النص المفهرس
صفحات 181-200
/ وأما قول عمرو بن سعيد لأبي شريح: ((أنا أعلم منك)) فإن [١/ق٢٧ -ب] العلماء اختلفوا في الصاحب إذا روى الحديث عن الرسول ، هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا ؟ فقالت طائفة : تأويل الصحابي أولى ، لأنه الراوي للحديث ، وهو أعلم بمخرجه [ وسببه ] (١) . وقالت طائفة : لا يلزم تأويل الصاحب إذا لم يصب التأويل . واحتجوا بحديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل . وقالوا قد أفتت عائشة بخلافه، وهي راوية الحديث ، فكان يدخل عليها من أرضعته أخواتها ، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها ، وهذا ترك منها للقول بما روته من تحريم لبن الفحل ، فلم يلتفت مالك ولا الكوفيون، والشافعي إلى تأويلها ، وأخذوا بحديثها . ۔ وكذلك فعلوا في حديث ابن عباس ((أن النبي وَ له خَيْر بريرة بعد أن اشترتها عائشة وأعتقتها )). وكان ابن عباس يفتي بأن بيع الأمة طلاقها ، وحديثه هذا مخالف لفتواه؛ لأنه لو كان بيعها طلاقها لم تُخَيْر وهي مطلقة في أن تطلق نفسها بعده . وذهب أئمة الفتوى إلى أن بيع الأمة ليس بطلاق لها على ما جاء في الحديث . وكذلك حديث عائشة (( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين)) . ترك الكوفيون ، وإسماعيل بن إسحاق فتوى عائشة بخلاف روايتها ، وأخذوا بالحديث ، وقالوا القصر في السفر فريضة ، ورواه أشهب عن مالك . (١) في (( الأصل)): وسنته. والمثبت من (هـ). - ١٨١ - وقالت طائفة : هو مخير بين القصر والإتمام ، وهو قول الشافعي ، والأبهري ، وابن القصار . وروى أبو مصعب عن مالك أنه قال : قصر الصلاة في السفر سنّة. ومن روى في حديث [ أبي] (١) شريح (( بخُربةٍ)) بضم الخاء،. فالخربة : الفساد في الدين ، عن صاحب العين . ومن رواه بفتح الخاء ، فمعناه : السرقة . قال صاحب الأفعال : خرب الرجل خربًا، اوخرابة : [ سرق ] (٢) الإبل . قال الأصمعي : الخرابة : سرقة الإبل خاصة . باب : إِثْمِ مَنْ كَذَبَ على النبي - عليه السلام فيه : علي بن أبي طالب قال: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تكذبوا علي ، فإنه من كَذَبَ علي فليلج النار )) . وفيه : ابن الزبير أنه قال لأبيه : « إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان . قال : أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار )). وفيه: أنس قال: ( إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي وَيه قال: مَن تَعمَّد علي كَذبًا فليتبوأ مقعده من النار )) . (١) في ((الأصل)): ابن. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ). (٢) في ((الأصل)): يسرق. والمثبت من (( هـ)). - ١٨٢ - وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) . وفيه : سلمة بن الأكوع ، قال عليه السلام: (( من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار )) . قال الطبري : إن قيل : معنى قول الرسول : (( فليتبوأ مقعده من النار)) [ أهو ] (١) إلى الكاذب بتبوء مقعده من النار [ فيؤمر] (٢) بذلك ؛ أم ذلك إلى الله ؟ فإن يكن ذلك إليه فلا شك أنه لا يُبَوِّء نَفْسَهُ ذلك ، وله إلى تركه سبيل . وإن يكن ذلك إلى الله، فكيف أمر بتبوء المقعد ، وأَمْرُ العبد بما لا سبیل إلیه غيرُ جائز ؟ قيل : معنى ذلك غير ما ذكرت ، وهو بمعنى الدعاء منه عليه السلام على من كَذَب عليه ، كأنه قال : من كَذَبَ عَليَّ متعمدًا بَوَاهُ اللهُ مقعده من النار ، ثم أخرج الدعاء عليه مخرج الأمر له به . وذلك ( كثير ) (٣) في كلام العرب . فإن قيل : ذلك عامٌ في كل كذب من أمر الدين ، وغيره أو في بعض الأمور ؟ قيل : قد اختلف السلف في ذلك : فقال بعضهم : معناه : الخصوص. والمراد : من كذب عليه في الدين ، فنسب إليه تحريم حلال ، أو تحليل حرام متعمدًاً . (١) في (( الأصل، هـ)»: أو . (٢) في (( الأصل)): ليؤمن. والمثبت من ( هـ ). (٣) في (( هـ ) : جائز. - ١٨٣ - وقال آخرون : بل كان ذلك منه عليه السلام في رجلٍ بعينه. كذب عليه في حياته ، وادَّعى عند قوم أنه بعثه إليهم ليحكم في أموالهم ودمائهم . فأمر عليه السلام بقتله إن وجد ، أو بإحراقه إن وُجُدْ مَيًّا . وقال آخرون : ذلك عام فیمن تعمّد عليه کذبًا في دین أو دنيا [١/ ق٢٨-١] واحتجوا بتهيب / الزبير ، وأنس كثرة الحديث عن رسول الله وبقول عمر: أقلوا الحديث عن رسول الله وَ وأنا شريككم وقالوا: لو كان ذلك في شخص بعينه لم يكن [لاتقائهم] (١) ما اتقوا من ذلك ، ولا لحذرهم ما حذروا من الزلل في الرواية والخطأ وجه مفهوم ، والصواب في ذلك : أن قوله على العموم في كل من تعمد عليه كذبًا في دين أو دنيا ؛ لأنه عليه السلام كان ينهى عن معاني الكذب كلها إلا ما رخَّص فيه من كذب الرجل لامرأته ، وكذلك في الحرب، والإصلاح بين الناس . وإذا كان الكذب لا يصلح في شيءٍ إلا في هذه الثلاث، [ فالكذب ] (٢) على رسول الله أجدر ألا يصلح في دين ولا دنيا، إذْ كان الكذب عليه ليس كالكذب على غيره . وأن الدعاء الذي دعا على من كذب عليه لأحق بمن كَذَب عليه في كل شيء . وقال الشيخ أبو الحسن بن القابسي : من أجل حديث عَلي ، وحديث الزبير هاب من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع ، (١) في (( الأصل)): لاتفاقهم. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب. (٢) في (( الأصل)): والكذب. والمثبت من (( هـ )). - ١٨٤ - وهو بَيِّن في اعتذار الزبير من تركه الحديث ؛ لأنهما لم يذكرا عن الرسول : (( متعمداً )). ولقد دار بين الزهري وربيعة مُعَاتبة ، فقال ربيعة للزهري : أنا إنما أُخبرُ الناسَ بِرَأي إن شاءوا أخذوا ، وإن شاءوا تركوا ، وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله ، فانظر ما تخبرهم به . وإنما ( امتنَع ) (١) الناس في الرواية ، لما في حديث أبي هريرة : ((من كَذَبَ عَلَي متعمدًا))، وكرهوا الإكثار لقول أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا . وقد كره الإكثار من الرواية عمر بن الخطاب ، وقال : أَقُلُّوا الحديث عن رسول الله - عليه السلام - وأنا شريككم . قال مالك : معناه : وأنا أيضًا أَقِلّ الحديث عن رسول الله . رواه ابن وهب عنه . وإنما كره ذلك لما يُخَاف على الُكْثِرِ من دخول الوهم عليه ، فيكون متكلفًا في الإكثار ، فلا يعذر في الوهم، [ ولذلك ] (٢) قال مالك لابني أخته : إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا العلم فأقلا منه ، وتفقّها . وقال شعبة لكتبة الحديث : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وإنما يريد شعبة عيب الإكثار ، لما يدخل في ذلك من اختلاط الأحاديث . وقد سهل مالك في إصلاح الحرف الذي لا يشك في سقوطه ، مثل الألف والواو يسقط أحدهما من الهجاء ، وأما اللحن في الحديث فهو شدید . (١) في (( هـ)): اتسع . (٢) في ((الأصل)): وكذلك. والمثبت من (( هـ)). - ١٨٥ - ۔۔ وقال الشعبي : لا بأس أن يعرب الحديث إذا كان فيه اللحن . وقال أحمد بن حنبل : يجب إعراب اللحن ؛ لأنهم لم يكونوا يلحنون، وإنما جاء اللحن بعدهم . وقال ابن القابسي : أخبرني محمد بن هشام المصري ، أنه سأل أبا عبد الرحمن النسائي عن اللحن في الحديث ، فقال : إن كان شيئًا تقولُهُ العربُ، وإن كان في غير لغة قريش فلا يُغَيَر؛ لأن النّبِي وَه كان يكلم الناس بلسانهم ، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول الله لا يلحن . واختلفوا في رواية الحديث على المعنى ، فقال أبو بكر بن الطيب : ذهب كثير من السلف إلى أنه لا تجوز رواية الحديث على المعنى ، بل يجب تأدية لفظه بعينه من غير تقديم ولا تأخير ، ولم يفصلوا بين العالم بمعنى الحديث وغيره . وذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعي إلى أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب ، ومعاني الألفاظ ، رواية الحديث على المعنى . وليس بين العلماء خلاف ، أنه لا يجوز ذلك للجاهل . وذهبت طائفة أخرى إلى أن الواجب على المحدث ، أن يروي الحديث على لفظه إذا خاف وقوع لبس فيه متى غَيَّر لفظه ، وذلك بأن يكون معناه غامضًاً محتملاً للتأويل . فأما إن كان معناه ظاهرًا معلومًا فلا بأس أن يرويه على المعنى . باب : كتابة العلم فيه: أبو جحيفة، قال: (( قلتُ لعَليَّ: هل عندكم كتاب ؟ قال: لا، : - ١٨٦ - إلا كتاب الله ، أو فهم أُعْطِيَهُ رجلٌ مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . قلتُ: وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير ، ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافر » . وفيه : أبو هريرة : (( أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل لهم قتلوه ، فأخبر بذلك رسول اللهلم فركب راحلته فخطب فقال: إن الله حبس عن مكة الفيلَ - أو القتل / - وسلط عليهم رسوله [٢٨٥/١ -ب] والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأَحَد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ... )) وذكر الحديث . فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: (( اكتب لي يا رسول الله . قال : اکتبوا لأبي فلان )» . وفيه: أبو هريرة: (( ما كان من أصحاب النبي - عليه السلام - أحدٌ أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ؛ فإنه كان یکتب ولا أكتب )» . وفيه : ابن عباس : (( لما اشتد بالنبي - عليه السلام - وجعُه ، قال : ائتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعده )). قال عمر: ((إن النبي ◌ُ غَلَبَهُ الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا . فاختلفوا، وكثر اللَّغَطُ ، فقال : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع. فقال ابن عباس : إن الرَّزيئةَ كل الرزيئة ما حال بين رسول الله وبين کتابه» . قال المؤلف : في آثار هذا الباب إباحة كتابة العلم وتقييده ، ألا ترى أن الرسول أمر بكتابه ؟ فقال: (( اكتبوا لأبي فلان )) ، وقد كتب عليّ الصحيفة التي قرنها بسيفه ، وكتب عبد الله بن عمرو . - ١٨٧ - وقد كره قوم كتابة العلم ، واعتلوا بأن كتابَة العلم سببّ الضياع الحفظ :. · والقول الأول أولى للآثار الثابتة بكتابة العلم . ومن الحجة لذلك أيضًا : ما اتفقوا عليه من كتاب المصحف الذي هو أصلُ العلم ، فكتبته الصحابة في الصحف التي جمع منها المصحف . وكان [ للنبي - عليه ] (١) السلام - كُتَّاب يكتبون الوحي. وإنما كره كتابه من كرهه ؛ لأنهم كانوا حفاظًا ، وليس كذلك من بعدهم . فلو لم يكتبوه ما بقي منه شيء لنبوِّ طباعهم عن الحفظ . ولذلك قال الشعبي : إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط وقال المهلب : في حديث عليٌّ من الفقه ما يقطع بدعة المتشيعة [المدعين] (٢) على عليّ أنه الوصي، وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله (40* لم يخص به غيره ، لقوله ويمينه : أن ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله - تعالى - ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ، ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره، فصح بهذا ، وثبت من إقراره على نفسه أنه ليس بوصي للنبي - عليه السلام - وقد جاء حديث أبي جحيفة عنه على لفظ العهد ، فقال له: هل عهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس ؟ فأجابه بالحديث . وحديث ابن عباس يشهد لهذا المعنى ؛ لأنه عليه السلام رَامَ أن (١) طمس في ((الأصل)) .. والمثبت من (( هـ)). (٢) في (( الأصل)): المدعون. والمثبت من (( هـ)). - ١٨٨ - يعهد في مرضه بقوله: ((ائتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعده)). فاختلفوا ، فترك ذلك . فلو كان عند عليّ عهد منه ، أو وصية لأحال عليها ، وكشف أمرها. واحتج من قال : إن النبي - عليه السلام - دخل مكة عنوةً بقوله : ((إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين )) ، وهو قول الجمهور ، وإنما خالفه في ذلك الشافعي وحده . وسيأتي ذكر ذلك في كتاب الحج عند حديث ابن خطل ، إن شاء الله . وفي [قول ] (١) عمر: (( حسبنا كتاب الله )) حين قال النبي - عليه السلام -: (( ائتوني بكتاب أكتب لكم )) فيه من فقه عمر وفضله: أنه خشي أن يكتب النبي أمورًا ربما عجز عنها ، فاستحق عليها العقوبة، وإنما قال : حَسْبنا كتاب الله ، لقوله : ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ (٢)، فعلم أن الله - تعالى - لا يتوفى نبيه حتى يكمل لهم دينهم ؛ لقوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٣)، فقنع عمر بهذا ، وأراد الترفيه عن النبي - عليه السلام - لاشتداد مرضه ، وغلبة الوجع عليه . فَعُمر أفقه من ابن عباس حين اكتفى بالقرآن الذي أكمل الله فيه الدين ، ولم يكتفِ بذلك ابن عباس ، وسيأتي هذا المعنى أيضًا في باب : النهي على التحريم إلا ما يُعرف إباحته ، في كتاب الاعتصام ، إن شاء الله . وفي قوله : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم)» دليل على أن للإمام أن (١) في ((الأصل)): حديث. والمثبت من (( هـ)). (٢) الأنعام : ٣٨. (٣) المائدة : ٣ . - ١٨٩ - يوصي عند موته [ بما ] (١) يراه (نظراً) (٢) للأمة ، وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد ؛ لأنه أوكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم .. باب : العلم والعظَة بالليل فيه: أم سلمة، قالت: (( استيقظ النبي - عليه السلام - ذات ليلة فقال: سبحان الله ، ماذا أُنزل الليلة من الفتن ، وماذا فُتح من الخزائن ، أيقظوا صواحب الحُجَر، فَرُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة » . [١/ق٢٩-١] قال / المهلب : فيه دليل أن الفتن تكون في المال ، وغيره لقوله ((ماذا أنزل من الفتن، وماذا فتح من الخزائن )) ، وكذلك قال حذيفة العُمر : فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة . وقوله: ((أيقظوا صواحب الحُجَر)) يعني : أزواجه ، للصلاة والاستعاذة مما نزل ليكونوا ( أولى ) (٣) من استعاذ من فتن الدنيا. وفيه : أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل لذكر الله وللصلاة ، ولا سيما عند آية تحدث، أو مأثور رؤيا مخوفة. وقد أمر رسول الله وله من رأى رؤيا مخوفة فكرهها أن ينفث عن يساره ، ويستعيذ بالله من شرها ، قال تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ (٤) وقوله: ((رُبَّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة )) يحتمل أن تكون (١) في ((الأصل)): فيما. والمثبت من (هـ)). (٢) في ((هـ)): فطرًا، بالفاء. وهو تحريف، والنظر - بالنون - هو الحفظ، انظر : لسان العرب ( مادة : نظر ). (٣) كذا في ((الأصل، هـ))، ولعل الصواب: أول. والله أعلم. (٤) طه : ١٣٢ . ٠ - ١٩٠ - الكاسيات مما لا يسترهن من واصف الثياب ورقيقه ، فهي كاسية عارية، فربما عوقبت في الآخرة بالتعرية ، والفضيحة التي كانت تبتغي في الدنيا . ويحتمل أن تكون رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا لها المال تكتسي به رفيع الثياب، وتكون عارية من الحسنات في الآخرة ، فَنَدَّبَهن إلى الصدقة ، وحضهن على ترك السرف في الدنيا ، بأن يأخذن منها بأقل الكفاية ، ويتصدقن بما سوى ذلك . وسيأتي هذا المعنى في كتاب الصلاة في باب : تحريض النبي - عليه السلام - على صلاة الليل ، وفي كتاب الفتنة في باب : لا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌ منه [ بزيادة فيه ](١)، إن شاء الله . باب : السّمر في العِلم فيه: ابن عمر: (( صلى الرسول العشاء في آخر حياته ، فلمَّا سلَّمَ قام فقال: (( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممّنْ هو على ظهر الأرض أحد » . وفيه : ابن عباس ، قال : (( بتّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي - عليه السلام - ، وكان عليه السلام عندها في ليلتها . فصلى النبي العشاء ، ثم جاء إلى منزله ، فصلى أربع ركعات ، ثم نام، ثم قام ، ثم قال: نَام الغلَيِّمُ - أو كلمةٌ تشبهها - ثم قام ، فقمتَ عن يساره فجعلني عن يمينه . فصلی خمس رَكَعَات، ثم صلى ركعتين ، ثم نام حتى سمعت غطيطه - أو خطيطه - ثم خرج إلى الصلاة )) . (١) من ( هـ)). - ١٩١ - فيهِ : أن السّمَر بالعلم ، والخير مباح ، ألا ترى أنه عليه السلام أخبرهم بعد العشاء أنه لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد إلى رأس مائة سنة . وإنما أراد - والله أعلم - أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه ، فوعظهم بِقِصَر أعمارهم ، وأعلمهم أنها ليست تطول أعمارهم كأعمار مَن تقدم من الأمم ، ليجتهدوا في العبادة . وقد سمر السَّفُ الصالحُ في مذاكرة العلم . وقد روى شريك [عن ليث ] (١) عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ، قال : أتيتُ عمر أُكَلِّمُهُ في حاجة بعد العشاء فقال : هذه الساعة ؟! فقلتُ: إنه شيءٌ من الفقه . قال : نعم . فكلمته ، فذهبت لأقوم فقال : اجلس . فقلت : الصلاة . فقال : إنَّا في صلاة . فلم نزل جلوسًا حتى طلع الفجر . حدثنا به لمحمد بن حسَّان ، قال: ( حدثنا ) (٢) محمد بن معاوية القرشي ، قال: ( حدثنا ) (٢) ابن يحيى المروزي ، قال : (حدثنا ) (٢) عاصم بن علقمة ، عن شريك. واختلف قول مالك في هذه المسألة ، فقال مرة : الصلاة أَجَبَّ إلي من مذاكرة العلم . وقال في موضع آخر : إن العناية بالعلم أفضل ، إذا صَحَّت النية . ويُذْكر عن سحنون أنه قال : يلتزم أثقلهما عليه . وقال أبو الزناد : السَّامِر في بيت ميمونة كان ابن عباس . وفيه : من فضل ابن عباس ، وحدقه على صغر سِنِّه أنه رصد الرسول ◌َل طول ليلته، يدل على ذلك قوله في الحديث: فصلى (١) من (( هـ). (٢) في (( هـ)): نبأنا . - ١٩٢ - أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، ثم قال : نام الغُلَيِّمُ ؟ ». مستفهمًا لميمونة . وذكر أنه عاين أفعال النبي وَ ر كلها طول ليلته . وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث . ذكر في كتاب الدعاء في باب الدعاء إذا انتبه من الليل ، عن ابن عباس، قال: (( نام النبي - عليه السلام - عند ميمونة ، ثم قام فتوضأ وضوءًا بين وضوئين لم يكثر ، وقد أبلغ فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أرصده ، فتوضأت فقمت عن يساره ... وذكر الحديث .- وقيل : إن العباس كان أوصاه بمراعاة النبي - عليه السلام - ليطَّلِع على عمله بالليل . / وإنما يكره السَّمَرُ إذا كان في غير طاعة، وأحبوا أن يجعلوا [١/ ف٢٩-ب] الصلاة آخر أعمالهم بالليل ، وكرهوا الحديث بعد العتمة ؛ لأن النوم وفاة ، فأحبوا أن يناموا على خير أعمالهم . وقد كان ابن عمر إذا تَكَلَّم ، أو قضى شيئًا من أموره قبل نومه ، قام فصلى ، ثم نام ، ولم يفعل بين نومه وصلاته شيئًا . وقد ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الصلاة . و((الغطيط)): صوت النائم ، قال صاحب العين: غَطّ النائم يَغْطُّ غطيطًا . وقال ابن دريد : غطيط النائم أعلى من النخير ، وكذلك المخنوق والمذبوح . وقوله : ((أو خطيطه)) شَكٌّ من المحدِّث، ولم أجدها عند أهل اللغة بالخاء ، والله أعلم . - ١٩٣ - باب : حفظ العلم فيه: أبو هريرة، قال: (( إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة . ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا . ثم يتلو : ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله ﴿الرحيم﴾ (١) إن إخواننا من المهاجرين كان ( شغلهم ) (٢) الصفق في الأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان ( شغلهم) (٢) العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)). وفيه: أبو هريرة، قلت: (( يا رسول الله ، أسمع منك حديثًا كثيرًاً أنساه. قال : ابسط رداءك . فبسطته ، فغرف بيديه ثم قال : ضمه فضممته ، فما نسيت شيئًا بعده )) . . وفيه: أبو هريرة، قال: ((حفظت من النبي - عليه السلام - وعاءين: فأما أحدهما فبثئته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم )). قال أبو الزناد: فيه حفظ العلم والدءوب عليه ، والمواظبة على طلبه، وهي فضيلة لأبي هريرة ، فَضَّلَهُ عليه السلام بها بأن قال له : ((ابسط رداءك، ثم قال: ضمه)). فما نسي شيئًا بعد . وجاء هذا الحديث في كتاب البيوع، وقال فيه: (( فما نسيتُ من مقالته تلك من شيء)). وهذا من بركة النبي عليه السلام . وفيه : فضل التقلل من الدنيا ، وإيثار طلب العلم على طلب المال. وفيه : أنه جائز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إذا اضطر إلى (١) البقرة: ١٥٩، ١٦٠. (٢) في (( هـ)) : يشغلهم. - ١٩٤ - ذلك ، لاعتذار من شيء ، أو لتبيين ما يلزمه تبيينه إذا لم يقصد بذلك الفخر . وقوله: ((وأما الآخر لو بثته قطع هذا البلعوم)». قال المهلب، وأبو الزناد : يعني أنها كانت أحاديث أشراط الساعة ، وما عرف به عليه السلام من فساد الدين ، وتغير الأحوال ، والتضييع لحقوق الله تعالى ، كقوله عليه السلام: (( يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش)) ، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشي على نفسه ، فلم يُصَرِّح . وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه في [التصريح] (١) أن يُعَرِّض . ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام مَا وَسَعَهُ (تركها ) (٢)؛ لأنه قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم. ثم يتلو: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ (٣). فإن قال قائل : قول أبي هريرة : ((حفظت من النبي - عليه السلام - وعاءين)) يعارض قوله: (( ما كان أحد من أصحاب النبي - عليه السلام - أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب)). فقوله: ((لا أكتب)) خلاف قوله : ((حفظت وعاءين)) ؛ لأن الوعاء في كلام العرب : الظرف الذي يجمع [فيه] (٤) الشيء . قيل : لقوله هذا معنىّ صحيح لا يخالف بعضه بعضًا ، وذلك أنه (١) في ((الأصل)): الصريح. والمثبت من (( هـ). (٢) في (( هـ)): كتمها . (٣) البقرة : ١٥٩ . (٤) من (( هـ )) . - ١٩٥ - يجوز أن يريد أبو هريرة أن الذي حفظ من النبي من السَّنن التى حدث [ بها ] (١) وحملت عنه لو كتبت لاحتملت أن يملأ منها وعاء ، وما كتم من أحاديث الفتن التي لو حدث بها يخشى أن ينقطع منه البلعوم، يحتمل أن تملأ وعاء آخر . ولهذا المعنى قال : وعاءين ، ولم يقل : وعاء واحدًا ، لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والستر له . وقال ثابت : البلعوم: هو الحلقوم ، وهو مجرى النفس إلى الرئة. قال (٢) أبو عبيد: هو البَلْعَمُ والبُلْعُوم. قال (٢) ثابت : والمريء: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة متصل بالحلقوم ، وهو المبتلع والمسترط . باب : الإنصات للعلماء / فيه : جرير: ﴿ أن النبي - عليه السلام - قال له في حجة الوداع: [١/ق ٣٠-١] استنصت الناس ، فقال : لا ترجعوا بعدي کفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . قال أبو الزناد : الإنصات للعلماء ، والتوقير لهم ، لازم للمتعلمين، لأن العلماء ورثة الأنبياء . وقد أمر الله عباده المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ، ولا يجهروا له بالقول خوف حبوط أعمالهم . وكان [ عبد الرحمن ] (٣) بن مهدي إذا قرأ حديث (١) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من ((هـ). (٢) غير موجودة (( بالأصل، هـ)). (٣) في ((الأصل)): عبد الله. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ )) وهو الصواب. - ١٩٦ - الرسول ◌ََّ أَمَرَ الناس بالسكوت ، وقرأ ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ (١) ، ويتأول أنه يجب من الإنصات والتوقير عند قراءة حديث الرسول مثل ما يجب له عليه السلام . فكذلك يجب توقير العلماء والإنصات لهم ؛ لأنهم الذين يحيون سنته ، ويقومون بشريعته . [ وقال] (٢) شريك: كان الأعمش لا يتجاوز صوتُه مجلسَهُ إجلالا للعلم . وقال مطرف : كان مالك إذا أراد الحديث عن النبي - عليه السلام- اغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ، ثم تحدث ؛ إجلالا لحديثه عليه السلام . وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : كان يُستحب أن لا يُقرأ أحاديث النبي إلا على وضوءٍ . قال شعبة: كان قتادة لا يحدث عن رسول الله وَلا إلا وهو على طهارة . وحكى مالك عن جعفر بن محمد مثله . وكان الأعمش إذا أراد أن يحدث ، وهو على غير وضوء تَيَمَّمَ . وقال ابن أبي الزناد : ذكر سعيد بن المسيب حديثًا عن رسول الله وهو مريض ، فقال : أجلسوني ، فإني أُعْظِمُ أن أحدث حديث رسول الله وأنا مضطجع . وقال ابن أبي أويس : كان مالك إذا جلس للحديث يقول : ليليني منكم ذووا الأحلام والنهى ، فربما قعد القعنبي عن يمينه . وهذا كله من إجلال النبي وَ لّ وتوقيره . (١) الحجرات : ٢ . (٢) في (( الأصل)): فقال. والمثبت من ( هـ)). - ١٩٧ - باب : ما يستحب للعالم إذا سُئل : أَيّ الناس أعلم أن يُكِلَ العلم إلى الله تعالى فيه : ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال: (( قام موسى النبي - عليه السلام - خطيبًا في بني إسرائيل ، فَسُئل : أَيُّ الناسِ أعلم ؟ قال : أنا أعلم . فعتب الله عليه إذْ لم يَرَدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه : إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرین هو أعلم منك . قال : يا رب کیف به ؟ فقيل له : احمل حوتًا في مكتل ، فإذا فقدته فثم هو . فانطلق معه بفتاه يوشع بن نون ، وحملا حوتًا في مكتل ، حتى كانا عند الصخرة وضعا رءوسهما فناما ، فانْسَلَّ الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سربًا )). قال المؤلف : روي عن أبي بن كعب أنه قال : أعجب موسى بعلمه فعاقبه الله بما لقي مع الخضر ، وكان ينبغي أن يقول : الله أعْلَمُ أَيُّ الناسِ أعلم ؛ لأنه لم يُحِط علمًا بكل عالم في الدنيا ، وقد قالت الملائكة : لا علم لنا إلا ما علمتنا . وسُئل رسول الله عن الروح ، وغيره فقال : لا أدري حتى أسأل الله - تعالى - وقد قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ (١) فيجب على من سُئِل عما لا يعلم ، أن يقول : لا أعلم . وقد قال مالك : جُنّة العالم : لا أدري ، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله . قال مالك : وكان الصديق يُسأل فيقول : لا أدري . وأحدهم اليوم (١) الإسراء : ٣٦ . - ١٩٨ - يأنف [ أن ] (١) يقول: لا أدري ، فليس المجترئ لحدود الإسلام كالذي يموج ويلعب . وقال مالك : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلاً في أيديهم . وقوله تعالى : ﴿نسيا حوتهما﴾ (٢) إنما نَسِيَهُ يوشع فتى موسى ومتعلمه، فأضيف النسيان إليهما جميعًا . والدليل على أن فتاهُ نَسيَهُ قوله : ﴿فإني نسيت الحوت ﴾ (٣) كما قال تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ (٤) ، وإنما الرسل من الإنس . وقوله : ﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ﴾ (٥) لم يسأله موسى عن شيءٍ من دينه ، لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها الذي تعبدت به أمتها . وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في السورة . قال المهلب : وقوله : ﴿لقيا غلامًا فقتله﴾ (٦) روي عن النبي بكلالـ أنه قال: ((كان طبع الغلام كافرًا، ولو أدرك أبويه لأرهقهما / طغيانًا [١/ ٣٠-ب] وكفرًا. وهو معنى قوله: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا﴾ (٧) فدل أنه لو بلغ لكان كذلك . فإن قيل : فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه كان يقرأ ، وكان أبواه مؤمنين وكان كافرا فأوجب [ الله ] (١) له الكفر في الحال . فالجواب : أنه إنما سماه كافرًا لما يؤول إليه أمره لو عاش . وهذا (١) من (( هـ )). (٣) الكهف : ٦٣ . (٢) الكهف : ٦١ . (٤) الأنعام : ١٣٠ . (٥) الكهف : ٦٦ . (٦) الكهف : ٧٤ . (٧) الكهف : ٨٠ . - ١٩٩ - جائز في اللغة أن يسمى الشيء بما يؤول إليه ، قال تعالى : ﴿إني أراني أعصر خمرًاً﴾ (١) ، وإنما يعصر العنب لا الخمر . ووجه استباحة القتل لا يعلمهُ إلا الله - تعالى - ولله أن يميت مَن شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده ، ولا فرق بين قتله وموته ، كل ذلك لا اعتراض عليه فيه ، لا يُسْأل عما يفعل . قال المؤلف : وفي قصة الخضر أصل عظيم من أصول الدين ، وذلك أن ما تعبَّدَ الله به خلقه من شريعته ودينه ، يجب أن يكون حجة على العقول، ولا تكون العقول حجةً عليه ، ألا ترى أن إنكار موسى على الخضر خرق السفينة ، وقتل الغلام ، كان صوابًا في الظاهر ، وكان موسى غير ملوم في ذلك ، فلما بَيَّن الخضر وجه ذلك ومعناه ، صار الصواب الذي ظهر لموسى من إنكاره خطأ ، وصار الخطأ الذي ظهر لموسى من فعل الخضر صوابًا . وهذا حجةٌ قاطعة في أنه يجب التسليم لله في دينه ، ولرسوله في سنته ، وبيانه لكتاب ربه ، واتهام العقول إذا قصرت عن إدراك وجه الحكمة في شيء من ذلك ، فإن ذلك محنة من الله لعباده ، واختبار لهم ليتم البلوى عليهم . ولمخالفة هذا ضل أهل البدع حين حكَّموا عقولهم وَرَدّوا إليها ما جهلوه من معاني القدر وشبهه ، وهذا خطأ منهم ؛ لأن عقول العباد لها نهاية ، وعلم الله لا نهاية له . قال الله - عز وجل - : ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ (٢) فما أخفاه عنهم فهو سرُّ الله الذي استأثر به، فلا يحل تعاطيه ، ولا يُكَلَّف طلبه ، فإن المصلحة للعباد في إخفائه منهم ، والحكمة في طيِّه عنهم إلى يوم تُبلى السرائر ، والله هو (١) يوسف : ٣٦ . (٢) البقرة: ٢٥٥ . ٢٠٠ - -