النص المفهرس

صفحات 1-20

شْخُ صِيُ الَّارِعُ
لابْن بطّا
أمّ الحَيَّةِ عَلِى بْ خَلْفٌ بْن عَبْ أَلُلَبُ
ضَبط ◌ِصَّهُ رَعَلّ عَليه
أُبُوتِيْم ◌َاسْرِبِنَّ إِبْراهِيْ
الجزء الثَّانِيْ
مكتبة الرشد
الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم
/ كتاب الصلاة
[١/ ق ٧٩-أ]
كيف فرضت [ الصلاة في الإسراء ] (١) وقال ابن عباس : حدثني أبو
سفيان في حديث هرقل ، فقال : يأمرنا - يعني النبي - بالصلاة
والصّدق والعفاف .
فيه: أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله وَ لو قال: ((فرج عن
سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ،
ثم جاء ( بطست ) (٢) من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا ، فأفرغه في
صدري، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي ، فعرج بي إلى السماء ، فلما جئت
إلى السماء الدنيا ... )) الحديث، وذكر حديث الإسراء.
قال: (( ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، فقال لي موسى : ارجع
إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فرجعت فوضع شطرها ، فرجعت
إلى موسى فقلت : وضع شطرها . قال : ارجع إلى ربك ، فإن أمتك
لا تطيق. فرجعت ، فوضع شطرها ، فرجعت إليه ، فقال : ارجع إلىٍ
ربك ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعته ، فقال : هُنّ خَمْس وهُنّ
خَمْسُون ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ . فقال : ارجع إلى ربك . قلت :
استحييت من ربي ، ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها [جنابذ ] (٣) اللؤلؤ،
وإذا ترابها المسك)).
(١) من (( هـ )).
(٢) في ((هـ)) بالشين المعجمة، وهو لغة فيه، كما في ((المعجم الوسيط »: (٢/ ٥٥٧).
(٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): جفايل، وسيأتي في آخر هذا الباب من =
- ٥ -

وفيه: عائشة قالت: (( فرض الله الصلاة حین فرضها ركعتين ركعتين
في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر)).
أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان في الإسراء ، واختلفوا في
تاريخ الإسراء ، فقال الذهبي في تاريخه : أسري برسول الله بعد
مبعثه بثمانية عشر شهراً .
وقال أبو إسحاق الحربي : أُسري بالنبي ليلة سبع وعشرين من ربيع
الأول قبل الهجرة بسنة ، وفرضت الصلاة عليه .
وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب : إن الإسراء كان قبل
الهجرة بسنة . وروى يونس بن بكير، عن عثمان [بن](1) عبد الرحمن
الوقاصي ، عن ابن شهاب ، أن الصلاة فرضت بمكة بعد ما أوحي
إليه بخمس سنين .
فعلى قول موسى بن عقبة إذا كان الإسراء قبل الهجرة بسنة ، فهو
بعد مبعثه بتسع سنين ، أو باثنتي عشرة سنة على اختلافهم في مُقَامه.
بمكة [بعد ] (٢) مبعثه، وقول الزهري أَوْلَى من قول الذهبي ؛
الأصل مثل ما في ((هـ)»: ((جنابذ)»، وما وقع في الأصل هنا تصحيف ،
=
صوابه: ((حبايل))، وسيأتي في شرح المصنف آخر الباب ما يدل أن الواقع
في هذه الرواية: ((حبايل))، وأنه تصحيف صوابه ((جنابذ))، وقال الحافظ
ابن حجر في الفتح: (( حبايل اللؤلؤ)): كذا وقع لجميع رواه البخاري في هذا
الموضع بالجاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانية ثم لام ، وذكر كثير من:
الأئمة أنه تصحيف، وإنما هو (( جنابذ)) بالجيم والنون ، وبعد الألف موحدة
ثم ذال معجمة - كما وقع عند المصنف في أحاديث الأنبياء ... ووجدت في
نسخة معتمدة من رواية أبي ذر في هذا الموضع (( جنابذ)» على الصواب، وأظنه:
من إصلاح بعضٍ الرواة)). وذكر الحافظ عن بعضهم أن ((الجنابذ)) شبه
القباب واحدها (( جنبذة) بالضم، وهو ما ارتفع من البناء ، فهو فارسي معرب وأصله : .
بلسانهم (( كنبذة )) بوزنه ، لكن الموحدة مفتوحة ، والكاف ليست خالصة.
(١) في ((الأصل)) و((هـ)): ((عن)) وهو خطأ، فهو عثمان بن عبد الرحمن بن
عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري الوقاصي ، أبو عمرو المدني - وهو
متروك و کذبه ابن معين : - پروي عن الزهري وعنه يونس بن بكير .
(٢) في ((الأصل))، و(( هـ)): قَبْل ، وهو خطأ بيّن ، فأثبت الصواب.
-٦ -
٠٠

لأن ابن إسحاق قال : أسري برسول الله وقد فشا الإسلام بمكة وفي
القبائل كلها ، ورواية [ الوقاصي ] (١) أَوْلَى من رواية موسى بن عقبة؛
لأنهم لا يختلفون أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة عليه،
وتوفيت قبل الهجرة بأعوام .
قال ابن إسحاق : ثم إن جبريل أتى الرسول حين فرضت الصلاة
عليه في الإسراء ، فهمز له بعقبه في ناحية من الوادي فانفجرت عين
ماء مزن ، فتوضأ جبريل ومحمد ينظر ، فرجع رسول الله وقد أقرّ الله
عينه ، فأخذ بيد خديجة ، ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل،
ثم صلىّ هو وخديجة ركعتين كما صلى جبريل . فهذا يدل أن الإسراء
كان قبل الهجرة بأعوام ؛ لأن خديجة قيل : إنها توفيت قبل الهجرة
بخمس سنين ، وقيل : بثلاث .
وأما قول ابن إسحاق أن جبريل نزل عليه بالوضوء ، فإنما أخذه -
والله أعلم - من حديث زيد بن حارثة ، رواه عقيل عن ابن شهاب ،
عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، عن أبيه (( أن النبي في أول ما أوحي
إليه أتاه جبريل فَعَلَّمَهُ الوضوء ، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من
ماء فنضح فرجه )) .
وقال نافع بن جبير : (( أصبح النبي ليلة الإسراء ، فنزل عليه جبريل
حين زاغت الشمس ، فصلى به ، ولذلك سميت : الأولى ، وقال
جماعة من العلماء : لم يكن على الرسول صلاة مفروضة قبل الإسراء
إلا ما كان أُمِرَ به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومات ،
(١) في ((الأصل))، و((ح)): الواقصي، وهو خطأ، وسبق ذكره قريبًا على
الصواب، وهو ينسب إلى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فيقال له :
(«الوقاصي)) .
- ٧ -

ولا وقت محصور ، فكان يقوم أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه ، وقامه
المسلمون معه نحوًا من حول حتى شق عليهم ، فأنزل الله التخفيف
عنهم ونسخه .
وقال ابن عباس: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل ﴾ (١) كانوا يقومون
نحواً من قيامهم في رمضان ، حتى نزل آخرها ، وكان بَيْن أَوَّلها:
وآخرها حَوْل .
وفي حديث الإسراء إعلام فرض الصلاة كيف كان ، وقد تقدم .
وإجماع الأمة على عدد فرض الصلاة وأنها خمس صلوات وعددها
[ و] (٢) ركوعها وسجودها [ (٣) غير أبي حنيفة فإنه شَذَّ وزاد أن
الوتر فرض وليس ذلك في حديث الإسراء ، فأدخل البخاري حدیث
عائشة في هذا الباب ليُبَيِّنَ أن فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين ، وإن
كان السلف قد اختلفوا في ذلك ، فروي عن ابن عباس ، ونافع بن
جبير بن مطعم ، والحسن البصري ، وابن جريج أن الصلاة فرضت
في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين ، وأن جبريل نزل صبيحة ليلة
الإسراء، فأقام لرسول الله وَلل الظهر أربعًا، والعصر أربعًا
والعشاء أربعًا .
وقال ميمون بن مهران ، والشعبي ، وابن إسحاق ، وجمهور
العلماء بظاهر حديث عائشة أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في
الحضر والسفر ، على أن عائشة قد أفتت بخلاف هذا الحديث ،
فكانت تُتِمَّ في السفر ، وقد قال بعض من أنكر حديث عائشة: أنه
(١): المزمل : ١.
(٢) من (( هـ )) .
(٣) من هنا سَقْطٌ في ((الأصل )) بمقدار ورقة مخطوط، وسيأتي التنبيه على منتهاه،
والمثبت من ( هـ ) فقط .
- ٨ -

معارض لكتاب الله - عز وجل - وهو قوله تعالى : ﴿ وإذا ضربتم
في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١) . وهذا
يدل أن صلاة السفر كانت كاملة ؛ لأنه لا يجوز أن يُؤْمَرُوا بالقصر إلا
مِنْ شَيءٍ تَامٍّ قبل القصر ، قال : ويدل على هذا ما رواه قتادة ، عن
[سليمان] (٢) اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة
في الخوف أي يوم أنزل ، وأين هو ؟ قال : انطلقنا نتلقَّى عير قريش
من الشام حتى إذا كنا بنخل ، جاء رجل إلى رسول الله وَلو فقال:
(يا محمد، تخافني ؟ قال: لا . قال : فمن يمنعك مني ، قال : الله.
قال : فَسَلَّ السيف فتهدّدَهُ القوم وأوعدوه فنادى رسولُ الله
بالرحيل ، وأخذ السلاح ، ونودي بالصلاة ، فصلى رسول الله
بطائفة من القوم ركعتين ، وطائفة من القوم يجرسونهم ثم جاء
مياالله
الآخرون ، فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم فكان للنبي وَله
أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان ، فيومئذ أنزل الله صلاة الخوف)).
فالجواب أنه لا تعارض بين حديث عائشة وبين كتاب الله -
تعالى - وذلك أنه يجوز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين في
الحضر والسفر كما قالت عائشة ، فلما زيد في صلاة الحضر قيل لهم: إذا
ضربتم في الأرض فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى ، ولا جناح
عليكم في ذلك ، وقد جاء هذا المعنى بَيِّنًا في حديث عائشة ؛ روى
داود بن أبي هند عن الشعبي ، عن عائشة قالت: (( أول ما فرضت
الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي وَجله المدينة صلى إلى كل صلاة
مثلَها غير المغرب ؛ فإنها وتر صلاة النهار ، وصلاة الصبح ؛ لطول
(١) النساء : ١٠١.
(٢) في ((هـ)) : سليم، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، وسيأتي قريبًا على
الصواب في ((هـ )) أيضًا .
- ٩ -

قراءتها ، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى)) . رواه معمر عن
الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : (( فرضت الصلاة ركعتين.
ركعتين، ثم هاجر النبي ◌َّه، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر
على الأولى)). ( ... ) (١) هذا المعنى للطحاوي بل هو في كتاب
البخاري الذي شرحته بهذا الكتاب في باب : التأريخ بعد الهجرة .
فإن قيل : فقد يكون قوله تعالى : ﴿ فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة﴾ (٢) بعد إتمام الصلاة في الحضر ، قلت : فما
معنى ذكر الجناح في ذلك ؟ قيل : المعنى في ذلك - والله أعلم - أن
الله - تعالى - ذكر قصة الصلاة في حال الخوف وسَنَّ النبي ◌َّ من
الرخصة في هيئتها صفةً مفارقةً لجميع صلوات حال الأمن
فوضع الله الجناح عن عباده في قصر عددها وتغيير هيئتها ، وجعل
القصر في السفر رفقًا بعباده وتخفيفًا عنهم كما قال عمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - ليعلى بن أمية حين قال له : ما لنا نقصر وقد أَمنَّا ؟
قال : ((تلك صدقة تصدق الله عليكم، فاقبلوا صدقته)) . فدل إتمام
عائشة في السفر أن القصر ليس بمعنى الحتم ولا إلزام للمسافر ، إذ لو
كان كذلك لم يَجُزْ أنْ تُتِمَّ في السفر ، وإنما أَتَمَّتْ لأنها فهمت المعنى
في ذلك من النبي وَّه، ويشهد لصحة تأويلها في ذلك قول عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته .
وقد أجمعت الأمة أنه لا يلزم المتصدَّق عليه قبول الصدقة فرضًا ،
وسأزيد في هذا الباب بيانًا في أبواب قصر الصلاة في السفر - إن شاء
الله تعالى .
قال إسماعيل بن إسحاق : وأما حديث قتادة عن سليمان اليشكري
(١) هاهنا طمس بمقدار كلمة .
(٢) النساء : ١٠١ .
- ١٠ -

فهو ضعيف ؛ لأن قتادة لم يسمع منه شيئًا ، وسمعت علي بن المديني
يقول : مات سليمان اليشكري قبل جابر بن عبد الله ، وإنما كانت
صحيفة ، فكان قتادة وغيره يحدثون بما وجدوا فيها .
وقد روي عن جابر خلاف حديث سليمان اليشكري ، روى شعبة
عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: ((صلينا مع النبي وَله
صلاة الخوف فركع بالصف المقدم ركعة وسجد سجدتين ، ثم تأخروا
وتقدم الآخرون فركع بهم ركعة واحدة )) . فهذا معارض لحديث
اليشكري .
قال المهلب: وقوله في حديث الإسراء (( ففرج صدري ، ثم
غسله، ثم جاء بطشت (1) من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا ، فأفرغه في
صدري )» .
فيه من الفقه : أن أمور الله - تعالى - المعظمة لا بأس بتحليتها
واستعمال الذهب والفضة فيها بخلاف سائر أمور الدنيا التي نهي عن
استعمال الذهب والفضة فيها من أجل السرف، ألا ترى أنه أبيح تحلية
المصحف الذي فيه كلام الله - عز وجل - كما جاءه جبريل بالحكمة
والإيمان من عند الله - عز وجل - من طشت (١) من ذهب ، وذكر
أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن ، باب : تزيين المصاحف وحليتها
بالذهب والفضة ، وقال [ الأعمش عن أبي وائل ] (٢) : كان ابن
مسعود إذا مُرَّ عليه بمصحف وقد زُيِّنَ بالذهب، قال: (( إن أحسن ما
زُيِّنَ به المصحف تلاوته)).
(١) كذا في (( هـ)) بالمعجمة، وهذا الموضع داخل في السقط الواقع من ((الأصل))
والذي سبق التنبيه عليه، وسبق في أول الكتاب في ((الأصل )» بالمهملة ، وفي
((هـ)) بالمعجمة أيضًا وأنه لغة فيه .
(٢) من كتاب ((المصاحف)) لابن أبي داود (ص ١٥١) رواه من طريق أبي معاوية
الضرير وشعبة عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود .
ووقع في (( هـ)»: وقال علي بن أبي وائل ، وهو تخليط .
- ١١ -

وعن ابن عباس أنه كان إذا رأى المصحف قد فُضِّضَ أو أُذْهِبَ قال:
((تُغْرُون به السارق، وزينتُه في جوفه)). وأجاز ابن سيرين تزيين
المصحف وتحليته ، وكذلك أبيح حلية السيف الذي هو من أمر الله -
تعالى - وسلطانه على من كفر به ، والخاتم الذي يطبع به عهود الله،
وعهود رسله النافذة إلى أقطار الأرض بالدين ، وما سوى ذلك من
متاع الدنيا فممنوع من التحلية غير حُلِيِّ النساء والمباح لهن ليتزينَّ به
للرجال .
وفيه : أن أرواح المؤمنين يُصعد بها إلى السماء ؛ ألا ترى أنه وجد
آدم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء في السماء .
وقوله في آدم: ((عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ، فإذا نظر عن
يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى))، فيه دليل على أن أعمال.
بني آدم الصالحة تَسُرُّ أباهم آدم - عليه السلام - وأن أعمالهم السيئة
تسوءه وتحزنه .
وفيه: دليل أنه [ يحب ] (١) أن يُرَحَّبَ بكل أحد من الناس في
حسن لقائه بأكرم المنازل وأقرب القرابة ؛ ألا ترى أنه لما كان محمد من
ذريته قال : مرحبًا بالابن الصالح . ومن كان من غير ذريته قال له :
مرحبًا بالأخ الصالح. فكذلك [ يحب] (١) أن يُلافَى المرءُ بِأحسنٍ
صفاته وأَعَمِّها بجميل الثناء عليه؛ ألا ترى أن كلهم قال له: ((الصالح))
لشمول الصلاح على سائر الخلال الممدوحة من الصدق ، والأمانة ،
والعفاف ، والصلة ، والفضل ولم يقل أحد : مرحبًا بالنبي الصادق
الأمين وما شاكله ؛ لشمول الصلاح وعمومه لسائر خلال الخير .
(١) كذا في ((هـ )): بلا نقط على الحاء، فالظاهر حينئذ أن يكون الصواب ((يستخب))،
· لكن الأقرب في الموضعين أن تكون : يجب - بالجيم - والله أعلم .
- ١٢ -

وفيه : دليل أن أوامر الله - تعالى - تكتب بأقلام شتَّى ؛ لقوله :
((أسمع صريف الأقلام )) ففي هذا أن العلم ينبغي أن يكتب بأقلام
كثيرة، تلك سنة في سماواته ، فكيف في أرضه .
وقوله: ((لا يُبَدَُّ القَوْلُ لَدَيَّ)) يعني: ما قضاه وأحكمه من آثار
معلومة ، وآجال مكتوبة ، وأرزاق معدودة ، وشبه ذلك مما لا يبدل
لديه ، وأما ما نسخه تعالى رفقًا بعباده ، فهو الذي قال فيه تعالى :
﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ (١) .
وفيه : جواز النسخ قبل الفعل ؛ ألا ترى أنه عز وجل نسخ
الخمسين صلاة قبل أن تُصلى بخمس صلوات تخفيفًا عن عباده ، ثم
تَفَضَّلَ عليهم بأن جعل ثواب الخمس صلوات كثواب الخمسين ، أو
جعل الحسبنة عشراً .
وفيه : جواز الاستشفاع والمراجعة في الشفاعة مرة بعد أخرى .
وفيه : الاستحياء من التكثير في الحوائج ؛ خشية الضعف عن القيام
بشكرها .
وفيه : دليل أن الجنة في السماء .
وفيه: (( ودخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ)» هو تصحيف - والله
أعلم - والصواب: ((جنابذ اللؤلؤ)) كذلك فَسَّرَهُ ثابت عن ابن
السكيت، وقال: ((الجنبذة)) ما ارتفع من البناء . وبهذا اتضح معنى
اللفظة ؛ لأنه عليه السلام إنما وصف أرض الجنة وبنيانها ، فقال :
ترابها مسك ، وبنيانها لؤلؤ . وقد ذكر البخاري هذه اللفظة في كتاب
الأنبياء عن عنبسة ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، كما فسرها أهل
(١) الرعد : ٣٩ .
- ١٣ -

اللغة: (( جنابذ اللؤلؤ)»، وإنما جاء الغلط فيها - والله أعلم - من
قبل الليث عن يونس ، وقد ذكر الطبري هذا المعنى مُبَيّنًا في بعض
طرق حديث الإسراء من طريق ميمون بن سِيَاه عن أنس قال فيه: ((ثم
انطلق به إلى باب الجنة فإذا هو بنهر هو أشد بياضا من اللبن وأحلى
من العسل ، بجنبتيه قباب الدر ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال :
هذا الكوثر الذي أعطاك الله ، وهذه مساكنك ، وأخذ جبريل بيده من
تربته فإذا هو مسك أذفر ... )) وذكر الحديث .
[١/ق٧٩ -ب] وروى الأصيلي بإسناده ] (١) / عن محمد بن العلاء الأيلي ، عن
يونس الأيلي ، عن الزهري وقال فيه: (( دخلت الجنة فرأيت فيها
جنابذ من اللؤلؤ ، وترابها المسك ، فقلت : لمن هذا يا جبريل ؟
قال: للمؤذنين والأئمة من أمتك )».
وقوله : عن يساره أسودة [ فهو ] (٢) جمع سواد، والسواد
الشخص كما قال الشاعر :
يغشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
باب : وجوب الصلاة في الثياب وقوله تعالى : ﴿ خذوا زينتكم عند
كل مسجد﴾ (٣) ومن صلى [ ملتحفًا ] (٤) في ثوب واحد
ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن الرسول قال: (( يَزْرَهُ ولو بشوكة)).
وفي إسناده نَظَر ، ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه ما لم ير أَذّى ،
وأمر الرسولُ مَ﴿ أَلا يطوف بالبيت عُريان.
(١) هذا آخر السقط من ((الأصل)) وقد نبهنا على أوَّلِهِ آنفًا .
(٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)»: هن .
(٣) الأعراف : ٣١ .
(٤) من ((هـ)) والنسخة السلطانية، وفي ((الأصل)): ملتفعًا.
- ١٤ -

فيه : أم عطية قالت: (( أُمرنا أن نُخْرِجَ الحَيَّض يومَ العيدين وذَوَات
الخُّدُور ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعةَ المسلمين ودعوتَهم ، ويعتزلُ الخُيَّض عن
المُصَلَّى ، قالت امرأة : يا رسول الله ، إحدانا ليس لها جلْبَاب ، قال :
لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا من جلْبَابِهَا)).
الواجب [ من اللباس ] (١) في الصلاة ما يستر به العورة ، وأما
غير ذلك من الثياب فالتجمل بها في الصلاة حسن ، والله أحق من
تجمل له ، وأجمع أهل التأويل على أن قوله : ﴿ خذوا زينتكم عند
كل مسجد ﴾ (٢) نزلت من أجل الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة ،
ولذلك أمر الرسولُ ألا يطوف بالبيت عريان .
وقوله: ((يزره ولو بشوكة)) و(( لتلبسها صاحبتها من جلبابها )) يدل
على وجوب ستر العورة في الصلاة ؛ لأنه إذا زَرَّهُ أَمِنَ عند ركوعه
وسجوده أن تبدو عورته .
قال ابن القصار : وقد اختلف الناس في ستر العورة في الصلاة ،
فبعض أصحاب مالك يقول : إن السترة من سنن الصلاة ، وإليه ذهب
إسماعيل القاضي ، وأبو الفرج المالكي بعد أن ذكر أنه يجيء على
مذهب مالك أن يكون فرضًا لقوله في كفارة المساكين إن كساهم وكانوا
نساء ، فدرع درع وخمار ، وإن كانوا رجالا فثوب ثوب ، وذلك
أدنى ما تجزئ به الصلاة ، فدل أن الصلاة لا تجزئ إلا بذلك .
وكان أبو بكر الأبهري يقول : إن ستر العورة فرض في الجملة ،
على الإنسان أن يسترها عن أعين المخلوقين في الصلاة وغيرها ،
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): بين الناس . كذا !
(٢) الأعراف : ٣١ .
- ١٥ -

[ والصلاة أوكد من غيرها] (١): وقال أبو حنيفة والشافعي: إنها من
فرض الصلاة . فاحتج إسماعيل بأنه يجوز له ستر عورته قبل الدخول
في الصلاة بغير نيّة ، وإنما هي آلةُ يؤتى بها قبل الصلاة ، فلو كانت
فرضًا لما صح الإتيان بها إلا بنيّة كالطهارة .
قال ابن القصار : فالجواب أن التوجه إلى القبلة مما تختص به.
الصلاة ، ويجوز بغير نيّة ، ولا يدل ذلك على سقوط فرضه مع
القدرة عليه ، واحتج إسماعيل أيضًا بأنه لو كان فرضًا في الصلاة.
لكان العريان لا يجوز له أن يصلي ، لأن كل شيء من فروض الصلاة
يجب الإتيان به مع القدرة عليه أو ببدله مع عدمه كالعاجز عن القيام
يصلي قاعدًا ، وكالعاجز عن الركوع والسجود يومئ ، أو كالتيمم مع
عدم [وجود](١) الماء ، والذي صلى عريانًا لم يفعل في اللبس فعلا.
يقوم مقام اللبس مع عدمه .
وقد أجيب عن ذلك بأننا لا نقول : إن ستر العورة يجب الأجل.
الصلاة ، فلا معنى لاعتباره بأفعال الصلاة ، وبما يجب لأجلها
كالوضوء الواقع إلى بدل ، وكالقبلة وغير ذلك مما تختص به الصلاة،
وإنما هو فرض في الجملة ، ويتأكد حكم الصلاة فيه ، وليس كل شيء
من فروض الصلاة يسقط إلى بدل مع الضرورة ؛ لأن القراءة واجبة
على المنفرد وتسقط عته خلف الإمام لا إلى بدل ، وكذلك الأُمِّي الذي
لا يحسن القراءة ولا التسبيح تصح صلاته من غير بدل .
فإن قيل : فعلى أي شيء يُحمل قول مالك: إن الحُرَّةَ إذا صَلَّتْ
بغير خمار أنها تعيد في الوقت . ولو كان فرضًا ؛ لوجب أن تعيد في
الوقت وبعده ؟ قيل ؛ يُحمل على أنه يعفى عن القليل منها لاختلاف
(١) من (( هـ)).
- ١٦ -

الناس في ذلك . فلم يقل مالك : إنها لو صلت مكشوفة السوأة أنها
تعيد في الوقت مع قدرتها على ستر ذلك . ولو قال ذلك ، لم يمنع
من كون الستر فرضًا ؛ ألا ترى أن الصلاة في الدار المغصوبة وفي
الثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب فرض عليه ألا يصلي بشيء
من ذلك ، ولو صلى بجميع ذلك كان قد ترك الفرض وعصى وعليه
/ الإعادة في الوقت ولا يعيد بعد الوقت ، وكذلك التسمية على الذبيحة.
[١/ ق ٨٠-٢]
فبعض الفروض إذا تركها عمدًا أعاد في الوقت ، وبعضها يختلف حكمها
في العمد والنسيان ، وبعضها يتفق ، وإنما هو على حسب الأدلة في قوة
بعضه وانخفاض بعضه ، وحديث سلمة بن الأكوع أصل في هذه المسألة
وهو قوله : ((يزرّ ولو بشوكة)). ولو كان ستر العورة سنة لم يقل
له ذلك ، وإنما قال البخاري : وفي إسناده نظر ؛ لأن رواية الدراوردي عن
موسى بن محمد [بن](١) إبراهيم ، عن أبيه ، عن سلمة بن الأكوع قال:
« قلت : يا رسول الله، إني أعالج الصيد فأصلي في القميص الواحد .
قال : نعم ، وزره ولو بشوكة)). وموسى بن محمد في حديثه مناكير ،
قاله البخاري في كتاب الضعفاء، ورخص مالك في الصلاة في القميص
محلول الإزار ليس عليه سراويل ولا رداء ، وهو قول الكوفيين
والشافعي وأبي ثور إلا أنه إن رأى من جيبه عورته أعاد الصلاة عندهم.
باب : عَقْد الإزَارِ عَلَى القَفَا في الصلاة
وقال سهل بن سعد: ((صَلَّوا مع النبي ◌َِلّ عَاقدي أُزْرِهم على عوائقهم)).
فيه : جابر: ((أنه صلى في إزارٍ قد عَقَدُهُ من قِبَلٍ قَفَّاهُ، وثيابُه موضوعٌ
(١) في (الأصل)) و((هـ)): ((عن)) وهو تصحيف، واختلف في صاحب هذا
الحديث ، فقيل هو : موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي،
وقبل هو : موسى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ،
راجع (( فتح الباري)) للحافظ ابن حجر: (٥٥٥/١) وترجمة الرجلين من
(تهذيب الكمال)) للمزي: (١٨/٢٩، ١٣٩) بحواشيه .
- ١٧ -

علی المشجب ، فقال له قائل : تُصلِّي في إزار واحد ! قال له : إِنما صنعت
ذلك لیراني أحمقُ مِثْلُك ، وأَینا کان له ثوبانِ علی عَهْدِ الرسول )».
وقال جابر مرّةً: « رأيتُ النبي يُصلِّ في ثوب واحد )) .
عَقْدُ الإزار على القفا في الصلاة إذا لم يكن مع الإزار سراويل
ولا مئزر، وهو معنى قوله ◌َ﴾: ((زره ولو بشوكة)). وهذا كله
تأكيد في ستر العورة في الصلاة ؛ لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم
تبد عورته ، فكذلك كان أصحاب الرسول يعقدون أزرهم في الصلاة
إذا لم يكن تحتها ثوب آخر .
وفي حديث جابر من الفقه أن العالم [ قد ] (١) يأخذ بأيسر الشيء
وهو يقدر على أكثر منه توسعة على العامة وليقتدى به ؛ ألا ترى أنه
صلى في ثوب واحد وثيابه على المشجب .
ففي ذلك جواز الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه ،
وهو قول جماعة من الفقهاء إلا أنه قد روي عن ابن عمر خلاف
ذلك، وروي عن ابن مسعود مثل [ قول ] (١) ابن عمر، وسأذكره [في
الباب بعد هذا - إن شاء الله تعالى - ] (١) وروى ابن جريج ، عن
نافع أن ابن عمر كساه فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا ، فقال
له: أليس لك ثوبان ؟ قال: [ بلى ] (٢) . قال : أرأيت لو
استعنت بك وراء الدار كنت لابِسَهُمَا ؟ قال : نعم . قال : فالله أحق
أن تتزين له ، فأخبره عن النبي - أو عن عمر - قال : لا يشتمل
أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود ، ومن كان له ثوبان [ فليتزر ] (٣)
(١) من (( هـ).
(٢) من (( هـ))، وفي (( الأصل)": نعم .
(٣) من ((هـ))، وفي (( الأصل)): فليتزد . خطأ .
- ١٨ -

وليرتدِ ، ومن لم يكن له ثوبان [ فليتزر ] (١) ثم يصلي . وقد رواه
موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن الرسول من غير
شك .
قال الطحاوي : وقد رَوى هذا الحديثَ عن ابن عمر غيرُ نافع ،
فذكره سالم [ لا ] (٢) عن الرسول ورواه الليث ، عن عقيل ، عن
ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن أبيه ... فذكره .
وسالم أثبت من نافع وأحفظ ، ولم يذكر فيه الرسول ورواه مالك ،
عن نافع ، عن ابن عمر « أنه كسا نافعًا ثوبين ، فقام يصلي في ثوب
واحد فعاب ذلك عليه وقال : احذر ذلك ؛ فإن الله أحق من تجمل
له». لم يذكر فيه رسول الله ولا عمر .
وقد روى عن النبي: (( الصلاة في ثوب واحد )» جماعة منهم :
جابر، وأبو هريرة ، وعمر بن أبي سلمة ، وسلمة بن الأكوع ، وهذه
أحاديث تضاد ما روي عن ابن عمر في منع الصلاة في الثوب
الواحد، وبها أخذ الفقهاء ولم يتابَع ابنُ عمر على قوله في ذلك .
و(( المشجب)) عود ينصب في البيوت تعلق فيه الثياب.
وفي قول جابر للذي أنكر عليه الصلاة في ثوب واحد: (( إنما
فعلت ذلك ليراني أحمق مثلك)) . أنه لا بأس للعالم أن يصف
بالحمق من جهل دينه ، وأنكر على العلماء ما غاب عنه علمه من
السُّنَّة، وقد قال في حديث آخر: ((أحببت أن يراني الجهال مثلكم))
فجعل الحمق كناية عن الجهل ، ذكره في باب الصلاة بغير رداء .
(١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): فليتزد - أيضًا.
(٢) من (( هـ )) ولا بد منه .
- ١٩ -

باب : الصلاة في الثوب الواحد مُلْتَحفًا به (١)
قال الزهري في حديثه : الملتحف المتوشح وهو المخالف بين طرفيه
[٨٠/١- ب] على عاتقيه وهو / الاشتمال على منكبيه. وقالت أم هانئ: ((التحف
رسول الله وَل بثوب وخالف بين طرفيه على عاتقيه)).
فیه : عمر بن أبي سلمة ( أن نبي الله صلى في ثوب واحد قد خالف بین
طرفيه ، وقال مرة : رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد مشتملا في
بیت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقیه )) .
وفيه: أم هانئ: ((أنها رأت رسول الله مدير عام الفتح يصلي ملتحقًا في
ثوب واحد )» .
وفيه: أبو هريرة: (( أن سائلا سأل الرسول عن الصلاة في ثوب واحد،
قال: أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانٍ؟ )).
قال المؤلف : التوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به ؛ لأن
فيه مخالفة لطرفي الثوب على عاتقه كما قال وَلطيفة: ((من صلى في
ثوب واحد ، فليخالف بين طرفيه )) . واشتمال الصماء المنهي عنه
بخلاف ذلك .
وقال ابن السكيت : التوشيح هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه
على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على
عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يعقد طرفهما على صدره ،
ومعنى مخالفته بين طرفيه لئلا ينظر المصلي من عورة نفسه إذا ركع ،
وقد تقدم في الباب قبل هذا أن الفقهاء مجمعون على جواز الصلاة في
ثوب واحد ، وقد روي عن ابن مسعود خلاف ذلك ، كما روي عن
ابن عمر .
(١) كتب أمامه في ((الأصل)): بلغ مقابلةً.
- ٢٠ -