النص المفهرس
صفحات 361-380
واحتج عليهم مخالفوهم بأن هذه الآثار لا تثبت ، ولا تقوم بها حجة . قال الطحاوي : وقد رُوي عن ابن مسعود من الطرق الثابتة أنه لم يشهد ليلة الجن مع النبي ، حدثنا ربيع المؤذن ، حدثنا أسد ، حدثنا يحيى بن زكريا ، حدثنا ابن أبي زائدة ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عامر ، عن علقمة قال: (( سألت ابن مسعود : هل كان مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن أحد ؟ فقال : لم يصحبه منا أحد ، ولكن فقدناه تلك الليلة ، فقلنا استطير أو اغتيل ، فتفرقنا في الشعاب والأودية نلتمسه فقال : إني أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن . فأرانا آثارهم)) . وهذا الإسناد أصح من آثارهم . وأما من طريق النظر فإنا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا الخل ، وكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر كذلك . وأجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودًا مع الماء أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس بماء ، فلما كان خارجاً من حكم المياه في حال وجود الماء كان خارجاً من حكم المياه في حال عدم الماء . ووجه احتجاج البخاري [ رحمه الله في هذا الباب ] (١) بقوله عليه السلام: (( كل شراب أسكر فهو حرام)): هو أنه إذا أسكر الشراب فقد وجب اجتنابه لنجاسته ، وحرم استعماله في كل حال ، ولم يحل شربه ، وما لم يحل شربه لا يجوز الوضوء به ؛ لخروجه عن اسم الماء في اللغة والشريعة ، وكذلك النبيذ غير المسكر أيضًا فهو في معنى (١) من ((هـ )). - ٣٦١ - المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء ، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماءً لأن فيه ماء ؛ جاز أن يسمى الخل ماءً ؛ لأن فيه ماء . وهذا أبو عبيد وهو إمام في اللغة يقول : النبيذ لا يكون طهوراً [١/ ق٥٦-ب] أبدًا؛ لأن الله شرط الطهور بشرطين ولم يجعل لهما ثالثًا / و[هما](١) الماء والصعيد ، والنبيذ ليس بواحد منهما . قال ابن المنذر : وما رواه عن عليٌّ فليس بثابت عنه . : قال ابن القصار ولو صح خبرهم لكان منسوخًا ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر الإسلام . وقوله : ﴿فلم تجدوا ماءً﴾ (٢) نزلت في غزوة المريسيع ؛ حيث فقدت عائشة عقدها بالمدينة . باب : غسل المرأة أباها الدم عن وجهه وقال أبو العالية : امسحوا على رجلي ؛ فإنها مريضة . وفيه : سهل بن سعد: (( سئل بأي شيء دُووي جرح النبي - عليه السلام- ؟ فقال : ما بقي أحد أعلم به مني ، كان عليّ يجيء بترسه فيه ماء ، وفاطمة تغسل عن وجهه الدم فَأُخذَ حصيرٌ ، فأحرق فحشي به جر حه )) . فيه : غسل الدم من الجسد ، وهو إجماع . قال المهلب : وفيه دليل على جواز مباشرة المرأة أباها وذوي محارمها، وإلطافها إياهم ، ومداواة أمراضهم . ولذلك قال أبو العالية لأهله : امسحوا على رجلي ، فإنها مريضة. (١) في (( الأصل)): هو: والمثبت من (( هـ)). (٢) النساء : ٤٣، والمائدة: ٦ . - ٣٦٢ - ولم يخص بعضهم دون بعض بل عمَّهم جميعًا . وفيه : إباحة التداوي ، لأن النبي - عليه السلام - قد داوى جرحه بالحصير المحرق . باب : السواك وقال ابن عباس (١) : بت عند خالتي ميمونة فاستن رسول الله . فيه : أبو موسى قال: (( أتيت النبي - عليه السلام - فوجدته يستن بسواك بيده يقول : أُعْ أُعْ. والسواك في يده كأنه یتھوع » . وفيه : حذيفة : کان - علیه السلام - إذا قام من اللیل یشوص فاه بالسواك )) . فيه : أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته عليه بالليل ، والليل لا يناجي فيه أحدًا من الناس ، وإنما ذلك لمناجاة الملائكة ، وتلاوته القرآن . وقد جاء في الحديث: (( طيبوا طرق القرآن)) يعني بالسواك. وقد روى مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة [أن رسول الله وَ خر] (٢) قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء )) . وعن ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أنه قال: ((لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء)). وقال ابن عباس : « ما زال رسول الله يأمرنا بالسواك حتى ظننت أنه سينزل عليه فيه )) . (١) زاد في ((الأصل)): قال . وهي زيادة مقحمة . (٢) في ((الأصل)): أنه. والمثبت من (( هـ)). - ٣٦٣ - وقالت عائشة: (( كان عليه السلام إذا دخل عليّ أول ما يبدأ بالسواك)) . وقال : (( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)). والعلماء كلهم يندبون إليه ، وليس بواجب عندهم ، ولو كان واجبًا عليهم لأمرهم به ، يشق عليهم أو لم يشق . وقوله: ((يشوص فاه)) . قال ابن دريد: الشوص : الاستياك من سفلٍ إلى علوٍ ، وبه سُمي هذا الداء : الشوصة ، لأنه ريح يرفع القلب عن موضعه . . باب : دفع السواك إلى الأكبر فيه : ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: (( أُراني أتسوك بسواك ، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر ، فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي : كبِّر. فدفعته إلى الأكبر منهما )) . فيه : تقدیم ذي السن في السواك ، وكذلك ينبغي تقدیم ذي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب وكل منزلة قياسًا على السواك واستدلالا من قوله عليه السلام لحويصة ومحيصة : ((كبر كبر)). يريد ليتكلم الأكبر ، وهذا من باب أدب الإسلام . وقال المهلب : تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس ، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو العالم ؛ على ما جاء في حديث شرب اللبن . - ٣٦٤ - باب : فضل من بات على وضوء قال البراء بن عازب : قال النبي عليه السلام: ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : اللهم إني أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلت . فإن مت من ليلتك ، فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تتكلم به . قال فرددتها على النبي عليه السلام فلما بلغت / آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت : ورسولك . قال : [١/ ق٥٧-١] لا ، ونبيك الذي أرسلت )» . فيه : أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مُرغَّب فيه ، وكذلك الدعاء؛ لأنه قد تقبض روحه في نومه ، فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل [ الأعمال ] (١)، ولذلك كان ابن عمر يجعل آخر عمله الوضوء والدعاء ؛ فإذا تكلم بعد ذلك استأنف الصلاة والدعاء ، ثم ينام على ذلك اقتداء بالنبي - عليه السلام - لقوله: ((اجعلهن آخر ما تتكلم به)). وقوله: ((ونبيك الذي أرسلت)) . حجة لمن قال : إنه لا يجوز نقل حديث النبي - عليه السلام - على المعنى دون اللفظ ، وهو قول ابن سيرين ، ومالك ، وجماعة من أصحاب الحديث . وقال المهلب : إنما لم تبدل ألفاظه عليه السلام ، لأنها ينابيع الحكمة ، وجوامع الكلام ، فلو جوّز أن يعبر عن كلامه بكلام غيره سقطت فائدة النهاية في البلاغة التي أعطيها عليه السلام . (١) في ((الأصل)): من الأعمال. والمثبت من (( هـ)). - ٣٦٥ - وقال بعض العلماء : لم يرد النبي برده على البراء تحري ( قوله)(١) فقط وإنما أراد بذلك ما في قوله: (( ونبيك الذي أرسلت )) . من المعنى الذي ليس في قوله : « ورسولك الذي أرسلت ))؛ وذلك أنه إذا قال : ورسولك الذي أرسلت يدخل فيه جبريل وغيره من الملائكة الذين هم رسل الله إلى أنبيائه وليسوا بأنبياء ، كما قال تعالى في كتابه: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ (٢)، فأراد بقوله: (( ونبيك الذي أرسلت)). تلخيص (٣) الكلام من اللبس أنه المراد عليه السلام بالتصديق بنبوته بعد التصديق بكتابه الذي أوحى الله - تعالى - إليه وأمرهم بالإيمان به ، وإن كان غيره من رسل الله أيضًا واجب الإيمان بهم ، وهذه شهادة الإخلاص والتوحيد الذي مَنْ مات عليها دخل الجنة ، ألا ترى قوله عليه السلام: ((فإن مت مت على الفطرة)) يعني فطرة الإيمان . كمل كتاب الوضوء بحمد الله وعونه (١) في (( هـ)) : لفظه . (٢) الحج : ٧٥ . (٣) كذا في (( الأصل، وهـ ))، ولعل الصواب تخليص. - ٣٦٦ - بسم الله الرحمن الرحيم عونك اللهم كتاب الغسل باب : الغسل وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (١) ﴿ ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٢). اختلف العلماء في صفة الغسل الذي عنى الله في هاتين الآيتين ؛ فقالت طائفة : يجزئ الجنب الانغماس في الماء دون إمرار اليد على جسده ، هذا قول الحسن ، وعطاء ، وسالم ، والنخعي ، والشعبي، والزهري ، وبه قال الثوري والكوفيون ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن عبد الحكم ، وأبو الفرج المالكي . وقالت طائفة : لا يجزئه حتى يمر يديه على جسده ، هذا قول القاسم ، وأبي العالية ، وميمون بن مهران ، وإليه ذهب مالك ، والمزني . واحتج أهل المقالة الأولى ؛ فقالوا : إن كل من صب عليه الماء ؛ فقد اغتسل ، تقول العرب : غسلتني السماء ، ولا مدخل فيه لإمرار اليد ، وقد وصفت عائشة وميمونة غسل رسول الله من الجنابة ولم تذكرا تدلكًا . واحتج المزني لصحة قول من أوجب التدلك ؛ فقال : إن الله - (١) المائدة : ٦ . (٢) النساء : ٤٣ . - ٣٦٧ - تعالى - أمر الجنب بالاغتسال ، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ولم يكن بد للمتوضئ من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه ، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه ، في حكم وجه المتوضئ ويديه وهذا لازم . قال غيره : ألا تراهم أجمعوا أن الوضوء للصلاة لا يجزئ فيه إلا إمرار اليد ، وأجمعوا أن الوضوء في الغسل من الجنابة ليس بفرض ؟ وإذا كان ذلك ؛ فإن المغتسل من الجنابة الذي لا يقول بإمرار اليد إذًا لم يتوضأ ( لاغتساله ) (١) فقد أوجب وضوءًا للصلاة دون إمرار اليد، وهو لا يقول بذلك فنقض قوله . باب : الوضوء قبل الغسل فيه: عائشة (( كان النبي - عليه السلام - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل [يديه ] (٢) ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها أصول الشعر ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ، ثم [٥٧٥/١-ب) یُفیضُ / الماء على جلده كله)) . وفيه: ميمونة زوج النبي - عليه السلام -: ((توضأ رسول الله والله وضوءه للصلاة غير رجليه ، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليه الماء ، ثم نحى رجليه فغسلهما هذه [ صفة ] (٣) غسله من الجنابة )) . قال المؤلف : العلماء مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل (١) في (( هـ)): في اغتساله. (٢) في (( الأصل)): يده. والمثبت من ( هـ ) . (٣) من (( هـ)). - ٣٦٨ - تأسيًا برسول الله ◌َّيه في ذلك، ويحتمل أن يكون قدّم الوضوء قبل الغسل ، لفضل أعضاء الوضوء ، أو لغير ذلك ، وأما الوضوء بعد الغسل فلا وجه له عند العلماء . وروى نافع ، عن ابن عمر (( أنه سئل عن الوضوء بعد الغسل ، فقال : وأي وضوء أعم من الغسل )) . وقد ذكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا معمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري ، أن عليّا كان يتوضأ بعد الغسل، وروى الزهري ، عن سالم، قال: (( كان أبي يغتسل ، ثم يتوضأ ، فأقول أما يجزئك الغسل ؟ فقال : وأي وضوء أتم من الغسل للجنب ، ولكني يخيل إليَّ أنه يخرج من ذكري شيء فأمسه فأتوضأ لذلك )» . وأما حديث عليّ فهو مرسل ؛ لأن يحيى بن معين قال : أبو البختري الطائي اسمه سعيد بن عبيد ثقة ، ولم يسمع من علي بن أبي طالب ، ولو ثبت عن عليّ لكان إنما فعله لانتقاض وضوئه ، أو شكَّ فيه كما قال ابن عمر ، وروى أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي الأسود ابن يزيد ، عن عائشة، قالت: ((كان رسول الله وَ له لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة )) . باب : غسل الرجل مع امرأته فيه: عائشة، قالت: (( كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد من قدح يقال له : الفرق )) . فيه : دليل على جواز الغسل والوضوء بفضل الجنب والحائض . - ٣٦٩ - وقد تقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة ، وحجة كل فريق في باب وضوء الرجل مع امرأته ، فأغنى عن إعادته ، وذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة (( أنه كان ينهى أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد)). وأظنه غاب عنه هذا الحديث ، والحجة في السنة لا فيما خالفها . وقال ابن جرير : الفَرَق بفتح الراء . وقال [ ابن يزيد ] (١) الأنصاري : الفرق بفتح الراء وإسكانها . وقال أبو عبيد : الفرق ثلاثة أصوع وهي ستة عشر رطلاً ، فكان لكل واحد منهما ثمانية أرطال ، وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الفرق ثلاثة أصوع ، وهي ستة عشر رطلاً . وقال ابن مدين ، عن عيسى بن دينار ، قال ابن القاسم وسفيان بن عيينة : الفرق ثلاثة أصوع ، وإذا كان الفرق ثلاثة أصوع كما قال الأثمة، نصفه صاع ونصف ، وذلك ثمانية أرطال فالصاع ثلثها ، وهو خمسة أرطال وثلث ، كما ذهب إليه أهل المدينة . باب : الغسل بالصاع ونحوه فيه: أبو سلمة: (( أنه دخل على عائشة مع أخيها ، فسألها أخوها عن غسل رسول الله وَل ، فدعت بإناء نحو من الصاع فاغتسلت ، وأفاضت على رأسها قال أبو سلمة : وبيننا وبينها حجاب )) . وفيه: جابر: (( أنه سُئل عن الغسل ، فقال : يكفيك صاع . فقال رجل: ما يكفيني . قال جابر: قد كان يكفي من هو أَوْفَی منك شعرًا ، وخير منك ، ثم أُمَّنا في ثوب )» . (١) فى (( هـ )) : أبو زيد - ٣٧٠ - وفيه : ابن عباس أن النبي وميمونة: (( كانا يغتسلان من إناء واحد )). اختلف أهل الحجاز ، وأهل العراق في مقدار الصاع الذي كان يغتسل به النبي - عليه السلام - فذهب أهل الحجاز إلى أنه خمسة أرطال وثلث ، وذهب أهل العراق إلى أن وزنه ثمانية أرطال ، واحتجوا بما رواه موسى بن الجهم الجهمي عن مجاهد قال : (( دخلنا على عائشة واستسقى بعضنا ؛ فأتي بعس ، فقالت عائشة : كان رسول الله وَلا يغتسل مثل هذا. قال مجاهد : فحزرته ثمانية أرطال، تسعة أرطال ، عشرة أرطال)) . واحتج أهل المدينة بحديث عائشة المتقدم في الباب قبل هذا قالت : ((كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد من قدح يقال له: الفرق))، وقد ذكرنا هناك أقوال العلماء ، أن الفرق ثلاثة أصوع ، وهي ستة عشر رطلاً . وإذا صح ذلك فنصف الفرق صاع ونصف ، وذلك ثمانية أرطال، ثبت أن الصاع ثلثها وذلك خمسة أرطال وثلث على ما قاله أهل المدينة / وقد رجع أبو يوسف القاضي إلى قول مالك في ذلك حين قدم إلى المدينة فأخرج إليه مالك صاعًا ، وقال له : هذا صاع النبي ، قال أبو يوسف : فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث ، وأهل المدينة أعلم بمكيالهم ، ولا يجوز أن يخفى عليهم قدره ، ويعلمه أهل العراق ، وإنما توارث أهل المدينة مقداره خلفًا عن السلف ، نقل ذلك عالمهم وجاهلهم ، إذْ كانت الضرورة بهم إليه فيما خصّهم من أمر دينهم في زكواتهم ، وكفَّاراتهم ، وبيوعهم ، ولا يجوز أن يترك مثل نقل هؤلاء الذين لا يجوز عليهم التواطؤ والتشاعر إلى رواية واحد تحتمل روايته التأويل، وذلك أن قول مجاهد: (( فحزرته فوجدته ثمانية أرطال إلى [١/ ق٥٨-١] - ٣٧١ - تسعة أرطال إلى عشرة أرطال)) لم يقطع حزره على حقيقة في ذلك ، إذْ الحزر لا يُعْصَم من الغلط وتعصم منه الكافة التي نقلت مقداره بالوزن لا بالحزر ، وأيضًا فإن ذلك العس لو صح أن مقداره عشرة أرطال ، أو تسعة أرطال ، لم يكن لهم في ذلك حجة؛ إذ ليس في الخبر مقدار الماء الذي كان يكون فيه ، هل هو ملؤه أو أقل من ذلك ؟ فقد يجوز أن يغتسل هو عليه السلام وحده بدون ملئه ، وقد يجوز أن يغتسل هو وهي بملئه ، فيكون بينهما عشرة أرطال أو أقل، فيوافق ما قاله أهل المدينة . فلما اختمل هذا ولم يكن في الخبر بيان يُقطع به لا يجوز خلافه ، كان المصير إلى ما نقل أهل المدينة - خلفهم عن سلفهم - أن الصاع وزنه خمسة أرطال وثلث ، مع ما ثبت عن عائشة أنها كانت تغتسل هي وهو عليه السلام من قدح يقال له : الفرق . وقد روي عن النخعي - وهو إمام أهل الكوفة - ما يخالف قول الكوفيين ، ويوافق قول أهل المدينة . وذكر ابن أبي شيبة ، عن حسين [ بن علي ] (١) عن زائدة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كان يقال : أ يكفي الرجل لغسله ربع الفرق ، قال غيره : وإنما احتيج إلى مقدار الماء الذي كان يغتسل به عليه السلام ليردّ به قول الإباضية في الإكثار من الماء وهو مذهب قديم ، وجملة الآثار المنقولة في ذلك عن النبي = عليه السلام - يدل على أنه لا توقيت فيما يكفي من الغسل والطهارة؛ لذلك استحب السلف ذكر المقدار من غير كيل . وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : كم بلغك (١) من ((هـ)). - ٣٧٢ - أنه يكفي الجنب ؟ قال : صاع للغسل من غير أن يكال . قال ابن جريج : وسمعت عبيد بن عمير يقول مثله . روى القعنبي ، عن سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن عطاء قال: إنه سمع سعيد بن المسيّب ، وسأله رجل من أهل العراق عما يكفي الإنسان في غسل الجنابة ، فقال سعيد : إن لي تورّا يسع مدّين ماء أو نحوهما ، أغتسل به فيكفيني ويفضل منه فضل ، فقال الرجل : والله إني لأستنثر بمدين من ماء ، فقال سعيد : فما تأمن إن كان الشيطان يلعب بك ، فقال له سعيد : ثلاثة أمداد ، فقال: ( الله )(١) هو قليل، فقال [ سعيد ] (٢) فصاع. قال عبد الرحمن : فذكرته لسليمان بن يسار فقال مثله ، وذكرته لأبي عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر ، فقال : هكذا سمعنا أصحاب رسول الله يقولون . باب: من أفاض على رأسه ثلاثًا فيه: جبير بن مطعم قال: قال رسول الله وَلي: « أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا - وأشار بيديه كلتيهما )). وفيه : جابر : (( كان رسول الله يأخذها ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه ثم يفيض على سائر جسده . فقال الحسن : إني رجل كثير الشعر . فقلت: كان النبي أکثر شعراً منك )) . فيه : غسل الرأس من الجنابة ثلاثًا ، والعدد في ذلك مستحب عند العلماء وما أسبغ وعَمَّ في ذلك أجزأ ، وليس في حديث هذا الباب الوضوء في غسل الجنابة ، ولذلك قال جماعة الفقهاء : إنه من سنن الغسل . (١) في (( هـ)) : الرجل. (٢) من (( هـ))، وفي ((الأصل)): الرجل. - ٣٧٣ - باب : الغسل مرة واحدة فيه : ابن عباس: (( أن ميمونة وضعت للنبي - عليه السلام - ماء للغسل، فغسل يده مرتين - أو ثلاثًا - ثم أفرغ على شماله فغسل مذاکیره ، ثم مسح يده بالأرض ، ثم مضمض ( واستنثر ) (١)، وغسل یدیه وو جهه ، ثم أفاض على جسده ثم تحول من مكانه فغسل قدميه )) . فيه : الوضوء في الغسل من الجنابة ، وموضع الترجمة من الحديث [٥٨٥/١-ب) في قوله: ((ثم أفاض / على جسده))، ولم يذكر مرة ولا مرتين ، فحمل على أقل ما يُسمى غسلا وهو مرة واحدة ، والعلماء مجمعون أنه ليس الشرط في الغسل إلا العموم والإسباغ لا عددًا من المرات . * باب : من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل فيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقال بهما على وسط رأسه)) . قال أبو سليمان الخطابي : الحلاب : إناء يسع حَلْبة ناقة ، وهو المحْلب - بكسر الميم - فأما المحلب - بفتح الميم - فهو الحَب الطيب الريح . قال المؤلف : وأظن البخاري جعل الحلاب في هذه الترجمة ضربًا من الطيب ، وإن كان ظن ذلك فقد وهم ، وإنما الحلاب: الإناء الذي كان فيه طيب النبي - عليه السلام - الذي كان يستعمله عند الغسل . (١) في (( هـ)): واستنشق. - ٣٧٤ - وفي الحديث : ( الحث ) (١) على استعمال الطيب عند الغسل تأسيًا بالنبي عليه السلام . باب : المضمضة والاستنشاق من الجنابة فيه : ابن عباس عن ميمونة قالت: (( صببت للنبي - عليه السلام - غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ، ثم غسل فرجه ، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ، ثم غسلها ، ثم مضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه، وأفاض على رأسه ، ثم تنحی فغسل قدميه ، ثم أتي بمنديل فلم ینفض بها )) . وترجم له باب مسح اليد بالتراب ليكون أنقى . قد تقدم اختلاف العلماء في هذا الباب في باب المضمضة في الوضوء ، فأغنى عن إعادته ، ونزيده بيانًا ، وذلك أن العلماء مجمعون على سقوط الوضوء في غسل الجنابة ، والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء فإذا سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه، فدل أن ما روته ميمونة في ذلك في غسله - عليه السلام - فهو سنة ؛ لأنه كان يلتزم الكمال والأفضل في جميع عباداته . قال المهلب: وقوله: ((ثم قال بيده إلى الأرض )) سمى الفعل قولا، كما سمى القول فعلا ، في حديث (( لا حسد إلا في اثنتين)) في قوله في الذي يتلو القرآن : (( لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما فعل )) . وفيه : أن الإشارة باليد والعمل قد تسمى قولا ، فقول العرب : (١) في (( هـ)) : الحض. - ٣٧٥ - قل لي برأسك أي: أَملْهُ، وقالت الناقة، وقال البعير ، وقال الحائط، وهذا كله مجاز . وَتَرْكُه - عليه السلام - للمنديل ، فإنه أراد - والله أعلم - إبقاء بركة الماء ، والتواضع بذلك، وسنذكر اختلاف العلماء في المسح بالمنديل في باب (( نقض اليدين من غسل الجنابة))، بعد هذا إن شاء الله : . وقوله: ((فقال بيده الأرض فمسحها بالتراب)). يدل - والله. أعلم- أنه کان فيها أذى، وإلا فلو لم یکن فيها أنی ؛ لا کتفی بصب الماء وحده عليها كما فعل غير مرة . والغُسل - بضم الغين - الماء الذي يغتسل به ، والغَسل - بفتح الغين - فعل المغتسل ، كالوضوء والوَضوء ، والوُقُود والوقود ، فالوضوء - بضم الواو - الماء الذي يتوضأ به ، والوَضوء - بفتح الواو - فعل المتوضئ ، والوُقُود - بضم الواو - التوقد والتلهب ، والوقود - بفتح الواو - الحطب ، وكذلك السّحور والسَّحور - بضم السين - الطعام ، وبفتح السين - الفعل (١) . قال ابن الأنباري : وأجاز النحويون أن يكون الوضوء والسحور والوقود مصادر ، والأول هو الذي عليه أهل اللغة . باب : هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة ؟ وأدخل ابن عمر ، والبراء بن عازب يده في الطهور ، ولم يغسلها ، ثم توضأ، ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسًا بما ينتضح من غسل الجنابة . (١) هذا الأمر مختلف فيه، انظر لسان العرب (١٩٤/١ - ١٩٥)، و (٤٩٤/١١)، (٣٥١/٤) . - ٣٧٦ - فيه: عائشة قالت: (( كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد تختلف أیدینا فيه )) . وقال أبو بكر بن حفص ، عن عروة، عن عائشة قالت : (( كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد من جنابة )) . وفيه: عائشة: (( كان النبي - عليه السلام - إذا أغتسل من الجنابة غسل يديه )» . وفيه: أنس: (( كان النبي - عليه السلام - والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد من الجنابة )) . قال المهلب : قوله في الترجمة: (( هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يديه قذر غير الجنابة)) / يريد إذا كانت [١/ق٥٩-١] يده طاهرة من الجنابة ومن سائر النجاسات وهو جنب ، فإنه يجوز له أن يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ، وليس شيء من أعضائه نجسًا بسبب حال الجنابة ؛ لقوله عليه السلام: ((المؤمن لا ينجس)). فإن قال قائل : فأين موضع الترجمة من الأحاديث ، فأكثرها لا ذكر فيه لغسل اليد ، وإنما جاء ذكر اليد في حديث هشام بن عروة عن أبيه؟ قيل له : حديث هشام بن عروة مُفَسِّر لمعنى الباب - والله أعلم- وذلك أن البخاري حمل حديث غسل اليد قبل إدخالها في الماء الذي رواه هشام ، إذا خشي أن يكون [ قد ] (١) علق بها شيء من أذى الجنابة أو غيرها وما لا ذكر فيه لغسل اليد من الأحاديث ، حملها على يقين طهارة اليد من أذى الجنابة أو غيرها ؛ فاستعمل من اختلاف الأحاديث فائدتين جمع [ بهما ] (٢) بين معانيها ، وانتفى بذلك (٢) في ((الأصل)): بينهما. والمثبت من (( هـ)). (١) من (( هـ). - ٣٧٧ - التعارض عنها ، وقد روي هذا المعنى عن ابن عمر ، ذكر ابن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن أبي سنان ضرار ، عن محارب ، عن ابن عمر قال : (( من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي منه نجس)). فهذا محمول من قوله على أنه كان بيده قذر الجنابة ، وإلا فهو معارض لما روى البخاري عن ابن عمر ، وقد روي مثل هذا التأويل عن جماعة من السلف . روى عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال: (( إذا أمنت أن يكون بكفيك قشب ، فما يضرك أن تدخلهما في وضوئك قبل أن. تغسلهما)). وعن معمر ، عن قتادة أن ابن سيرين كان يخرج من الكنيف ، فيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال : إني لا أمس بها شيئًا . وعن سالم وسعيد بن جبير مثله . وممن كان يدخل يده في غسل الجنابة قبل أن يغسلها سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن المسيب . وقال الشعبي: كان أصحاب رسول الله وَ لا يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب ، والنساء وهن حيض ، ولا يفسد ذلك .. بعضهم على بعض ، وذكر ذلك كله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق . وأما قوله : (( ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسًا بما ينتضح من غسل الجنابة )) فروي مثله عن أبي هريرة ، وابن سيرين ، والنخعي ، والحسن ، وقال الحسن : ومن ذلك انتشار الماء ، إنّا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا . - ٣٧٨ - باب : من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل فيه : میمونة قالت : (( وضعت للنبي - عليه السلام - غسلاً فسترته، قصب على يده فغسلها مرة أو مرتين ، ثم أفرغ بيمينه على شماله ، فغسل فرجه ، ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط ، ثم مضمض واستنشق)). وذكر تمام الغسل . هذا الحديث محمول عند البخاري على أنه كان في يده أو في فرجه جنابة أو أذى ، فلذلك دلك يده بالأرض وغسلها قبل إدخالها في وضوئه على ما قدمنا ذكره في هذا الباب قبل هذا ، والله أعلم . * باب : تفريق الغسل والوضوء ويذكر عن ابن عمر أنه غسل قدميه بعد ما جف وضوؤه . فيه : ميمونة قالت : (( وضعت للنبي - عليه السلام - ماءً يغتسل به ... )) . وذكر الحديث إلى قوله : (( ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مغتسله ، فغسل قدميه ) . اختلف العلماء في تفريق الوضوء والغسل ، فممن أجاز ذلك : ابن عمر ، وابن المسيب ، وعطاء ، وطاوس ، والنخعي ، والحسن ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم . وممن لم يُجز تفرقته : عمر بن الخطاب ، وهو قول قتادة ، وربيعة، والأوزاعي والليث إذا فرقه حتى جف ، وهو ظاهر مذهب مالك إذا فرقه حتى جف ، وإن فرقه يسيرًا جاز ، وإن فرقه على وجه - ٣٧٩ - النسيان يجزئه وإن طال ، وأما إن تَعمِّد ذلك ، فلا يجزئه . هذا قول ابن القصار . قال : ومن أصحاب مالك من قال : الموالاة مستحبة ، وروى ابن وهب عن مالك قال : ولو نزع خفيه ، وأقام طويلاً لم يغسل رجليه وأحب إليَّ أن يأتنف الوضوء ، وإن غسل رجليه وصلّى أجزأه .. وحجة من أجاز تفرقته ، حديث ميمونة : (( أن النبي - عليه. السلام- تنحى عن مقامه ، فغسل قدميه )) ، وفعل ابن عمر ، ولو كان لا يجزئه ، لبينه عليه السلام ، واحتجوا أيضًا بأن الله - تعالى - [٥٩٥/١-ب] أمر المتوضئ بغسل الأعضاء / فمن أتى بغسل ما أمر به متفرقًا ، فقد أدى ما أُمر به ، و(( الواو)» في الآية لا تعطي الفور . وقال الطحاوي : جفوف الوضوء ليس بحدث فلا ينقض ، كما أن جفوف سائر الأعضاء لا يبطل الطهارة . : واحتج من لم يجز التفرقة ، بأن التنحي في حديث ميمونة من موضع الغسل يقرب ويبعد ، واسم التنحي بالقرب أولى ، وأما جفوف الوضوء في فعل ابن عمر فلا يكون إلا بالبعد ، لكن الذي مضى عليه عمل النبي - عليه السلام - الموالاة ، وتواطأ على ذلك. فعل السلف ، واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا ، أنه لما جاز التفريق اليسير جاز الكثير ، أصله الحج ، وعكسه الصلاة ؛ لأنه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه ، وهذا تفريق يسير ، ولو وقف وطافٍ بعد شهرِ أجزأه ، ولو طاف خمسة أشواط ، وطاف شوطين في وقت آخر أجزأه . فعارضهم أهل المقالة الثانية ، فقالوا : أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط ؛ لأن الأصول قد جوزت العمل اليسير في الصلاة ، - ٣٨٠ -