النص المفهرس

صفحات 181-200

/ وأما قول عمرو بن سعيد لأبي شريح: ((أنا أعلم منك)) فإن [١/ق٢٧ -ب]
العلماء اختلفوا في الصاحب إذا روى الحديث عن الرسول ، هل
يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا ؟
فقالت طائفة : تأويل الصحابي أولى ، لأنه الراوي للحديث ،
وهو أعلم بمخرجه [ وسببه ] (١) .
وقالت طائفة : لا يلزم تأويل الصاحب إذا لم يصب التأويل .
واحتجوا بحديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل . وقالوا قد أفتت
عائشة بخلافه، وهي راوية الحديث ، فكان يدخل عليها من أرضعته
أخواتها ، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها ، وهذا ترك منها
للقول بما روته من تحريم لبن الفحل ، فلم يلتفت مالك ولا
الكوفيون، والشافعي إلى تأويلها ، وأخذوا بحديثها .
۔
وكذلك فعلوا في حديث ابن عباس ((أن النبي وَ له خَيْر بريرة بعد
أن اشترتها عائشة وأعتقتها )).
وكان ابن عباس يفتي بأن بيع الأمة طلاقها ، وحديثه هذا مخالف
لفتواه؛ لأنه لو كان بيعها طلاقها لم تُخَيْر وهي مطلقة في أن تطلق
نفسها بعده .
وذهب أئمة الفتوى إلى أن بيع الأمة ليس بطلاق لها على ما جاء
في الحديث .
وكذلك حديث عائشة (( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين)) . ترك
الكوفيون ، وإسماعيل بن إسحاق فتوى عائشة بخلاف روايتها ،
وأخذوا بالحديث ، وقالوا القصر في السفر فريضة ، ورواه أشهب عن
مالك .
(١) في (( الأصل)): وسنته. والمثبت من (هـ).
- ١٨١ -

وقالت طائفة : هو مخير بين القصر والإتمام ، وهو قول الشافعي ،
والأبهري ، وابن القصار .
وروى أبو مصعب عن مالك أنه قال : قصر الصلاة في السفر
سنّة.
ومن روى في حديث [ أبي] (١) شريح (( بخُربةٍ)) بضم الخاء،.
فالخربة : الفساد في الدين ، عن صاحب العين . ومن رواه بفتح
الخاء ، فمعناه : السرقة . قال صاحب الأفعال : خرب الرجل خربًا،
اوخرابة : [ سرق ] (٢) الإبل .
قال الأصمعي : الخرابة : سرقة الإبل خاصة .
باب : إِثْمِ مَنْ كَذَبَ على النبي - عليه السلام
فيه : علي بن أبي طالب قال: قال النبي - عليه السلام -: (( لا تكذبوا
علي ، فإنه من كَذَبَ علي فليلج النار )) .
وفيه : ابن الزبير أنه قال لأبيه : « إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله
كما يحدث فلان وفلان . قال : أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته
يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار )).
وفيه: أنس قال: ( إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي وَيه
قال: مَن تَعمَّد علي كَذبًا فليتبوأ مقعده من النار )) .
(١) في ((الأصل)): ابن. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ).
(٢) في ((الأصل)): يسرق. والمثبت من (( هـ)).
- ١٨٢ -

وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام : (( من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ
مقعده من النار)) .
وفيه : سلمة بن الأكوع ، قال عليه السلام: (( من تقول علي ما لم أقل
فليتبوأ مقعده من النار )) .
قال الطبري : إن قيل : معنى قول الرسول : (( فليتبوأ مقعده من
النار)) [ أهو ] (١) إلى الكاذب بتبوء مقعده من النار [ فيؤمر] (٢)
بذلك ؛ أم ذلك إلى الله ؟ فإن يكن ذلك إليه فلا شك أنه لا يُبَوِّء
نَفْسَهُ ذلك ، وله إلى تركه سبيل .
وإن يكن ذلك إلى الله، فكيف أمر بتبوء المقعد ، وأَمْرُ العبد بما
لا سبیل إلیه غيرُ جائز ؟
قيل : معنى ذلك غير ما ذكرت ، وهو بمعنى الدعاء منه عليه
السلام على من كَذَب عليه ، كأنه قال : من كَذَبَ عَليَّ متعمدًا بَوَاهُ
اللهُ مقعده من النار ، ثم أخرج الدعاء عليه مخرج الأمر له به .
وذلك ( كثير ) (٣) في كلام العرب .
فإن قيل : ذلك عامٌ في كل كذب من أمر الدين ، وغيره أو في
بعض الأمور ؟
قيل : قد اختلف السلف في ذلك : فقال بعضهم : معناه :
الخصوص. والمراد : من كذب عليه في الدين ، فنسب إليه تحريم
حلال ، أو تحليل حرام متعمدًاً .
(١) في (( الأصل، هـ)»: أو .
(٢) في (( الأصل)): ليؤمن. والمثبت من ( هـ ).
(٣) في (( هـ ) : جائز.
- ١٨٣ -

وقال آخرون : بل كان ذلك منه عليه السلام في رجلٍ بعينه.
كذب عليه في حياته ، وادَّعى عند قوم أنه بعثه إليهم ليحكم في
أموالهم ودمائهم . فأمر عليه السلام بقتله إن وجد ، أو بإحراقه إن
وُجُدْ مَيًّا .
وقال آخرون : ذلك عام فیمن تعمّد عليه کذبًا في دین أو دنيا
[١/ ق٢٨-١] واحتجوا بتهيب / الزبير ، وأنس كثرة الحديث عن رسول الله
وبقول عمر: أقلوا الحديث عن رسول الله وَ وأنا شريككم
وقالوا: لو كان ذلك في شخص بعينه لم يكن [لاتقائهم] (١)
ما اتقوا من ذلك ، ولا لحذرهم ما حذروا من الزلل في الرواية
والخطأ وجه مفهوم ، والصواب في ذلك : أن قوله على العموم في
كل من تعمد عليه كذبًا في دين أو دنيا ؛ لأنه عليه السلام كان ينهى
عن معاني الكذب كلها إلا ما رخَّص فيه من كذب الرجل لامرأته ،
وكذلك في الحرب، والإصلاح بين الناس . وإذا كان الكذب لا يصلح
في شيءٍ إلا في هذه الثلاث، [ فالكذب ] (٢) على رسول الله
أجدر ألا يصلح في دين ولا دنيا، إذْ كان الكذب عليه ليس كالكذب
على غيره .
وأن الدعاء الذي دعا على من كذب عليه لأحق بمن كَذَب عليه في
كل شيء .
وقال الشيخ أبو الحسن بن القابسي : من أجل حديث عَلي ،
وحديث الزبير هاب من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع ،
(١) في (( الأصل)): لاتفاقهم. والمثبت من ((هـ)) وهو الصواب.
(٢) في (( الأصل)): والكذب. والمثبت من (( هـ )).
- ١٨٤ -

وهو بَيِّن في اعتذار الزبير من تركه الحديث ؛ لأنهما لم يذكرا عن
الرسول : (( متعمداً )).
ولقد دار بين الزهري وربيعة مُعَاتبة ، فقال ربيعة للزهري : أنا إنما
أُخبرُ الناسَ بِرَأي إن شاءوا أخذوا ، وإن شاءوا تركوا ، وأنت إنما
تخبرهم عن رسول الله ، فانظر ما تخبرهم به .
وإنما ( امتنَع ) (١) الناس في الرواية ، لما في حديث أبي هريرة :
((من كَذَبَ عَلَي متعمدًا))، وكرهوا الإكثار لقول أنس: إنه ليمنعني أن
أحدثكم حديثًا كثيرًا .
وقد كره الإكثار من الرواية عمر بن الخطاب ، وقال : أَقُلُّوا الحديث
عن رسول الله - عليه السلام - وأنا شريككم .
قال مالك : معناه : وأنا أيضًا أَقِلّ الحديث عن رسول الله . رواه
ابن وهب عنه .
وإنما كره ذلك لما يُخَاف على الُكْثِرِ من دخول الوهم عليه ، فيكون
متكلفًا في الإكثار ، فلا يعذر في الوهم، [ ولذلك ] (٢) قال مالك
لابني أخته : إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا العلم فأقلا منه ، وتفقّها .
وقال شعبة لكتبة الحديث : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله ،
وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ وإنما يريد شعبة عيب الإكثار ، لما
يدخل في ذلك من اختلاط الأحاديث .
وقد سهل مالك في إصلاح الحرف الذي لا يشك في سقوطه ،
مثل الألف والواو يسقط أحدهما من الهجاء ، وأما اللحن في الحديث
فهو شدید .
(١) في (( هـ)): اتسع .
(٢) في ((الأصل)): وكذلك. والمثبت من (( هـ)).
- ١٨٥ -

۔۔
وقال الشعبي : لا بأس أن يعرب الحديث إذا كان فيه اللحن .
وقال أحمد بن حنبل : يجب إعراب اللحن ؛ لأنهم لم يكونوا
يلحنون، وإنما جاء اللحن بعدهم .
وقال ابن القابسي : أخبرني محمد بن هشام المصري ، أنه سأل أبا
عبد الرحمن النسائي عن اللحن في الحديث ، فقال : إن كان شيئًا
تقولُهُ العربُ، وإن كان في غير لغة قريش فلا يُغَيَر؛ لأن النّبِي وَه
كان يكلم الناس بلسانهم ، وإن كان لا يوجد في كلام العرب فرسول
الله لا يلحن .
واختلفوا في رواية الحديث على المعنى ، فقال أبو بكر بن الطيب :
ذهب كثير من السلف إلى أنه لا تجوز رواية الحديث على المعنى ، بل
يجب تأدية لفظه بعينه من غير تقديم ولا تأخير ، ولم يفصلوا بين
العالم بمعنى الحديث وغيره .
وذهب مالك ، والكوفيون ، والشافعي إلى أنه يجوز للعالم بمواقع
الخطاب ، ومعاني الألفاظ ، رواية الحديث على المعنى .
وليس بين العلماء خلاف ، أنه لا يجوز ذلك للجاهل .
وذهبت طائفة أخرى إلى أن الواجب على المحدث ، أن يروي
الحديث على لفظه إذا خاف وقوع لبس فيه متى غَيَّر لفظه ، وذلك بأن
يكون معناه غامضًاً محتملاً للتأويل . فأما إن كان معناه ظاهرًا معلومًا
فلا بأس أن يرويه على المعنى .
باب : كتابة العلم
فيه: أبو جحيفة، قال: (( قلتُ لعَليَّ: هل عندكم كتاب ؟ قال: لا،
: - ١٨٦ -

إلا كتاب الله ، أو فهم أُعْطِيَهُ رجلٌ مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة .
قلتُ: وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير ، ولا يُقْتَلُ
مسلمٌ بكافر » .
وفيه : أبو هريرة : (( أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة
بقتيل لهم قتلوه ، فأخبر بذلك رسول اللهلم فركب راحلته فخطب
فقال: إن الله حبس عن مكة الفيلَ - أو القتل / - وسلط عليهم رسوله [٢٨٥/١ -ب]
والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأَحَد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ... ))
وذكر الحديث .
فجاء رجلٌ من أهل اليمن فقال: (( اكتب لي يا رسول الله . قال :
اکتبوا لأبي فلان )» .
وفيه: أبو هريرة: (( ما كان من أصحاب النبي - عليه السلام - أحدٌ
أكثر حديثا عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ؛ فإنه كان
یکتب ولا أكتب )» .
وفيه : ابن عباس : (( لما اشتد بالنبي - عليه السلام - وجعُه ، قال :
ائتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعده )).
قال عمر: ((إن النبي ◌ُ غَلَبَهُ الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا .
فاختلفوا، وكثر اللَّغَطُ ، فقال : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع.
فقال ابن عباس : إن الرَّزيئةَ كل الرزيئة ما حال بين رسول الله وبين
کتابه» .
قال المؤلف : في آثار هذا الباب إباحة كتابة العلم وتقييده ، ألا
ترى أن الرسول أمر بكتابه ؟ فقال: (( اكتبوا لأبي فلان )) ، وقد كتب
عليّ الصحيفة التي قرنها بسيفه ، وكتب عبد الله بن عمرو .
- ١٨٧ -

وقد كره قوم كتابة العلم ، واعتلوا بأن كتابَة العلم سببّ الضياع
الحفظ :.
· والقول الأول أولى للآثار الثابتة بكتابة العلم .
ومن الحجة لذلك أيضًا : ما اتفقوا عليه من كتاب المصحف
الذي هو أصلُ العلم ، فكتبته الصحابة في الصحف التي جمع
منها المصحف . وكان [ للنبي - عليه ] (١) السلام - كُتَّاب يكتبون
الوحي.
وإنما كره كتابه من كرهه ؛ لأنهم كانوا حفاظًا ، وليس كذلك من
بعدهم . فلو لم يكتبوه ما بقي منه شيء لنبوِّ طباعهم عن الحفظ .
ولذلك قال الشعبي : إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط
وقال المهلب : في حديث عليٌّ من الفقه ما يقطع بدعة المتشيعة
[المدعين] (٢) على عليّ أنه الوصي، وأنه المخصوص بعلم من عند
رسول الله (40* لم يخص به غيره ، لقوله ويمينه : أن ما عنده إلا ما
عند الناس من كتاب الله - تعالى - ثم أحال على الفهم الذي الناس
فيه على درجاتهم ، ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره،
فصح بهذا ، وثبت من إقراره على نفسه أنه ليس بوصي للنبي - عليه
السلام - وقد جاء حديث أبي جحيفة عنه على لفظ العهد ، فقال له:
هل عهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس ؟ فأجابه
بالحديث .
وحديث ابن عباس يشهد لهذا المعنى ؛ لأنه عليه السلام رَامَ أن
(١) طمس في ((الأصل)) .. والمثبت من (( هـ)).
(٢) في (( الأصل)): المدعون. والمثبت من (( هـ)).
- ١٨٨ -

يعهد في مرضه بقوله: ((ائتوني بكتاب أكتب لكم لا تضلوا بعده)).
فاختلفوا ، فترك ذلك .
فلو كان عند عليّ عهد منه ، أو وصية لأحال عليها ، وكشف أمرها.
واحتج من قال : إن النبي - عليه السلام - دخل مكة عنوةً بقوله :
((إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين )) ،
وهو قول الجمهور ، وإنما خالفه في ذلك الشافعي وحده . وسيأتي
ذكر ذلك في كتاب الحج عند حديث ابن خطل ، إن شاء الله .
وفي [قول ] (١) عمر: (( حسبنا كتاب الله )) حين قال النبي -
عليه السلام -: (( ائتوني بكتاب أكتب لكم )) فيه من فقه عمر وفضله:
أنه خشي أن يكتب النبي أمورًا ربما عجز عنها ، فاستحق عليها
العقوبة، وإنما قال : حَسْبنا كتاب الله ، لقوله : ﴿ما فرطنا في الكتاب
من شيء ﴾ (٢)، فعلم أن الله - تعالى - لا يتوفى نبيه حتى يكمل
لهم دينهم ؛ لقوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (٣)، فقنع
عمر بهذا ، وأراد الترفيه عن النبي - عليه السلام - لاشتداد مرضه ،
وغلبة الوجع عليه .
فَعُمر أفقه من ابن عباس حين اكتفى بالقرآن الذي أكمل الله فيه
الدين ، ولم يكتفِ بذلك ابن عباس ، وسيأتي هذا المعنى أيضًا في
باب : النهي على التحريم إلا ما يُعرف إباحته ، في كتاب الاعتصام ،
إن شاء الله .
وفي قوله : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم)» دليل على أن للإمام أن
(١) في ((الأصل)): حديث. والمثبت من (( هـ)).
(٢) الأنعام : ٣٨.
(٣) المائدة : ٣ .
- ١٨٩ -

يوصي عند موته [ بما ] (١) يراه (نظراً) (٢) للأمة ، وفي تركه
الكتاب إباحة الاجتهاد ؛ لأنه أوكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم ..
باب : العلم والعظَة بالليل
فيه: أم سلمة، قالت: (( استيقظ النبي - عليه السلام - ذات ليلة
فقال: سبحان الله ، ماذا أُنزل الليلة من الفتن ، وماذا فُتح من الخزائن ،
أيقظوا صواحب الحُجَر، فَرُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة » .
[١/ق٢٩-١]
قال / المهلب : فيه دليل أن الفتن تكون في المال ، وغيره لقوله
((ماذا أنزل من الفتن، وماذا فتح من الخزائن )) ، وكذلك قال حذيفة
العُمر : فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة .
وقوله: ((أيقظوا صواحب الحُجَر)) يعني : أزواجه ، للصلاة
والاستعاذة مما نزل ليكونوا ( أولى ) (٣) من استعاذ من فتن الدنيا.
وفيه : أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل لذكر الله وللصلاة ، ولا
سيما عند آية تحدث، أو مأثور رؤيا مخوفة. وقد أمر رسول الله وله
من رأى رؤيا مخوفة فكرهها أن ينفث عن يساره ، ويستعيذ بالله من
شرها ، قال تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ (٤)
وقوله: ((رُبَّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة )) يحتمل أن تكون
(١) في ((الأصل)): فيما. والمثبت من (هـ)).
(٢) في ((هـ)): فطرًا، بالفاء. وهو تحريف، والنظر - بالنون - هو الحفظ،
انظر : لسان العرب ( مادة : نظر ).
(٣) كذا في ((الأصل، هـ))، ولعل الصواب: أول. والله أعلم.
(٤) طه : ١٣٢ .
٠ - ١٩٠ -

الكاسيات مما لا يسترهن من واصف الثياب ورقيقه ، فهي كاسية
عارية، فربما عوقبت في الآخرة بالتعرية ، والفضيحة التي كانت تبتغي
في الدنيا .
ويحتمل أن تكون رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا لها المال تكتسي به رفيع
الثياب، وتكون عارية من الحسنات في الآخرة ، فَنَدَّبَهن إلى الصدقة ،
وحضهن على ترك السرف في الدنيا ، بأن يأخذن منها بأقل الكفاية ،
ويتصدقن بما سوى ذلك . وسيأتي هذا المعنى في كتاب الصلاة في
باب : تحريض النبي - عليه السلام - على صلاة الليل ، وفي كتاب
الفتنة في باب : لا يأتي زمان إلا الذي بعده شرٌ منه [ بزيادة فيه ](١)،
إن شاء الله .
باب : السّمر في العِلم
فيه: ابن عمر: (( صلى الرسول العشاء في آخر حياته ، فلمَّا سلَّمَ قام
فقال: (( أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممّنْ هو على
ظهر الأرض أحد » .
وفيه : ابن عباس ، قال : (( بتّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث
زوج النبي - عليه السلام - ، وكان عليه السلام عندها في ليلتها .
فصلى النبي العشاء ، ثم جاء إلى منزله ، فصلى أربع ركعات ، ثم نام،
ثم قام ، ثم قال: نَام الغلَيِّمُ - أو كلمةٌ تشبهها - ثم قام ، فقمتَ عن
يساره فجعلني عن يمينه . فصلی خمس رَكَعَات، ثم صلى ركعتين ، ثم
نام حتى سمعت غطيطه - أو خطيطه - ثم خرج إلى الصلاة )) .
(١) من ( هـ)).
- ١٩١ -

فيهِ : أن السّمَر بالعلم ، والخير مباح ، ألا ترى أنه عليه السلام
أخبرهم بعد العشاء أنه لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد إلى رأس
مائة سنة . وإنما أراد - والله أعلم - أن هذه المدة تخترم الجيل الذي
هم فيه ، فوعظهم بِقِصَر أعمارهم ، وأعلمهم أنها ليست تطول
أعمارهم كأعمار مَن تقدم من الأمم ، ليجتهدوا في العبادة .
وقد سمر السَّفُ الصالحُ في مذاكرة العلم . وقد روى شريك [عن
ليث ] (١) عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ، قال : أتيتُ عمر
أُكَلِّمُهُ في حاجة بعد العشاء فقال : هذه الساعة ؟! فقلتُ: إنه شيءٌ
من الفقه . قال : نعم . فكلمته ، فذهبت لأقوم فقال : اجلس .
فقلت : الصلاة . فقال : إنَّا في صلاة . فلم نزل جلوسًا حتى طلع
الفجر . حدثنا به لمحمد بن حسَّان ، قال: ( حدثنا ) (٢) محمد بن
معاوية القرشي ، قال: ( حدثنا ) (٢) ابن يحيى المروزي ، قال :
(حدثنا ) (٢) عاصم بن علقمة ، عن شريك.
واختلف قول مالك في هذه المسألة ، فقال مرة : الصلاة أَجَبَّ إلي
من مذاكرة العلم . وقال في موضع آخر : إن العناية بالعلم أفضل ،
إذا صَحَّت النية .
ويُذْكر عن سحنون أنه قال : يلتزم أثقلهما عليه .
وقال أبو الزناد : السَّامِر في بيت ميمونة كان ابن عباس .
وفيه : من فضل ابن عباس ، وحدقه على صغر سِنِّه أنه رصد
الرسول ◌َل طول ليلته، يدل على ذلك قوله في الحديث: فصلى
(١) من (( هـ).
(٢) في (( هـ)): نبأنا .
- ١٩٢ -

أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، ثم قال : نام الغُلَيِّمُ ؟ ».
مستفهمًا لميمونة . وذكر أنه عاين أفعال النبي وَ ر كلها طول ليلته .
وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث .
ذكر في كتاب الدعاء في باب الدعاء إذا انتبه من الليل ، عن ابن
عباس، قال: (( نام النبي - عليه السلام - عند ميمونة ، ثم قام
فتوضأ وضوءًا بين وضوئين لم يكثر ، وقد أبلغ فصلى فقمت فتمطيت
كراهية أن يرى أني كنت أرصده ، فتوضأت فقمت عن يساره ...
وذكر الحديث .-
وقيل : إن العباس كان أوصاه بمراعاة النبي - عليه السلام - ليطَّلِع
على عمله بالليل .
/ وإنما يكره السَّمَرُ إذا كان في غير طاعة، وأحبوا أن يجعلوا [١/ ف٢٩-ب]
الصلاة آخر أعمالهم بالليل ، وكرهوا الحديث بعد العتمة ؛ لأن النوم
وفاة ، فأحبوا أن يناموا على خير أعمالهم .
وقد كان ابن عمر إذا تَكَلَّم ، أو قضى شيئًا من أموره قبل نومه ،
قام فصلى ، ثم نام ، ولم يفعل بين نومه وصلاته شيئًا .
وقد ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الصلاة .
و((الغطيط)): صوت النائم ، قال صاحب العين: غَطّ النائم يَغْطُّ
غطيطًا . وقال ابن دريد : غطيط النائم أعلى من النخير ، وكذلك
المخنوق والمذبوح .
وقوله : ((أو خطيطه)) شَكٌّ من المحدِّث، ولم أجدها عند أهل
اللغة بالخاء ، والله أعلم .
- ١٩٣ -

باب : حفظ العلم
فيه: أبو هريرة، قال: (( إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة . ولولا
آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا . ثم يتلو : ﴿ إن الذين يكتمون ما
أنزلنا من البينات والهدى﴾ إلى قوله ﴿الرحيم﴾ (١) إن إخواننا من
المهاجرين كان ( شغلهم ) (٢) الصفق في الأسواق ، وإن إخواننا من
الأنصار كان ( شغلهم) (٢) العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم
رسول الله لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)).
وفيه: أبو هريرة، قلت: (( يا رسول الله ، أسمع منك حديثًا كثيرًاً
أنساه. قال : ابسط رداءك . فبسطته ، فغرف بيديه ثم قال : ضمه
فضممته ، فما نسيت شيئًا بعده )) . .
وفيه: أبو هريرة، قال: ((حفظت من النبي - عليه السلام - وعاءين:
فأما أحدهما فبثئته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم )).
قال أبو الزناد: فيه حفظ العلم والدءوب عليه ، والمواظبة على
طلبه، وهي فضيلة لأبي هريرة ، فَضَّلَهُ عليه السلام بها بأن قال له :
((ابسط رداءك، ثم قال: ضمه)). فما نسي شيئًا بعد .
وجاء هذا الحديث في كتاب البيوع، وقال فيه: (( فما نسيتُ من
مقالته تلك من شيء)). وهذا من بركة النبي عليه السلام .
وفيه : فضل التقلل من الدنيا ، وإيثار طلب العلم على طلب
المال. وفيه : أنه جائز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إذا اضطر إلى
(١) البقرة: ١٥٩، ١٦٠.
(٢) في (( هـ)) : يشغلهم.
- ١٩٤ -

ذلك ، لاعتذار من شيء ، أو لتبيين ما يلزمه تبيينه إذا لم يقصد
بذلك الفخر .
وقوله: ((وأما الآخر لو بثته قطع هذا البلعوم)». قال المهلب،
وأبو الزناد : يعني أنها كانت أحاديث أشراط الساعة ، وما عرف به
عليه السلام من فساد الدين ، وتغير الأحوال ، والتضييع لحقوق الله
تعالى ، كقوله عليه السلام: (( يكون فساد هذا الدين على يدى
أغيلمة سفهاء من قريش)) ، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن
أسميهم بأسمائهم ، فخشي على نفسه ، فلم يُصَرِّح .
وكذلك ينبغي لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه في
[التصريح] (١) أن يُعَرِّض .
ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام مَا
وَسَعَهُ (تركها ) (٢)؛ لأنه قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم.
ثم يتلو: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ (٣).
فإن قال قائل : قول أبي هريرة : ((حفظت من النبي - عليه السلام
- وعاءين)) يعارض قوله: (( ما كان أحد من أصحاب النبي - عليه
السلام - أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان
يكتب ولا أكتب)). فقوله: ((لا أكتب)) خلاف قوله : ((حفظت
وعاءين)) ؛ لأن الوعاء في كلام العرب : الظرف الذي يجمع
[فيه] (٤) الشيء .
قيل : لقوله هذا معنىّ صحيح لا يخالف بعضه بعضًا ، وذلك أنه
(١) في ((الأصل)): الصريح. والمثبت من (( هـ).
(٢) في (( هـ)): كتمها .
(٣) البقرة : ١٥٩ .
(٤) من (( هـ )) .
- ١٩٥ -

يجوز أن يريد أبو هريرة أن الذي حفظ من النبي من السَّنن التى حدث
[ بها ] (١) وحملت عنه لو كتبت لاحتملت أن يملأ منها وعاء ، وما
كتم من أحاديث الفتن التي لو حدث بها يخشى أن ينقطع منه البلعوم،
يحتمل أن تملأ وعاء آخر . ولهذا المعنى قال : وعاءين ، ولم يقل :
وعاء واحدًا ، لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والستر له .
وقال ثابت : البلعوم: هو الحلقوم ، وهو مجرى النفس إلى الرئة.
قال (٢) أبو عبيد: هو البَلْعَمُ والبُلْعُوم.
قال (٢) ثابت : والمريء: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة
متصل بالحلقوم ، وهو المبتلع والمسترط .
باب : الإنصات للعلماء
/ فيه : جرير: ﴿ أن النبي - عليه السلام - قال له في حجة الوداع:
[١/ق ٣٠-١]
استنصت الناس ، فقال : لا ترجعوا بعدي کفارًا يضرب بعضكم رقاب
بعض )) .
قال أبو الزناد : الإنصات للعلماء ، والتوقير لهم ، لازم
للمتعلمين، لأن العلماء ورثة الأنبياء . وقد أمر الله عباده المؤمنين ألا
يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ، ولا يجهروا له بالقول خوف
حبوط أعمالهم . وكان [ عبد الرحمن ] (٣) بن مهدي إذا قرأ حديث
(١) في ((الأصل)): فيها. والمثبت من ((هـ).
(٢) غير موجودة (( بالأصل، هـ)).
(٣) في ((الأصل)): عبد الله. وهو تحريف، والمثبت من ((هـ )) وهو الصواب.
- ١٩٦ -

الرسول ◌ََّ أَمَرَ الناس بالسكوت ، وقرأ ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق
صوت النبي﴾ (١) ، ويتأول أنه يجب من الإنصات والتوقير عند قراءة
حديث الرسول مثل ما يجب له عليه السلام . فكذلك يجب توقير
العلماء والإنصات لهم ؛ لأنهم الذين يحيون سنته ، ويقومون
بشريعته .
[ وقال] (٢) شريك: كان الأعمش لا يتجاوز صوتُه مجلسَهُ
إجلالا للعلم .
وقال مطرف : كان مالك إذا أراد الحديث عن النبي - عليه السلام-
اغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ، ثم تحدث ؛ إجلالا لحديثه عليه
السلام .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : كان يُستحب أن لا يُقرأ
أحاديث النبي إلا على وضوءٍ .
قال شعبة: كان قتادة لا يحدث عن رسول الله وَلا إلا وهو على
طهارة .
وحكى مالك عن جعفر بن محمد مثله .
وكان الأعمش إذا أراد أن يحدث ، وهو على غير وضوء تَيَمَّمَ .
وقال ابن أبي الزناد : ذكر سعيد بن المسيب حديثًا عن رسول الله
وهو مريض ، فقال : أجلسوني ، فإني أُعْظِمُ أن أحدث حديث
رسول الله وأنا مضطجع .
وقال ابن أبي أويس : كان مالك إذا جلس للحديث يقول : ليليني
منكم ذووا الأحلام والنهى ، فربما قعد القعنبي عن يمينه . وهذا كله
من إجلال النبي وَ لّ وتوقيره .
(١) الحجرات : ٢ .
(٢) في (( الأصل)): فقال. والمثبت من ( هـ)).
- ١٩٧ -

باب : ما يستحب للعالم إذا سُئل : أَيّ الناس أعلم
أن يُكِلَ العلم إلى الله تعالى
فيه : ابن عباس ، عن أبي بن كعب قال: (( قام موسى النبي - عليه
السلام - خطيبًا في بني إسرائيل ، فَسُئل : أَيُّ الناسِ أعلم ؟ قال : أنا
أعلم . فعتب الله عليه إذْ لم يَرَدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه : إن عبدًا من
عبادي بمجمع البحرین هو أعلم منك . قال : يا رب کیف به ؟ فقيل له :
احمل حوتًا في مكتل ، فإذا فقدته فثم هو . فانطلق معه بفتاه يوشع بن
نون ، وحملا حوتًا في مكتل ، حتى كانا عند الصخرة وضعا رءوسهما
فناما ، فانْسَلَّ الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سربًا )).
قال المؤلف : روي عن أبي بن كعب أنه قال : أعجب موسى
بعلمه فعاقبه الله بما لقي مع الخضر ، وكان ينبغي أن يقول : الله أعْلَمُ
أَيُّ الناسِ أعلم ؛ لأنه لم يُحِط علمًا بكل عالم في الدنيا ، وقد قالت
الملائكة : لا علم لنا إلا ما علمتنا .
وسُئل رسول الله عن الروح ، وغيره فقال : لا أدري حتى أسأل
الله - تعالى - وقد قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ (١)
فيجب على من سُئِل عما لا يعلم ، أن يقول : لا أعلم .
وقد قال مالك : جُنّة العالم : لا أدري ، فإذا أخطأها أصيبت
مقاتله .
قال مالك : وكان الصديق يُسأل فيقول : لا أدري . وأحدهم اليوم
(١) الإسراء : ٣٦ .
- ١٩٨ -

يأنف [ أن ] (١) يقول: لا أدري ، فليس المجترئ لحدود الإسلام
كالذي يموج ويلعب .
وقال مالك : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث
جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلاً في أيديهم .
وقوله تعالى : ﴿نسيا حوتهما﴾ (٢) إنما نَسِيَهُ يوشع فتى موسى
ومتعلمه، فأضيف النسيان إليهما جميعًا . والدليل على أن فتاهُ نَسيَهُ
قوله : ﴿فإني نسيت الحوت ﴾ (٣) كما قال تعالى: ﴿يا معشر الجن
والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ (٤) ، وإنما الرسل من الإنس .
وقوله : ﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ﴾ (٥) لم
يسأله موسى عن شيءٍ من دينه ، لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها
الذي تعبدت به أمتها . وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في
السورة .
قال المهلب : وقوله : ﴿لقيا غلامًا فقتله﴾ (٦) روي عن النبي
بكلالـ
أنه قال: ((كان طبع الغلام كافرًا، ولو أدرك أبويه لأرهقهما / طغيانًا [١/ ٣٠-ب]
وكفرًا. وهو معنى قوله: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا﴾ (٧)
فدل أنه لو بلغ لكان كذلك .
فإن قيل : فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه كان يقرأ ، وكان
أبواه مؤمنين وكان كافرا فأوجب [ الله ] (١) له الكفر في الحال .
فالجواب : أنه إنما سماه كافرًا لما يؤول إليه أمره لو عاش . وهذا
(١) من (( هـ )).
(٣) الكهف : ٦٣ .
(٢) الكهف : ٦١ .
(٤) الأنعام : ١٣٠ .
(٥) الكهف : ٦٦ .
(٦) الكهف : ٧٤ .
(٧) الكهف : ٨٠ .
- ١٩٩ -

جائز في اللغة أن يسمى الشيء بما يؤول إليه ، قال تعالى : ﴿إني
أراني أعصر خمرًاً﴾ (١) ، وإنما يعصر العنب لا الخمر .
ووجه استباحة القتل لا يعلمهُ إلا الله - تعالى - ولله أن يميت مَن
شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده ، ولا فرق بين قتله وموته ، كل ذلك
لا اعتراض عليه فيه ، لا يُسْأل عما يفعل .
قال المؤلف : وفي قصة الخضر أصل عظيم من أصول الدين ،
وذلك أن ما تعبَّدَ الله به خلقه من شريعته ودينه ، يجب أن يكون حجة
على العقول، ولا تكون العقول حجةً عليه ، ألا ترى أن إنكار موسى
على الخضر خرق السفينة ، وقتل الغلام ، كان صوابًا في الظاهر ،
وكان موسى غير ملوم في ذلك ، فلما بَيَّن الخضر وجه ذلك ومعناه ،
صار الصواب الذي ظهر لموسى من إنكاره خطأ ، وصار الخطأ الذي
ظهر لموسى من فعل الخضر صوابًا . وهذا حجةٌ قاطعة في أنه يجب
التسليم لله في دينه ، ولرسوله في سنته ، وبيانه لكتاب ربه ، واتهام
العقول إذا قصرت عن إدراك وجه الحكمة في شيء من ذلك ، فإن
ذلك محنة من الله لعباده ، واختبار لهم ليتم البلوى عليهم . ولمخالفة
هذا ضل أهل البدع حين حكَّموا عقولهم وَرَدّوا إليها ما جهلوه من
معاني القدر وشبهه ، وهذا خطأ منهم ؛ لأن عقول العباد لها نهاية ،
وعلم الله لا نهاية له . قال الله - عز وجل - : ﴿ولا يحيطون بشيء
من علمه إلا بما شاء﴾ (٢) فما أخفاه عنهم فهو سرُّ الله الذي استأثر
به، فلا يحل تعاطيه ، ولا يُكَلَّف طلبه ، فإن المصلحة للعباد في
إخفائه منهم ، والحكمة في طيِّه عنهم إلى يوم تُبلى السرائر ، والله هو
(١) يوسف : ٣٦ .
(٢) البقرة: ٢٥٥ .
٢٠٠ -
-