النص المفهرس
صفحات 461-480
فيه : عائشة: قال النبي - عليه السلام -: ((إذا أقبلت الحيضة ، فدعي الصلاة، فإذا أدبرت ، فاغسلي عنك الدم وصلي)). قوله: ((إذا رأت المستحاضة الطهر)) . يريد إذا أقبل دم الاستحاضة الذي هو دم عرق ، الذي يوجب الغسل والصلاة ، وميزته من دم حيضتها فهو طهر من الحيض ، فاستدل من هذا أن لزوجها وطؤها ، وجمهور الفقهاء وعامة العلماء بالحجاز والعراق على جواز وطء المستحاضة . ومنع من ذلك قوم ، رُوي ذلك عن عائشة قالت : ((المستحاضة لا يأتيها زوجها)» . وهو قول النخعي ، والحكم ، وابن سيرين ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، قال الزهري : إنما سمعنا بالرخصة في الصلاة . وحجة الجماعة : أن دم الاستحاضة ليس بأذى يمنع الصلاة والصوم؛ فوجب أن لا يمنع الوطء . وقول ابن عباس : (( الصلاة أعظم من الجماع)). من أبين الحجة في ذلك . وقد نزع بمثلها سعيد بن جبير ، ولا يحتاج إلى غير ما في هذا الباب . باب : الصلاة على النفساء وسنتها فيه: سمرة بن جندب: ((أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي - عليه السلام - فقام وسطها)) . يحتمل أنه قصد في هذا الباب أن النفساء وإن كانت لا تصلي أنها طاهر ، لها حكم غيرها من النساء ممن ليست نفساء ؛ لأنه عليه - ٤٦١ - السلام إذا صلى عليها أوجب لها حكم الطهارة ، وإنما امتناعها من الصلاة ما دام بها الدم ، عبادة لا على طريق التنجيس ، وهذا يرد على من ذهب إلى أن ابن آدم ينجس بموته ؛ لأن النفساء التي صلى عليها النبي ، وأبان [ لنا ] (١) سنته فيها جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها ؛ فلما لم يضرها ذلك كان الميت الطاهر [ الذي ](٢) لا تسيل منه نجاسة أولى بإيقاع اسم الطهارة عليه . وأشار إلى شيء من هذا المعنى ابن القصار ، وذكر أن لبعض أصحاب مالك في العتبيّة ؛ أن ابن آدم طاهر إذا مات . قال : واختلف فيه قول الشافعي . قال : والصواب عندي أنه طاهر، ونزع أن الصلاة عليه بعد موته تكرمة له وتعظيم ، فخرج بها عن حكم الإنجاس .. [١/ ق٧٤-١] / باب فيه : ميمونة زوج النبي - عليه السلام - : « أنها كانت تکون حائضًا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله وهو يصلي على خمرته ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه )) . وهذا الباب كالذي قبله يدل أن الحائض ليست بنجس ؛ لأنها لو كانت نجسًا لما وقع ثوبه عليها وهو يصلي ، ولا قربت من موضع مصلاه . وفيه : أن الحائض تقرب من المصلي ، ولا يضر ذلك صلاته (١) في ((الأصل)): لها. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل )): التي. - ٤٦٢ - ولا يقطعها ؛ لأنها كانت تقرب قبلته ؛ لأنه لا يصيبها بثوبه عند سجوده إلا وهي قريب منه . وأقوى ما يستدل به على طهارة الحائض مباشرته عليه السلام لأزواجه وهن حيِّض فيما فوق المئزر ، إلا أنها وإن كانت طاهرًاً فإنه لا يجوز لها دخول المسجد بإجماع ، لأمره في العيدين باعتزال الحيض [ المصلى ] (١). (١) في ((الأصل)): في المصلى. والمثبت من ((هـ)). - ٤٦٣ - كتاب التيمم قوله تعالى : ﴿ فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١) . فيه : عائشة زوج النبي قالت: ((خرجنا مع رسول الله وَ ل18 في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - فانقطع عقد لي ، فأقام رسول الله على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؛ أقامت برسول الله والناسٍ ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فجاء أبو بكر ، ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام ، فقال : حبست رسول الله والناس ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ؟! فقالت عائشة : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي ، فقام رسول الله حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله - تعالى - آية التيمم، فتيمموا . فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر . قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته )). وفيه : جابر قال النبي - عليه السلام -: (( أعطيت خمسًا لم يعطهن. أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً ؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي (١) المائدة : ٦ . - ٤٦٤ - الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة )) . قال المؤلف : قوله تعالى : ﴿ فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١) يعني اقصدوا وتعمدوا ، تقول العرب : يَمَّمت كذا إذا قصدته ، ومنه قوله تعالى : ﴿ ولا آمين البيت الحرام ﴾ (٢) يعني قاصدين. واختلف أهل التأويل في الصعيد ما هو ؟ فقال قتادة : الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات ، وقال ابن دريد : الصعيد : المستوي ، وقال غيره : الصعيد : التراب . وقوله: (( طيبًا))، يعني: طاهرًا، واختلف الفقهاء في الصعيد الذي يجوز به التيمم ، فقالت طائفة : يجوز التيمم على كل أرض طاهرة ، سواء كانت حجرا لا تراب [ عليها ] (٣) أو عليها تراب أو رمل أو زرنيخ أو تورة أو غير ذلك . هذا قول مالك ، وأبي حنيفة ، ومحمد . وقال أبو يوسف : لا يجوز التيمم على صخر لا تراب عليه . وهو قول الشافعي ، والتراب عندهما شرط في صحة التيمم . قال الطحاوي : ولما اختلفوا في ذلك ولم نجد لما اختلفوا فيه دليلا في الكتاب التمسناه في سنة رسول الله فوجدنا قوله عليه السلام : (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً)). فلما أخبر أن الله جعل له الأرض مسجدًا وطهوراً ، وكان المراد بالمسجد الصلاة عليها ، والمراد (١) النساء : ٤٣، المائدة : ٦ . (٣) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من ( هـ)). (٢) المائدة : ٢ . - ٤٦٥ - بالطهور التيمم بها كانت كل أرض جازت الصلاة عليها جاز التيمم: بها . قال ابن القصار : والدليل على أن المراد الأرض كلها قوله عليه السلام: (( فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)) ، ولم يخص موضعًا منها دون موضع ، وقد يدركه في موضع منها من الأرض لا تراب عليه فيه رمل أو جص كما تدركه في أرض عليها تراب . فإن قيل : قوله تعالى : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ (١) [٧٤/١-ب] شرط الممسوح به لأنه لا يقال: مسح منه / إلا إذا أخذ منه جزءًا ، وهذه صفة التراب لا صفة الجبل الذي لا يمكن الأخذ منه . فالجواب : أنه يجوز أن تكون (( منه )) صلة في الكلام كقوله : ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ (٢) والقرآن كله شفاء. ولو سلمنا أنه أراد غير الصلة لقلنا: إنه أراد بـ ((منه)) الموضع الطاهر من الصعيد الذي يجوز السجود عليه ، ولو أراد بالصعيد التراب لقال تعالى: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم [ به ] (٣). ولم يقل : منه ، فلما قال : ﴿منه﴾؛ دل أنه أراد مما تصاعد من الأرض ولم يخص بعض ما تصاعد منها دون بعض . وقال ابن الأعرابي : الصعيد اسم للأرض ، واسم للتراب ، واسم للطريق ، واسم للقبر ، فإذا تناول كل واحد من هذه حقيقة ، فيجعل للعموم في جميعها . فإن قالوا: قد روي في الحديث : (( جعلت لي الأرض مسجدًا (١) المائدة : ٦ . (٢) الإسراء : ٨٢ . (٣) في ((الأصل)): فيه. والمثبت من (( هـ)). - ٤٦٦ - ۔۔ وتربتها طهوراً)) . وهذا نص في التراب ، فدل أن غير التراب ليس بطهور ، والتراب زيادة يجب قبولها ، والحديث رواه ابن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، عن النبي - عليه السلام . قال الأصيلي : انفرد أبو مالك الأشجعي بذكر التراب في هذا الحديث ، ولا اعتداد بمن خالفه الناس ، فكذلك ما يذكرونه في حديث أبي ذر: ((التراب كافيك، ولو إلى عشر سنين)). المشهور من رواية الثقات عن أبي قلابة وابن سيرين: (( الصعيد كافيك ولو إلى عشر سنين)) . وكذلك في حديث أبي رجاء عن عمران بن حصين أن النبي - عليه السلام - قال [ له ] (١): ((عليك ( بالتراب) (٢) فإنه کافیك )). وقولكم : إن التراب زيادة يجب قبولها . فإننا نقول بالزائد والمزيد [عليه] (١) فيجوز الأمرين جميعًا، وهذه زيادة في الحكم لا محالة فهي أولى من الاقتصار على الزائد فقط . فإن قالوا : إن الحجر والجص معدن من الأرض فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة ، قيل : الصعيد عندنا هو الأرض نفسها ، فالتيمم يقع عليها سواء كانت جصية أو رملية ، فأما على الحص مفردًا أو الكحل مفردا أو الزرنيخ مفردًا ، فلا يجوز التيمم به ، وقد قال الله تعالى: ﴿صعيدًا زلقًا﴾ (٣)، و(صعيدًا جرزًاً﴾ (٤) ، والجرز الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئًا . (١) من ((هـ)). (٢) في (( هـ)): بالصعيد . وهو خطأ. (٣) الكهف : ٤٠ . (٤) الكهف : ٨ . - ٤٦٧ - وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ اليابسة ، ولا غبار عليها يعلق باليد ، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليه . وقال المهلب : في حديث عائشة من الفقه : السفر بالنساء .: وفيه : النهي عن إضاعة المال ؛ لأن النبي - عليه السلام - أقام . على تفتيش العقد بالعسكر ليلةً ، وقد ذكر في غير هذا الحديث أن العقد كان لأختها وكان ثمنه اثني عشر درهمًا . وفيه : شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج ، وفيه : الإنصاف منها وإن كان لها زوج . وفيه : أن للأب أن يدخل على ابنته وزوجها معها إذا علم أنها معه في غير خلوة مباشرة ، وأن له أن يعاتبها في أمر الله ، وأن يضربها عليه . وفيه : أنه يعاتب من نسب إلى ذنب أو جريمة ، كما عاتب أبو بكر .ابنته على حبس النبي والناس بسببها . وفيه : نسبة الفعل إلى من هو [ سببه ] (١) ، وإن لم يفعله ، لقولهم: ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله والله وبالناس وليسوا على ماء . فنسب الفعل إليها إذْ كانت سببه . قال غيره: وقولهم: ((ليس معهم ماء)). دليل أن الوضوء قد كان لازمًا لهم قبل ذلك ، وأنهم لم يكونوا يصلون بغير وضوء قبل نزول آية التيمم ، ألا ترى قوله : فأنزل الله آية التيمم ، وهي آية الوضوء التي في المائدة والآية التي في النساء، وليس التيمم [مذكوراً](٢) (١) في ((الأصل)): بسببه. والمثبت من (( هـ)). (٢) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): مذكور. وهو خلاف الجادة. - ٤٦٨ - في غير هاتين الآيتين ، وهما مدنيتان ، ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء ، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن الصلاة فرضت بمكة ، والغسل من الجنابة ، وأنه لم يصلُّ قط إلا بوضوء مثل وضوئه بالمدينة ، ونزلت آية الوضوء ؛ ليكون فرضها التقدم متلوا في التنزيل، فقولهم: ((نزلت آية التيمم))، ولم يذكر الوضوء يدل أن الذي طرأ عليهم من العلم في ذلك حكم التيمم لا حكم الوضوء ، وذلك رفق من الله بعباده أن أباح لهم التيمم بالصعيد عند عدم الماء ، وكذلك قال أسيد بن الحضير: (( ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر)). [١/ ق٧٥-١] قال المهلب : وقوله عليه السلام: (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً)» / والذي خُصَّ به من ذلك عليه السلام [ أن ] (١) جعلت طهورًا للتيمم ، ولم يكن ذلك للأنبياء قبله، [ وأما ] (٢) كونها مسجدًا فلم يأت في أثر أنها منعت من غيره ، وقد كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة ، فكأنه قال عليه السلام : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً ، وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهورا . وفي قوله: (( فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل )) يعني [ يتيمم ] (٣) ويصلي ، دليل على تيمم الحضري إذا عُدم الماء ، وخاف فوت الصلاة . وفيه : ما خصه الله - تعالى - [ به ] (٤) من الشفاعة ، ويدل أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شُفْع فيه . (١) في ((الأصل)): أنما. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل، هـ )) : وإنما . (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): تيمم. (٤) من (( هـ )). - ٤٦٩ - قوله في حديث الشفاعة: (( قل يا محمد نسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعط)) . ولم يعط ذلك مَنْ قَبله من الأنبياء ، ولا تكون الشفاعة إلا في المذنبين المستحقين للعقوبة ؛ لأن من لا يستحق العقوبة لا يحتاج إلى شفاعة . وقوله: ((بعثت إلى الناس كافة)) . دليل أن الحجة تلزم بالخبر ، كما تلزم بالمشاهدة ، وذلك أن الآية المعجزة باقية مساعدة للخبر ، مبينة له ، رافعة لما يخشى من آفات الأخبار ، وهي القرآن الباقي ، ولذلك خص الله نبيه ببقاء آيته ، لبقاء دعوته ووجوبها على من [بلغته](١) إلى آخر الزمان .. باب : إذا لم يجد ماء ولا ترابًا فيه: عائشة: (( أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، فبعث رسول الله 383 رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ، فأنزل الله آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيراً ، والله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيراً ». قال المؤلف : الذي لا يجد ماءً ولا ترابًا هو المكتوف والمحبوس والمهدوم عليه والمعطوب ومَنْ أشبههم [ تحضره] (٢) الصلاة، فاختلف العلماء في ذلك ، فقالت طائفة : يصلون إيماءً بغير وضوء ولا تيمم ، كصلاة الطالبين للعدو ، ولا إعادة عليهم . ذكر ابن أبي زيد أن هذا (١) من ((هـ)) وفي ((الأصل)): يبعثه. (٢) في (( الأصل، هـ)): تحضر . والصواب ما أثبتناه . - ٤٧٠ - قول ابن نافع وسحنون ، وحكاه ابن القصار عن أشهب والمزني ، وذكره ابن المنذر عن أبي ثور . وقالت طائفة : يصلون وعليهم الإعادة . هذا قول الثوري ، وابن القاسم ، وأكثر أصحاب مالك، وهو قول أبي [ يوسف ] (١) ومحمد ، والشافعي . وقال ابن [ خويز منداد ] (٢): روى المدنيون عن مالك فيمن لا يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى يخرج الوقت ، أنه لا يصلي ولا إعادة عليه والصلاة عنه ساقطة ، قال : وهو الصحيح من مذهب مالك . وروى معن بن عيسى عن مالك في الذي يكتفه الوالي ويمنعه من الصلاة حتى يخرج وقتها ، أنه لا إعادة عليه وهذا القول اختيار ابن القصار ، وحكي أنه مذهب أبي حنيفة . ووجه القول الأول - أنهم يصلون ولا قضاء عليهم - أن النبي لم يأمر الذين طلبوا العقد حين صلوا بغير وضوء ولا تيمم بالإعادة . قال المهلب : إن حُكْمنا في عدم الشرعين - الوضوء والتيمم - كحكمهم في عدم الشرع الواحد ، وهو الوضوء الذي كان عليهم ، فلما ساغ لهم الصلاة بالتيمم بغير وضوء ، ساغ لنا الصلاة بغير تيمم ولا وضوء . وقال أبو ثور : القياس فيمن لم يقدر على الطهارة أن يصلّي (١) في ((الأصل)): حنيفة. والمثبت من ((هـ))، وسيأتي قول أبي حنيفة بعد هذا . (٢) في ((الأصل، وهـ)): خواز بنداد . وما أثبتناه هو الصواب، ويقال : خوان منداد ، ويقال : خوين منداد . انظر: ترتيب المدارك (٦٠٦/٢). - ٤٧١ - ولا يعيد ، كمن لم يقدر على الثوب وصلى عريانًا الصلاة لازمة له ، يصلي على ما [ يقدر ) (١) ويؤدي ما عليه بقدر طاقته . وقال ابن القصار : كل من أدّى فرضه على ما كلفه لم يلزمه إعادة، كالمستحاضة ، ومن به سلس البول ، والعاجز عن أركان الصلاة يصلي على حسب حاله ، وكالمسايف ، والمسافر يحبس الماء خوفًا على نفسه من العطش ، يتيمم ويصلي ، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم إعادة . ووجه قول من قال : يصلون وعليهم إعادة الصلاة : فإنهم احتاطوا [١/ق٧٥-ب] للصلاة في الوقت/ على حسب الاستطاعة لاحتمال قوله عليه السلام: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) لمن قدر عليه ، ولم يكونوا على يقين من هذا التأويل فرأوا الإعادة واجبة مع وجود الطهارة ، إذ ليس في: الحديث أن النبي - عليه السلام - لم يأمرهم بالإعادة ، وقد يحتمل أن يكون أمرهم ولم ينقل ذلك ، والله أعلم . ووجه قول الذين قالوا : لا يصلون حتى يجدوا ماءً أو ترابًا : أن الرسول قال: ((لا تقبل الصلاة بغير طهور))، وليس فرض الوقت بأوكد من فرض الطهور . وأما رواية معن عن مالك [ التي ] (٢) اختارها ابن القصار فإنه قال: وجه ذلك قوله عليه السلام: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) قال : وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور ، فإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور ، ومعه عقله لم يجب عليه قضاء كالحائض؛ وأيضًا فلو وجب عليه ابتداءً الدخول في الصلاة لو كان طاهرًا لوجب (١) في ((الأصل)): تقدم. والمثبت من (( هـ)). (٢) في ((الأصل، هـ )) : الذي . - ٤٧٢ - أن يسقط فرضه فلما قالوا : لا يسقط فرضه ؛ لم تجب عليه ، ولو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي ، لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد في يوم واحد وهذا لا يجوز . وأما قوله : (( فبعث رسول الله رجلا فوجدها )) فإنه يعارض ما رواه القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة قالت: (( فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته )) . وقد حمل إسماعيل بن إسحاق على هشام بن عروة ، وجعل حديثه مناقضًا لحديث عبد الرحمن ابن القاسم . قال أبو عبد الله بن أبي صفرة : وليس بمناقض ، ويحتمل أن يكون قوله: ((فبعث رجلا )) يعنى أسيدًا فوجدها أسيد بعد رجوعه من طلبها ، ويحتمل أن يكون النبي وجدها عند إثارة البعير بعد انصراف المبعوثين من موضع طلبها ، ويتفق الحديثان بغير تعارض ، والحمد لله . باب : التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات الصلاة وبه قال عطاء وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله : يتيمم . وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فتيمم ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد . فيه : أبو جهيم: (( أقبل النبي - عليه السلام - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه ، فلم يرد النبي - عليه السلام - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ویدیه ثم رد عليه السلام )) . - ٤٧٣ - واختلف العلماء في الحضري يخاف فوات الصلاة إن عالج الماء ، هل له أن یتیمم ؟ فقال مالك : يتيمم ويصلي ولا يعيد . وهو قول الأوزاعي ، والثوري ، وأبي حنيفة ، ومحمد . وروي عن مالك : أنه يصلي بالتيمم ويعيد الصلاة . وهو قول الليث ، والشافعي . وروي عن مالك أنه يعالج الماء ، وإن طلعت الشمس ، وهو قول أبي يوسف ، وزفر ، قالا : لا يصلي أصلا ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على الماء ؛ لأنه لا يجوز التيمم عندهما في الحضر ، واحتجا بأن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر ، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر ، فلا دخول للحاضر ولا للصحيح في ذلك ؛ لخروجهما من شرط الله . واحتج من قال : يتيمم ويصلي ويعيد ، قال : لأنَّا قد رأينا من يفعل ما أمر به ولا تُسقط عنه الإعادة ، وهو واقع موقع فساد ، مثل من أفسد حَجَّه أو صومه المفترض عليه ، فإنه مأمور بالمضي فيه فرض. عليه ومع هذا فُعليه الإعادة . وأيضًا فإن المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان ، ففعلا المأمور به ولم يسقط عنهما القضاء ، كذلك الحاضر إذا تيمم وصلى لا يسقط عنه القضاء . واحتج عليه من قال : يتيمم ويصلي ولا يعيد - وهم أهل المقالة الأولى ، فقالوا : هذا سهو ؛ لأن الفطر رخصة لهما ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل الواجب وفعل الصلاة ، فلو رُخِّص له في الخروج من الصلاة كما رُخُص للمسافر في الفطر [ لوجب ] (١) عليه القضاء . (١) من (( هـ))، وفي (( الأصل)): لواجب. - ٤٧٤ - ٠ وأما من أفسد حَجَّه [ أو ] (١) صومه فإنما أمر بالمضي فيه عقوبة لإفساده له ، ثم وجب عليه قضاؤه ؛ ليؤدي الفرض كما أُمر به . والحاضر إذا تعذر عليه الماء ، وخاف فوت الصلاة صار مطيعًا بالتيمم والصلاة ابتداءً ، ولم يفسد شيئًا يجب معه عليه القضاء . والحجة / لأهل المقالة الأولى في أنه لا إعادة عليه ما ذكره البخاري [١/ق٧٦-١] عن ابن عمر (( أنه تيمم بمربد النعم وهو في طرف المدينة)) لأنه خشي فوت الوقت الفاضل ولم يجد ماء ، ثم صلى ، وهو حجة للحاضر يخاف فوت الوقت كله أنه يجوز له التيمم ؛ لأنه لما جاز لابن عمر التيمم والصلاة ، ثم دخل المدينة وقد بقي عليه من الوقت بقية ، ولم يعد الصلاة ؛ كان أحرى أن يجوز التيمم والصلاة للحضري يخاف خروج الوقت كله . قال المهلب : وأما حديث بئر جمل ، فإن فيه التيمم في الحضر ، إلا أنه لا دليل فيه أنه رفع بذلك التيمم الحدث رفعًا استباح به الصلاة؛ لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام ، إذْ كَرِهَ أن يذكر الله على غير طهارة . هكذا رواه حماد بن سلمة في مصنفه في هذا الحديث . قال المؤلف : فذكرت هذا لبعض أهل العلم ، فقال لي : وهو وإن كان كما ذكره المهلب فإنه يستنبط منه جواز التيمم في الحضر ، إذا لم يستطع الوصول إلى الماء ، وخاف فوات الصلاة ؛ لأنه لما تيمم في الحضر لرد السلام ، وكان له أن يرد عليه السلام قبل تيممه ، استدل منه أنه إذا خشي فوت الصلاة في الحضر أن له التيمم ، بل ذلك أوكد؛ لأنه لا يجوز له الصلاة بغير وضوء ولا تيمم ، ويجوز له أن (١) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): و. - ٤٧٥ - بغير وضوء ولا تيمم ، وأيضًا فإن التيمم إنما ورد في المسافرين والمرضى لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته ، فكل من لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة ، تيمم إن كان مسافرا أو مريضا بالنص ، وإن كان حاضرًا صحيحًا بالمعنى ، وهذا دليل قاطع . وقد احتج الطحاوي بهذا الحديث في جواز التيمم للجنازة إذا خاف فوت الصلاة عليها . وهو قول الكوفيين ، والليث ، والأوزاعي . قال الطحاوي : فتيمم عليه السلام لرد السلام في المصر وهو فرض لخوف الفوت ؛ لأنه لو فعل بعد التراخي لم يكن جوابًا . فإن قيل : ليست الطهارة شرطا في صحة رد السلام ، قيل : قد ثبت لهذه الطهارة حكم لولاه لم يفعلها النبي - عليه السلام - ولو لم يكن ثبت [ حكم ] (١) التيمم في هذه الحال لما فعله النبي - عليه السلام - ومنع مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، الصلاة على الجنائز بالتيمم . قال ابن القصار : وفي تيمم النبي - عليه السلام - بالجدار ردّ على أبي يوسف ، والشافعي في قولهما : إن التراب شرط في صحة التيمم، لأنه عليه السلام تيمم بالجدار ، ومعلوم أنه لم يعلق بيده منه. تراب إذ لا تراب على الجدار ، وقد تقدم في باب (( ما يقول عند الخلاء)) زيادة في معنى تركه عليه السلام لرد السلام حين تيمم بالجدار، كرهنا تكراره فتأمله هناك إن شاء الله . والمِرْبَد والجرين، والبيدر: الأندر (٢). (١) في ((الأصل)): فعل. والمثبت من ((هـ)). (٢) قال أبو عبيد: والمربد أيضًا موضع التمر ، مثل الجرين ، فالمربد بلغة أهل = - ٤٧٦ - باب : هل ينفخ فيهما فيه: [ سعيد بن ](١) عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال : (( جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجنبت فلم أصب الماء . فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، أما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت فصليت ، فذكرت ذلك للنبي - عليه السلام - فقال النبي : إنما كان يكفيك هكذا : فضرب [النبي (وَل﴾] (٢) بكفيه الأرض ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه و کفیه )) . اختلف العلماء في نفض اليدين من التيمم فكان الشعبي يقول بنفضهما وهو قول الكوفيين ، وقال مالك أيضًا : نفضًا خفيفًا . وقال الشافعي : لا بأس أن ينفضهما إذا بقي في يديه غبار يماس الوجه . وهو قول إسحاق . وقال أحمد : لا يضر فعل أو لم يفعل ، وكان ابن عمر لا ينفض يديه . قال المهلب : فيه من الفقه أن المتأول لا إعادة عليه ولا لوم ، ألا ترى أن عمارًاً قال: ((أما أنا فتمرغت في التراب)» . لأنه تأول أن التيمم للوجه والكفين لا يجزئ في الجنابة ، كما يجزئ في الوضوء وكانوا في السفر ، فلم يأمره النبي - عليه السلام - بإعادة التيمم الحجار ، والجرين لهم أيضًا والأندر لأهل الشام ، البيدر لأهل العراق . = انظر: لسان العرب ( مادة : ربد ) . ومربد النعم هو موضع على بعد ميلين من المدينة . انظر : معجم البلدان (١١٥/٥). (١) سقط من ((الأصل، هـ))، والصواب إثباته، انظر: الفتح (٥٢٨/١). (٢) من (( هـ)). - ٤٧٧ - والصلاة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم ، بل أخبره أنه كان يجزئه ضربة للوجه والكفين عن غسل الجنابة وسيأتي الخلاف في تيمم الجنب بعد هذا إن شاء الله . [١/ ق٧٦ -ب] / باب : التيمم للوجه والكفين فيه: عمار قال لعمر: ((تمعكت ، فأتيت النبي - عليه السلام - فقال : يكفيك [ الوجه ](١) والكفان . وقال عمار مرة : فضرب النبي بيديه الأرض ، فتفل فيهما ، فمسح وجهه و کفیه » . اختلف العلماء في حد مسح الكفين في التيمم ، فقال قوم : هو إلى الكوعين (٢) روي هذا عن عليّ بن أبي طالب، وسعيد بن. المسيب ، والأعمش ، وعطاء ، وهو قول الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد في : الوقت وهذا يدل أن التيمم إلى المرفقين مستحب عنده . وقال قوم : التیمم إلى المرفقين. روي هذا عن ابن عمر ، وجابر، والنخعي ، والحسن ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والليث ، والشافعي ، قالوا : لا يجزئه إلا ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، ولا يجزئه دون المرفقين . (١) في ((الأصل)): للوجه. والمثبت من (( هـ، ن)). (٢) الكوع هو طرف الزند الذي يلي أصل الإبهام ، وقيل : هو أصل الإبهام إلى الزند . انظر : لسان العرب ( مادة : كوع ) . - ٤٧٨ - وقال الزهري : هو إلى الآباط . واحتج الزهري بما رواه عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عمار بن ياسر، قال: (( تيممنا مع رسول الله إلى المناكب )). رواه [جويرية ] (١) عن مالك عن ابن شهاب . وحجة من ذهب إلى أن المراد مسحهما إلى المرفقين فما رواه الثوري عن سلمة بن كهيل ، عن أبي مالك ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن عمار [ بن ياسر ] (٢) عن النبي - عليه السلام - قال له: (( إنما كان يكفيك هكذا ، وضرب بيديه ، ثم نفخهما ومسحهما بوجهه وكفيه وذراعيه [ إلى ] (٢) نصفيهما)). وأنصاف الذراعين عندهم هو نهاية المرفقين ، ومن جهة النظر أن التيمم بدل من الوضوء ، ولما أجمعوا أن الوضوء إلى المرفقين ، وجب أن يكون التيمم كذلك . وكان من حجة من ذهب إلى أن المسح إلى الكوعين قوله - تعالى - : ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ (٣) قال ابن القصار : واسم اليد تخصيص إلى الكوعين ؛ لقطع النبي و[المسلمين] (٤) بعده من الكوع مع إطلاق اسم اليد في الآية ، والحكم إذا تعلق بما هذه صفته تعلق بأول الاسم وأخصه . واحتجوا من الأثر بقوله في حديث عمار: (( أن النبي ضرب بيده (١) في ((الأصل، وهـ)): جويرة. وهو خطأ، وجويرية هو ابن أسماء ، من رجال التهذيب . (٢) من (( هـ ). (٣) المائدة : ٣٨ . (٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المسلمون . وهو خلاف الجادة . - ٤٧٩ - الأرض ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه)) . قالوا : وهذا توقيف من النبي لعمار على المراد من قوله تعالى : ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (١) يرفع الإشكال . ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي جهيم: (( حين تيمم النبي على الجدار فمسح وجهه ويديه)) . وما روي أنه مسح الذراعين إلى المرافق، فنحمله على الاستحباب ، وأما التيمم إلى المناكب ، فالأمة في جميع الأمصار على خلافه . قال الطحاوي : ولم يرو عن أحد من المتقدمين غير ابن شهاب ، وليس في حديث ابن شهاب عن عمار أن النبي - عليه السلام - أمرهم بالتيمم إلى المناكب ، ولا أنه تيمم هو كذلك ، فيكون فيه حجة ، بل الآثار أنه تيمم إلى الكوعين وإلى المرفقين . قال الطحاوي : وأما النظر في ذلك ، فرأينا التيمم قد أسقط عن بعض أعضاء الوضوء ، وهو الرأس والرجلان ، فكان التيمم على بعض ما عليه الوضوء ، فبطل بذلك قول من قال : أنه إلى المناكب ، لأنه لما بطل عن الرأس والرجلين ، وهما مما يتوضآن كان أحرى ألا يجب على ما لا يتوضأ . (١) المائدة : ٦ . - ٤٨٠ -