النص المفهرس
صفحات 421-440
السلام - فقرأ فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ... ﴾ (١) الآية . قال عطاء : عن جابر : حاضت عائشة فنسكت المناسك كلها غير الطواف بالبيت ولا تصلي . وقال الحكم : إني لأذبح وأنا جنب ، وقال الله : ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ (٢) . فيه: عائشة: (( أنها حاضت بسرف ، فقال لها النبي - عليه السلام - : إن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري » . قال المؤلف : هذا الباب كله مبني على مذهب من أجاز للحائض والجنب تلاوة القرآن ، وهو قول حماد بن أبي سليمان ، والحكم بن عتيبة ، وأهل الظاهر . وقال إبراهيم النخعي : لا بأس أن يقرأ [ الجنب ] (٣) والحائض الآية ونحوها ، وأجاز عكرمة للجنب أن يقرأ ، وليس له أن يتم سورة كاملة ، ذكره الطبري . واختلف قول مالك في قراءة الحائض ، فروى عنه ابن القاسم وغيره إباحة الحائض أن تقرأ ما شاءت من القرآن ، وروى عنه ابن عبدالحكم منعها من ذلك إلا الآية والآيتين . ومنعها أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور من قليله (١) آل عمران : ٦٤ . (٢) الأنعام : ١٢١ . (٣) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): للجنب . - ٤٢١ - وكثيره، ورُوي مثله عن جابر بن عبد الله ، وعن عطاء ، وأبي العالية، وسعيد بن جبير ، والزهري . [١/ ٦٦- ب] وكذلك اختلف قول مالك / في قراءة الجنب ، فروى عنه ابن القاسم أنه يقرأ الآية والاثنتين للارتياع وشبهه ، وذكر ابن ( شعبان)(١) عن مالك ، قال : إنه ليأخذ بنفسي أن يقرأ الجنب القرآن. وقال الأوزاعي : لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب وآية النزول ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا ... ﴾ (٢) الآية، ﴿وقل ربِّ أنزلني منزلا مباركًا ﴾ (٣) الآية. وقال أبو حنيفة : لا يقرأ الجنب إلا بعض آية ، ومنعه الشافعي قليله وكثيره . وأما اختلاف السلف في ذلك فروي عن جابر أن الحائض لا تقرأ القرآن ، وهو قول أبي العالية ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والزهري، وروي عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وجابر أنه لا يقرأ الجنب القرآن ، وهو قول أبي وائل . وحجة الذين كرهوا ذلك ، ما رواه موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( لا يقرأ الجنب والحائض شيئًا من القرآن)). واحتج من منع الجنب بما رواه شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة، عن علي قال: ((لم يكن النبي - عليه السلام - يحجبه عن القرآن شيء [ غير ] (٤) الجنابة . (١) في (( هـ)): معين . (٢) الزخرف : ١٣ . (٣) المؤمنون : ٢٩ (٤) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): من. -- -- - ٤٢٢ - واحتج الذين أجازوا ذلك بأن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب، فقيل له في ذلك ، فقال : ما في جوفي أكثر منه . وقال حماد : سألت ابن المسيب : أيقرأ الجنب القرآن ؟ قال : أليس في جوفه ؟! وبما رواه عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم (( أنه سأل معاذ ابن جبل : أيقرأ الجنب القرآن ؟ قال : نعم إن شاء . قلت : والحائض والنفساء ؟ قال : نعم ، لايدعن أحد ذكر الله وتلاوة كتابه على حال. قلت : فإن الناس يكرهونه ، قال : من كرهه فإنما كرهه تنزهًا ، ومن نهى عنه فإنما يقول بغير علم ، ما نهى رسول الله عن شيء من ذلك )) . قال الطبري : واعتلوا من طريق النظر بأن ( تلاوة ) (١) القرآن قد ندب إليها ( الناس ) (٢) كما ندبوا إلى ذكر الله والتسبيح والتهليل، قالوا : وقد قامت الدلالة بأن ذكر الله مطلق للجنب والحائض ، قالوا: وقراءة القرآن في معنى ذلك في أنها مطلقة لهما ، إذ لا حجة تفرق بين ذلك . قال الطبري : والصواب عندنا في ذلك ما روي عنه عليه السلام أنه كان يقرأ القرآن ما لم يكن جنبًا ، وخبر عائشة أنه عليه السلام كان يذكر الله على كل أحيانه ، فإن قراءته القرآن طاهرًاً كان اختيارًاً منه لأفضل الحالتين ، والحال التي كان يذكر الله فيها ويقرأ القرآن غير طاهر ؛ فإن ذلك كان تعليمًا منه أن ذلك جائز لهم وغير محظور عليهم ذكر الله و( تلاوة ) (١) القرآن، إذ بعثه الله إلى خلقه معلمًا وهاديًا ، غير أني أستحب له أن يقرأ القرآن على أتم أحوال الطهارة ، (١) في (( هـ)): قراءة . (٢) فى (( هـ)): القرآن. - ٤٢٣ - وليس ذلك وإن أحببته بواجب ؛ لأن الله لم يوجب فرض الطهارة على عباده المؤمنين إلا إذا قاموا إلى الصلاة . قال المهلب : في شهود الحائض المناسك كلها وتكبيرها في العيدين دليل على جواز قراءتها للقرآن ؛ لأنه من السنة ذكر الله في المناسك ، وفي كتابه إلى هرقل بآية من القرآن دليل على ذلك ، وعلى جواز حمل الحائض والجنب القرآن ؛ لأنه لو كان حرامًا لم يكتب النبي إليهم بآي من القرآن ، وهو يعلم أنه يمسونه بأيديهم وهم أنحاس ، لكن القرآن وإن كان لا يلحقه أذى ، ولا تناله نجاسة ، فالواجب تنزيهه وترفيعه عمن لم يكن على أكمل أحوال الطهارة ؛ لقوله تعالى: ﴿ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة﴾ (١) . ( فلم يكن حق إطهاره تكريمه وترفيعه ما ظهر ملك مكرم [ الصحف ] (٢) التي وصفها الله تعالى بالطهارة ، كما أراك ) (٣) في رواية ابن القاسم أن قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (٤) ليس بمعنى الإلزام والحتم بل بمعنى الأدب والتوقير ، وأباح للحائض قراءة القرآن لطول أمرها ، وكرهه للجنب إلا الشيء اليسير ؛ لقرب أمره . باب : الاستحاضة فيه : عائشة: « أن فاطمة بنت أبي حبیش قالت : يا رسول الله ، إني لا أطهر ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلالر : إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة ، فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب قدرها [٦٧٥/١-١] فاغسلي عنك / الدم وصلي)). (١) عبس: ١٣، ١٤ .! (٣) كذا (( بالأصل، هـ )). (٢) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): المصحف . (٤) الواقعة : ٧٩ . - ٤٢٤ - قال ابن القصار : في هذا الحديث حجة لمالك والشافعي في أن المستحاضة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة أنها تعتبر الدم وتعمل على إقباله وإدباره ، فإذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة ، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت . وقال أبو حنيفة : إنما تعمل على عدد الليالي والأيام ، واحتج بحديث أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن عائشة: (( أن النبي - عليه السلام - قال لفاطمة بنت أبي حبيش : إنما ذلك عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي)). و[قد ] (١) روي: ((دعي الصلاة قدر أقرائك)) واحتج أيضًا بحديث سليمان بن يسار ، عن أم سلمة: (( أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله فاستفتت لها أم سلمة رسول الله وَاليه ، فقال: (( لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الدم الذي أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر)) . قالوا : فردها عليه السلام إلى الأيام ، وتركوا حديث مالك ، عن هشام بن عروة الذي فيه [ (٢) اعتبار الدم ، وهو يرد قولهم ، ويدل أن الأيام لا حكم لها بمجردها ، وإنما لها حكم مع الدم ، فيجب أن يدار معه حيث دار ؛ لأنه لا يقول لها: (( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ، وإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة)) إلا وهي عارفة بالحيضة، فإذا ميزتها عملت على إقبال الدم وإدباره، وكذلك قوله وَ لا لفاطمة: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) الذي احتج به أبو حنيفة في مراعاة الأيام (١) من ( هـ). (٢) من هاهنا سقط في ((الأصل))، بمقدار ورقة إلى الموضع الذي سننبه عليه - إن شاء الله . - ٤٢٥ - والليالي، حجة عليه أيضًا؛ لأنه وَلو قال لها: ((دعي الصلاة أيام أقرائك )) فدل أنها كانت مميزة ؛ فأحالها على أيام أقرائها التي تعرفها مع وجود الدم الذي لا تعرفه ، لأنه لما قال : أيام حيضتك أو أيام. أقرائك ، فلا بد أن تكون عرفت الحيض بلونه ورائحته ، وإلا كان مشكلا ؛ لأنها سألت عن الزائد على دمها هل هو حيض أو غيره ، ولو أراد أيام حيضتك فيما مضى ، لكان أيضًا مشكلا إن لم تكن تعرف دم الحيض وتميزه ، فإنما أحالها على حيض تعرفه ، وقد يمكن أن تكون هذه المرأة لها تمييز وظنت مع التمييز أنه إذا انقطع عنها دم الحيض بعد أيامها وتغير أن حكمها واحد في ترك الصلاة ؛ فأعلمها أنه إذا تغير بعد تقضي أيامها التي كانت تحيضها أنها تغتسل وتصلي ، وأنها إذا رأت الدم الذي تعرفه في تلك الأيام أنها تترك الصلاة . هذا قول ابن القصار ، قال : ويحتمل أن يكون قوله في حديث مالك عن هشام بن عروة: (( إذا أقبلت الحيضة قدعي الصلاة )) في امرأة لها تمييز، وقوله: ((لتنظر عدد الأيام والليالي )) في امرأة لا تمييز لها ، فيكون الحديثان في امرأتين مختلفتي الأحوال . قال المؤلف : وهذا يشبه قول الكوفيين ؛ لأن الكوفيين يقولون : إذا لم تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فإنها تترك الصلاة عدد أيام حيضتها المعروفة إن كان لها أيام ، وإن لم تكن لها أيام فعدة عشرة أيام - الذي هو عند أبي حنيفة أكثر الحيض - ثم تكون مستحاضة ، تصوم وتصلي ، ويأتيها زوجها ، حتى تأتي على مثل أيامها من الشهر المستقبل ، فتترك الصلاة عددها ، ثم هي مستحاضة ، ثم لا تزال تفعل ذلك في كل شهر ، ولا تراعي تغير الدم . وعند مالك إذا لم تميز إقبال الدم وإدباره ، فهي - قيل - تقضي أكثره ، تقعد إلى أكثر أيامها المعروفة إن كان لها أيام ، أو قعدت - ٤٢٦ - خمسة عشر يومًا - الذي هو أكثر الحيض - وبعد ذلك تصلي أبدًا ، وإن طال انتظارها ؛ لأن دمها دم عرق حتى يتغير إلى دم الحيض ، ولا تشك فيه فتعمل على إقباله وإدباره ، وهذا قول الكوفيين الذين يراعون الأيام أيضًا فيمن لم تميِّز دم الحيض من دم الاستحاضة ولا يراعون الدم؛ ووافقهم الشافعي ، وعند مالك أنه لابد من مراعاة الدم مع مقدار الأيام سواءً ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة أو لم تميزه ، فإن ميزته عملت على إقبال الدم وإدباره سواء كان قبل تقضي مدة أكثر الحيض أو بعده ، فإن لم تميزه فهي قبل تقضي أكثره تقصد إلى الكثرة، وبعد ذلك تصلي أبدًا حتى ترى دمًا لا شك فيه ، فتعمل على إقباله وإدباره . والدليل على أن لفظ الحديثين وإن كان مختلفًا فهو في امرأة واحدة في حالة واحدة ، أن فاطمة هذه ] (١) سألت النبي لما تمادى الدم بها وجاز أيام حيضتها المعروفة ، فقال لها : إن دمك ليس دم حيض ، وإنما هو دم عرق ، ودم العرق لا يوجب حكمًا ، فإذا أقبلت الحيضة وميزت دمها بلونه ورائحته فدعي الصلاة ؛ لأنه لا يقول لها ذلك إلا وهي عارفة بالحيضة، وكذلك قوله: ((إذا أدبرت)) لا يقوله إلا للمميزة لدم الاستحاضة من دم الحيضة ، ثم لما تمادى بها الدم ، سألته سؤالا ثانيًا ، ليزيدها شفاء في مقدار جلوسها ، إذ لم يكن في جوابها الآخر - في رواية مالك عن هشام - مقدار الأيام التي تجلسها، وإنما كان فيه اعتبار الدم خاصة ، فأرادت الاستثبات في أمرها، إذ قد يمكن أن يطول ذلك الدم بها ، فقال لها : (( دعي الصلاة قدر الأيام التي [ كنت تحيضين] (٢) فيها)) فأخبرها بمقدار مدة الأيام، (١) هذا آخر السقط المشار إليه آنفًا، والمثبت من (( هـ)). (٢) من ((هـ))، وفي (( الأصل)": كانت تحيضهن . - ٤٢٧ - وقد كان أمرها مرة أخرى أن تعمل على إقبال دم الحيض وإدباره ، فوجب اعتبار تغيّر الدم ، واعتبار قدر الأيام ، واستعمال الحديثين جميعًا إذ كان كل واحد منهما يبين معنى صاحبه ولا يخالفه . وإن قيل كيف يعتبر قدر الأيام ؟ قيل : وجه ذلك - والله أعلم - لو أن امرأة كانت تحيض عن رأس كل هلال ثمانية أيام ، فأطبق عليها الدم ولم ينقطع عنها ، فإنا نقول لها: صلي حتى تري دمًا تنكرينه ، فإن رأت الدم المنكر قبل رأس الهلال بثلاثة أيام أو أربعة احتسبت بتلك الأيام ، وجلست عن الصلاة تمام ثمانية أيام على ما كانت تعتاده ، وهكذا تفعل أيضًا إن تغير الدم بعد رأس الهلال بأيام ، فإن بقي الدم بحاله لم تترك الصلاة ؛ لأن دمها دم عرق ، وإنما تعتبر أبدًا تغير الدم مع مقدار الأيام . وما يدل على صحة ما قلنا ، أن الحديثين وإن اختلف لفظ الجواب فيهما عن النبي - عليه السلام - في امرأة واحدة وقصة واحدة أن حديث سليمان بن يسار ، عن أم سلمة: ((أن امرأة كانت تهراق الدماء فاستفتت لها أم سلمة رسول الله )) . إنما كان في قصة فاطمة بنت أبي حبيش ، وأنها كانت تسأل عن حالها أبدًا بنفسها ، وتبعث غيرها على السؤال ( رغبة ) (١) في الاستثبات ، وتزيد اليقين في أمرها (ويدل على ذلك) (٢) ما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا أبو أيوب السختياني ، عن سليمان بن يسار أنه سمعه يحدث عن أم سلمة أنها قالت : (( كانت فاطمة بنت أبي حبيش تستحاض ،. ، فقال: (( إنه ليس بالحيضة ، ولكنه عرق ، فسألت النبي (١) تكررت في ((الأصل )). (٢) كتبت في هامش ((الأصل ) بخط مغاير. - ٤٢٨ - وأمرها أن تدع الصلاة قدر أقرائها ، أو قدر حيضتها ، ثم تغتسل )) ، وهذا يدل أن قدر الدم أو قدر أيام الدم واحد في المعنى ؛ لأن القُرء اسم للدم واسم للوقت ، وأن أم سلمة فهمت ذلك في جواب واحد، في مسألة واحدة . واختلفوا في مقدار المدة التي تترك فيها المستحاضة الصلاة ، فأما المبتدأة في الحيض يتمادى بها الدم ، ففي رواية المدونة عن مالك أنها تقعد خمسة عشر يومًا ثم تصلي ، وروي عن علي بن زياد عن مالك أنها تقعد أيام [ لداتها ] (١) ثم هي مستحاضة . وحكى ابن حبيب أن قول مالك اختلف فيها ، فقال مرة : تقعد خمسة عشر يومًا . وأخذ به الأكابر من أصحابه : المغيرة ، وابن دينار، وابن أبي حازم ، ومطرف ، وابن الماجشون ، وابن نافع . وقال بعد مالك : تقعد قدر أيام [لداتها] (١) . وأخذ به ابن كنانة، وابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . قال ابن حبيب : ثم اختلفوا في الاستطهار على أيام [ لداتها ](١)، فقال ابن كنانة وأصبغ : تستطهر على أيام [ لداتها ] (١) بثلاثة أيام، وقال / ابن القاسم : لا تستطهر ، والمعروف عن ابن القاسم خلاف [٦٧/١ -ب] ما حكاه ابن حبيب . وقد حكى أبو الفرج أن ابن القاسم روى عن مالك في المبتدأة بالدم أنها تقعد أيام [ لداتها ] (١) ثم تستطهر بثلاثة أيام كاستطهار التي لها أيام معروفة . (١) في ((الأصل)): لذاتها. بالذال المعجمة، وهو تحريف، والمثبت من (( هـ))، ولداتها يعنى اللاتي وُلِدْن معها ، وهي جمع لِدَة . - ٤٢٩ - وقال الكوفيون والشافعي : إذا استمر بالمبتدأة الدم تدع الصلاة عشرًا، ثم تغتسل وتصلي عشرين يومًا ، ولا تزال تفعل ذلك كل شهر حتى ينقطع عنها الدم ، واحتجوا بما رواه الخالد بن أيوب عن أنس قال: (( أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة))، وهذا لا حجة فيه لأن الخالد بن أيوب مجهول ولا يعتد بنقله . وقال الأوزاعي: تقعد كما تقعد نساؤها : أمها ، وخالتها ، وعمتها ، ثم هي بعد ذلك مستحاضة ، فإن لم تعرف أقراء نسائها فلتقعد على أقراء النساء سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي وهي مستحاضة. وبه قال أحمد وإسحاق ، وهو أحد قولي الشافعي . فإن كانت المرأة ممن قد حاضت ولها أيام متفقة لم تختلف ؛ فإن قول مالك اختلف فيها إذا تمادى بها الدم ، فكان أول قوله : أنها تقعد خمسة عشر يومًا . وبه أخذ الأكابر من أصحابه الذين ذكرنا أولاً ، ثم رجع فقال : تستطهر على أيامها بثلاث ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وأخذ به ابن كنانة ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . فإن اختلفت أيامها فقال ابن القاسم ومن قال معه بالاستطهار : أنها تستطهر على أكثر أيامها حاشا أصبغ فإنه قال : على أقلها . فإن أطبق عليها الدم ، ولم ينقطع عنها ، فإنها تغتسل بعد خمسة عشر يومًا على قول مالك الأول من بعد أيامها ، والاستطهار بثلاث على قوله الآخر ، ثم تصلي ، وتصوم ، ويأتيها زوجها ، ودمها دم عرق حتى يتغير إلى دم الحيض ، والنساء يعرفنه بلونه ورائحته . فإذا تغير دم الاستحاضة إلى دم الحيض ، وتمادى بها الدم المتغير ، ففي المستخرجة روى عيسى عن ابن القاسم أنها تستطهر بثلاثة أيام على مقدار أيامها المعهودة ، وقاله ابن الماجشون . - ٤٣٠ - وروى أصبغ عن ابن القاسم أنها تجلس مقدار أيامها المعهودة ولا تستطهر بشيء ، وفي العتبية عن ابن القاسم أنها ( تستطهر ) (١) مقدار أيامها إذا كان لون دمها متغيرًا ، وأما إن انقطع التغيّر قبل تمام أيام حيضتها المعهودة [ وعاد إلى دم الاستحاضة ، فإنها تغتسل حينئذ ويكون بمنزلة من انقطع دمها ، وهو قول أصحاب مالك كلهم إلا أصبغ فإن ابن مزين حكى عنه أنه إذا تغير دمها إلى الحيض قبل تمام أيامها ، ثم عاد بعد ذلك إلى دم الاستحاضة ؛ فإنها تقعد مقدار أيامها تلفق من أيام الاستحاضة مع أيام الدم المتغير مقدار أيام حيضتها المعهودة ] (٢) ، وهذا خلاف الحديث ؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر فاطمة إذا أدبرت الحيضة ، وأقبل دم الاستحاضة ، أنها تغتسل وتصلي . قال ابن حبيب : وإنما انتهى في أكثر الحيض إلى خمسة عشر يومًا من أجل [ أنه ] (٣) يقال أكثر ما تدع المرأة الصلاة نصف عمرها، أخبرني بذلك مطرف . وقد رُوي ذلك عن النبي - عليه السلام . ودفع الكوفيون والشافعي الاستطهار ، واحتجوا بقوله لفاطمة : (دعي الصلاة عدد الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي)) . فأمرها بالغسل بعد أيامها المعروفة ، ولم يأمرها بالاستطهار ، ولا بالزيادة على أيام حيضتها ، قالوا: فالسنة (تنفي) (٤) الاستطهار؛ لأن دمها جائز . أن يكون حيضة ، وجائز أن يكون استحاضة ، والصلاة فرض بيقين ، (١) في (( هـ): تجلس. (٢) من ((هـ))، وسقط من الأصل، ولعله انتقال نظر من الناسخ. (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل)): إنما. (٤) في (( هـ )) : تبقي . - ٤٣١ - فلا يجوز أن تدعها حتى تتيقن أنها حائض ، قالوا : وقد قال مالك ما يدل على ذلك ، قال : لأن تصلي المستحاضة وليست عليها ، خير من أن تدع الصلاة وهي واجبة عليها . وروى ابن وهب عن مالك قال : إنا لنقول : تستطهر الحائض وما ندري أحق هو أم لا ذكره ابن المواز . واختلفوا في المستحاضة تترك الصلاة أيام استحاضتها جاهلة أو متأولة ، فروى أبو زيد عن ابن القاسم : إنها إذا تركت الصلاة جاهلة؛ أنها لا تعيدها ولو أعادتها كان أحب إليّ . وقال ابن شعبان : إذا تركت المستحاضة الصلاة شهراً تظنه حيضًا أنه لا قضاء عليها ، وكذلك النفساء لو طال بها الدم ثلاثة أشهر ، وظنت أنه دم نفاس وأنكر سحنون هذا من قول ابن القاسم ، وقال : عليها الإعادة ، وقال : لا يعذر أحد في الصلاة بالجهل ، وبهذا قال : أبو حنيفة ، والشافعي . واحتج أبو عبد الله بن أبي صفرة لقول ابن القاسم أنه لا إعادة. عليها بحديث فاطمة بنت أبي حبيش فقال : ألا ترى قولها : ((إني [١/ق٦٨-١] لا أطهر، أفأدع الصلاة؟))، فدل ذلك أنه طال انتظارها / للدم حتى تفاحش عليها ، وهي في ذلك تاركة للصلاة ، فقالت للنبي : ((إني لا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال: إنما ذلك عرق)). ولم يأمرها بإعادة ما تركته من الصلوات في أول انتظارها . وقال غيره : بل حديث فاطمة هذا يدل أن عليها الإعادة ؛ لأنها إنما قالت للنبي : (( إني لا أطهر أفأدع الصلاة ؟ )) فدل أنها كانت مصلية - ٤٣٢ - تلك الأيام ؛ لأنها لا تقول : أفأدع الصلاة إلا مَنْ هي فاعلة للصلاة وغير تاركة لها ، إلا أنه لما تمادى بها الدم ، خشيت أن يكون حيضًا، فسألت النبي - عليه السلام - هل تتمادى على ما كانت عليه من التزام الصلاة أم هل تتركها ؟ فأجابها عليه السلام بجواب دل على أنها لو تركتها لكان عليها قضاؤها ؛ وذلك قوله: (( ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي)) . فدل أنه لا تسقط الصلاة عنها إلا في مقدار [ أيام ] (١) حيضتها خاصة . وأما قوله عليه السلام: (( فاغسلي عنك الدم وصلي)) . فإن العلماء مجمعون على أن المستحاضة تغتسل عند إدبار الحيضة ، ودل أيضًا هذا الحديث أن المستحاضة لا يلزمها الوضوء عند كل صلاة ، ولا يلزمها غير ذلك الغسل ؛ لأن رسول الله لم يأمرها بغيره ، ولو لزمها غيره لأمرها به ، وفي ذلك رد على من رأى عليها الغسل لكل صلاة ، ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد، وبين صلاتي الليل بغسل واحد ، وتغتسل للصبح ؛ لأن رسول الله لم يأمرها بشيء من ذلك كله في حديث هشام بن عروة ، وهو أصح ما في هذا الباب . وأما مذاهب العلماء في ذلك : فإن طائفة منهم ذهبت إلى أنه يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة ، ورووا في ذلك آثارًا عن النبي - عليه السلام - ، وروي هذا عن علي ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وقالوا : لا يأتي عليها وقت صلاة إلا وهي شاكة هل هي طاهر أو حائض ؟ فوجب عليها الغسل لكل صلاة . (١) من (( هـ). - ٤٣٣ - وعن سعيد بن جبير مثله ، وقال آخرون : يجب عليها أن تغتسل الظهر والعصر غسلاً واحدًا، وللمغرب والعشاء غسلاً واحدًا ، وللصبح غسلاً [ واحدًاً] (١)، ورووا بذلك آثاراً. وروي عن علي ، وابن عباس مثل ذلك ، وهو قول النخعي ، وقال آخرون : تغتسل كل يوم مرة أي وقت شاءت ، ورُوي ذلك عن علي . وقال آخرون : تغتسل من طهر إلى طهر . هذا قول ابن عمر ، وأنس ، وعن الحسن ، وعظاء ، وسالم ، وسعيد بن المسيب مثله . وقد رُوي عن ابن المسيب أنها لا تغتسل إلا من طهر إلى طهر ، وهو انقضاء أيام دمها ، أو تمييز إقبال استحاضتها ، وهو قول مالك ، وسائر فقهاء الأمصار، إلا أنهم اختلفوا ، هل تتوضأ لكل صلاة بعد الغسل ؟ فذهب الثوري ، وأبو حنيفة ، والليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، إلى أنها تغتسل غسلا واحدًا عند إدبار حيضتها أو إقبال استحاضتها ، ثم تغسل عنها الدم ، وتتوضأ لكل صلاة . واحتجوا بما رواه حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن الرسول قال لها : ((فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي وصلي)) . قالوا : وهذه زيادة لحماد بن سلمة عن هشام بن عروة يجب قبولها، وقد كانت عائشة تفتي بالوضوء لكل صلاة ، وهي راوية. الحديث ، فهي أعلم بمخرجه . وذهب عكرمة ، وربيعة ، ومالك ، وأيوب ، وجماعة : إلى أنها . (١) من ( هـ). - ٤٣٤ - تغتسل عند إدبار حيضتها ، وإقبال استحاضتها ، ولا تتوضأ إلا عند إيجاب الحدث ، على ما جاء في حديث هذا الباب . وقالوا : هكذا رواه مالك والليث وعمرو بن الحارث عن هشام بن عروة وهم الحفاظ ، ولم يأمرها بالوضوء لكل صلاة ، وقد علل ذلك وَ له بقوله: ((إنما ذلك دم عرق، وليس بالحيضة)). ودم العروق لا يوجب وضوءًا للصلاة كالفصاد . ولما كان دم الاستحاضة لا يفسد الصلاة ؛ لم يوجب طهارةً ، لأنَّا نجدها تصلي وإن قطر الدم على الحصير ، ولا لجرح تتوضأ ، وحرمة الصلاة أوكد ، فوجب أن تكون في غير الصلاة كذلك . باب : غسل دم الحيض فيه: أسماء بنت أبي بكر: (( أن امرأة سألت رسول الله فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إحدانا إذا [ أصاب ثوبها ] (١) الدم من الحيضة ، كيف تصنع ؟ فقال رسول الله : إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرضه ، ثم لتنضحه بماء ، ثم لتصلي فيه)). وفيه: عائشة قالت: (( كانت إحدانا تحيض ، ثم تقرض الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله وتنضح على سائره / ثم تصلي فيه )) . [١/ ق٦٨ -ب] قد تقدم القول في هذين الحديثين في باب غسل الدم في (كتاب)(٢) الوضوء ، وحديث عائشة يفسر حديث أسماء ، وأن ما روته من نضح الدم ، فمعناه الغسل كما قالت عائشة ، فأما نضحها على سائره ، فهو رش لا غسل ، وإنما فعلت ذلك ؛ لتطيب نفسها لأنها لم تنضح (١) من ((هـ، ن))، وفي (( الأصل)): أصابها. (٢) في ((هـ)): باب: - ٤٣٥ - على مكان فيه دم ؛ لأنه قد بان في هذه الرواية أنها كانت تغسل الدم، فلا يجوز أن تغسل بعضه وتنضح بعضه ، وإنما نضحت ما لا دم فيه. دفعًا للوسوسة ، وكذلك حكم الثوب إذا شك فيه هل أصابه نجاسة أم لا . فالنضح عند الفقهاء لأن الأصل في كل شيء طاهر أنه على طهارته ، حتى يتيقن حلول النجاسة فيه . وقوله : ((تقرضه)) بمعنى تغسله بأطراف أصابعها ، ومنه قيل : قرضت فلانًا . وإنما أمر النبي - عليه السلام - بقرضه ؛ لأن الدم وغيره مما يصيب الثوب إذا قرض بالغسل كان أحرى بأن يذهب أثره ، يُنَقَّى الثوب منه من أن يعنف عليه ، ويغسل باليد كلها ، قاله ابن قتيبة . وفي كتاب العين : قرضت الشيء قطعته . و(( الحيضة)) بكسر الحاء الاسم ، مثل القعدة والجلسة والركبة اسم للقعود والجلوس والركوب ، والحيضة - بفتح الحاء - الفعلة الواحدة. * باب : اعتكاف المستحاضة فيه: عائشة: (( أن الرسول اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطست تحتها من الدم ، وأن عائشة رأت ماء العصفر )) . وقالت مرة: (( فكانت ترى الدم والصفرة ، والطست تحتها وهي تصلي» . قال المهلب : فيه من الفقه أن المستحاضة حكمها حكم الطاهر - ٤٣٦ - واستحاضتها غير الحيض المتروك له الصلاة ، وهو عرق كما قال عليه السلام ، ولذلك اعتكفت في المسجد . والعلماء مجمعون أن الحائض لا يجوز لها دخول المسجد ، ولا الاعتكاف فيه . قال عبد الواحد : وفيه دليل على إباحة الاعتكاف لمن به سلس البول أو المذي أو به جرح يسيل قياسًا على المستحاضة . باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟ فيه: عائشة قالت: (( ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها فمصعته بظفرها » . قال ( المهلب ) (١) : من لم تكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه فمعلوم أنها فيه تصلي عند انقطاع حيضتها وتطهيرها لأثر الدم من ثوبها ، وقد جعل الله الماء طهوراً لكل نجاسة ، وليس هذا الحديث بمخالف لحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : (( كانت إحدانا تقرض الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله)) . وإنما هو مبني عليه ومحمول على غسلها الدم الثابت عنها ، أو يكون هذا الدم الذي مصعته قليلاً معفوا عنه لا يجب عليها غسله ؛ فلذلك لم تذكر أنها غسلته بالماء . وقال صاحب العين: [ المصع ] (٢): التحريك، والدابة تمصع (١) في ((هـ)): المؤلف. (٢) في ((الأصل ، وهـ)): المضغ. بالضاد والغين المعجمتين ، والصواب ما أثبتناه بالمهملتين . انظر : لسان العرب ( مادة : مصح ) . - ٤٣٧ - بذّنَبها ، ومصع الطائر بذرقه: رمى به . وإنما أرادت في الحديث أنها كانت تحكه وتحته بظفرها وتقلعه . باب : الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض فيه : أم عطية قالت: (( كنا ننهى أن نُحدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ، ولا نكتحل ، ولا نتطيب ، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب ، وقد رُخِّص لنا عند ( الطهور ) (١) إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبذة من كُسْتِ أظفار وكنّا ننهى عن اتباع الجنائز)) . قال المهلب : أبيح للخائض مُحدا كانت أو غير مُحدٍّ عند غسلها. [من المحيض ] (٢) أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط لما هي مستقبلة من الصلاة ومجالسة الملائكة لئلا تؤذيهم برائحة الدم . وقولها : (( نبذة من كست)) يعني ما [ تنبذه ] (٣) وتطرحه في النار مرَّةً واحدةً عند الطهي ، وإنما أرادت بذلك التقليل منه بمقدار ما يقطع زفرة رائحة دم الحيض . وقولها في الحديث : « کست أظفار » . هکذا رُوي فيه ، وصوابه .. كست ظفار ، منسوب إلى ظفار وهو ساحل من سواحل عدن ، والكست والقسط لغتان . (١) في (( هـ )): الطهر (٢) من (( هـ). (٣) من ((هـ))، وفي ((الأصل )): تنبذ. - ٤٣٨ - [١/ ق٦٩-١] / باب : دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل ونأخذ فرصة ممسكة تتبع بها أثر الدم فيه : عائشة: (( أن امرأة سألت النبي - عليه السلام - عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل ، فقال : خذي فرصةً من مسك فتطهري بها . قالت : كيف أتطهر بها ؟ قال : تطهري بها . قالت : كيف ؟ قال : سبحان الله ! تطهري . فاجتذبتها إليّ فقلت : تتبعي بها أثر الدم)) . الفرصة : القطعة ، وفرصت الشيء فرصًا قطعته ، ومنه سمي المفراص : الحديدة التي يقطع بها الجلد . وقال ابن قتيبة : اختلف الناس في تأويل الفرصة ، ، فذهب بعض الفقهاء إلى أنها المطيبة بالمسك ، وبعضهم يذهب إلى أنها المأخوذة من مسك شاة وهو الجلد ، ولا أرى هذين التفسيرين صحيحين ، ومَنْ كان منهم يستطيع أن يمتهن بالمسك هذا الامتهان حتى تمسح به دم الحيضة ؟ ولا نعلم في الصوف لتتبع الدم معنى يخصه به دون القطن والخرق ، والذي عندي في ذلك - والله أعلم - أن الناس يقولون للحائض : احتملي معك كذا ، يريدون عالجي به قُبُلك ، أو احتشي به، أو أمسكي معك كذا وكذا يكنون به ، فيكون أحسن من الإفصاح فقوله : خذي معك فرصة أي : قطعة من صوف أو قطن أو خرقة . وقوله: ((ممسكة)) . يعني : متحملة ، يريد تحملينها معك تمسح القبل ، والعرب تقول : مسكت كذا ، بمعنى أمسكت وتمسكت ، قال الله - تعالى - : ﴿والذين يمسكون بالكتاب ﴾ (١) فالكتاب على هذا ممسك . (١) الأعراف : ١٧٠ . - ٤٣٩ - وقال غيره : هذا تأويل حسن ، وهو خارج على رواية من روى في هذا الحديث ((فرصه ممسكة))، وهي رواية (وهيب) (١) عن منصور، وأما على رواية ابن عيينة عن منصور (( خذي فرصة من مسك)). فلا ( مسوغ ) (٢) أن تكون الفرصة إلا من مسك . -. . قال المهلب : وإنما يريد قطعة من جلد فيها صوفها لم تنتف ، وإذا كان كذلك مَنَعَ الجلد أن يصل بلل الصوف بالدم إلى يدها ، فتسلم [يدها ] (٣) من زفرته ، ويكون أنظف لها . وقوله : (( تتبعي بها أثر الدم)). يريد في فرجها حيث كان الأذى، وليس ذلك بموجب لذلك الجسم كله ، إذا لم يكن فيه أذى ، وهكذا حكم النجاسات الثابتة العرك والدلك ، والمتابعة لصب الماء عليها . وفيه : أنه ليس على المرأة عار أن تسأل عن أمر حيضتها وما تستبين به إذا كان من أمر دينها . وفيه : أن العالم يجيب بالتعريض في الأمور المستورة . وفيه : تكرير الجواب الإفهام السائل دون أن يكشف . وفيه : مراجعة السائل إذا لم يفهم . وفيه : أن السائل إذا لم يفهم وفهمه بعض من في مجلس العالم والعالم يسمع ؛ أن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه حدثني وأخبرني . وترجم له باب غسل المحيض ، وذكر فيه حديث وهيب عن منصور « خذي فرصة مسكة )» (١) في ((هـ): وهب. وهو خطأ ، ووهيب هو ابن خالد ، من رجال التهذيب. (٣) من ( هـ )). (٢) في (( هـ )) : يسوغ - ٤٤٠ -