أنس : (( كنا نصلي العصر فيذهب الذاهب إلى قباء ، فيأتيهم
والشمس مرتفعة)) . فالصحيح فيه : العوالي ، وكذلك رواه أصحاب
ابن شهاب كلهم غير مالك في الموطأ ، فإنه تفرد بذكر قباء ، قال
البزار : والصواب ما اجتمعت عليه الجماعة ، وهو ممّا يعد على مالك
أنه وهم فيه (١) .
قال المؤلف : وقد روى خالد بن مخلد ، عن مالك : (( إلى
(١) ثبت هنا في الأصل فقط: ( وقوله : تفرد مالك بذكر قباء ليس بصحيح ،
وقد تابعه على ذلك ابن أبي ذئب من رواية الشافعي ، ذكره ابن الباجي في
شرح الموطأ ، فتأمله فهو الصحيح إن شاء الله ) .
وكتب في هامش ((الأصل)) ما يلي: (( حـٍ من العلامة إلى العلامة ليس
من الأم وهو من كلام الشيخ نند به على من رَدّ على مالك)) . ولم أر هاتين
العلامتين، والظاهر أنهما بين ما أثبته عن الأصل، وليس في (( هـ)).
- ١٧٣ -

العوالي)) كما رواه أصحاب ابن شهاب ، ذكره الدارقطني ، فلم يهم
فيه مالك .
والعوالي من المدينة على أربعة أميال ، ولا يأتونها بعد صلاتهم
العصر مع النبي ◌َّل، ويجدون الشمس مرتفعة حية ، إلا وقد صلاها
الرسول بهم في أول الوقت ، وهذا لا يكون إلا في الصيف في طول
النهار ، وهذا مستغنى عن الاحتجاج لوضوحه .
وقول أبي أمامة: (( صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا
حتى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلي العصر)) ، قال :
هذا يدل على أن تأخير عمر الظهر عن وقتها المستجب ، كما أخر
صلاة العصر حين أنكر ذلك عليه عروة بن الزبير ، وروي أن بني أمية
كانوا يؤخرون الصلاة عن أوائل الوقت وكان ذلك عادتهم .
!
وقول أنس: ((هذه صلاة رسول الله التي كنا نصليها معه )) يدل
على أن سنته تعجيل العصر في أول وقتها كما ثبت في سائر أحاديث
هذا الباب .
وقوله : (( حين تدحض الشمس)) . يعني حين تزول الشمس ،
وأصل الدحض : الزلق ، يقال : دحض يدحض دحضًا : إذا زلق ،
والدحض : ما يكون عند الزلق . من كتاب العين . والتهجير ،
والهاجرة : وقت شدة الحر .
قال أبو حنيفة : سميت الهاجرة هاجرة ، لهرب كل شيء منها .
- ١٧٤ -

باب: إثم من فاتته ( صلاة ) (١) العصر
فيه : ابن عمر قال: قال رسول الله: (( الذي تفوته صلاة العصر ، كأنما
وُتُرَ أهلَهُ ومالَهُ)) .
قال [ أبو عبد الله ] (٢) بن أبي صفرة : إنما وجب التعظيم لصلاة
العصر وقصدها بالخطاب دون غيرها ، وإن كانت داخلة في قوله
تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (٣) لاجتماع المتعاقبين من الملائكة
فيها ، وإنما أراد عليه السلام فواتها في الجماعة ، لا فواتها باصفرار
الشمس أو مغيبها ؛ لما يفوته من صلاتها في الجماعة من حضور
الملائكة فيها ، فصار ما يفوته من هذا المشهد العظيم الذي يجتمع فيه
ملائكة الليل وملائكة النهار أعظم من ذهاب أهله وماله ، فكأنه قال :
الذي يفوته هذا المشهد الذي أوجب البركة للعصر كأنما وتر أهله
وماله، ولو كان فوات وقتها كله باصفرار أو غيبوبة / لبطل (١٠٩٥/١-ب]
الاختصاص ؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة بهذا
المعنى، فسره ابن وهب، وابن نافع ، وذكره ابن حبيب عن مالك ،
وابن سحنون عن أبيه ، قال ابن حبيب : وهو مثل حديث يحيى بن
سعيد : (( إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته ، ولَمَا فاته من وقتها
أكثر من أهله وماله )) يريد أن الرجل ليصلي الصلاة في الوقت
المفضول ولما فاته من وقتها الفاضل - الذي مضى عليه اختيار النبي
وأبي بكر وكتب به عمر إلى عماله - أفضل من أهله وماله ، وليس
في الإسلام حديث يقوم مقام هذا الحديث ؛ لأن الله - تعالى - قال:
﴿ حافظوا على الصلوات﴾ (٣) ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره.
(١) ليست في ((هـ))، ولا النسخة السلطانية.
(٢) في ((الأصل)): أبو عبيد الله، والمثبت من ((هـ))، وهو الصواب.
(٣) البقرة : ٢٣٨ .
- ١٧٥ -

وقوله: (( وتر أهله وماله)) أي سلب ذلك ، قال صاحب العين :
الوتر والترة : الظلم في الدم ، يقال منه: وُتُرَ الرجلُ وتراً وترة .
فمعنى وتر أهله وماله : أي سُلِبَ ذلك وحُرِمَهُ ، فهو أشد لغَمِّه
وحُزْنه لأنه لو مات أهلُه وذهب مالهُ بغير سَلْبٍ لم تكن مصيبةُ ذلك
عنده بمنزلة السُّلْب ؛ لأنه يجتمع عليه في ذلك غَمَّان : غم ذهابهم ،
وغم الطلب بوترهم .
وإنما مثله عليه السلام في ما يفوته من عظيم الثواب بالذي حرم
أهله وماله ، فبقي لا أهل له ولا مال ، وأصله من الوتر وهو
[الذَّحْل] (١) يقال منه: وَتَرَهُ يَتْرُهُ [وَتْرًا وَتِرَةً] (٢)، و (( الْوَثْرِ))
بكسر الواو اسم لا مصدر ، وقد يحتمل أن يكون عنى بقوله
(([فكأنما](٢) وتر أهله وماله)). أي نقص [ ذلك] (٢) وأفرد منه،
من قوله تعالى: ﴿ ولن یترکم أعمالکم ﴾ (٣) أي لن ینقصکم
والقول الأول أشبه بمعنى الحديث ، والله أعلم .
باب : من ترك العصر
فيه : بريدة : أنه قال في يوم ذي غيم: (( بكروا بصلاة العصر فإن نبي
الله قال : من ترك صلاة العصر ، فقد حبط عمله )) .
قال المهلب : معناه من تركها مضيعًا لها ، متهاونًا بفضل وقتها مع
قدرته على أدائها ، فحبط عمله في الصلاة خاصة ، أي لا يحصل
على أجر المصلي في وقتها ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة .
(١) من (( هـ))، وهو الصواب، وفي ((الأصل)): الرجل، خطأ لا معنى له.
راجع (( المعجم الوسيط)) (٢ / ١٠١٠) وغيره. والذّحل: الحقد والثأر.
(٣) محمد : ٣٥ .
(٢) من ( هـ).
- ١٧٦ -

قال الطبري: فإن قيل: ما معنى قوله: (( بكروا بصلاة العصر))
في يوم الغيم ، ولا سبيل إلى معرفة أوقات النهار لارتفاع الأدلة على
ذلك بالغيم الساتر عين الشمس ؟ قال : ذلك أمر منه عليه السلام
بالبكور بها على التحري والأغلب عند [ المتحري] (١) [ لا على
إحاطة نفس العلم ] (٢) بإصابة أول وقتها ؛ لأن أوقات الصلوات
لا تدرك في يوم الغيم إلا بالتحري والعلم الظاهر .
باب : فضل صلاة العصر
فيه: جرير: (( كنا عند الرسول ◌َلل فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال :
إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن
استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها ،
فافعلوا )) ثم قرأ: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها﴾ (٣))) قال إسماعيل (٤): افعلوا ، لا تفوتنكم.
وفيه : أبو هريرة قال: قال رسول الله: (( پتعاقبون فیکم ملائكة بالليل،
وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج
الذين باتوا فيكم ، فيسألهم - وهو أعلم [ بهم ] (٥) - : كيف تركتم
عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون )).
قال المؤلف : ذكر ابن أبي خيثمة قال : حدثنا الهيثم بن
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): التحري.
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): لا على نفس إحاطة بغير العلم، كذا، وهو تخليط.
(٣) طه : ١٣٠ .
(٤) هو ابن أبي خالد ، من رجال إسناد هذا الحديث وهو مشهور .
(٥) من ( هـ )).
- ١٧٧ -

[ خارجة ] (١)، حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : سألت الأوزاعي ،
ومالك ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها
ذكر الرؤية فقالوا : أَمرَّهَا كيف جاءت بلا كيفية .
قال المهلب: وقوله: (( فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة)) يعني:
على شهودها في الجماعة ، فخص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة
فيهما ولرفعهم أعمالهم فيها ، لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم ، قال
[١/ ق١١٠-١) أبو عبد الله: وقد قال عليه السلام / يوم الخندق: ((شغلونا عن
الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا)) . فسمى العصر.
وسطى .
[ وممن ذهب إلى أن العصر هي الصلاة الوسطى ] (٢) علي بن أبي.
طالب ، وعائشة ، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وأبو أيوب الأنصاري ،
والحسن ، والزهري ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد
وأكثر أهل الحديث ، واحتجوا بقوله يوم الخندق .
وقيل : إنها الصبح رُوي ذلك عن ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي:
موسى ، وأبي أمامة ، وجابر بن عبد الله ، ومن التابعين : عطاء ،
وعكرمة ، وطاوس ، ومجاهد ، وهو قول مالك ، وحكى مالك أنه
بلغه عن علي بن أبي طالب مثله .
وقيل : إنها الظهر رُوي ذلك عن : زيد بن ثابت ، وابن عمر ،
وأبي سعيد الخدري ، وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وقال قبيصة بن
ذؤيب : هي المغرب ، واحتج الذين قالوا : إنها الظهر بما رَوَى
(١) في ((الأصل))، و((هـ)): حارث، وأظنه مصحفًا فهو - أعني الهيثم بن
خارجة - من شيوخ ابن أبي خيثمة ، كما في ترجمة الهيثم من ( تهذيب
الكمال)) : (٣٧٥/٣٠) ، وإن كان لم يُذكر فيمن روى عن الوليد، ولم أر
من يُدْعَى : الهيثم بن الحارث ممن يصلح أن يكون هو هذا ، فالظاهر أنه.
تصحيف والله تعالى أعلم ..
(٢) من (( هـ )).
- ١٧٨ -

الزهري ، عن سعيد بن المسيب قال : كنت في قوم فاختلفوا في
الصلاة الوسطى ، وأنا أصغر القوم ، فبعثوني إلى زيد بن ثابت
لأسأله عن ذلك ، فسألته قال : كان رسول الله يصلي بالهاجرة
والناس في قائلتهم وأسواقهم ولم يكن يصلي وراء رسول الله إلا
الصف والصفان ، فنزلت : ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
وقوموا لله قانتين﴾ (١). فقال رسول الله مصرية: ((لينتهين قوم أو
لأحرقن بيوتهم)) .
وأما الذين قالوا : إنها المغرب فقالوا : ليست بأقلها ولا أكثرها ،
ولا تقصر في السفر ، وأن رسول الله لم يؤخرها عن وقتها
ولا تعجلها .
وأما حجة الذين قالوا : إنها الصبح ، فإن ابن عباس قد استدل
على ذلك بأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار ، وقالوا :
وهي أكثر الصلوات تفوت الناس .
قال إسماعيل بن إسحاق : ومن الحجة على ذلك قوله :
﴿وقرآن الفجر﴾ (٢) الآية فخصت بهذا النص وأنها مفردة لا يشاركها
فيه غيرها.
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وإنما سمى الرسول العصر وسطى
- والله أعلم - شبهها بالصبح لفضلها واجتماع الملائكة فيها في قوله :
«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة
الصبح وصلاة العصر )) .
﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ (٢) فالصبح وسطى
(١) البقرة : ٢٣٨ .
(٢) الإسراء : ٧٨ .
- ١٧٩ -

بالكتاب والعصر وسطى بالسنة ؛ لأن الصبح مذكورة بالكتاب بشهود
الملائكة لها ، والعصر مذكورة بذلك في السنة ، ألا ترى أن عائشة
وحفصة أمرتا أن يكتب لهما في المصحف: ((حافظوا على الصلوات،
والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) . فخصتا العصر بالمحافظة مع
الوسطى لاشتراكهما في تعاقب الملائكة ، ولاشتباههما في أن الصبح
يغلب الناس النومُ عليها ، وأن العصرَ يُغلبون عليها بالكسل والسآمة
لما كانوا عليه من اشتغالهم ونظرهم في معاشهم ، فتزاحم الشغل
والكسل في وقتها - والله أعلم .
قال المهلب : في حديث أبي هريرة أن أهم ما يسأل عنه العبد عند
ملاقاة ربه : الصلاة ، وأن أهم الصلوات صلاة الصبح وصلاة العصر؛
الاجتماع الملائكة فيهما ، [ وأن الله - تعالى - يسأل ] (١) عما أكد
المحافظة عليه منهما ، فلذلك عرفهم أنهم ملاقوه وأنهم يرونه، [و](٢)
يسألهم عن ذلك ..
وقوله : (( لا تضامون)) كأنه مِنَ الضَّيْمِ ، مَنْ رواه مخفف الميم
معناه : لا يضيم بعضكم بعضًا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه .
وقال بعض أهل اللغة : إنما هو تضامُّون - بإدغام الميم - على
تقدير تفاعلون ، وهو من الانضمام يريد أنكم لا تختلفون فيه حتى
تجتمعوا للنظر وينضم بعضكم إلى بعض ، فيقول واحد : هو ذاك،
ويقول آخر : ليس ، كذلك فِعْلُ النَّاسِ عند النظر إلى الهلال أول ليلةٍ
من الشهر . قاله ابن قتيبة .
قال : وكذلك في رواية من روى: (( تضارون )) وهو من الضير
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ويسأل.
(٢) من (( هـ)) ..
- ١٨٠ -