النص المفهرس
صفحات 1-20
شِ حِعُ التَّارِعُ لابْن بطّاك أُمِ الحَسْ عَلِى بْ خَلْفُ من ◌َعَبد الملكية ضَبطُ فِصَّهُ وَعَلّون ◌َعَليه أُبُوتِيْم ◌َسْرِبِنَّ إِبراهِيْ الجزء الأَوَّلْ مكتبة الرشد الرياض مقدمة بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنار طريق الحق ، وأبان سبيل الهدى ، وبعث النبيين مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرُّسُل . وصلى الله على خيرته من خلقه وصفوته من بَرِيته ؛ إمام المتقين ، وخاتم النبيين ، وخطيبهم إذا وفدوا ، وشافعهم إذا حبسوا ، ومبشرهم إذا يئسوا ، محمد عبدِ اللهِ ورسولِه . أما بعد ، فإن الله تعالى - وله الحمد - لم يُخْلِ الأرض من قائمٍ له بحجةٍ وداعٍ إليه على بصيرة ، لكيلا تبطل حجج الله وبيِّناته . فواجب على كل مكلف ذي عقل سليم أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه في تحصيل الفوز بالنعيم الأبدي ، والنجاة من العذاب السرمدي، ومن المعلوم الواضح عند كل ذي بصيرة أن ذلك لا يحصل إلا بتزكية النفس وتطهيرها ، وذلك إنما يكون بالعلم النافع والعمل الصالح ، ولا يرتاب عاقلٌ في أن مدار الأمر على كتاب الله المقتفى وسُنَّة نبيه المصطفى . فأما الكتاب فقد تولى الله تعالى حفظه بنفسه ، ولم يكن ذلك إلى أحد من خلقه ، فقال تعالى : ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [ الحجر: ٩ ]، ولذا فإنه ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴾ [ فصلت : ٤٢] ، وقد ظهر مصداق ذلك مع طوال المدة ، وامتداد الأيام ، وتعاقب السنين . - ٥ - وأما السُّنَّة ، فإن الله تعالى وفق لها حُفَّاظًا عارفين وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين ، ينفون عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، فتنوعوا في تصنيفها ، وتفننوا في تدوينها؛ حرصًا على حفظها وخوفًا من ضياعها . وكان من أحسنها تصنيفًا ، وأجودها تأليفًا ، وأصحها حديثًا ، وأعمها نفعًا ، وأعودها فائدة ، وأحسنها قبولا عند الموافق والمخالف ، وأجلها موقعًا عند الخاصة والعامة: كتاب ((الجامع الصحيح)) لأبي عبد الله محمد بن: إسماعيل البخاري رحمه الله . فقد أصبح هذا الكتاب كنزاً للدين ، وركازًا للعلوم ، وصار بجودة نَقْده، وشدة سَبْكه حكَمًا بين الأُمَّة فيما يُراد أن يُعلم من صحيح الحديث وسقيمه ، .. إلا أحرفًا يراها المتفحص في كلام النقاد ، وسبحان من أبى التمام والكمال إلا لكتابه . ولقد كتب الله - تعالى - القبول لهذا الكتاب عند أهل العلم ، فانتشرت روايته ، واشتهرت حملته ، وسارت به الركبان ، وكيف لا وقد روي عن مصنفه أنه قال : (( أخرجته من نحو ستمائة ألف حديث وصنفته في ست عشرة سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله سبحانه وتعالى ، وما أدخلت. فيه إلا صحيحًا ، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله - تعالى - وصلیت رکعتین وتیقنت صحته )) . وقد استنبط بفهمه الثاقب من متون هذه الأحاديث معان كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب مناسبتها ، واستخرج لطائف فقه الحديث وترجم لأبوابه تراجم حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار حتى قال جمع من أهل العلم : فقه البخاري في تراجمه . - ٦ - وقد اعتنى أيضًا في كتابه بذكر آيات الأحكام ، فاستخرج منها الدلالات البديعة ، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة ؛ ولذلك قال الحافظ الإسماعيلي في ((المدخل)) : أما بعد ، فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألَّفه أبو عبد الله البخاري فرأيته جامعًا - كما سمي - لكثير من السنن الصحيحة ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها ؛ علمًا بالفقه واللغة وتمكنًا منها كلها وتبحرًا فيها ، وكان - رحمه الله - الرجل الذي قصر زمانه على ذلك فبرع وبلغ الغاية ، فحاز السبق وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير ، فنفعه الله ونفع به . ولما ترجمه الحافظ ابن حجر في التقريب قال: (( جبل الحفظ وإمام الدنيا في فقه الحديث )) . فأضحى هذا الكتاب أصح كتاب بعد القرآن واحتلّ من بين الكتب الصدارة والاهتمام ، فقضى العلماء أمامه الليالي والأيام ، فمنهم الشارح لما في ألفاظ متونه من المعاني والأحكام ، ومنهم الشارح لمناسبات تراجم أبوابه ، ومنهم المترجم لرجال أسانيده ، ومنهم الباحث في شرط البخاري فيه ، ومنهم المستدرك عليه أشياء لم يخرجها ، ومنهم المتتبع أشياء انتقدها عليه ، إلى غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة بالجامع الصحيح . فمن أقدم الشروح الجامع الصحيح : شرح الحافظ أبي سليمان الخطابي المتوفى سنة ٣٨٦ هـ المسمى ((معالم السنن))، وأكثره شرحٌ لغريب الحديث . ثم شرح الحافظ الداودي المتوفى سنة ٤٠٢ هـ ، وينقل عنه ابن التين . ثم شرح العلامة المهلب بن أحمد بن أبي صفرة المتوفى سنة ٤٣٥ هـ ، - ٧ - واختصره تلميذه : أبو عبيد الله محمد بن خلف بن المرابط الأندلسي الصيرفي المتوفى سنة ٤٨٥ هـ . ثم يأتي شرح أبي الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي المتوفى سنة ! ٤٤٩٠ هـ، وهو تلميذ المهلب، وأكثر من النقل عنه في كتابه . ولم يطبع من تلك الشروح قبل ابن بطال سوى كتاب الخطابي ، فيعد شرح ابن بطال - إلى الآن - هو أقدم شرح مطبوع الجامع الصحيح ، وأما كتاب الخطابي فهو صغير الحجم ، وغالبه شرح للغريب ، كما سبق . وإذا أردنا توصيف شرح ابن بطال لقلنا : إنه شرح فقهي بالدرجة الأولى، ومما يدل على ذلك اقتصاره في بعض الأبواب على قوله: « لا فقه في هذا الباب)) كما جاء في باب (( الفحولة من الخيل )) من كتاب الجهاد ، وغيره . وقال الكرماني في مقدمة شرحه لصحيح البخاري : وغالبه فقه الإمام مالك ، من غير أن يتعرض لموضوع الكتاب غالبًا . وشرح ابن بطال وإن غلب عليه الفقه إلا أنه قد جمع بين ثناياه أصنافًا من الفوائد البيانية واللغوية ؛ فهو كثير النقل عمن اعتنى بشرح الغريب مثل الخليل بن أحمد ، وأبي عبيد ، والخطابي ، والحربي ، وابن قتيبة ؛ وغيرهم. وضم إلى ذلك كثيرًا من المواعظ الزهدية والتذكير ، والتي هي من أعظم ما يميز الكتاب ، وقد أكثر الحافظ ابن حجر في شرحه من نقلها عنه . -٨ - ما تمیز به شرح ابن بطال أولا : من أقدم الشروح للجامع الصحيح ، ويُعَدَّ أقدم شرح يطبع للصحيح ، إذا غضضنا الطرف عن كتاب الخطابي لأنه شرح للغريب في غالب الأمر . ثانيًا : يعتبر نافذة نُطل من خلالها على ذاك الميراث الضخم الذي خلفه بعض أكابر أهل العلم ، والذي ابتلي المسلمون بغياب أكثره أو فقده ، فاعتنى ابن بطال بالنقل عنهم جملة وافرة ، وعلى رأس هؤلاء : ١ - محمد بن جرير الطبري . ٢ - ابن المنذر . ٣ - إسماعيل بن إسحاق . ٤ - المهلب بن أحمد بن أبي صفرة . ٥ - أبو عبد الله بن أبي صفرة . ٦ - ابن القصار . ٧ - الخليل بن أحمد . وغيرهم . ثالثًا : عناية ابن بطال بإيراد الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ومن دونهم في تفسير الآيات ، وفي الأحكام . رابعًا : عناية ابن بطال بنقل مذاهب السلف في المسائل الخلافية مع التوجيه والترجيح ، وذكر الأدلة ومناقشتها في الغالب وميله في أكثر الأحيان إلى التمسك بما يدل عليه الحديث ، والرد على من خالف ذلك . خامسًا : كثرة نقولاته عن الإمام مالك رحمه الله ، فقد اعتنى بروايات - ٩- أصحابه وأصحابهم ، حتى صار من المصادر العالية في توثيق نصوص مالك: والرواة عنه . سادسًا : أكثر ابن بطال من استنباط الفوائد المتنوعة من الألفاظ والعبارات الواردة في الأحاديث ، وقد ذكر بعض ذلك عمن سبقه كالطبري والمهلب ، وذكرها عنه مَنْ بَعْدَهُ كالحافظ ابن حجر ، والكرماني ، والعيني ، وغيرهم. وهذا مما دفع ما قد يعتري الناظر - في كتب الفقه والأحكام - من السآمة أحيانًا ، بحيث جعله ابن بطال شرحًا ممتعًا شيقًا ، يتنقل القارئ فيه. بين حُكمٍ وفائدة ، وموعظة ، وغير ذلك . : - ١٠ - التعريف بابن بطال (١) · اسمه ، ونسبه ، وكنيته : هو الشيخ العلامة الفقيه أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي ، ثم البَلَنْسِي . والبَلَنْسِي : بفتح الباء المنقوطة بواحدة واللام ، وسكون النون ، وفي آخرها السين المهملة . هذه النسبة إلى بلدة بشرق الأندلس من بلاد المغرب ، يقال لها : بَلَنْسية ( أنساب السمعاني ٢٩٧/٢). وذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان (١/ ٤٩٠) بياء خفيفة . أصله من قرطبة ، أخرجتهم الفتنة إلى بَلَنْسِية ، قاله ابن فرحون . وأما ما عرف به ابن بطال فقد وقع فيه اضطراب ، فقيل : ابن اللَّجَّام ، بالجيم كما في: ((السير))، و((تاريخ الإسلام))، و((معجم المؤلفين)). وجاء في (( شجرة النور الزكية)) : يعرف باللجام . بدون (( ابن )). وورد: ابن اللحام، بالحاء المهملة في (( الصلة)). وورد : ابن النجام، بالنون والجيم ، في (( ترتيب المدارك)) وليس في شيء من تلك المصادر ضبط بالحروف ، ولم يذكره الذهبي في (( مشتبه النسبة)) ، ولا ابن حجر في (( تبصير المشتبه)). (١) مصادر ترجمته : ترتيب المدارك (٨٢٧/٤)، والصلة (٤١٤/٢)، وسير أعلام النبلاء (٤٧/١٨)، والعبر (٢١٩/٣)، وتاريخ الإسلام وفيات سنة (٤٤٩) (ص ٢٣٣)، والديباج المذهب (١٠٥/٢ - ١٠٦)، وشذرات الذهب (٢٨٣/٣)، وشجرة النور الزكية (١١٥/١)، ومعجم المؤلفين (٨٧/٧)، وكشف الظنون (٦٨٨/٥)، وغيرها . - ١١ - وذكره ابن ناصر الدين في (( توضيح المشتبه )) في موضعين : الأول (٣٥٩/٧) قال: («لجَام، بالكسر والتخفيف ، وابن بطال علي ابن خلف يعرف بابن اللِّجَام، بكسر اللام مع التخفيف)) . الثاني (٤٥/٩) قال: ((النَّجَّام)) بالجيم المشددة - يعني والنون - وهو أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري القرطبي ثم البلنسي يعرف بابن النَّجَّامَ . و ((اللِّجَام)) بتخفيف الجيم هي الحديدة في فم الفرس، ثم سموها مع ما يتصل بها من سيور وآلة، المعجم الوسيط (٨١٦/٢). و ((اللَّجَّام)» بالتشديد هو صانع اللِّجَام وبائعه ... و «النَّجَّام)): هو المُنَجِّمُ، وهو من ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها ويستطلع من ذلك أحوال الكون ، المعجم الوسيط (٩٠٥/٢) شيوخه وتلاميذه : قال ابن بشكوال في (( الصلة)) : روى عن أبي المطرف القنازعي، وأبي الوليد يونس بن عبد الله القاضي ، وأبي محمد بن بنوش ، وأبي عمر بن عفيف وغيرهم ، وزاد ابن فرحون وغيره: والمهلب بن أحمد بن أبي صفرة. وقال القاضي عياض في (( ترتيب المدارك)): روى عنه أبو داود المقرئ، وعبد الرحمن بن بشر من مدينة سالم . وقال ابن بشكوال: (( حُدّث عنه جماعة من العلماء)). - ١٢ - · ثناء أهل العلم عليه : قال القاضي عياض: ((كان نبيلا جليلا متصرفًا)). وقال ابن بشكوال: (( كان من أهل العلم والمعرفة والفهم ، مليح الخط ، حسن الضبط ، عُنِيَ بالحديث العناية التامة ، وأتقن ما قَيَّد منه واستُقْضِي بلُورَقَة)) (١) . وقال في ((شجرة النور الزكية)): ((الحافظ المُحَدِّث الراوية الفقيه)). · مصنفاته : اتفق المترجمون له على أن له شرحًا لصحيح البخاري ، وزاد القاضي عياض: ((وله كتاب في الزهد والرقائق))، وزاد في ((شجرة النور الزكية)): ((الاعتصام في الحديث))، ومثله في ((معجم المؤلفين)). • عقيدته : إن الناظر في شرح ابن بطال ليتبين له من الوهلة الأولى أن ابن بطال شأنه شأن كثير من أهل العلم في عصره والعصور التي بعده قد جنحوا إلى تأويل صفات الرب - عَزَّ وجَلَّ - كالوجه ، واليد ، والعين ، والقدم ، والسمع، وأفعاله مثل الاستواء والإتيان والنزول ، وغير ذلك مما صحت به النصوص ونقلها الخلف عن السلف . فأما الوجه فقالوا : إنه الذات ، والعين قالوا : إنها العلم ، واليد قالوا: (١) أي ولي قضاء مدينة لُورَقَة، وهي مدينة من مدن الأندلس . انظر: معجم البلدان (٣٠/٥) . - ١٣ - إنها النعمة ، والاستواء قالوا : إنه الاستيلاء ، وغير ذلك من صفات الله - عَزَّ وجَلَّ - وأخطئوا في ذلك ووقعوا فيما أرادوا أن يفروا منه من وصفهم بالتجسيم والتشبيه إلى التأويل . وأما أهل السُّنَّة والجماعة فلم يتعرضوا لها بردٍّ ولا تأويل ، بل أنكروا على من تأولها مع إجماعهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين ، وأن الله - جَلَّ وَعَلا - ليس كمثله شيء ، وفوضوا كيفيته إلى الله ورسوله ولم يُعملوا العقل في ذلك بل آمنوا وكفّوا ، وهذا هو اعتقاد أهل العلم المبرزين - وأهل الحديث خاصة - تبعًا لما جاء به النبي وَ له ، وقال به من بعده الصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعون وتابعوهم ؛ وهو أن يوصف الله - عَزَّ وجَلَّ- بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وَله، ويصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل ؛ فإن الله - عَزَّ وجَلَّ - ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فمن نفى صفاته كان معطلا، ومن مثَّل صفاته بصفات مخلوقاته كان مشبهًا ، فالصواب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقين إثباتًا بلا تشبيه ، وتنزيهًا بلا تعطيل . ولذلك نجد إمام الأئمة ابن خزيمة - رحمه الله - يقول في كتابه («التوحيد )) (٢٦/١): فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه ، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين ، وعزَّ ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين ، وجل ربنا عن مقالة المعطلين ، وعزَّ عن أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون . وقال أيضًا (٢٧٣/١) : فنحن نؤمن بخبر الله - جَلَّ وعَلا - أن خالقنا مستوٍ على عرشه ، لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة الجهمية أنه استولى على عرشه لا استوى ، فبدلوا قولا غير - ١٤ - الذي قيل لهم كفعل اليهود لما أُمروا أن يقولوا : حطة ، فقالوا : حنطة ؛ مخالفين لأمر الله - جَلَّ وعَلا - كذلك الجهمية . ونحن إذ نذكر هذا نعذر من تلبس من علمائنا ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبَذَلَ وُسْعَهُ كابن بطال والنووي وابن حجر العسقلاني وغيرهم من أهل العلم ، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع حسن قصده وتوخيه اتباع الحق أهدرناه وتركنا ما برع فيه من العلوم الأخرى لقَلَّ من يسلم لنا من الأئمة . ولذا قال الإمام الذهبي في (( السير)) (٢٧١/٥): ثم إن الكثير من أئمة أهل العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه وورعه واتباعه ، نغفر له زلله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه ، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك . وقد أكثر ابن بطال - رحمه الله - في كتابه من تأويل أحاديث الصفات ، واعتمد في جل ذلك على ابن فورك في كتابه (( مشكل الحديث )) ، وابن فورك متجهم نحا منحى ابن الثلجي في تأويل أحاديث الصفات . وقد تتبعنا ما قابلنا من ذلك فألمحنا إلى فساده مع بيان الحق في ذلك بأخصر عبارة وأقصر إشارة، خلا كلامه في كتاب (( التوحيد )) ؛ فإنه أكثر من تأويل الصفات فيه مما جعل الرد عليه في كل موضع يثقل الحواشي ويطيل الكتاب، ولذا فقد اكتفينا بالرد عليه في عدة مواضع ، ونحيل القارئ في المواضع الأخرى إلى هذه المقدمة . وفاته : توفي - رحمه الله - في ليلة الأربعاء - وصُلِيَ عليه في صلاة الظهر - آخر يوم من صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة . - ١٥ - · منهج المصنف في كتابه : ١ - لم يتبين لنا حتى الآن الرواية التي اعتمد عليها ابن بطال في شرحه للصحيح ؛ فغالب الفروق بين شرحه الروايات الأخرى كانت موافقة لرواية أبي ذر الهروي ، ويظهر هذا جليًا عند مقابلة الشرح بالنسخة السلطانية للصحيح ، والتي يذكر في حاشيتها اختلاف الروايات للصحيح حتى كُدنا أن نجزم بأنه شرح عليها إلا أننا وجدناه يخالفها في مواضع كثيرة . وأما الحافظ ابن حجر في شرحه فقد أشار في بعض المواضع إلى أن ابن بطال قد اعتمد في شرح الصحيح على رواية الأصيلي ، كما في (٣٣٢/٢) في كتاب الأذان ، باب رقم (١٢٦) بعد الحديث رقم (٧٩٩) فقال : قوله : (باب)) كذا للجميع بغير ترجمة إلا للأصيلي فقد حذفه وعليه شرح ابن بطال وفي (١٦١/٢) قال: كذا في رواية أبي ذر وكريمة، والباقين (( من محمد )) وعليه شرح ابن بطال ومن تبعه. وفي مواضع أخرى يشير إلى أنه قد اعتمد في شرحه على رواية النسفي كما في (٥٠١/١٠) في كتاب الأدب تحت باب ستر المؤمن على نفسه فقال: ((إلا المجاهرون )) بالرفع وعليها شرح ابن بطال وابن التين . ٢ - لم يتعرض المصنف لشرح كل كتب صحيح البخاري فضلا عن أبوابه، بل كان جل اهتمامه بما له متعلق بالأحكام الفقهية . فهناك كتب لم يذكرها في شرحه كبدء الخلق والتفسير والفضائل ومناقب الصحابة والمغازي. ٣ - يذكر المصنف اسم الباب ثم يسرد الأحاديث التي وردت فيه ويقوم بحذف الإسناد في أول الحديث ويبدأ بذكر الصحابي راوي الحديث ، وأحيانًا يذكر من روى عن الصحابي فيقول : فيه ابن عمر - مثلا - قال ... ثم يذكر متن الحديث . - ١٦ - ٤ - يختصر المصنف متون الأحاديث عندما يسردها ، فأحيانًا يكون اختصاره من أولها ، وأحيانًا أخرى في أثنائها ، وكثيرًا ما يختصر آخرها ويقول :... الحديث، وأحيانًا يذكر الحديث بالمعنى. ٥ - يدمج المصنف بعض الأبواب مع بعض فيذكر الحديث ثم يقول : وترجم له بباب كذا ، ثم لا يذكر الباب . ٦ - يترجم المصنف أحيانًا لبعض الأبواب ويعرض عن ذكر أحاديثها وشرحها ، ثم يقول : ليس فيه فقه ، أو لا فقه في هذا الباب . ٧ - لم يتعرض المصنف لمناسبة الأحاديث لتراجم الكتاب إلا في النادر. رغم أن هذه من أعظم فوائد الكتاب . ٨ - يذكر المصنف شرح بعض الألفاظ الغريبة في الأحاديث دون استقصاء، ويعتمد في ذلك غالبًا على أبي عبيد والخطابي والحربي وابن قتيبة وصاحب الأفعال وصاحب العين . ٩ - ينقل المصنف المذاهب الفقهية المتعلقة بأحاديث الباب ويهتم بنقل مذهب الإمام مالك مع التوجيه والترجيح وذكر الأدلة ومناقشتها ، ويتمسك في الغالب بما يدل عليه الحديث وإن خالف مذهبه ، ويرد على من خالف ذلك . ١٠ - أكثر ابن بطال في شرحه من استنباط الفوائد المتنوعة من الألفاظ والعبارات الواردة في الأحاديث . ١١ - لم يترك المصنف مدخلا ولا موضعًا يحتاج إلى تذكير أو وعظ إلا وأدلى فيه بدلوه . - ١٧ - : التوصيف العلمي للمخطوطات ١٠ - النسخة (( الأصل) : وهي نسخة عتيقة من محفوظات دار الكتب المصرية ومسجلة تحت رقم [٨٥٦] حديث طلعت ، وعدد مجلداتها أربع مجلدات من القطع الكبير ، وكل ورقة منها تتكون من وجهين ، وعدد أسطر كل وجه ٣٥ سطرًا ، وعلى حاشيتها بعض التعليقات والتصويبات لا يعلم كاتبها ويكتب فوق التعليق حرف (( ح))، وما كان بخط الناسخ وهو من الأصل كتب فوقها (( صح))، وكتبت بخط نسخي جيد بخط الشيخ أبي بكر بن أبي الفضل بن عامر الحلبي الحنفي ، وتم الفراغ من نسخها في العاشر من شهر شعبان سنة ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة . ويبدأ المجلد الأول من أول الكتاب باب ((كيف بدء الوحي))، وينتهي عند باب ((ذكر شرار الموتى)) من كتاب الجنائز، وعدد أوراقه ( ٢٤٨) : ورقة . ويبدأ المجلد الثاني من أول كتاب الزكاة باب (( وجوب الزكاة )»، وينتهي أثناء كتاب الأيمان والنذور ، وعدد أوراقه (٢٥٢) ورقة . ويبدأ المجلد الثالث من باب («الوفاء بالنذر)» ، وينتهي أثناء كتاب الخيل باب (( ما يكره من الاحتيال » ، وعدد أوراقه (٢٥٣) ورقة . ويبدأ المجلد الرابع من باب ((في الهبة والشفعة )) أثناء كتاب الفرائض ، وينتهي عند آخر الكتاب عند باب (( قوله تعالى : ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)))، وعدد أوراقه (٢٤٨) ورقة. - ١٨ - ٢ - النسخة (( هـ)): وهي نسخة المكتبة الأزهرية والمحفوظة بها تحت رقم [٣٨٣٧] حديث ، وعدد مجلداتها (٣) مجلدات ، وهي ناقصة المجلد الثاني ، وقطعها متوسط ومسطرتها (٢٧×١٦ سم)، وتتكون من وجهين ، كل وجه فيه (٢٥) سطرًا، وهي بخط نسخي جميل بخط الشيخ علي بن عمر بن عبد الله ، وتم الفراغ من نسخه سنة سبعمائة وثمانين من الهجرة ، ويبدأ المجلد الأول من أول الكتاب باب (( بدء الوحي)) إلى آخر باب ((زيارة القبور)) من كتاب الجنائز، وعدد أوراقه (٣٥٢) ورقة . ويبدأ المجلد الثالث من أول كتاب الأضاحي إلى آخر باب (( ما يكره من الاحتيال))، وعدد أورقه (٣٨٧) ورقة . ويبدأ المجلد الرابع من أول باب (( الحيل في الفرار من الطاعون )) إلى آخر الكتاب ، وعدد أوراقه (٣٩٧) ورقة . ٣ - النسخة ((ح): وهي نسخة مكتبة الزاوية الحمزاوية ، وتتكون من مجلد واحد وهو الجزء الرابع من هذه النسخة الموافقة للنصف الثاني من النسخة الأخرى من هذا الشرح ، وتشتمل على كتاب الزكاة ، وكتاب الصوم ، وكتاب الاعتكاف ، وكتاب الحج . وهي من القطع المتوسط أيضًا ، ومسطرتها (٢٢ × ١٦ سم) ، وعدد أوراقها (١٩٤) ورقة، كل ورقة تتكون من وجهين ، كل وجه فيه (٢١) سطرًا . وبالنسخة آثار أرضة ورطوبة طاغية أفضت إلى تآكل أطرافها ، وكتبت - ١٩ - بخط أندلسي قديم ، وهي نسخة جيدة قليلة التحريف والسقط ، وكتبت في سنة (٨٨٦ هـ)، وتبدأ بكتاب الزكاة باب (( وجوب الزكاة))، وتنتهي عند آخر باب (( متى يرجع من جمع » أثناء كتاب الحج . · عملنا في الكتاب : نظرًا لكبر حجم الكتاب وطبيعة كونه شرحًا ، فلم نرغب في إطالته أكثر من ذلك وإثقال الحواشي بتخريج أحاديثه وأقوال الأئمة والإكثار من التعقيب على المصنف ، خاصة في مسائل العقيدة وتأويل الصفات ، فاقتصرنا على التنبيه في بعض المواضع ونحيل القارئ إلى ترجمة المؤلف في هذه المقدمة ، واقتصر عملنا في هذا الكتاب على ما يلي : ١ - اتخذنا من نسخة دار الكتب المصرية أصلا في ضبط الكتاب ، فقمنا بقراءتها قراءة متفحصة، ثم قمنا بنسخها ورمزنا لها بـ (( الأصل)). ٢ - استعنا بنسخة المكتبة الأزهرية كنسخة مساعدة في ضبط النص ، واستوضاح بعض الطمس واستدراك بعض السقط من النسخة الأصل ، ورمزنا لها بالرمز (( هـ)). ٣ - واستعنا بالنسخة الحمزاوية كنسخة مساعدة في الجزء الذي سقط من النسخة الأزهرية ، ورمزنا لها بـ (( ح)). ٤ - استعنا في ضبط متن صحيح البخاري بنسخة دار الشعب والمصورة عن النسخة السلطانية نظرًا لأنها أضبط نسخة لمتن الصحيح ، وعلى حاشيتها فروق الروايات للصحيح، فما وجدناه في ((الأصل)) أو (( هـ )) مخالفًا لها ولم نجد له رواية أثبتناه منها ونبهنا على ذلك في الهامش، ورمزنا لها بلان)). ٥ - قمنا بتنظيم فقرات النص وكتابته بما هو متعارف عليه في عصرنا من - ٢٠ -