النص المفهرس

صفحات 21-40

ذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن الحسن قال :
اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال
أبي : لا بأس به ، وقد صلى فيه النبي - عليه السلام - فالصلاة فيه
اليوم جائزة ، وقال ابن مسعود : إنما كان ذلك إذ كان الناس لا
يجدون ثيابًا ، فأما إذا وجدوها ، فالصلاة في ثوبين . فقام عمر على
المنبر ، فقال : الصواب ما قال أبي، [ولم يَأْلُ] (١) ابن مسعود.
قال الطحاوي: وقد تواترت الأخبار عن النبي ◌َخلو [ بالصلاة](٢)
في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره ، وذلك أن السائل
سأل النبي ◌َّر في حديث أبي هريرة : أيصلي أحدنا في ثوب واحد ؟
فأجابه جوابًا مطلقًا، فقال: ((أو كلكم يجد ثوبين )) أي : لو كانت
الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا
واحدًا، ودل جوابه ذلك أن حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد
الثوبين كهو في الصلاة في الثوب الواحد لمن لا يجد غيره . قال
غيره: وفهم من قوله وَلال: ((أو لكلكم ثوبان)) أن من صلى في أكثر
من ثوب واحد فقد أحسن ؛ ألا ترى قول عمر: (( الصواب ما قال
أُبَي، ولم يَأْلُ ابن مسعود)). أي: لم يُقَصِّرْ في الاجتهاد ، وإن كان
قد حكم لأُبَيِّ بالصواب ، فهذا من قول عمر ، يوافق ما روي عن
الرسول من إجازته الصلاة في ثوب واحد لمن وجد غيره ، وهو أولى
أن يؤخذ به مما روي عن ابن عمر وغيره مما يخالف ذلك .
(١) من ((هـ)) وهو الصواب، وفي ((الأصل)): لا ما قال، وسيأتي في ((الأصل))
عند شرح الأثر ما يُبيِّن الصواب .
(٢) من ( هـ)).
- ٢١ -

۔۔
باب : إذا صَلَّى في الثوب الواحد،
[ فَلْيَجْعَلْ] (١) على ( عَاتقه) (٢)
فيه: أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: (( لا يُصَلِّي أحدُكم في الثوب
الواحد ليس على عاتقه شيء)). وقال مرة : سمعت الرسول يقول :
«من صلی في ثوب واحد ، فليخالف بين طرفيه )) .
إنما أمر الرسول من صلى في ثوب واحد أن يجعله على عاتقيه إذا
لم يكن متزرًا ؛ لأنه إذا لم يكن متزرًا لم يأمن أن ينظر من عورة نفسه
في صلاته ، فإذا جعله على عاتقيه وخالف بين طرفيه أمن من ذلك ،
واستترت عورته ، على ما تقدم في الباب [ قبل ] (٣) هذا ، وإنما هذا
في الثوب إذا كان واسعًا ، فحينئذ يجعله على عاتقيه ، وأما إذا كان
ضيقًا ؛ فإنه يتزر به على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء الله :-
وهذا كله تأكيد في ستر العورة في الصلاة .
باب : إذا كان الثوب ضيقًا
فيه : جابر أنه سئل عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : « خرجت
مع النبي في بعض أسفاره ، فجئت ليلة لبعض أمري ، فوجدته يصلي
وعلي ثوب واحد ، فاشتملت به وصليت إلى جانبه ، فلما انصرف قال :
ما السّرَى يا جابر ؟ فأخبرته بحاجتي ، فلما فرغتُ ، قال : ما هذا
الاشتمال الذي رأيتُ ؟! قلت : كان ثوب واحد . قال: فإن كان واسعًا
فَالْتَحفْ به ، وإن كان ضيقًا فَاتَّزِرْ به)) .
(١) من (( هـ))، وكذا في النسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): فيجعل:
(٢) في (( هـ)): عاتقيه .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): مثل.
- ٢٢ -

وفيه : سهل بن سعد قال: (( كان رجال يصلون مع الرسول وَل عَاقدي
/ أُزُرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ، ويقال للنساء : لا ترفعن [٢/١\٨-١]
رءوسكن حتى يَسْتَوِيَ الرجالُ جُلُوسًا )) .
قال المؤلف : حديث جابر هذا يفسر حديث أبي هريرة الذي في
الباب قبل هذا أن النبي قال: (( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد
ليس على عاتقه منه شيء)) أنه أراد الثوب الواسع الذي يمكن أن
يشتمله ، وأما إذا كان ضيقًا ولم يمكنه أن يشتمله فليتزر به كما قال
وَّه، فإن قيل: قوله: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس
على عاتقه منه شيء )) هو نهي عن الصلاة في الثوب الواحد متزرًاً به.
فظاهره : يعارض قوله : (( فإن كان ضيقًا فليتزر به )) ويعارض
حديث بريدة الأسلمي أن الرسول نهى أن يصلي الرجل في سراويل
وحده ، رواه ابن وهب ، عن زيد بن الحباب ، عن [ أبي
المنيب](١)، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه .
قال الطحاوي : ومحمل النهي في ذلك عندنا للواجد لغيره ، وأما
من لم يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه كما لا بأس بالصلاة في الثوب
الضيق متزرًا به فعلى هذا تتفق معاني الآثار ولا تتضاد .
قال المؤلف : ويشهد لصحة ما قال الطحاوي أن الذين كانوا
يعقدون أزرهم على أعناقهم لم يكن لهم غيرها ، والله أعلم ؛ إذ لو
كان لهم غيرها للبسوها في الصلاة ، وما احتيج أن ينهى النساء عن
رفع رءوسهن حتى يستوي الرجال جلوسًا ، وتختلف أحكامهم في
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): ابن المسيَّب، وهو خطأ، وكُتبت في هامش
((الأصل)) بخط مغاير ((المنيب)) وكتب أمامها: ح يعني: حاشية . وهو أبو
المنيب العتكي المروزي، واسمه عبيد الله بن عبد الله، راجع (( تهذيب
الكمال»: (١٩ / ٨٠ - ٨١) .
- ٢٣ -

الصلاة ، وذلك مخالف لقول الرسول في الإمام: (( فلا تختلفوا
عليه))، ولقوله: ((فإذا رفع فارفعوا)). ألا ترى أن عمرو بن سلمة
حين كان يصلي بقومه ، وتنكشف عورته ، لم تكن له غير تلك الجبة
القصيرة ، فلما اشتريت له جبة سابغة تستره في الصلاة ، قال : فما
فرحت بشيء فرحي بها .
وفي حديث سهل أن الثوب إذا أمكن أن يُشتمل به ، وإن لم يكن
سابعًا أن الاشتمال أولى به من الاتزار ؛ لأن الاشتمال أستر العورة
من الاتزار ولذلك لم يؤمر الذين عقدوا أزرهم على عواتقهم بالاتزار
بها ، والله أعلم .
وإنما نهى النساء عن رفع رءوسهن خشية أن يلمحن شيئًا من
عورات الرجال عند الرفع من السجود ، وهذا كله حماية من النظر
إلى عورة المصلي ، ولا خلاف بين العلماء أن المصلي إذا تقلص مئزره
أو كشفت الريح ثوبه ، فظهرت عورته ، ثم رجع الثوب في حينه
وفوره أنه لا يضر ذلك المصلي شيئًا وكذلك المأموم إذا رأى من العورة
مثل ذلك لا تنتقض صلاته ؛ لأنه إنما يحرم النظر مع العمد ولا يحرم
النظر فجأة ، وإذا صحت صلاة الإمام فأحرى أن تصح صلاة المأموم،
وقال ابن القاسم في العتبية : إِنْ فرط في رد إزاره ، فصلاته وصلاة
من تأمل عورته باطل (١) ..
قال المهلب : والاشتمال الذي أنكره الرسول هو اشتمال الصماء
المنهي عنه وهو أن يجلل نفسه بثوبه ، لا يرفع شيئًا من جوانبه ، ولا يمكنه
إخراج يديه إلا من أسفله ، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك ،
(١) كذا في ((الأصل))، ((هـ)): بلفظ التذكير، مع أن الكلام يعود على الصلاة
وهى مؤنثة ، فلعل فى الكلام تقدير ، والله أعلم .
- ٢٤ -

فلذلك قال له النبي: ((إن كان واسعًا فالْتَحفْ به، وإن كان ضيقًا
فاتَّزِرْ به )) .
وقوله: (( ما السَّرَى يا جابر؟)) إنما سأله عن سُراه إذا علم أنه
لا يأتيه أحد ليلا إلا لحاجة ، فسأله عن ذلك ، يدل على ذلك قول
جابر: فأخبرته بحاجتي ، وفيه طلب الحوائج بالليل من السلطان لخلاء
موضعه ( وسرّه ) (١) .
باب : الصلاة في الجُبَّة الشَّامِيَّة
وقال الحسن في الثوب تنسجه المجوس لم ير به بأسًا . وقال معمر:
[رأيت الزهري ] (٢) يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول ، وصلى
علي بن أبي طالب في ثوب غير مقصور .
فيه : المغيرة بن شعبة قال: ((كنت مع النبي ◌َّهُ في سفر فقال: يا مغيرة
خذ الإداوة . فأخذتها . فانطلق رسول الله حتى توارى عني وقضى
حاجته ، وعليه جبة شامية ، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت فأخرج
يده من أسفلها . فصببت عليه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ومسح على
خفیه ، ثم صلی )) .
فيه من الفقه : إباحة لبس ثياب المشركين / لأن الشام كانت ذلك [١/ق٨١ - ب]
الوقت دار كفر ، وكان ذلك في غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة ،
وكانت ثياب المشركين ضيقة الأكمام .
واختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار ، فذهب مالك
وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نَسَجُوه ، وكره مالك
(١) في ((هـ) : وستره .
(٢) من ( هـ )).
- ٢٥ -

۔۔
الصلاة في ما لبسوه ، وقال : إن صلى فيه فيعيد في الوقت . وأجاز
ذلك الكوفيون والثوري والشافعي ، وقالوا : لا بأس بلباسها ، وإن
لم تُغسل حتى يتبين فيها النجاسة . إلا أن أبا حنيفة قال : أما
السراويل والأزر فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد الغسيل .
وقال إسحاق : تُطَهِّر جميع ثيابهم . وليس في حديث الجبة
الشامية ما يقطع به، [ و] (١) إن كان النبي غسلها قبل لباسه أم لا ،
فلا حجة فيه لواحد منهم ، وأما صلاة الزهري في ثوب صبغ بالبول،
فمعلوم أنه لم يُصل فيه إلا بعد غسله وإنما على المرء أن يغسل ثوبه
حتى يتيقن طهارته .
وفيه : خدمة العالم في السفر ، وفيه إخراج اليد من أسفل الثوب
إذا احتيج إلى ذلك .
وفيه : لباس الثياب الضيقة الأكمام في السفر ، والثياب القصار
كالأقبية وغيرها .
باب : كراهية التعري في الصلاة وغيرها
فيه : جابر: ((أن رسول الله وَل﴾ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه
إزاره فقال له العباس عمه : يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على
منكبيك دون الحجارة . قال : فحله فجعله على منكبيه ، فسقط مغشيًا
علیه ، فما رئي بعد ذلك عریانًا صلى الله عليه )) .
بنیان الكعبة کان والنبي غلام قبل البعثة بمدة، وقيل : کان یومئذ ابن
خمسة عشر عامًا ، وقد بعثه الله بالرسالة إلى خلقه ، وعلَّمه ما لم
(١) من (( هـ)).
- ٢٦ -

يكن يعلم، وأنزل عليه في القرآن ما حمله أن يأمر: ((ألا [يطوف](١)
بالبيت عريانًا)) ، ونسخ بذلك ما كانوا عليه من جاهليتهم من
مسامحتهم في النظر إلى العورات ، وكان قد جبله الله على جميل
الأخلاق وشريف الطباع ، ألا ترى أنه غشي عليه وما رُئي بعد ذلك
عريانًا .
وفائدة هذا الحديث قوله: (( فما رُئي بعد ذلك عريانًا)).
ففيه أنه لا ينبغي التعري للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها،
والمشي عريانًا بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلا ما رُخص فيه من رؤية
الحلائل لأزواجهن عراةً .
قال الطبري : وقد حدثنا ( ابن ) (٢) حميد عن هارون بن المغيرة ،
عن سماك [ بن ] (٣) حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن
العباس بن عبد المطلب ( وذكر ) (٤) الحديث وقال فيه : أنه لما سقط
[النبي وَل] (٥) نظر إلى السماء وأخذ إزاره وقال: ((نُهيت (عن)(٦)
أن أمشي عريانًا)). فقلت: ((اكتمها الناس مخافة أن يقولوا مجنون)).
فدل هذا الحديث أنه لا يجوز التعري في الخلوة ولا لأعين الناس .
وقيل : إنما مخرج القول منه لذلك الحال التي كان عليها فحيث
[كانت] (٧) قريش نساؤها ورجالها تنقل معه الحجارة فقال: ((نهيت
أن أمشي عريانًا)). في مثل هذه الحالة ولو كان ذلك نهيًا من الله له
(١) من ((هـ)): وفي الأصل: ((يطف)).
(٢) في (( هـ)) : أبو، خطأ، وهو محمد بن حميد الرازي .
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): عن ، خطأ.
(٤) في (( هـ)»: وحكى .
(٥) من (( هـ ) .
(٦) ليس في (( هـ )).
(٧) من ((هـ))، وفي ((الأصل)) : كان.
- ٢٧ -

عن التعري في كل مكان لكان قد نهاه عن التعري للغسل من الجنابة
في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد إلا الله ، إذ كان المغتسل لا
يجد بُدًا من التعري ، ولكنه نُهي عن التعري بحيث يراه أحد .
وفي نهيه عليه السلام عن المشي عريانًا بيان أنه لا يجوز القعود
عريانًا في موضع يكون معناه معنى الموضع الذي نهي فيه عن المشي
عريانًا ، وذلك القعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته ؛
فكان القعود عريانًا في معنى المشي عريانًا ، ولذلك نهى النبي عن
دخول الحمام بغير إزار .
فإن قيل : فما أنت قائل في حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي
وَّ أنه قال: «لو أستطيع أن أواري عَورتي من شِعاري لواريتُها)).
وفي قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : (( إذا كشف الرجل
عورته أعرض عنه الملك )) . وفي قول أبي مجلز قال : قال أبو موسى
الأشعري: (( إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صُلبي حياءً من
ربي )) .
[١/ ق٨٢-٢]
قال الطبري : قيل له : حديث أبي أمامة إن صح عن الرسول فهو
منه محمول على وجه الاستحباب ، لاستعمال السترة والندب لأمته
إلى ذلك ؛ وكذلك كان ذلك من علي وأبي موسى / لا على أنهما
رأيا أن ذلك حرام ؛ لأن الله لا يغيب عنه شيء من خلقه عراةً كانوا أو
عليهم ثياب ، فلا وجه لترك إقامة الصلب عند الاغتسال ولو كان
العبد إذا لم يقم صلبَه استتر من جسده عن ربه شيء كان ذلك معنى
صحيحًا؛ فأما وهو لو انطبق بعضه على بعض لم يغب شيء من أجزاء
جسده عن عين ربه - تعالى ذكره - فلا وجه لترك إقامة الصلب عند
- ٢٨ -

الاغتسال في الخلوة حياءً من الله - تعالى - بل ذلك داعية إلى أن
يكون سببًا لتضييع غسل بعض جسده أقرب منه إلى أن يكون حياءً من
الله .
**
باب : الصلاة في القَميص والسََّاوِيلِ والتَّانِ والقَبَاءِ
فيه: أبو هريرة: (( أن رجلا سأل رسول الله وَلتر عن الصلاة في الثوب
الوحد فقال : أوكلكم يجد ثوبين ، ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسع الله
فأوسعوا ؛ جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في
[إزار](١) وقميص، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل
وقميص ، [في سراويل ] (١) وقباء ، في تُبَّان [ وقَبَاء ، في تبان
وقميص] (١) قال : وأحسبه قال : في تبَّان ورداء)» .
وفيه : ابن عمر : (( سأل رجل النبي فقال : ما يلبس المحرم ؟ فقال :
لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ... )) الحديث .
قال المهلب : اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر
للعورة، وقول عمر: ((إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل
عليه ثيابه ... )) يدل على ذلك . وجمع الثياب في الصلاة اختيار
واستحسان وعليه جماعة الفقهاء ، والله أحق من تجمل له .
وقول عمر: ((في تبان ورداء )) يدل أن الرداء يشتمل في الصلاة
لأنه لا يكون الرداء مع التبان والسراويل الكاملة إلا مشتملا به . وقال
الخليل : التبان يشبه سراويل صغير ، تذكره العرب .
وقد اختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل وهو قادر على
(١) من (( هـ)).
- ٢٩ -

التبان ؛ ففي المدونة: لا يعيد في وقت ولا غيره ، وفي المجموعة عن
ابن القاسم مثله، وعن أشهب : عليه الإعادة في الوقت ؛ وعن
أشهب أيضًا أن صلاته تامة إن كان صَفيقًا .
وقول عمر : (( جمع رجل عليه ثيابه )) يعني ليجمع عليه ثيابه
وليصلي فيها ( فجاء ) (١) بلفظ الفعل الماضي وهو يريد المستقبل وذلك
كثير في التنزيل كقوله تعالى : ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت
قلت للناس ﴾ (٢). والمعنى: إذ يقول الله دل على ذلك قول عيسى
﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم
شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني ... ﴾ (٣) . فدلَّ قوله: ﴿فلما
توفيتني ﴾ أن هذا الكلام إنما يكون بعد وفاة عيسى ومبعثه يوم القيامة.
باب : ما يَسْتَرَ منِ العَوْرةِ
فيه: أبو سعيد وأبو هريرة: (( أن الرسول نهى عن اشتمال الصماء،
وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء )) .
وفيه: أبو هريرة قال: (( بعثني الرسول ◌َ ل﴿ نُؤَذِّن يوم النحر بمنى: أن
لا يطوف بالبيت عريان » .
:
قال أبو عبيد (٤): ((اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل
بثوب فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده . قال :
وربما اضطجع فيه على هذه الحال ، كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله
يصيبه شيء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه ، فلا يقدر ، لإدخالهما
في ثيابه ، فهذا كلام العرب ، وأمّا تفسير الفقهاء فهو عندهم مثل
(٣) المائدة : ١١٧ .
(٢) المائدة : ١١٦ .
(١) في (( هـ)): فحكى.
(٤) ((غريب الحديث)) له: (٢ /١١٧ - ١١٨).
- ٣٠ -

الاضطباع (١) ، وهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ويرفعه
من أحد جانبيه ، فيضعه على منكبيه ، فيبدو منه فرجه)) (٢) .
إلا أن الاضطباع أن يدخل الثوب تحت يده اليمنى ، ويبرز منكبه
الأيمن ، وقد ذكر البخاري في كتاب اللباس في حديث أبي هريرة وأبي
سعيد عن النبي تفسير اشتمال الصماء والاحتباء ؛ قال: (( الصماء أن
يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب)) . وهو
نحو ما حكاه أبو عبيد عن الفقهاء ؛ واختلف قول مالك في اشتمال
الصماء إذا كان تحتها ثوب فمرة أجازها ومرة كرهها .
والاحتباء : هو أن يحتزم بالثوب على حقويه وركبتيه وفرجه باد ،
كانت العرب تفعله لأنه أرفق لها في جلوسها ، وفي حديث أبي سعيد
وأبي هريرة في اللباس قال: / الاحتباء أن يحتبي في ثوب وهو [٨٢٥/١-ب]
جالس ليس على فرجه منه شيء . وقال الخطابي (٣) : الاحتباء أن
يجمع ظهره ورجليه بثوب . يقال : العمائم تيجان العرب والحباء
حيطانها . يقال حِبْوَةَ وحُبْوَةً والكسر أعلى .
والاحتباء على ثوب جائز لأن رسول الله إنما نهى عنه إذا كان
كاشفًا عن فرجه .
وكرهَ الصلاةَ محتبيًا : ابن سيرين ، وأجازها الحسن ، والنخعي ،
وعروة ، وسعيد بن المسيب ، وعبيد بن عمير ؛ وكان سعيد بن جبير
يصلي محتبيًا فإذا أراد أن يركع حلّ حبوته ثم قام وركع ، وصلى
التطوعَ محتبيًا عطاء وعمر بن عبد العزيز .
(١) ليس في كتاب أبي عبيد المطبوع لفظ ((الاضطباع))، وإنما فيه: وأما تفسير
الفقهاء فإنهم يقولون : هو أن يشتمل بثوب واحد ...
(٢) إلى هنا انتهى نقل المصنف عن أبي عبيد، وفي المطبوع من الكتاب المذكور
زيادة: (( والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا)).
(٣) ((غريب الحديث)) له: (٣٧/٣).
- ٣١ -

واختلف العلماء في حَدِّ العورة ؛ فقالت طائفة : لا عورة من
الرجال إلا القبل والدبر ، هذا قول ابن أبي ذئب وأهل الظاهر ،
وعند مالك حَدُّ العورة : ما بين السرة إلى الركبة وهو قول أبي حنيفة،
والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور ، وليست السّرة والركبة عندهم
بعورة غير أبي حنيفة فإن الركبة عنده عورة ، وهو قول عطاء ،
وأحمد، وعند بعض أصحاب الشافعي : السّرة عورة .
وجه القول الأول (« نهيه عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي في ثوب
واحد ليس على فرجه منه شيء )) . وقوله تعالى : ﴿ قد أنزلنا عليكم
لباسًا يواري سوءاتكم﴾(١). وقال: ﴿فبدت لهما سوءاتهما﴾ (٢).
وقال : ﴿يواري سوءة أخيه﴾ (٣). فدل أنه لا عورة غير السوءة.
وحجة من قال : ما بين السَّرة إلى الركبة عورة قوله صلى الله عليه
[لجرهد](٤): («الفخذ عورة)). ومنعهم من كشف الفخذ كمنعهم من
الرعي حول الحمى .
1
وحجة من قال إن السّرة ليست بعورة أن النبي قبّل سُرة الحسن بن
علي وأن أبا هريرة سأل الحسن كشف سُرته فقبلها وقال : أقبل منك ما
رأيت رسول الله يقبله . ولو كانت عورة ما قَبَّلها أبو هريرة ولا مكنه
الحسن منها ، وقال الآخرون : ليس هذا بحجة ؛ لأن عورات الصبيان
ليست بمحرمة ؛ لأنه لا يلزمهم الأحكام والحدود .
باب : الصلاة بِغَيْرِ رِدَاء
فيه : جابر: (( أنه صلى في ثوب واحد ورداؤه موضوع ، فلما انصرف
(٣) المائدة : ٣١ .
(١) الأعراف : ٢٦ .
(٢) الأعراف : ٢٢ .
---
(٤) من ((هـ))، وهو: جَرْهد الأسلمي، له عن النبي ولار هذا الحديث الواحد،
وسيأتي معلقًا فى الباب الآتي، وفي ((الأصل)» : لحد هذا ، كذا وهو خطأ .
- ٣٢ -

قلنا : يا أبا عبد الله ، تصلي ورداؤك موضوع ؟! قال : نعم أحببت أن
يراني الجهال مثلكم ؛ رأيت النبي يصلي هكذا)).
كل من صلى بغير رداء إذا كان عليه قميص فلا يكره له ذلك أحد
من العلماء إلا أن مالكًا ذكر عنه ابن عبد الحكم أنه قال : لا يصلي
إمام إلا برداء إلا من ضرورة وهذا على الاستحسان في كمال أحوال
الأئمة ، ولو كان من جهة الوجوب ، لكان الإمام والمأموم فيه سواء.
باب : ما يُذْكَرُ فِي الفَخِذ
قال أبو عبد الله : ویروی عن ابن عباس و جرهد ومحمد بن جحش عن
النبي ◌ّ ((الفخذ عورة)). وقال أنس: ((حسر النبي عن فخذه)).
وحديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم .
وقال أبو موسى : « غطی النبي ر کبته حین دخل عثمان )) .
وقال زيد بن ثابت: « أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت
علي حتى خفت أن ترض فخذي )) .
فيه: أنس (( أن نبي الله وَّ ر غزا خيير فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ،
فركب نبي الله وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله
في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ، ثم حسر الإزار عن فخذه
حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ، فلما دخل القرية قال : الله أكبر
خربت خيبر )) وذكر الحديث .
قال المؤلف : احتج بحديث أنس وحديث زيد بن ثابت من قال إن
الفخذ ليست بعورة ؛ لأنها لو كانت عورة يجب سترها ما كشفها
النبي يوم خيبر ولا تركها مكشوفة بحضرة أبي بكر وعمر ، وقد قال
الأوزاعي: (( الفخذ عورة وليست بعورة في الحمام)) . فدل أنها
لا تقوى عندهم قوة العورة وإن كانوا يأمرون بسترها .
- ٣٣ -

:
:
قال المهلب : وإنما ذلك خوف النظر إلى العورة والذريعة إليها
فيكون معنى قوله: ((الفخذ عورة )» على المقاربة والجوار ، وقد
[١/ ق٨٣-١) أجمعوا أن من صلى منكشف القبل والدبر / أن عليه الإعادة [واختلفوا
فيمن صلى منكشف الفخذ ] (١) فدل أن حكمه مخالف [ لحكم ] (٢)
القبل والدبر لاختلاف المعنى في ذلك .
فإن قال قائل : لم غطى النبي ركبته حين دخل عليه عثمان بن عفان؟.
قيل: قد بَيَّن النبي، معنى ذلك بقوله: (( ألا أستحي ممن تستحيي
منه ملائكة السماء)) وإنما كان يخص كل واحد من أصحابه من
الفضائل بما [ يتبيّن ] (٣) به عن غيره ويمتاز به عمن سواه ، وإن كان
قد شركه غيره من أصحابه في معنى تلك الفضيلة ، وله النصيب الوافر
منها غير أنه عليه السلام إنما كان يصف كل واحد من أصحابه بما هو
الغالب عليه من أخلاقه وهو مشهور فيه ؛ فلما كان الحياء الغالب على
عثمان استحيا منه وغطى ركبته بحضرته ، وذكر أن الملائكة تستحيي منه
فكانت المجازاة له من جنس فعله .
باب : في جَمْ تُصلِّي المرأةُ من النَّاب
وقال عكرمةُ : لو وَرَتْ جَسَدَهَا في ثوبٍ جازَ .
فيه: عائشة قالت: ((لقد كان رسول الله وقلقه يصلي الفجر فيشهد معه نساء من
المؤمنات ( متلفعات ) (٤) بمروطهن ثم يرجعن إلی بیوتهن ما يعرفهن أحد )).
(١) من ((هـ))، وفي (الأصل)): وأجمعوا أن من صَلَّى منكشف الفخذ لا إعادة
عليه ، وهو غير مستقيم المعنى ..
(٢) من ((هـ))، وفي الأصل: ((مخالف للقبل والدبر)).
(٣) في ((هـ)) كأنها (( يبين)) وكلاهما له وجه .
(٤) في (( هـ)»: ملتفعات.
- ٣٤ -

اختلف العلماء في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت طائفة:
تصلي في درع وخمار ، وروي ذلك عن ميمونة ، وعائشة ، وأم
سلمة أزواج الرسول ، ورُوي أيضًا ذلك عن ابن عباس ، وهو قول
مالك ، والليث ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ،
وقالت طائفة : إنما تصلي في ثلاثة أثواب : درع وخمار وحَقْو ،
وهو الإزار في لغة الأنصار ، روي ذلك عن ابن عمر ، وعبيدة ،
وعطاء، وقالت طائفة : تصلي في أربعة أثواب وهو : الخمار والدرع
والإزار والملحفة ، وروي ذلك عن مجاهد ، وابن سيرين .
وقال ابن المنذر : على المرأة أن تستر في الصلاة جميع بدنها سوى
وجهها وكفيها سواء سترته بثوب واحد أو أكثر ، ولا أحسب ما روي
عن المتقدمين في ذلك من الأمر بثلاثة أثواب أو أربعة إلا من طريق
الاستحباب - والله أعلم .
قال غيره : لأن صلاة النساء المتلفعات مع النبي يحتمل أن تكون
بثوب واحد والمرأة كلها عورة ، حاشا ما يجوز لها كشفه في الصلاة
والحج ، وذلك وجهها وكفاها فإن المرأة لا تلبس القفازين محرمةً ،
ولا تنتقب في الصلاة ولا تتبرقع في الحج ، وأجمعوا أنها لا تصلي
منتقبة ولا متبرقعة . وفي هذ أوضح دليل على أن وجهها وكفيها ليس
بعورة ، ولهذا يجوز النظر إلى وجهها في الشهادة عليها . وقال أبو
بكر بن عبد الرحمن : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها . وهذا
قول لا نعلم أحدًا قاله إلا أحمد بن حنبل . وقال مالك والشافعي :
قدم المرأة عورة . فإن صلت وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت عند
مالك ، وكذلك إن صلت وشعرها مكشوف ، وعند الشافعي تعيد
أبدًا . وقال أبو حنيفة، والثوري : قدم المرأة ليست بعورة، فإن صلت
- ٣٥ -

[وقدمها] (١) مكشوفة لم تُعِدْ واختلفوا في تأويل قوله تعالى
﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ (٢) . فروي عن ابن عباس
وابن عمر قالا : الوجه والكفان . وعن ابن مسعود : التبان والقرظ
والدملج والخلخال والقلادة . وعلى قول ابن عباس وابن عمر جماعة
الفقهاء ..
..
والمروط : أكسية من صوف ، واحدها مرط .
باب : إذا صلى في ثوب له أعلام ونَظَر إليها
فيه: عائشة ((أَن نبي الله ◌َّر صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى
أعلامها نظرة فلما انصرف قال : اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم
وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي)) . وقال مرة :
((كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني )).
- ٠
قال المؤلف : النظر في الصلاة إلى الشيء إذا لم يقدح في الركوع
والسجود لا يفسد الصلاة ، وإن كان مكروهًا كل ما يشغل المصلي عن
صلاته ويلهيه عن الخشوع فلما شغلته عليه السلام عن بعض خشوعه
[١/ ق٨٣- ب] / تشاءم بها وردها . وقال سفيان بن عيينة : إنما رد رسول الله
الخميصة إلى أبي جهم [ لأنها ] (٣) كانت سبب غفلته وشغله عن
ذكر الله، كما قال : (( اخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة
فإنه واد ( به ) (٤) شيطان)). قال: ولم يكن رسول الله ◌َ ل﴾ ليبعث
إلى غيره بشيء يكرهه لنفسه ؛ ألا ترى قوله عليه السلام لعائشة في
الضب: ((إنا لا نتصدق بما لا نأكل)). وكان رسول الله وَل أقوى
(١) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): وهي.
(٣) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): لأنه.
(٢) النور : ٣١ :
(٤) في (( هـ )) : فيه
- ٣٦ -

خلق الله على دفع الوسوسة ولكن كرهها لدفع الوسوسة كما قال
لعائشة: (( أميطي عنا قرامك فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في
صلاتي)). وفي ردّه ◌َيُّ الخميصة تنبيه منه وإعلام أنه يجب على أبي
جهم من اجتنابها في الصلاة مثلما وجب على النبي ؛ لأن أبا جهم
أحرى أن يعرض له من الشغل بها أكثر مما خشي الرسول ، ولم يُرِدِ
النبي برد الخميصة عليه منعه من تملكها ولباسها في غير الصلاة ، وإنما
معناها كمعنى الحُلَّة التي أهداها لعمر بن الخطاب ، وحَرَّمَ عليه لباسها
وأباح له الانتفاع بها وبيعها .
وفيه دليل : أن الواهب والمُهدي إذا رُدَّتْ عليه ( هديته ) (١) من
غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها ؛ إذ لا عار عليه في قبولها .
وفيه : أن النبي آنس أبا جهم حين ردها إليه [ بأن سأله ] (٢) ثوبًا
مكانها [يعلمه] (٣) أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به ولا كراهة
لكسبه .
وفيه : تكنية الإمام والعالم لمن هو دونه .
قال أبو عبيد: و((الخميصة)) كساء مُرَبَّع أسود له علمان. وقال
ثعلب: (( أنبجانية)) - بفتح الباء وكسرها - كل ما كثف والتف قالوا:
شاة أنبجانية كثيرة الصوف ملتفة . وقال الأصمعي : يقال كساء
[منبجاني] (٤) منسوب إلى منبج ولا يقال أنبجاني . قال أبو حاتم :
قلت : لم فتحت الباء وإنما نسبت إلى منبج . قال : خرج مخرج
منظراني ومخيراني ألا ترى أن الزيادة فيه والنسب مما يتغير له البناء .
(١) في ((هـ)): عطيته .
(٢) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): بإرساله .
(٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): لعلمه.
(٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): منبجانية .
- ٣٧ -

باب : إن صلی في ثوب مصلّب أو تصاوير هل
ورك
تفسد صلاته ؟ وما ینهی من ذلك .
فيه : أنس قال : (( كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي
مَية : أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)).
فهذا الباب يشبه الذي قبله لأنه لما نهى عن القرام الذي فيه
التصاوير، علم أن النهي عن لباسه أشد وأوكد ، وهذا كله على
الكراهية ، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء
لأنه مَله لم يُعد الصلاة
قال المهلب : وإنما أمر باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع في
الصلاة وقطع دواعي الشغل . والقرام : ثوب صوف ملوّن ، عن
الخليل .
باب : من صلى في فَرُّوج حرير ثم نزعه
فيه : عقبة بن عامر قال: (( أهدي إلى النبي فروج حرير ، فلبسه
فصلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له وقال : لا ينبغي هذا
للمتقين)) .
قال أبو عبيد : الفروج : القَبَاء الذي فيه شق من خلفه ، وهو من
لباس الأعاجم .
اختلف العلماء فيمن صلى في ثوب حرير ، فقال الشافعي وأبو
ثور: يجزئه ويكره ، وقال ابن القاسم عن مالك : من صلى بثوب
حرير يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره . وعليه جُلُّ أصحابه . وقال
أشهب في كتاب ابن المواز : لا إعادة عليه في وقت ولا غيره ..
- ٣٨ -

وهو قول أصبغ ، ورواه عبد الملك بن الحسن عن ابن ( وهب )(١)
في العتبيّة ، واستحب ابن الماجشون لباس الحرير في الحرب والصلاة
به للترهيب على العدو والمباهاة ؛ ذكره ابن حبيب ، وقال آخرون : إن
صلى بثوب حرير وهو يعلم أن ذلك لا يجوز أعاد الصلاة ، ومن
أجاز الصلاة فيه احتج بأنه لم يُرو عن الرسول أنه أعاد الصلاة التي
صلى فيه ، ومن لم يجز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه عليه السلام
لباس الحرير للرجال .
باب : الصلاة في الثوب الأحمر
[١/ ق٨٤-٢]
/ فيه: أبو جحيفة: (( رأيت النبي في قُبَّة حمراء من أَدَم ، ورأيت بلالا
أخذ وضوء رسول الله ێ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن
أصاب منه شيئًا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد
صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عَنَزة فَرَكَزَهَا ، وخرج النبي في حلة حمراء
مشمرا صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون
بين يدي العنزة » .
قال المهلب : فيه إباحة لباس الحمرة في الثياب ، والرد على من
كره ذلك وأنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد في
الدنيا، والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة في الدنيا ، وقد قيل في
قوله تعالى: ﴿ فخرج على قومه في زينته ﴾ (٢) أنه خرج في ثياب حُمر
ويؤيد هذا قوله تعالى : ﴿ قل من حرم زينة الله ﴾ (٣) . فدخل فيه كل
(١) في (( هـ)): هند ، خطأ.
(٣) الأعراف : ٣٢.
(٢) القصص : ٧٩ .
- ٣٩ -

زينة مباحة . وسيأتي قول من كره لباس الثياب الحمر ومن أجازها في
كتاب اللباس إن شاء الله
باب : الصلاة في السطوح والمنبر والخشب
قال أبو عبد الله: (( ولم ير الحسن بأسًا أن يصلي على الجَمْد والقناطر
وإن جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها إذا كان بينهما سترة ، وصلى أبو
هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإمام، وصلى ابن عمر على الثلج » .
فيه: أبو حازم: (( سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما
بقي في الناس أعلم مني ؛ هو من أثْلِ الغابة ، عمله فلان مولى فلانة
لرسول الله ، وقام عليه رسول الله حين عمل ووضع ، فاستقبل القبلة ،
کبر وقام الناس خلفه فقرا ورکع ، ورکع الناس خلفه ، ثم رفع رأسه ،
ثم رجع القهقري فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم قرأ ثم
رکی ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقری حتی سجد بالأرض فهذا شأنه )) .
قال علي بن المديني : سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث قال : فإنما
أردت أن النبي كان أعلى من الناس فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من
الناس لهذا الحديث . قال : فقلت: إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن
هذا کثیراً فلم تسمعه منه ؟ قال : لا .
وفيه: أنس (( أن رسول الله وَالر سقط عن فرس فجحشت ساقه أو
كتفه، وآلى من نسائه شهرًا فجلس في مَشْرُبة له درجتها من جذوع ،
فأتاه أصحابه يعودونه فصلى بهم جالسًا وهم قيام )) وذكر الحديث .
اختلف العلماء في الإمام يصلي أرفع من المأمومين ، فأجاز ذلك
- ٤٠ -