النص المفهرس
صفحات 81-100
ومن أقوى ما يرد قولهم عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين ، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين ، قال تعالى : ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ إلى قوله: ﴿وهم كافرون﴾ (١)، فجعلهم كفاراً، / وقوله [١/ ق١٠ -ب] تعالى : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ (٢) يدل أن الإسلام يكون بمعنى الاستسلام فيحقن به الدم ، ولا يكون بمعنى الإيمان لقوله تعالى : ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ (٢)، فكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا إلا الإسلام الحقيقي ، فهو إيمان . قال المهلب : وقول سعد: (( يا رسول الله ؛ مالك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا )) فيه التشفع للصديق والولي عند الأمراء والأئمة فيما ينتفعون به ، وفيه مراجعة المسئول وتكرير السؤال في المعنى الواحد ، وفيه رد العالم على المتعلم أن يستثبت ولا يقطع على ما لا يعلم ؛ لأنه لا يعلم سرائر الناس ولا يطلع عليها ، وهي من مغيبات الأمور التي لا يجوز القطع في مثلها ، ألا ترى أن الرسول رد على امرأة الأنصاري وقال: ((والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفْعل بي))، فلا نشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول وَلول؛ لأنه لا ينطق عن الهوى . قال المؤلف: وقوله: (( خشية أن يكبه الله في النار)) يريد من تعاصى على الإسلام ولم يدخله فيه إلا [ ... ] (٣) في العطاء، فإن مُنْعَ أبى عن الإسلام ، كالمؤلّفة قلوبهم : عيينة بن حصن ، والأقرع ابن حابس وأصحابه ، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الجهاد . وقد اختلف الناس قديمًا واشتد تنازعهم في قولهم : أنا مؤمن (١) التوبة : ٨٤ . (٢) الحجرات : ١٤ . (٣) طمس في ((الأصل))، وسقط من ( هـ). - ٨١ - عند الله ، وكان أول ذلك أن صاحبا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود ، فقال له أصحابه : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم ، قالوا : من أهل الجنة ؟ قال : لا أدري لي ، ذنوب فلو أعلم أنها غفرت ؛ لقلت لكم : إني مؤمن من أهل الجنة ؛ فتضاحك القوم ، فلما خرج ابن مسعود قالوا له : ألا تعجب ! هذا يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة . قال ابن مسعود : لو قلت إحداهما أتبعتها بالأخرى، فقال الرجل : رحم الله معاذًا ، حذرني زلة العالم ، وهذه زلة منك. وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والميزان ، ولنا ذنوب لا ندري ما يصنع الله فيها ، فلو نعلم أنها غفرت لنا لقلنا: إننا من أهل الجنة . فقال ابن مسعود : صدقت يا أخي ، فوالله إن كان مني لزلة . وذكر أبو عبيد في كتاب الإيمان ، عن إبراهيم النخعي ، وابن سيرين ، وطاوس قالوا : إذا قيل لك : أمؤمن أنت ؟ فقل : آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله . قال النخعي : وقال رجل لعلقمة : أمؤمن أنت ؟ قال : أرجو إن شاء الله . قال أبو عبيدة : وبهذا كان يأخذ سفيان ، قال وكيع : كان سفيان إذا قيل له : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم . فإذا قيل له : عند الله ؟ قال: أرجو . وجماعة يرون الاستثناء فيه ، وهو قول محمد بن عبد الحكم ، وابن عبدوس ، وأحمد بن صالح الكوفي . قال أبو عبيد : وجماعة من العلماء يتسمون به بلا استثناء فيقولون: نحن مؤمنون ، منهم : أبو عبد الرحمن السلمي ، وعطاء بن أبي - ٨٢ - رباح ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم التيمي ، وعون بن عبد الله ومن بعدهم مثل : عمر بن ذر ، والصلت بن بهرام ، ومسعر بن كدام . قال أبو عبيد : وإنما ذكرت هذا عندهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال ، ألا ترى أن الفرق بينهم وبين النخعي وطاوس وابن سيرين أن هؤلاء كانوا لا يلفظون به أصلا . قال وكيع : وكان أبو حنيفة يقول : أنا مؤمن هاهنا وعند الله . قال أبو بكر بن الطيب : ووجه الاستثناء في ذلك أنه لا يعلم هل يثبت على الإيمان ويتمسك به باقي عمره أو يضل عنه ، ولهذا رغب المسلمون كافة في حسن العاقبة والخاتمة ، وأن يثبتهم الله بالقول الثابت، وأما وجه من قال : أنا مؤمن حقا ومؤمن عند الله ، وإنما يريد في حال وجود إيمانه ؛ لأنه مؤمن على الحقيقة في تلك الحال ، وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون . قال أبو عبيد : لأن حكمه في الدنيا حكم الإيمان في الولاية والموارثة وجميع سنن المؤمنين . قال أبو بكر بن الطيب: وكلا القولين له وجه . قال أبو عبيد : وكان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا ، .. ] . ] (١) من قال: أنا مؤمن فحسن ، ومن قال : أنا مؤمن إن شاء الله فحسن ؛ لقوله : ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ (٢)، وقد علم / أنهم داخلون . [١/ ق ١١ -١] (١) طمس في ((الأصل))، وسقط من (( هـ )). (٢) الفتح : ٢٧ . - ٨٣ - باب : السلام من الإسلام وقال عمار : ثلاث من جمعهن جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار . فيه : ابن عمرو: ((أن رجلا سأل النبي ◌َ﴾ أي الإسلام خير؟ قال : تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) . .. قال أبو الزناد : جمع عمار في هذه الألفاظ الثلاث الخير كله ؛ لأنك إذا أنصفته من نفسك فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك ، وبينك وبين الناس ، ولم تضيع شيئًا . وبذل السلام للعالم هو كقوله عليه السلام: « وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )) ، وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس . ١ والإنفاق من الإقتار هي الغاية في الكرم ، وقد مدح الله مَنْ هذه صفته بقوله : ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ (١) ، وهذا عام في نفقة الرجل على أهله ، وفي كل نفقة هي طاعة الله - تعالى - ودل ذلك أن نفقة المعسر على أهله أعظم أجراً من نفقة الموسر، وهذا كله من كمال الإيمان ، فقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو في باب إطعام الطعام من الإيمان . (١) الحشر : ٩ . - ٨٤ - باب : المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك بالله لقوله عليه السلام: (( إنك امرؤ فيك جاهلية » وفيه : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(١)، وقوله : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ (٢) فسماهم المؤمنين. فيه: المعرور، قال: ((لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة ، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال : إني سابيت رجلاً فعيرته بأمه ، فقال عليه السلام: يا أبا ذر ، أعيرته بأمه ؟! إنك امرؤ فيك جاهلية ، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ؛ فإن كلفتموهم [فأعينوهم] (٣))). وفيه: الأحنف ، قال: (( ذهبت لأنصر هذا الرجل - يعني عليًا - فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريد ؟ فقلت : أنصر هذا الرجل ، قال : ارجع؛ فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قلت : يا رسول الله ، هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصًا على قتل صاحبه)). قال المؤلف: قوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) يريد إنك في تعبيره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية ؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب ، فجهلت وعصيت الله في ذلك ، ولم تستحق بهذا أن تكون كأهل الجاهلية في كفرهم بالله تعالى . (١) النساء : ٤٨، ١١٦ . (٢) الحجرات : ٩ . (٣) في ((الأصل)): فعينوهم، وسقط هذا الموضع من (( هـ)). - ٨٥ - : وغرض البخاري في هذا الباب الرد على الرافضية والإباضية وبعض الخوارج في قولهم : إن المذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم، وقد نطق القرآن بتكذيبهم في غير موضع منه ، فمنها قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(١)، والمراد بهذه الآية : من مات على الذنوب ، ولو كان المراد : من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى ؛ إذْ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له ، وقوله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ (٢)، فسماهم مؤمنين، وإن وقع التقاتل، واستحق أحد الطائفتين اسم البغي . فبان بهاتين الآيتين أن المؤمن لا يخرجه فسقه ومعاصيه من جملة المؤمنين ، ولا يستحق بذلك التخليد في النار مع الخالدين . · وثبت أن حديث أبي بكرة لا يراد به الإلزام والحتم بالنار لكل قاتل ومقتول من المسلمين ؛ لأنه عليه السلام سماهما مسلمين وإن التقيا بسيفيهما وقتل أحدهما صاحبه ، ولم يخرجهما بذلك من الإسلام ،. وإنما يستحقان النار إن أنفذ الله عليهما الوعيد ، ثم يخرجهما من النار بما في قلوبهما من الإيمان وعلى هذا مضى السلف الصالح . حدثنا أبو بكر الرازي قال : حدثنا الشيخ أبو نعيم أحمد بن : [١١/١-ب) عبد الله / بأصبهان ، قال : حدثنا أبو بكر الطلحي ، قال : احدثنا عثمان بن عبيد الله الطلحي ، قال : حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي ، قال : حدثنا سعيد بن سلام العبدي ، قال : سمعت أبا. حنيفة يقول: ((لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة فسألته عن شيء فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة ، قال : أنت من أهل القرية (١) النساء : ٤٨، ١١٦ (٢) الحجرات : ٩. - ٨٦ - الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا ؟ قلت : نعم ، قال : فمن أي الأصناف أنت ؟ قلت : ممن لا يسب السلف ، ويؤمن بالقدر ولا يكفِّر أحدًا بذنب، قال لي عطاء: عرفت فالزم)). وفي حديث أبي ذر النهي عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم ، والحض على الإحسان إليهم ، وإلى كل من يوافقهم في المعنى ، ممن جعله الله تحت يد ابن آدم ، وأجرى عليه حكمه ، فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشيء من المكروه يعرفه في آبائه وخاصة نفسه ؛ لقوله تعالى: ﴿ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ (١)، فلا فضل لأحد على غيره من جهة الأبوة ، وإنما الفضل بالإسلام والتقى ؛ لقوله تعالى : :إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (٢). وروى يونس عن الحسن: (( أن النبي - عليه السلام - قال لأبي ذر: أعيرته بأمه ؟! ارفع رأسك ، فما كنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين )) ، وقد جاء هذا الحديث في كتاب الأدب. وقال فيه: (( ... كان بيني وبين رجل كلام ، وكانت أمه أعجمية ، فنلت منها ... )) وذكر الحديث . وقد روى سمرة بن جندب : أن بلالا كان الذي عيره أبو ذر بأمه . روى الوليد بن مسلم ، عن أبي بكر ، عن ضمرة بن حبيب ، قال: ((كان بين أبي ذر وبين بلال محاورة ، فعيره أبو ذر بسواد أمه ، فانطلق بلال إلى رسول الله وَله، فشكى إليه تعبيره بذلك، فأمره رسول الله وَل أن يدعوه، فلما جاءه أبو ذر قال له رسول الله وَله : شتمت بلالا وعيرته بسواد أمه ؟ قال: نعم، قال رسول الله وَله : ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء ، فألقى أبو (١) الحجرات : ١٣ . - ٨٧ - ذر نفسه بالأرض ، ثم وضع خده على التراب ، وقال : والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه ، فوطأ خده بقدمه )) ، وسيأتي ما للعلماء في إطعام العبيد وكسوتهم في كتاب العتق - إن شاء الله . وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة في حديث أبي بكرة : انظر : حرص المقتول على قتل صاحبه ، وأنه لو بقي لقتله وعوقب عليه ، عذب الله الذين تقاسموا بالله ، على صالح ، لنبيتنه وأهله . فأهلكهم كلهم . قال أبو الزناد : ليس هذا بشيء ؛ لأن الذين أرادوا قتل صالح كانوا كفرة فعاقبهم الله بكفرهم ، وأن الذي كان حريصًا على قتل صاحبه أوجب له النبي ◌َ ◌ّ النار بنيته ومباشرته للقتل، ولا يعارض هذا قوله عليه السلام: (( من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة))؛ لأن الذي لم يعمل السيئة ليس كمثل الذي شرع في القتال مع الإصرار، وسأستقصي الكلام في معنى قوله عليه السلام: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما )) في كتاب الفتن إن شاء الله . باب : کفران العشیر و کفر دون کفر فيه: ابن عباس ، قال عليه السلام: (( أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء ، يكفرن ، قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيراً قط )) . قال المهلب : قال : الكفر هاهنا هو كفر الإحسان وكفر نعمة - ٨٨ - العشير - وهو الزوج - وتسخط حاله ، وقد أمر الله رسوله بشكر النعم، وجاء في الحديث: (( لا يشكر الله من لا يشكر الناس))، وشكر نعمة الزوج هو من باب شكر نعمة الله ؛ لأن كل نعمة فضل بها العشير أهله فهي من نعمة الله أجراها على يديه ، ومعنى هذا الباب كالذي قبله : أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الذي يوجب الخلود في النار ؛ لأنهم حين سمعوا رسول الله قال : (يكفرن)) ظنوا أنه كفر بالله ، فقالوا : يكفرن بالله ؟ قال : « يكفرن العشير ويكفرن الإحسان)). فبين لهم رسول الله وَ ل* أنه أراد كفرهن حق أزواجهن، وذلك لا محالة ينقص من إيمانهم ، ودل ذلك أن إيمانهن يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البرِّ كلها، فثبت أن الأعمال من الإيمان /، وأنه قول [١/ ق ١٢-١] وعمل، إذ بالعمل الصالح يزيد وبالعمل السيئ ينقص . وفيه دليل أن المرء يعذب على الجحد للفضل والإحسان وشكر المنعم، وقيل : إن شكر المنعم فريضة . باب : ظلم دون ظلم فيه: ابن مسعود قال: لما نزلت: (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ (١) . قال أصحاب الرسول : أَيّنًا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (٢))) . معنى هذا الباب كالذي قبله أن تمام الإيمان بالعمل ، وأن المعاصي (١) الأنعام : ٨٢. (٢) لقمان : ١٣ . - ٨٩ - ينقص بها الإيمان ، ولا يخرج صاحبها إلى الكفر ، والناس مختلفون في ذلك على قدر صغر المعاصي وكبرها . وفيه من الفقه : أن الُفَسَّر يقضي على المجمل بخلاف قول أهل الظاهر؛ ألا ترى أن أصحاب النبي تأوَّلُوا قوله: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ (١) على جميع أنواع الظلم ، فبين الله أن مراده بذلك الظلم : الشرك خاصّة بقوله تعالى : ﴿ إن الشرك لظلم عظيم﴾ (٢)، فوجب بهذا حكم المفسر على المجمل ، وهذا قول الجمهور ، وقد احتج بهذا الحديث من قال : إن الكلام حكمه العموم حتى يأتي دليل الخصوص . باب : علامات المنافق فيه : أبو هريرة ، أن نبي الله قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان)) . وفيه : عبد الله بن عمرو أن النبي - عليه السلام - قال: (( أربع من كن فیه کان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة من النفاق حتی بدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّث کذب ، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)" . تابعه شعبة عن الأعمش . معنى هذا الباب كالأبواب المتقدمة قبله : أن تمام الإيمان بالأعمال ، وأنه يدخل على المؤمن النقص في إيمانه بالكذب ، وخلف الوعد ، وخيانة الأمانة ، والفجور في الخصام ، كما يزيد إيمانه بأفعال البر . (١) الأنعام : ٨٢ . (٢) لقمان : ١٣ . - ٩٠ - قال أبو الزناد: ولم يُرِد النبي 8َ* بالنفاق المذكور في هذين الحديثين النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار ؛ الذي هو أشد الكفر ، وإنما أراد أنها خصال تشبه معنى النفاق ؛ لأن النفاق في اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن . وهذا المعنى موجود في الكذب وخلف الوعد والخيانة . فإن قيل : قد قال عليه السلام في حديث عبد الله بن عمرو : ((كان منافقًا خالصًا )) . قيل : معناه خالصًا في هذه الخلال المذكورة في الحديث فقط - لا في غيرها ، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ (١) . وقد ثبت عن الرسول أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان . قال المهلب : والمراد بالحديث - والله أعلم - من يكون الكذب غالبًا على كلامه ومستوليًا على حديثه ، والخيانة على أمانته ، والخلف على مواعيده ، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدلالة . وأمّا من كان الكذب على حديثه نادرًاً في خبره تافهًا ، والخيانة في أمانته شاذة يدعي العذر فيها ، والخلف في أوعاده ، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا يقضى عليه بالنادر اليسير ؛ إذْ لا يمكن أن يسلم أحدٌ من كذب . وقد سئل مالك بن أنس عمن جُرب عليه كذب ، قال : أي نوع من الكذب ، لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه (١) النساء : ٤٨، ١١٦. - ٩١ - وأفرط في ذكره ، أو أخبر عَمَّا رآه في سفره ، أعيا في خبره وأسرف، فهذا لا يضره ؛ وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب . وكذلك الخلف في الوعد ، والخيانة في الأمانة إذا كانت شاذة يدعي فيها العُذر . وذلك مغتفر له غير محكوم عليه في نفاق أو سوء معتقد ، وقد [١/ ٥ ١٢ - ب] جُرَّب على من سلف من الأئمة بعض ذلك ، فلم يضرهم / ؛ لأنه كان نادراً . هذا وجه الحديث إن شاء . ويشهد لذلك ما حدثنا به أحمد بن محمد بن عفيف قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال : حدثنا محمد بن عمر بن لبابة ، حدثنا عثمان بن أيوب ، حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا [ عبد المجيد](١) بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن أبيه ، قال : بلغني أن رجلاً من أهل البصرة قدم مكة حاجا ، فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح ، فقال الرجل : سمعت الحسن يقول : من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول فيه إنه منافق : من إذا حدَّث كذب ، وإذا وعدَ أخلف ، وإذا اؤتمن خان ، فقال له عطاء : أنت سمعت هذا من الحسن ؟ قال : نعم ، قال : إذا رجعت إلى الحسن فقل له : إن عطاء بن أبي رباح يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : ما تقول في بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - خليل الله- إذا حدثوا فكذبوا ، ووعدوا فأخلفوا ، واؤتمنوا فخانوا ، فكانوا منافقين؟! (١) في (( الأصل)): عبد الحميد. وهو تحريف، والمثبت من (( هـ )) - ٩٢ - واعلم أنه لن يعدوا أهل الإسلام أن تكون منهم الخيانة والخلف ، ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق ، وما استقر اسم النفاق قط إلا في قلب جاحد ، وكذلك يقول الله : ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جُنة فصدوا عن سبيل الله ﴾ إلى : ﴿يفقهون﴾(١). ألا ترى أن الإيمان زال عن قلوبهم ، ونحن نرجو أن لا يكون عن قلوب المؤمنين زائلا ؛ وإن كان فيهم ما سميتهم به ، فَسُرَّ بذلك الحسن، وقال : جزاك الله خيرًا ، ثم أقبل على أصحابه فقال لهم : ما لكم لا تصنعون ما صنع أخوكم هذا . إذ سمعتم مني حديثًا حدثتم به العلماء ، فما كان منه صوابًا فحسن ، وإن كان غير ذلك ردوا عَلَيَّ صوابه . وقد روي عن الرسول أن الحديث في المنافقين ، حدثنا أحمد بن محمد ابن عفيف ، حدثنا عبد الله بن عثمان ، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري ، حدثنا أسوار بن محمد الصنعاني ، حدثنا المعتمر بن أبي المعتمر الجزري ، عن مقاتل بن حيان - أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله - عليه السلام -: (( ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلّى وزعم أنه مؤمن : من إذا حَدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ، ومن كانت فيه خصلة واحدة ففيه ثلث النفاق حتى يدعها )) . قال مقاتل : وهذه مسألة قد أفسدت عَليّ معيشتي ؛ لأني أظن أني لا أسلم من هذه الثلاث أو من بعضهنّ ، ولن يسلم منهن كثير من (١) المنافقون: ١ - ٣ . - ٩٣ - الناس ، فضحك سعيد بن جبير ، ثم قال : أَهَمّني من هذا الحديث مثل الذي أهَمّك ، فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا ، وقالا : أَهَمَّنا والله يا ابن أخي من هذا الحديث مثل الذي. أهمك ، فأتينا النبي - عليه السلام - ، فسألناه عنه فضحك عليه. السلام، وقال: (( ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين)) . أمّا قولي: إذا حدَّث كذب فذلك فيما أنزل الله عَليَّ: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ (١) ، لا يستيقنون نبوتك في قلوبهم، فأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : لا عليكم ، أنتم من ذلك بُرآء. وأمّا قولي: إذا وعد أخلف ، فذلك فيما أنزل الله عليّ: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن﴾ إلى: ﴿يكذبون﴾ (٢) أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : فلا عليكم ، أنتم من ذلك بُرآء وأمّا قولي: إذا اؤتمن خان ، فذلك فيما أنزل الله عَليَّ: ﴿ إِنا عرضنا الأمانة على السموات﴾ إلى: ﴿جهولا﴾ (٣)، فكلٌ مؤتمنٌ على دينه ، فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السِّر والعلانية ، ويصوم ويصلي في السِّرِ والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا ، قال : لا عليكم ، أنتم من ذلك برآء». باب : قيام ليلة القدر من الإيمان فيه: أبو هريرة، قال رسول الله: ((من يقم ليلة القدر إيمانًا (١) المنافقون : ١ . (٣) الأحزاب : ٧٢ . (٢) التوبة : ٧٥ - ٧٧ . - ٩٤ - واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه )) . قال المؤلف : هذا الحديث حجة أيضًا أن الأعمال إيمانٌ ؛ لأنه عليه السلام جعل الصيام والقيام إيمانًا ، ومعنى قوله: ((إيمانًا واحتسابًا)): يعني مصدقًا / بفرض صيامه ، ومصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه [١ق ١٣-١] ومحتسبًا مريداً بذلك وجه الله ، بريئًا من الرياء والسمعة ، راجيًا عليه ثوابه . باب : الجهاد من الإيمان فيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي أو تصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلّف سرية ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ، ثم أقتل )) . وهذا الباب كالأبواب المتقدمة حجة في أن الأعمال إيمان ؛ لأنه لما كان الإيمان بالله هو المخرج له في سبيله ، كان الخروج إيمانًا بالله لا محالة . كما تسمي العرب الشيء باسم الشيء مما يكون من سببه فتقول للنبات : نوء ؛ لأنه عن النوء يكون ، وتقول للمطر : سماء ؛ لأنه من السماء ينزل . وسيأتي معنى هذا الحديث في كتاب الجهاد . وقوله: (( انتدب الله)) يريد أوجب الله وتفضل لمن أخلص النية لله في جهاده أن ينجزه ما وعده . - ٩٥ - ونبه عليه السلام بهذه الثلاثة الألفاظ أن المجاهد لا يخلو من الشهادة إن قتل ، أو الغنيمة والأجر إن سلم . باب : الدّين يُسر وقوله : أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة فيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) . معنى هذا الباب أيضًا أن الدين اسم واقع على الأعمال لقوله عليه السلام: ((الدين يسر)) ثم بين الطريقة التي يجب امتثالها من الدين بقوله: ((فسددوا وقاربوا ... )) إلى آخر الحديث. وهذه كلها أعمال سماها عليه السلام دينًا ، والدين والإسلام والإيمان شيء واحد . قال أبو الزناد : والمراد بهذا الحديث الحض على الرفق في العمل ، وهو كقوله عليه السلام: ((عليكم من العمل ما تطليقون))، وقال لعبد الله بن عُمر: ((وإذا فعلت هجمت عينك [ونقمت] (١) نفسك )». وقوله: ((أبشروا )) يعني بالأجر والثواب على العمل ، و(( استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة )» كأنه خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التي يزكو فيها عمله ؛ لأن الغدو . والرواح والدلج أفضل أوقات المسافر ، وقد حض الرسول المسافر على (١) في ((الأصل)): نعمت. وفى (( هـ): تفهمت . - ٩٦ - المشي بالليل، وقال : إن الأرض تطوى بالليل ، وقال لعبد الله بن [عمر] (١): ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)). فشبه الإنسان في الدنيا بالمسافر ، وكذلك هو على الحقيقة ؛ لأن الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة ، فنبَّه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم. والله الموفق . باب : الصلاة من الإيمان وقوله : ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ (٢) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس . فيه : حديث البراء حين نسخت القبلة . قال : هذه الآية أقطع الحجج للجهمية والمرجئة في قولهم : إن الفرائض والأعمال لا تسمى إيمانًا . وقولهم خلاف نص التنزيل ؛ لأن الله سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانًا ، ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس، / ومثل هذه الآية قوله: ﴿ إنما المؤمنون [١/ ١٣٥-ب] الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى [ ربهم ] (٣) يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٤) حتى الزكاة ، وفي تسميته لهم مؤمنين فإن كانوا للصلاة (١) في (( الأصل، هـ)): عمرو . وهو خطأ ، والمحفوظ من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وهو في صحيح البخاري في كتاب الرقاق . انظر : فتح الباري (١١/ ٢٣٧، رقم ٦٤١٦) .. (٢) البقرة : ١٤٣ . (٣) سقطت من ((الأصل))، وهي مثبتة في (( هـ)). (٤) الأنفال : ٢، ٣ . - ٩٧ - عاملين وللزكاة مؤدِّين فما وجب به أن تكون الصلاة والزكاة إيمانا ؛ لأن المسمى مؤمنا بعمله لشيء يوجب أن يُسمى ذلك الشيء إيمانًا. ومثله أيضاً قوله: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ (١) فسماهم مؤمنين بإيمانهم بالله ورسوله ، وأن لا يذهبوا إذا كانوا مع نبيهم حتى يستأذنوه ، واستئذانهم له عمل مفترض عليهم سموا به: مؤمنين كما سموا بإيمانهم بالله ورسوله . باب : حسن إسلام المرء فيه : أبو سعيد قال عليه السلام: ((إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يُكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها وكان بعد ذلك القصاص : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها )) . وفيه : أبو هريرة قال عليه السلام: (( إذا حسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها يكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها يكتب له بمثلها )» . قال المؤلف : قوله عليه السلام: (( فحسن إسلامه )) قد فسره حين سئل ما الإحسان ؟ فقال: (( أن تعبد الله كأنك تراه )) أراد مبالغة الإخلاص لله بالطاعة والمراقبة له . وفي قوله : ((إلا أن يتجاوز الله عنها)) رد على من أنفذ الوعيد (١) النور : ٦٢ . - ٩٨ - على العصاة المؤمنين ؛ لأن قوله: (( إلا أن يتجاوز الله عنها )) يدل أنه قد يؤاخذ بها ، وقد يتجاوز عنها إذا شاء ، وهذا مذهب أهل السنة . وأما حديث أبي سعيد فإن البخاري أسقط بعضه ، ولم يسنده ، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير الموطأ ، ونص الحديث : قال رسول الله: (( إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان زلفها ، ومحى عنه كل سيئة كان زلفها ، وكان عمله بعدُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله)). ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ، ورواه عنه من تسعة طرق، وثبت فيها كلها ما أسقطه البخاري أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ، ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء لا اعتراض لأحد عليه ، وهو كقوله عليه السلام لحكيم بن حزام: ((أسلمت على ما سلف من خير » ، وهو مذكور في كتاب الزكاة وكتاب العتق . باب : أَحَبُّ الدِّينِ إلى الله أَدْوَمُهُ فيه: عائشة: ((أن الرسول ﴿ه دَخَلَ عليها وعندها امرأة ، قال: من هذه؟ قالت : فلانة ، تذكر من صلاتها ، قال : مَه عليكم ، بما تطيقون ، فواللهِ، لا يَمِلُّ الله حتى تملوا ، وكان أحب الدين إلى الله ما دام عليه صاحبه )) . قال المؤلف: قول عائشة: ((وكان أحب الدين إلى الله ما دام )) هو معنى الباب ؛ لأنها سَمَّت الأعمال دينًا بخلاف قول المرجئة . - ٩٩ - وقال المهلب وأبو الزناد : إنما قال ذلك عليه السلام - والله أعلم - خشية الملال اللاحق بمن انقطع في العبادة . وقد ذَمَّ الله من التزم فعل البِرِّ ثم قطعه بقوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾(١). ألا ترى أن عبد الله بن [عمرو ] (٢) لما ضعف عن العمل نَدِم على مراجعته رسول الله وَله في التخفيف عنه. وقال: ليتني قبلت رخصة رسول الله ◌َ ، ولم يقطع العمل الذي كان التزمه. قال ابن قتيبة: وقوله: ((فإن الله لا يمل حتى تملوا)) معناه : لا. يمل إذا مللتم . ومثال ذلك : قولهم في الكلام : هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الخيل . لا يريد بذلك أنه يفتر إذا فترت الخيل ، ولو كان هذا المراد ما. كان له فضيلة عليها إذا فتر معها . ومثله : قولهم في الرجل البليغ : لا ينقطع حتى ينقطع خصومه . : يعني : لا ينقطع / إذا انقطع خصومه ، ولا أراد أنه ينقطع إذا [١/ق ١٤-٢] انقطعوا لم يكن له فضل على غيره ولا وجبت له به مدحة . قال الشاعر : صَلِيَتْ مِنَّا هُذَيّلٌ بِحَرْبٍ لا نَمَلُّ الشَّرَّ حَتّى تَمَلُّوا لم يُرد أنهم يملون الشر إذا ملوا ، ولو أراد ذلك ما كان لهم فيه مدح ؛ لأنهم حينئذ يكونون فيه سواء كلهم ، بل أراد أنهم لا يملون الشر وإن مَلّه خصومهم . (١) الحديد : ٢٧ . (٢) من (( هـ)): وفي ((الأصل)): عمر. وهو خطأ - ١٠٠ -