النص المفهرس

صفحات 481-500

باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم [ يكفيه ] (١) من الماء
وقال الحسن وابن عباس : يجزئه التيمم ما لم يحدث ، وأَمَّ ابن
عباس وهو متیمم ، وقال يحيى بن سعيد : لا بأس بالصلاة على
السبخة والتیمم بها
فيه: عمران قال: ((كنا في سفر مع النبي #: وإنّا ( سرينا) (٢) حتى
كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ، ولا وقعة عند المسافر أحلى منها، فما
أيقظنا إلا حر الشمس ، وكان أول من استيقظ فلان ، ثم فلان [ ثم
فلان] (٣) - يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب
الرابع، [ و ] (١) کان النبي - عليه السلام - إذا نام لم نوقظه حتی یکون
هو المستيقظ ؛ لأنّا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عمر
ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلا جليدًا - فكبر ورفع صوته
بالتكبير، فما زال يكبر ، ويرفع صوته / بالتكبير حتى استيقظ لصوته [٧٧٥/١-)]
النبي - عليه السلام - ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، قال :
لا ضير - أو لا يضير - ارتحلوا . فارتحلوا ، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا
بالوضوء ، فتوضأ ونودي للصلاة ، فصلى بالناس ، فلما انفتل من
صلاته ، إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال : ما منعك يا فلان
أن تصلي مع القوم ؟ فقال : أصابتني جنابة ولا ماء . قال : عليك
بالصعید ، فإنه یکفیك . ثم سار عليه السلام فاشتكى إليه الناس من
العطش ، فنزل فدعا فلانًا - کان یسمیه أبو رجاء ، نسیه عوف - ودعا
عليا فقال : اذهبا فابتغيا الماء . فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين - أو
(١) من ( هـ ، ن)).
(٢) في ((هـ): أسرينا.
(٣) ليست في (( الأصل، هـ)) والمثبت من ( ن)).
- ٤٨١ -

سطيحتين - من ماء على بعير لها، فقالا لها : أين الماء ؟ فقالت : عهدي
بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوف ، قالا لها : انطلقي إذا . قالت :
إلى أين ؟ قالا: إلى رسول الله . قالت : الذي يقال له الصابئ؟ قالا : هو
الذي تعنين . فانطلقي ، فجاءا بها إلى رسول الله ($ ، وحدثاه الحديث .
قال : فاستنزلوها عن بعيرها ، ودعا النبي بإناء ففرغ فيه من أفواه
المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما، [وأطلق العزالي ] (١)
ونودي في الناس : استقوا واسقوا . فسقى من سقى ، واستقى من شاء،
وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، قال : اذهب
فأفرغه عليك . وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها . وايم الله ، لقد أُقْلعَ
عنها ، وإنه [ ليخيل ] (٢) إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها . قال
النبي - عليه السلام - : اجمعوا لها . فجمع لها من بين عجوة ودقيقة
وسويقة ، حتى جمعوا لها طعامًا ، فجعلوه في الثوب وحملوها على
بعيرها ، ووضعوا الثوب بين يديها . قال لها : تعلمين ما رزأنا من مائك
شيئًا ولكن الله [ هو ](٣) الذي سقانا . فأنت أهلها وقد احتبست عنهم،
قالوا : ما حبسك يا فلانة . قالت : العجب ، لقيني رجلان فذهبا بي إلى
هذا الرجل الذي يقال له : الصابئ ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر
الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهماً
إلى السماء تعني السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقا . فكان
المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم
الذي هي منه . فقالت يومًا لقومها : ما أرى أن هؤلاء القوم
(١) في ((الأصل)): وانطلق العزالي به. والمثبت من ((هـ، ن)).
(٢) في ((الأصل)): يتخيل، والمثبت من (( هـ، ن)).
(٣) من (( هـ، ن)).
- ٤٨٢ -

يَدَعُونكم عمدًا ؛ فهل لكم في الإسلام ؟ فأطاعوها فدخلوا في
الإسلام».
قال المهلب: قوله للجنب: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك من
الماء)». فيحتمل أن يكفيه ما لم يحدث إذا لم يجد ماءً كما يكفيه
الوضوء ، وإنما قال أهل العلم : إنه يتيمم لكل صلاة خوفًا أن يضيع
طلب الماء ويتكل على التيمم ، ويأنسوا إلى الأخف ، ويحتمل أن
يكفيه لتلك الصلاة وحدها ؛ لأنها هي التي يستباح فيها خوف فوات
وقتها .
واختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة : يصلي بالتيمم ما لم
يحدث جميع الصلوات وروي ذلك عن عطاء ، والحسن البصري ،
والنخعي ، والزهري ، والثوري ، والكوفيين .
وقالت طائفة : لا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة ، وعليه أن يتيمم
لكل صلاة . روي ذلك عن عليّ ، وابن عمر ، وعمرو بن العاص ،
وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، ومكحول ، وربيعة ،
وهو قول مالك ، والليث ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وفيها قول ثالث : أن من صلى الصلوات في أوقاتهن يتيمم لكل
صلاة ، وإذا فاتته صلوات صلاها بتيمم واحد . روي هذا عن مالك،
وهو قول أبي ثور .
واحتج الكوفيون فقالوا : التيمم مرتب على الوضوء ، فلما قامت
الدلالة على أنه يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد ؛ كان التيمم مثله .
وحجة من أوجب التيمم لكل صلاة ، قالوا : إن الله أوجب على
- ٤٨٣ -

كل قائم إلى الصلاة طلب الماء ؛ لقوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً
فتيمموا﴾(١)، وحقيقة هذا أنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء لم
یجده، وأوجب عند عدمه التیمم عند دخول وقت صلاة أخری مثل ما
عليه في الأولى ، وليست الطهارة بالصعيد مثل الطهارة بالماء ، وإنما
هي طهارة ضرورة لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت بدليل
[بطلانها](٢) بوجود الماء قبل الصلاة ، وأن الجنب يعود جنبًا بعدها إذا
وجد الماء ، والوضوء بالماء لا يبطل ؛ [ فلذلك ] (٣) أمر من صلى،
[ به ] (٤) أن يطلب الماء لصلاة أخرى.
وقال إسماعيل بن إسحاق : المتيمم لا يشبه المتوضئ ؛ لأن المتوضئ
[٧٧٥/١-ب] له أن يتوضأ للصلاة قبل وقتها، / والمتيمم لا يجوز له ذلك ، فإذا
لم [ يجز ] (٥) له أن يتيمم للعصر حتى يدخل وقتها ؛ وجب ألا
يكون التيمم للعصر يجزئ للمغرب ؛ إذْ كان متيممًا لها قبل وقتها ؛
لأن العلة المانعة من التيمم للعصر قبل وقتها هي المانعة له من المغرب ..
وأما إمامة المتيمم للمتوضئين ، فهو قول مالك ، وأبي حنيفة
وأبي يوسف ، وزفر ، والثوري ، والشافعي .
وقال الأوزاعي ومحمد بن الحسن : لا يؤم متيمم متوضئًا . وروي
ذلك عن علي ، والنخعي .
واحتج مالك في ذلك فقال : من قام إلى الصلاة فلم يجد ماءً
فتيمم ، فقد أطاع الله ، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ، ولا أتم
صلاة ؛ لأنهما أمرا جميعًا ، فكل عَمِلَ بما أمره الله .
(١) النساء : ٤٣، المائدة : ٦ .
(٢) في (( الأصل)): بطلانه. والمثبت من ( هـ) ..
(٣) في (( الأصل)): فكذلك. والمثبت من (( هـ)).
(٥) في ((الأصل)): يجوز. وما أثبتناه هو الصواب .
(٤) من ( هـ )
- ٤٨٤ -

وحجة الأوزاعي : أن شأن الإمامة الكمال ، ومعلوم أن الطهارة
بالصعيد طهارة ضرورة كما تقدم ، فأشبهت صلاة القاعد المريض يؤم
قيامًا ، والأمي يؤم من يحسن القراءة .
وأما التيمم بالسبخة فهو قول جماعة العلماء على ظاهر قوله عليه
السلام: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))، فدخل فيه السبخة
وغيرها .
وخالف ذلك إسحاق بن راهويه ، فقال : لا يجزئه التيمم
بالسبخة .
قال المهلب : في حديث المزادتين من الفقه : أن النبي - عليه
السلام - ، قد ينام كنوم البشر في بعض الأوقات ، إلا أنه لا يجوز
عليه الأضغاث؛ لقوله: (( رؤيا الأنبياء وحي)).
وفيه : أن الأمور يحكم فيها بالأعم ؛ لقوله: (( كنا لا نوقظ
النبي؛ لأنّا لا نعلم ما يحدث له في نومه )) وقد يحدث له وحي أو
لا يحدث ، فحكموا بالأعم كما حكم على النائم غيره بحكم
الحدث، وقد يكون الحدث أو لا يكون .
وفيه : التأدب في إيقاظ السيد كما فعل عمر ، لأنه لم يوقظ النبي
بالنداء بل أيقظه بذكر الله إذْ علم عمر أن أمر الله يحثه على القيام .
وفيه : أن عمر أجلد المسلمين كلهم ، وأصلبهم في أمر الله .
وفيه : أن مَنْ حَلَّت به فتنة في بلد ، فليخرج عنه ، وليهرب من
الفتنة بدينه كما فعل النبي - عليه السلام - بارتحاله عن بطن الوادي
الذي تشاءم به لما فتنهم [ فيه ] (١) الشيطان .
(١) من (( هـ)).
- ٤٨٥ -

وفيه : أن من ذكر صلاة أن له أن يأخذ فيما يصلحه لصلاته من
طهور ووضوء ، وانتقاء البقعة التي تطيب عليها نفسه للصلاة ، كما
فعل الرسول بعد أن ذكر الصلاة الفائتة فارتحل بعد الذكر ، ثم توضأ
وتوضأ الناس ، وهذا لا يتم إلا في مهلة، ثم [ أذن واجتمع ] (١).
الناس وصلوا .
وفيه : رد لقول عيسى بن دينار أن حديث الوادي هذا ، وتأخير
الرسول عن المبادرة بالصلاة في الوادي قبل أن يرتحل منسوخ بقوله :
﴿ أقم الصلاة لذكري﴾ (٢). لأنه عليه السلام لما خرج عن الوادي
وصلى ، خطبهم مؤنسًا لهم مما عرض لهم. فقال: ((إن الله قبض
أرواحنا ، ولو شاء لردها في حين الصلاة ، ولكن من فاتته صلاة أو
نسيها ، فليصلها ، إذا ذكرها ، فإن الله يقول: ﴿ أقم الصلاة
الذكري﴾ (٢). فاحتج النبي - عليه السلام - بالآية على فعله ، وآنس
القوم بذلك ، وأشار لهم إلى قوله تعالى المعروف عندهم ، فکیف
يكون ما نزل الله قبل ناسخًا لما كان بعد ؟! إنما ينخ الآخر الأول ،
وهذه الآية نزلت بمكة ، وهذه القصة عرضت بعد الهجرة .
وفيه من الفقه : أن من فاتتهم صلاة بمعنى واحد أن لهم أن
يجمعوها إذا ذكروها بعد خروج وقتها ، وأن تأخير المبادرة إليها لا يمنع
الإنسان أن يكون ذاكرًا لها ، وأن يعيدها .
وفيه : طلب الماء للشرب والوضوء ، والبعثة فيه .
وفيه : أن الحاجة إلى الماء إذا اشتدت أن يؤخذ حيث وجد ويعوض
صاحبه منه ، كما عُوضت المرأة .
(١) في ((الأصل)): توضأ وتوضأ. والمثبت من (( هـ).
(٢) طه : ١٤ .
- ٤٨٦ -

وفيه : من دلائل النبوة ومعجزات الرسول [ أن ] (١) توضأ أهل
الجيش ، وشربوا واغتسل من كان جنبًا مما سقط من العزالي ، وبقيت
المزادتان [ مملوءتين ] (٢) ببركته وعظيم برهانه .
وفيه : مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به كما حفظ النبي هذه المرأة في
قومها وبلادها ، فراعى في قومها ذمامها وإن كانت من صميمهم فهي
من أدناهم ، وكان ترك الغارة على قومها سببًا لإسلامها وإسلامهم
وسعادتهم .
وفيه : بيان مقدار الانتفاع بالاستثلاف على الإسلام ؛ لأن قعودهم
عن الغارة على قومها كان استثلافًا لهم ، فعلم القوم قدر ذلك ،
وبادروا إلى الإسلام رعاية لذلك الحق .
وقوله : (( ونفرنا خلوف )) قال الخطابي : يقال : الحي خلوف إذا
غابوا وخلفوا أثقالهم ، وخرجوا في رعي أو سقي أو نحوه ، ويقال:
أخلف الرجل إذا استقى الماء واستخلف مثله ، وأنشد الفراء :
/ وَيَهْمَاء يستاف التراب دليلها وليس بها إلا اليمانيَّ مخلف(٣)
[١/ق٧٨-١]
يقول : إنهم إذا عطشوا بقروا بالسيوف بطون الإبل ، فشربوا ما في
أكراشها . ويقال للقطا : المخلفات ؛ لأنها تستقي لأولادها الماء
وتخلف .
وقال أبو عبيد : الحي خلوف : غُيَّب وحضور ، ومنه قوله تعالى:
﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ (٤) أي: النساء. وأنشد في العيب:
(١) في (( الأصل، هـ)): أنه.
(٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): مملوءتان . وهو خلاف الجادة .
(٣) وقع هذا البيت في لسان العرب ( مادة : بمن ) كما يلي :
وبهماء يستاف الدلیل ترابها
(٤) التوبة : ٨٧، ٩٣ .
وليس بها إلا اليماني محلف
- ٤٨٧ -

مقشعرا والحي حي خلوف
أصبح البيت بيت آل بيان
أي لم يبق منهم أحد .
والعزالي جمع [عزلاء] (١) و[العزلاء] (١) فم المزادة الأسفل،
عن أبي عبيد .
قال صاحب العين : العزلاء مصب الماء من الراوية ، وكذلك
عزلاء القربة ، ولذلك سميت عزلاء السحاب .
والصرم : النفر ينزلون بأهليهم على الماء . يقال : هم أهل صرم،
والجمع أصرام .
فأما الصرمه - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين ، عن
الخطابي .
باب : إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت
أو خاف العطش تيمم
ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا : ﴿ولا
تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا ﴾ (٢) فذكر ذلك للنبي - عليه
السلام - فلم يعنف .
فيه : أبو موسى أنه قال لابن مسعود: (( إذا لم تجد الماء لا تصلي ؟ قال
عبد الله: لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البَرْدَ قال :
(١) في ((الأصل)): عزلي. وما أثبتناه هو الصواب، انظر لسان العرب ( مادة:
عزل) .
(٢) النساء : ٢٩ .
- ٤٨٨ -

هكذا - يعني تيمم - وصلى . قال : قلت : فأين قول عمار لعمر ؟ قال :
إني لم أر عمر قنع بقول عمار )) .
وقال أبو موسى مرة لابن مسعود : (( أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا
أجنب فلم يجد ماءً ، كيف يصنع ؟ قال عبد الله : لا يصلي حتى يجد
ماء . فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي : كان
يكفيك ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟ فقال أبو موسى :
فدعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما
يقول، فقال : إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم
الماء أن يدعه ويتيمم . قال الأعمش : فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله
لهذا ؟ فقال : نعم )) .
قال ابن القصار : كل من خاف التلف من استعمال الماء جاز له
تركه وتيمم بلا خلاف بين فقهاء الأمصار في ذلك ، وأما إن خاف
الزيادة في مرضه ولم يخف التلف ، فقال مالك : يجوز له التيمم .
وهو قول أبي حنيفة والثوري .
واختلف قول الشافعي ، فقال مثل قول مالك ، وقال : لا يعدل
عن الماء إلا أن يخاف التلف . وقد روي عن مالك مثل هذا .
وقال عطاء ، والحسن البصري - في رواية - : لا يستباح التيمم
بالمرض أصلا ، وكرهه طاوس وإنما يجوز للمريض التيمم عند عدم
الماء ، فأما مع وجوده فلا ، وهو قول أبي يوسف ، ومحمد .
والدليل لجواز التيمم وإن لم يخف التلف ما احتج به أبو موسى
على ابن مسعود من قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً﴾ (١) ولم يفرق
(١) النساء : ٤٣، المائدة : ٦.
- ٤٨٩ -

بين مرض التلف أو مرض يخاف ريادته ، فهو عام في كل مرض إلا
أن يقوم دليل .
وأما قصة عمرو بن العاص : (( فإن الرسول ولاء غزوة ذات
السلاسل ، فاحتلم في ليلة باردة ، فقال : إن اغتسلت هلكت ،
فتيمم وصلى بالناس، فأتى النبي وَطهور، فقال له: صليت بالناس
وأنت جنب ؟! فقال : سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله
كان بكم رحيمًا﴾ (١) . فضحك النبي ولم يقل شيئًا)).
ففي هذا الخبر فوائد منها : جواز التيمم للخائف من استعمال
الماء .
والثانية: جواز التيمم للجنب، بخلاف ما روي عن عمر وابن مسعود.
والثالثة : جواز التيمم لأهل البرد .
والرابعة : أن المتيمم يصلي بالمتطهرين .
١
وأيضًا فإن الرخص كلها تستباح بلحوق المشقة ولا تقف على
خوف التلف ، كالفطر ، وترك القيام في الصلاة ؛ فإن المريض يفطر
إذا شق عليه الصوم ، ولا يقال له لا تفطر حتى تخاف التلف ،
وكذلك المضطر إلى أكل الميتة ، إذا لحقه الجوع الشديد ، وإن لم
يخف التلف .
وأجمع الفقهاء أن المسافر إذا كان معه ماء وخاف العطش أنه يُبقي
ماءه للشرب ويتيمم
وأجمعوا أن الجنب يجوز له التيمم ، إلا ما روي عن عمر وابن
(١) النساء : ٢٩.
- ٤٩٠ -
---

مسعود أنهما لا يجيزان التيمم للجنب ؛ لقوله تعالى : ﴿وإن كنتم
جنبًا فاطهروا﴾ (١)، وقوله /: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى [٧٨٥/١-ب]
تغتسلوا﴾(٢) . وقد روي مثل هذا عن ابن عمر ، واختلف فيه عن
عليّ.
وخفيت عليهم السنة في ذلك من رواية عمار وعمران ، وإنما
استراب عمر عمارًا في ذلك؛ لأنه كان [ حاضراً ] (٣) معه فلم يذكر
القصة وأنسيها ، فارتاب ولم يقنع بقوله ، وكان عمر وابن مسعود لما
كان من رأيهما أن الملامسة في الآية هي ما دون الجماع ، وكان التيمم
في الآية يعقب الملامسة منعًا الجنب التيمم ، ورأيا أن التيمم إنما جعل
بدلا من الوضوء ، ولم يجعل بدلا من الغسل ، فكان من رأي ابن
عباس وأبي موسى : أن الملامسة في الآية الجماع ؛ فأجازا للجنب
التيمم ، ألا ترى أن أبا موسى حاجّ ابن مسعود بالآية التي في سورة
النساء ، فإن الملامسة فيها الجماع ، فلم يدفعه ابن مسعود عن ذلك ،
ولا قدر أن يخالفه في تأويله [ الآية ] (٤) فلجأ إلى قوله أنه لو رخص
لهم في هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء تيمم . وقد ذكر ابن أبي
شيبة قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي سنان ، عن الضحاك
قال: رجع عبد الله عن قوله في تيمم الجنب ولم يتعلق أحد من فقهاء
الأمصار - من قال : إن الملامسة الجماع ، ومن قال : إنها دون
الجماع - بقول عمر وابن مسعود ، وصاروا إلى حديث عمار وعمران
ابن حصين في ذلك ، إلا أنهم اختلفوا ، ثم أجازوا للجنب التيمم ،
فمن قال : الملامسة الجماع أوجب التيمم بالقرآن ، وهو قول
(١) المائدة : ٦ .
(٣) من (( هـ ).
(٢) النساء : ٤٣ .
(٤) في ((الأصل)): في الآية، والمثبت من (( هـ)).
- ٤٩١ -

الكوفيين، ومن قال: الملامسة ما دون الجماع أوجب التيمم للجنب
بحديث عمار وعمران ، وهو قول مالك .
قال المهلب : وفي قول أبي موسى لابن مسعود: (( فدعنا من قول
عمار ، كيف تصنع في هذه الآية ؟)) فيه : الانتقال في الحجاج مما
فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق ، وذلك أنه يجوز للمناظرين عند
تعجيل القطع والإفحام الخصم ، ألا ترى أن إبراهيم إذ قال : ربي
الذي يحيي ويميت ، قال له النمروذ : أنا أحيي وأميت ، لم يحتج أن
يوقفه على كيفية إحيائه وإماتته ، بل انتقل إلى مُسكت من الحجاج
فقال : إن الله يأتي بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب .
باب : التيمم ضربة
فيه: حديث أبي موسى وعبد الله إلى قول النبي ◌َّار: «إنما كان يكفيك
أن تصنع هكذا . وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح
بها ظھر کفیه شماله أو ظھر شماله بکفه ، ثم مسح بها وجهه » .
اختلف العلماء في صفة التيمم ، فقالت طائفة : هو ضربتان :
ضربة للوجه يمسح بها وجهه ، وضربة لليدين يمسحهما إلى المرفقين
اليمنى باليسرى ، واليُسرى باليمنى، [ روي ] (١) هذا عن ابن عمر،"
والشعبي ، والحسن ، وسالم، وهو قول مالك، والثوري، والليث،
وأبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وذكره الطحاوي عن الأوزاعي ، .
وهؤلاء كلهم لا يجزئه عندهم المسح دون المرفقين ، إلا مالك فإن
(١) من (( هـ).
- ٤٩٢ -

الفرض عنده إلى الكوعين ، وروي عن علي بن أبي طالب مثل هذا،
ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين .
وقالت طائفة : التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه
وذراعيه إلى مرفقيه ، هذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي .
وقالت طائفة : التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين إلى الكوعين .
روي هذا عن عطاء ، ومكحول ، ورواية عن الشعبي ، وهو قول
الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، واختيار ابن المنذر .
وروى ابن القاسم عن مالك : إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة
أرجو أن يجزئه ، ولا إعادة عليه ، والاختيار عنده ضربتان .
فأما الذين اختاروا ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين،
فإنهم قاسوا ذلك على الوضوء، و[اتبعوا ] (١) فعل ابن عمر في
ذلك ، وقالوا : لما كان غسل الوجه بالماء غير غسل اليدين ، فكذلك
يجب أن تكون الضربة للوجه في التيمم غير الضربة لليدين .
وأما قول ابن أبي ليلى والحسن بن حي فهو شذوذ لا سلف له ،
وأصح ما في حديث عمار أنه ضرب ضربة واحدة لكفيه ووجهه ،
رواه الثوري ، وأبو معاوية وجماعة عن الأعمش ، عن أبي وائل .
وسائر أحاديث عمار مختلف فيها .
واحتج ابن القصار لهذا القول فقال : إذا ضرب [ بيديه ] (٢) إلى
الأرض ، فبدأ بمسح وجهه ، فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يديه
شيء من التراب ، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك ولم يحتج أن يعيد
(١) في ((الأصل)): وابتغوا. والمثبت من ((هـ)).
(٢) في ((الأصل)): بيده، والمثبت من ( هـ).
- ٤٩٣ -

:
ضرب يديه على الأرض ، لم يحتج أن يضرب بيديه ليديه ؛ لأنه ليس
كالماء الذي من شرطه أن يماس كل جزء من الأعضاء .
قال غيره : وفيه جواز ترك الترتيب في التيمم ؛ لأنه عليه السلام
مسح کفیه قبل وجهه في إحدى الروايات .
[١/ ق٧٩ - ١]
/ تم كتاب الطهارة والحمد لله
وصل الله على محمد وآله وصحبه
۔۔
:٠
- ٤٩٤ -

فهرس المجلد الأول
الموضوع
٣١
باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَال
٥١
ذكر ما في كتاب بدء الوحي من غريب اللغة
تفسير كتاب الإيمان
٥٥
باب : قول النبي عليه السلام: (( بُنِيَ الإسلام على خمس )
٥٥
٦٠
باب : أمور الإيمان وقوله تعالى : ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم.
٦٢
باب : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
٦٣
باب : أي الإسلام أفضل
٦٣
باب : إطعام الطعام من الإيمان
٦٥
باب : من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
٦٥
باب : حب الرسول من الإيمان
٦٦
باب : حلاوة الإيمان
٦٨
باب : علامة الإيمان حب الأنصار
٧١
باب : من الدين الفرار من الفتن
٧٢
باب : قول الرسول عليه السلام: (( أنا أعلمكم بالله ))
٧٣
باب : تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
٧٦
باب : الحياء من الإيمان
٧٦
باب : ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ﴾
٧٨
باب : من قال : إن الإيمان هو العمل .
باب : إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف
٨٠
من القتل
- ٤٩٥ -
الصفحة

الموضوع
الصفحة
٨٤:
باب : السلام من الإسلام
باب : المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك.
بالله
٨٥
باب : کفران العشير و کفر دون كفر
باب : ظلم دون ظلم .
٨٨
٨٩
٩٠
باب : علامات المنافق .
٩٤
باب : قيام ليلة القدر من الإيمان
باب : الجهاد من الإيمان
٩٥
٠
٩٦
باب : الدين يسر
باب : الصلاة من الإيمان
٩٧
٩٨
باب : حسن إسلام المرء:
٩٩
باب : أحب الدين إلى الله أدومه
١٠١
باب : زيادة الإيمان ونقصانه
١٠٣
باب : الزكاة من الإسلام
١٠٧
باب : اتباع الجنائز من الإيمان
باب : خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر
١٠٨
١١٤
باب : سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة
١١٦
باب : فضل من استبرأ لدينه
:
باب : أداء الخمس من الإيمان
١١٧
١١٩
باب : ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى
١٢٨
١٣٣
١٣٣
باب : قول الرسول : (( الدين النصيحة لله ولرسوله ... )
کتاب العلم
قوله تعالى : ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
- ٤٩٦ -

الموضوع
باب : من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه
١٣٧
١٣٨
باب : من رفع صوته بالعلم .
باب : قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا
١٣٩
باب : طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم ..
باب : القراءة والعرض على المحدث
١٤١
١٤٢
١٤٦
باب : ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان
باب : من قعد حيث ينتهي به المجلس .
١٤٨
١٤٩
باب: قول الرسول وَطاهر: ((رب مبلغ أوعى من سامع ))
١٥١
باب : العلم قبل القول والعمل
١٥٣
باب : ما كان عليه السلام يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا
١٥٣
باب : من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة
١٥٤
باب : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
١٥٦
باب : الفهم في العلم
١٥٨
باب : ما ذکر في ذهاب موسی في البحر إلى الخضر
١٥٩
١٦٠
باب : قول النبي عليه السلام : (( اللهم علمه الكتاب ))
١٦١
باب : متى يصح سماع الصغير .
١٦٣
باب : فضل من عَلِمَ وعَلَّم
١٦٤
باب : رفع العلم وظهور الجهل
١٦٥
باب : فضل العلم
باب : الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها
١٦٥
باب : تحريض النبي عليه السلام وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان
والعلم ويخبروا من وراءهم .
١٦٧
- ٤٩٧ -
الصفحة
باب : الاغتباط في العلم والحكمة

الموضوع
باب : الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله
باب : التناوب في العلم
باب : الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره
١٧٠
-
باب : من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم
١٧٢
١٧٣
باب : تعلیم الرجل أمته وأهله .
باب : عظة الإمام النساء وتعليمهن
باب : الحرص على الحدیث
باب : کیف یقبض العلم
باب : هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم ؟
باب : ليبلغ الشاهد الغائب .
باب : إثم من كذب على النبي عليه السلام
باب : كتابة العلم .
باب : العلم والعظة بالليل
باب : السمر في العلم
١٩٤
١٩٦
باب : الإنصات للعلماء
١٩٨
باب : ما يستحب للعالم إذا سئل : أي الناس أعلم
باب : من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا .
٢٠٣
باب : السؤال والفتوى عند رمي جمار العقبة
٢٠٤
باب : من ترك بعض الاختيار .
٢٠٥
باب : من خص بالعلم قومًا دون قوم
٢٠٦
باب : الحياء من العلم
الصفحة
١٦٨٠
١٦٩
۔
۔۔
١٧٤
١٧٥
١٧٧
١٧٨
١٧٨
.!
١٨٢
١٨٦
١٩٠
١٩١
باب : حفظ العلم .
٢٠٣
باب : قول الله : ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
٢١٠
- ٤٩٨ -

الموضوع
باب : من استحیا فأمر غيره بالسؤال
٢١٣
باب : من أجاب السائل بأکثر مما سأله
٢١٤
كتاب الوضوء
٢١٤
باب : ما جاء في الوضوء
٢١٨
باب : لا تقبل صلاة بغير طهور .
٢٢١
باب : فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء
٢٢٣
باب : لا یتوضأ من الشك حتى يستيقن
باب : التخفيف في الوضوء
٢٢٦
باب : إسباغ الوضوء
٢٢٧
باب : التسمية على كل حال وعند الوقاع
٢٣٠
٢٣١
باب : غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة
باب : ما يقول عند الخلاء
٢٣٢
٢٣٥
باب : وضع الماء عند الخلاء
٢٣٦
باب : لا تستقبل القبلة بغائط أو بول
٢٣٧
باب : من تبرز علی لبنتین
٢٣٩
باب : خروج النساء إلى البراز
٢٤٠
٢٤٣
باب : النهي عن الاستنجاء باليمين
٢٤٤
باب : الاستنجاء بالحجارة
باب : لا یستنجی بروث
٢٤٩
باب : الوضوء مرة مرة .
٢٤٩
باب : الوضوء مرتين مرتين
٢٤٩
باب : الوضوء ثلاثًا ثلاثًا
٢٥١
باب : الاستنثار في الوضوء
الصفحة
٢١٢
باب : الاستنجاء بالماء
٢٤٧
- ٤٩٩ -

الموضوع
باب : الاستجمار وترًاً
باب : المضمضة والاستنشاق في الوضوء
باب : غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين
باب : غسل الأعقاب
باب : غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين
باب : التيمن في الوضوء والغسل
باب : التماس الوضوء إذا حانت الصلاة
باب : الماء الذي يغسل به شعر الإنسان .
باب : من لم ير الوضوء إلا من المخرجين : القبل والدبر
باب : الرجل يوضئ صاحبه :
باب : قراءة القرآن بعد الحدث وغيره
باب : من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل
باب : مسح الرأس كله:
باب : غسل الرجلين إلى الكعبين
باب : استعمال فضل وضوء الناس
باب : من مضمض واستنشق من غرفة واحدة
باب : وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة
باب : صب النبي وضوءه على المغمى عليه .
باب : الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة
باب : الوضوء من التور
باب : الوضوء بالمد
باب : المسح على الخفين
باب : إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان
الصفحة
٢٥١
٢٥٣
:
٢٥٥
٢٥٨
٢٥٩
٢٦١
٢٦٢
٢٦٤
٢٧١
٢٧٧
٢٧٩
٢٨٠
٢٨١
٢٨.٦
٢٨٩
٢٩٢
٢٩٤
٢٩٧
٢٩٨
٣٠١
٣٠٢
٣٠٤
٣٠٩
- ٥٠٠ -