النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ المُخَضْرَمُون ليكون كتابه جامعاً مستوعباً لأهل القرن الأول. والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين، سواء عُرِفَ أنّ الواحد منهم كان مُسْلِماً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كالنَّجَاشِي معهم، (ليكون كتابه جامعاً) أي حاوياً لهم ولُأَشْبَاهِهِم لا لكونهم صحابة، (مستوعباً لأهل القرن الأول) أي من أهل الإِسلام، أي سواء تشرّفوا برؤيته عليه الصلاة والسلام كالصحابة، أو حُرِموا من هذه السعادة كالمُخَضْرَمين. فالصواب أنّهم من التابعين، وإنّما الخلاف في أنهم [١٥٤ - ب] معدودون من كبار التابعين / ١٠٧ - ب / أو من صغارهم بناءً على الاكتفاء برؤية الصحابي(١)، أو على طول الملازمة. (والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين،) أي مطلقاً لإِدراك شرف زمانه(٢) صلى الله تعالى عليه وسلم ولكِبَر سنهم المقتضي أن يكونوا من الكبراء، بخلاف صغار التابعين، فإنهم ليسوا على مِنْوَال ذلك، والظاهر أنهم كلهم أدركوا الصحابة، ولذا جزم المصنف بما ذكره، فاندفع ما قال محشٍ فيه: إنه يحتمل أن يكون بعضُ المخضرمين لم يلقَ صحابياً أصلاً، فلا يصدق عليه تعريف التابعي كما لا يصدق عليه تعريف الصحابي. انتهى. وقد علمتَ أن هذا مجردُ احتمال عقلي . (سواء عُرِفَ) أي اشْتُهِر، (أن الواحد) أي، (منهم كان مسلماً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كالنّجَاشي) بفتح النون، وتخفيف الياء على الأصح، وكاُوَيْس (١) في (ج) الصحابة. (٢) في (د) زمنه . ٦٠٢ المُخَضْرَمُون أو لا، لكن إنْ ثبت أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء كُشِفَ له عن جميع مَنْ في الأرض فرآهم، فينبغي أنْ يُعَذَّ مَنْ كان مؤمناً به في حياته إذ ذاك القَرَني، فإنه سيد التابعين على ما ورد في حقه(١). (أوْ لا) أي أوْ لم يعرف أنه كان مسلماً في زمنه عليه الصلاة والسلام، بمعنى لم يشتهر لكنه كان مسلماً في نفس الأمر، وإنما قلنا هذا ليصح كونه من المخضرمين لا من الصحابة، ولا من التابعين، فإنه بالإِسلام السابق يتميز عن التابعي، وبعدم الرؤية ينحط عن مرتبة الصحابي (٢) فتأمل، فإنه محل زلل. ١٨٧ (لكن) استدراك من قوله: والصحيح ... إلخ، (إن ثبت أن / النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء كُشف له عن جميع مَن في الأرض فرآهم) أي تفصيلاً لا مجملاً. قال التلميذ: قيل: [إن](٣) الذي ذكره المصنف فيما تقدم من أن الصحبة من الأحكام الظاهرة يدل على أنه لو ثبت لا يدل على الصحبة، لأن ما في عالم الغيب لا يكون حكمه حكم ما في عالم الشهادة. قلت: [١٥٥ - أ] الحق أن الأمور الحاصلة له صلى الله تعالى عليه وسلم بالكشف حكمها حكم الأمور (٤) الحاصلة له بالعيان، ولا علاقة لما ذكره في الصحبة بهذا لأن ذلك في الظاهر الذي يقابل الاعتقاد والله سبحانه أعلم. (فينبغي أن يُعَدَّ مَنْ كان مؤمناً به) أي منهم، (في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذاك) أي وقت الإِسراء وهو ظرف لقوله: مؤمناً به، وغَفَل عن هذا القيد محشٍ حيث قال: الواجب أن يعد في الصحابة مَن كان مؤمناً به في هذه الليلة لا في حياته مطلقاً، لجواز أن يكون إيمانه بعد هذه الليلة ولم يلاق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا تكون الرؤية حال كونه مؤمناً به فلا يكون صحابياً، (١) أخرج مسلم في صحيحه ١٩٦٨/٤، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب من فضائل أويس القرني (٥٥) رقم (٢٢٤ - ٢٥٤٢)، عن عمر قال: إني سمعت رسول الله و له يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس ... )). (٢) في (ج) في الصحابة. (٤) في (د) الإحكام. (٣) زيادة من (٥). ٦٠٣ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع وإن لم يلاقه، في الصحابة، لحصول الرؤيةِ مِن جانبه عليه الصلاة والسلام. (فـ) القسم (الأول) مما تقدم ذكره من الأقسام الثلاثة، وهو ما ينتهي إلى النبي ◌َّ غاية الإِسناد، ولجواز(١) أن يموت مؤمناً غير ملاقٍ له قَبْلَ تلك الليلة. انتهى. ولعل قوله: إذ ذاك لم يكن في نسخة كما وجدنا بعض النسخ /١٠٨ - أ/ خالياً منه، وهو ملحق في أصلنا مصحح عليه، وعلى كل تقدير، فهو المراد سواء يكون مذكوراً أو مقدراً. (وإن لم يلاقه) أي في عالم الدنيا، (في الصحابة) أي في جملتهم معدودين منهم حقيقة ولا يخفى أن القيد الأخير مُسْتَدْرَك، إذ الكلام في مَن لم يلاقه، والأظهر أنه أراد: وإن لم تقع الملاقاة والرؤية من جانب ذلك الواحد على ما هو الأصل من نسبة الملاقاة للأدنى إلى الأعلى، وإنما وقع الملاقاة هنا ابتداء من جانبه صلى الله تعالى عليه وسلم فقط، كما هو ظاهر بمعاونة مقام الإِسراء ولذا قال: (لحصول الرؤية من جانبه عليه الصلاة والسلام) وإنما يلزم من لُقِيّ أحدهما لُقِي الآخر بأن يكونا كلاهما في عالم المُلك والملكوت، وبهذا يندفع قول [١٥٥ - ب] التلميذ قوله: وإن لم يلاقه ليس بجيد، لأنه تقدم له أن اللَّقيّ يصدق برؤية أحدهما الآخر، فكان الأولى أن يقول: وإن لم يجتمع معه. انتهى. وأنت تعلم أن الاجتماع يرفع (٢) مادة النزاع. [تلخيص المرفوع، والموقوف، والمقطوع] (فالقسم الأول مما تقدم ذكره من الأقسام الثلاثة وهو) أي القسم الأول، (ما ينتهي) أي حديث يصل، (إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غاية الإِسناد) أي نهاية إسناد رجال ذلك الحديث، وفي نسخة: إليه وهو تكرير وتوكيد لقوله: إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. (١) في (ج) و(د) ويجوز. (٢) عبارة الأصول كلها أن الاجتماع ما يرتفع مادة النزاع. وما أثبتناه من حاشية لقط الدرر ص ١١٩. وهو الأنسب. والله أعلم. ٦٠٤ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع وهو (المَرْفُوع) سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متَّصل أَوْ لا، (وهو المرفوع)(١)، قال محشٍ: إن هذا هو قسم الإِسناد لا المتن، فقوله: غاية الإِسناد من وضع(٢) الظاهر موضع الضمير، ويشعر بذلك قوله فيما بعد: [ما ينتهي إلى الصحابي](٣)، ما ينتهي إلى التابعي. انتهى. وفيه أن المرفوع، والموقوف، والمقطوع مِن أوصاف متن الحديث لا إسناده، فيتعين ما حررناه. غايته أنه أورد فيما سبق لفظ الغاية في الأخيرين، وترك في الأول، وهناك ترك في الأخيرين وذكر / في الأول تفنناً، وقال التلميذ: لفظ غاية زائد [كما تقدم](٤). انتهى. وتعدّد منه هذا الاعتراض وهو مدفوع بما ذكرنا هنا، وبما تقدم والله سبحانه أعلم . ١٨٨ ويؤيد ما ذكرناه من أن المراد به ههنا أقسام المتن الحاصل من أقسام الإِسناد قوله: (سواء كان ذلك الانتهاء) أي انتهاء إسناد ذلك الحديث، (بإسناد متصل) وهو أعم من أن يكون مرفوعاً، أو موقوفاً، (أوْ لا) بأن يكون منقطعاً، كما أن المرفوع أعم من أن يكون أضافه إليه صحابي، أو تابعي، أو مَن بعدهما حتى يدخل فيه قول المصنفين ولو تأخروا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، على ما ذكره السخاوي(٥). [١٥٦ - أ] فهذا دليل صريح على أن المرفوع حقيقة نعت متن الحديث، /١٠٨ - ب/ (١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٤٥، وارشاد طلاب الحقائق ص ٧٥، والموقظة ص ٤١، والخلاصة في أصول الحديث ص ٤٩، والباعث الحثيث ص ٤٣، وقفو الأثر ص ٨٩، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٧، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٥٢، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١١٧/١، وتدريب الراوي ١٨٣/١، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٢١، وقواعد في علو الحديث ص ٣٨، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٢٥. (٢) في (ج) و(د) موضع. (٣) سقط من (د). (٤) سقط من (د). (٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ١١٨/١ . ٦٠٥ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع. (والثاني: المَوْقُوف) وهو ما ينتهي إلى الصحابي، (والثالث: المَقْطُوع) وهو ماينتهي إلى التابعي. (ومَنْ دونَ التابعي) من أتباع التابعين فمن بعدهم (فيه) أي في التسمية (مثله) أي مثل ما ينتهي إلى التابعي وقد يطلق على مجموع المتن والإِسناد أو على الأخير مجازاً، فبطل قول المحشي : في العبارة مسامحة، فإنّ هذه الأسماء إنما هي للمتن وقد جعله للإِسناد. انتهى. وبأن المسميات الثلاث ينظر فيها إلى ما يُشْعِر به أسماؤها، فالمرفوع إلى الإِضافة الشريفة خاصة، والمتصل إلى الاتصال، والمسند إليهما معاً. (والثاني الموقوف(١)، وهو ما ينتهي) أي حديث ينتهي إسناده (إلى الصحابي) متصلاً كان أو منقطعاً (٢). (والثالث المقطوع(٣)، وهو) عند الإِطلاق (ما ينتهي إلى التابعي ومَن دون التابعي من أتباع التابعين فمن بعدهم، فيه أي في التسمية) أي في اشتراك التسمية (مثله) بالرفع على أنه خبر الموصول، (أي مثل ما ينتهي إلى التابعي). (١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٤٦، وارشاد طلاب الحقائق ص ٧٥، والموقظة ص ٤١، والباعث الحثيث ص ٤٣، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٣، ومعرفة علوم الحديث ص ١٩، وقفو الأثر ص ٨٩، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٧، وفتح المغيث ((العراقي)) ص ٥٤، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١٢٣/١، وتدريب الراوي ١٨٤/١، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٢١، وقواعد في علوم الحديث ص ٤١، ومنهج النقد في علوم الحدیث ص ٣٢٦. (٢) في (ج) منفصلا. (٣) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٤٧، وارشاد طلاب الحقائق ص ٧٨، والباعث الحثيث ص ٤٤، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٤، وقفو الأثر ص ٨٩، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٧، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٥٥، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١٢٥/١، وتدريب الراوي ١٩٤/١، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٢١، وقواعد في علوم الحديث ص ٤١، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٢٧. ٦٠٦ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع في تسمية جميع ذلك مقطوعاً، وإنْ شئتَ قلتَ: موقوف على فلان . قال التلميذ: في هذا صرف الضمير إلى خلاف من هو له، فإنه في قوله: فيه للمقطوع، وفي: مثله للتابعي لا للمقطوع، فعلى ظاهره يصير أن مَن دون التابعين مثل المقطوع، ولا يخفى ما فيه، فكان الأولى أن يقول: فيه أي في المقطوع مثله، أي مثل التابعي في أنّ ما ينتهي إليه يسمى مقطوعاً. انتهى. وفيه أنّ معنى كلام المصنف: حديث مَن دون التابعي مثل المقطوع، وهو حديث التابعي في التسمية، ولا محذور فيه أصلاً لا لفظاً ولا معنى، وتقدير المضاف كثير لصحة المبنى، ويدل على ما ذكرناه قوله : (في تسمية جميع ذلك مقطوعاً) حيث أعاد ذلك توضيحاً، وإلى المقصود تلويحاً، وحاصله أن قوله: مثل ما ينتهي إلى [١٥٦ - ب] التابعي تفسير لقوله: فيه مثله، لا لمثله فقط لأنه ذكر في التفسير قوله: في تسمية جميع ذلك مقطوعاً، نعم بظاهره يلزم تشبيه من دون التابعي بالإِسناد المنتهي إلى التابعي، ويندفع بالمضاف المقدر، فكان الأولى رجع(١) الضمير في مثله إلى التابعي، أو يقول مِن أول الأمر: وما ينتهي إلى مَنْ دون التابعي مثله، أي مثل ما ينتهي إلى التابعي. هذا، ورجع الضمير المذكور في قوله: ((فيه)) إلى التسمية، إما بتأويل الإِطلاق، أو باعتبار التسمية بمعنى المسمى مصدراً ميمياً، أو لأن المصدر يذكّر ويؤنّث. (وإن شئتَ قلتَ) أي في التابعين ومَن دونه، (موقوفٌ على فلان) مثل: وَقَفَهُ ١٨٩ مَعْمَر على هَمّام، وَوَقَفَهُ مالك على نافع. / في الخلاصة(٢): المرفوع ما أضيف إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة من قول، أو فعل، أو تقرير، [سواء كان](٣) متصلاً أو منقطعاً، هذا هو المشهور. وفي ((الجواهر)) (٤): قيل [هو](٥) ما (١) في (د) رجوع. (٢) ص ٤٩. (٣) زيادة من الخلاصة ص ٤٩. (٤) جواهر الأصول في علم حديث الرسول ص ٢٨. (٥) سقط من (ج). ٦٠٧ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع فحَصَلَت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع، أَخْبَرَ به الصحابة خاصة عن فعله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو قوله. وأيضاً في ((الخلاصة))(١): الموقوف عند الإطلاق ما روي عن الصحابي مِن قول أو فعل أو نحو ذلك، متصلاً أو منقطعاً. وقد يستعمل في /١٠٩ - أ/ غير الصحابي مقيَّداً مثل: وَقَفَهُ مَعْمَر على هَمَّام. والمقطوع ما جاء من التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفاً عليهم، واستعمله الشافعي، وأبو القاسم الطبراني في المنقطع. والمنقطع: هو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان، سواء تُرِك الراوي من أول الإِسناد، أو وسطه أو آخره، إلا أنه أكثر ما يوصف بالانقطاع رواية [١٥٧ - أ] مَن دون التابعي [عن الصحابي](٢). انتهى كلامه. وقد خصّه المصنف فيما سبق بما يكون الترك في آخر إسناده بشرط عدم التوالي، وحاصل كلامه هنا(٣): أنك إن استعملت الموقوف فيما جاء عن التابعين، ومَن بعدهم، فقِّدْه بهم فقلْ: موقوف على عطاء، أو على طاووس أو نحو ذلك. (فحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع، والمنقطع) تفريع على قوله: والثالث المقطوع ... إلخ، والفرق بينهما باعتبار ما ذكر في هذا الكتاب، إنما هو المباينة كما هو الظاهر من ظاهر العبارة، وأما باعتبار ما ذكر في الخلاصة، فعموم من وجه، فإن المقطوع ما ينتهي إلى التابعي سواء سقط من إسناده شيء أم لا، والمنقطع ما سقط من إسناده شيء، انتهى إلى التابعي أم لا، وحاصل كلامه أنه حصل التفرقة في الاصطلاح المعتبر عنده مما ذُكر هنا من تعريف المقطوع، ومن (١) ص ٦٣ . (٢) سقط من (د). (٣) في (د) هناك. ٦٠٨ تلخيص المرفوع والموقوف والمقطوع فالمنقطع مِن مباحث الإِسناد، كما تقدم، والمقطوع من مباحث المتن، كما تَرَى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس تَجَوّزاً عن الاصطلاح. (ويقال للأَخيرَين) أي المَوْقُوف والمَقْطُوع (الأَثَر) أنه [مِنْ](١) مباحث المتن مع [ما](٢) ذكر سابقاً في مباحث الإِسناد من تعريف المنقطع، وأنه من مباحث الإِسناد. (فالمنقطع من مباحث الإِسناد كما تقدم) (٣) وفيه نظر لأن ما تقدم أن المنقطع هو المتن الذي سقط من آخر إسناده بشرط عدم التوالي، فما ظهر من عبارة المصنف عكس ما ادعاه، حيث ظهر منها فيما سبق أن المنقطع من مباحث المتن، وظهر هنا أن المقطوع من مباحث الإسناد لكنه مسامحة كما تقدم. (والمقطوع من مباحث المتن كما ترى) بالخطاب على صيغة المعلوم أو بالغيبة على صيغة المجهول، يعني أنه يقال: سند منقطع، وحديث مقطوع. (وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا) أي المقطوع في موضع المنقطع، [١٥٧ - ب] (وبالعكس) أي في بعض آخر بعسكه(٤)، (تجوزاً عن الاصطلاح) أي تجاوزاً(٥) عنه إلى إرادة المعنى اللغوي. (ويقال) أي قليلاً (الأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر). واعلم أن الفقهاء يستعملون الأثر في كلام السلف، والخبر في حديث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: الخبر والحديث [ما جاء](٦) [عن](٢) النبي صلى الله تعالى (١) زيادة من المحقق يقتضيها السياق. (٢) سقط من المطبوعة. (٣) ص ٤١٢. (٤) في (ج) بالعكس. (٥) في (د) تجوزاً. (٦) سقط من (ج). ٦٠٩ المسند (والمُسْنَدَ) في قول أهل الحديث: هذا حديث مُسْنَد، هو (مَرْفُوعُ صحابيٍّ بسَنَدٍ ظاهره الاتصال). فقولي: ((مرفوع)) كالجنس، وقولي: ((صحابي)) كالفصل يُخْرِج ما رفعه التابعي، فإنه مُرْسَل، أو مَنْ دونه فإنه مُعْضَل أو مُعَلَّق. عليه وسلم، والأثر أعم منهما، وهو الأظهر. [المُسْنَد] (والمُسْنَد /١٠٩ - ب/) اسم مفعول من الإِسناد (في قول أهل الحديث:) أي في إطلاقهم، (هذا حديث مسند هو) ضمير فصل/ (مرفوعُ صحابي) مرفوع ١٩٠ مضاف على الخبرية، (بسند ظاهره الاتصال). (فقولي: ((مرفوع)) كالجنس)(١) أي يشمل المحدود وغيره. (وقولي: ((صحابي)) كالفصل(١) يُخرِج) بضم الياء، وكسر الراء، (ما رفعه التابعي) بأن قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، (فإنه مرسَل، أو مَن دونه) [أي دون التابعي](٢) (فإنه مُعَضل) أراد بكونه مرفوعَ الصحابي أن لا يترك الصحابي في الإِسناد واحداً، وبمرفوع التابعي أن يَتْرُك التابعيُّ الصحابيَّ من الوسط، وبمرفوع مَن دون التابعي أن يَتْرُكَ هو التابعيَّ والصحابيَّ [أيضاً من الوسط](٣). (أو معلق) قيل: أو لمنع الخُلُوّ، وإلا فقد مرّ أنه يمكن اجتماعهما، وقيل: إنه مُعْضَل إن كان الساقط اثنين فصاعداً مع التوالي، ومعلق إن كان الساقط من مبادىء السند، يعني رَفَعه مصنف من المصنفين الذي منه مبدأ الإِسناد. هذا، والأولى أن يذكر المنقطع أيضاً. (١) انظر تعريف الجنس والفصل ص ١٧٤ تعليق رقم (٤) و(٥). (٢) زيادة من هامش (د). (٣) سقط من المطبوعة. : ٦١٠ المسند وقولي: ((ظاهره الاتصال)) يُخْرِج ما ظاهره الانقطاع، ويُدْخِل ما فيه الاحتمال، وما يوجد فيه حقيقة الاتصال مِن باب الأولى، ويُفْهَم من التقييد بالظهور أنَّ الانقطاع الخفي، كعنعنة المدلِّس، والمُعَاصِر الذي لم يَثْبُت لُقِيُّه، لا يُخْرِج الحديث عن كونه مسنداً، لإطباق الأئمة الذين خَرَّجُوا المسانيد على ذلك. (وقولي: ((ظاهره الاتصال)) [يخرح](١) ما ظاهره الانقطاع) كالمرسَل الجلي، وكذا يُخْرِج ما يساوي احتمال الاتصال والانقطاع بحسب الظهور والخفاء، (ويدخل) [من الإِدخال](٢)، (ما فيه الاحتمال) أي احتمال الاتصال والانقطاع، [١٥٨ - أ] كالمرسل الخفي لكن ينبغي أن يكون الاتصال أرجح ليصدق التعريف. (وما يوجد) أي يدخل أيضاً ما يوجد (فيه حقيقة الاتصال من باب الأولى) يعني إذا كان ما ظاهره متصلاً داخلاً في التعريف، فما كان في الحقيقة متصلاً كان دخوله في التعريف أولى، وليس المراد أن ما توجد فيه حقيقة الاتصال داخل فيما ظاهره الاتصال، لأن ما يكون متصلاً حقيقة يمكن أن يكون منقطعاً ظاهراً، وأنت خبير بأن دخول بعض الأفراد في التعريف بطريق الأولوية غير مستحسن. (ويفهم من التقييد بالظهور، أن الانقطاع الخفي كعنعنة المُدَلَّس، والمعاصر الذي لم يثبت لُقُِّهِ) وهو المرسل الخفي. قال السخاوي: وغيرهما مما ظاهره الاتصال، وقد يُفَتَّشُ فيوجد منقطعاً. (لا يخرج الحديث عن كونه مسنداً لإطباق الأئمة) أي اتفاق أئمة الحديث (الذين خَرَّجوا) بتشديد الراء بمعنى أخرجوا، (المسانيد) أي أحاديثَها (على ذلك) (٣) أي على ما ذكرناه مفصلاً. واعلم أنه قال الخطيب: المسند ما اتصل سنده (١) سقط من المطبوعة. (٢) سقط من (ج) (٣) وهذا التفسير للمسند لم نجد أحداً سبق به، بل وجدنا ما يدل على خلافه، فقد وجدنا في المسانيد = ٦١١ المسند وهذا التعريف موافقٌ لقول الحاكم: ((المُسَنَد ما رواه المُحَدِّث عن شيخ يَظَهر سماعه منه، وكذا شيخه عن شيخه، متصلاً إلى صحابي إلى رسول الله وَالي)). من رواته إلى منتهاه، وأكثر ما يُستعمل في ما جاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دون غيره. وقال الحاكم(١): هو ما اتصل سنده مرفوعاً إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال ابن عبد البر: هو ما رفع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم متصلاً كان أو منقطعاً. فهذه/ ١١٠ - أ/ ثلاثة أقوال، وعلى كل قول منها فالمسند ينقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف . ذكره ابن جماعة في ((منهل الروي في أصول الحديث النبوي))(٢). (وهذا التعريف موافق لقول الحاكم: المسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه، وكذا شيخه عن شيخه متصلاً إلى صحابي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) [١٥٨ - ب] وفيه أنه إن أريد بقيد ظهور السماع ما يتبادر منه، وهو أنه يسمع منه ويكون سماعه منه ظاهراً، فالتعريف مخصوص بمتصل السند، فلا يدخل فيه ما فيه الاحتمال والمدلَس والمرسَل الخفي، فينبغي أن يراد بالموافقة بينه وبين تعريف الحاكم الموافقة في الجملة بالإِضافة(٣) إلى التعريفين، فإنّ أَوْفَقِيَّتَهُ بالنسبة [إلى تعريف](٤) ابن / عبد البر أظهر من أن يخفى. ١٩١ = أحاديث منقطعة كثيرة، نسرد لك ما استخرجناه بتتبع مئتي حديث من أول مسند أحمد وهي ذوات الأرقام: ٧، ١٨، ٢٧، ٣٧، ٤٦، ٤٩، ٦٠، ٦٢، ٦٤، ٦٥، ٦٦، ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧١، ٨١، ٩٨، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٣، ١١٥، ١١٨، ١٢٦، ١٣٢، ١٤٠، ١٤٢، ١٩٣، ١٩٤ . فهذه ثلاثون حديثاً وُجِدَتْ في مئتي حديث نبّه العلامة أحمد شاكر على انقطاعها، ومنها ما هو ظاهر الانقطاع، ثم إنّ الحاكم قد صرح بنفي التدليس عن المسند، فلا يصح قول الحافظ - ابن حجر -: ((وهذا التعريف موافق لقول الحاكم ... )) نقلاً عن منهج النقد في علوم الحديث لاستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص ٣٤٩ - ٣٥٠ تعليق رقم (٢). (١) معرفة علوم الحديث ص ١٧ . (٢) ص ٣٩. (٣) في المطبوعة: بإضافة. (٤) سقط من (ج). **. ٦١٢ المسند وأما الخطيب فقال: ((المُسْنَد المُتَّصِل)). فعلى هذا الموقوفُ إذا جاء بسند متصل يسمى عنده مُسْنَداً، لكنه قال: ((إنَّ ذلك قد يأتي بقلّة)). وأما بالنسبة إلى تعريف الخطيب، فلأن في تعريفه ما في تعريف الحاكم من جهة المخالفة مع أمر آخر، وهو صدقه على الموقوف، فهو ليس بجامع، وهذا أي تعريف الحاكم مانع ولكنه ليس بجامع، وإن أريد ما يكون ظاهره السماع على قياس قوله: ظاهره الاتصال، فالتعريفان متساويان ومتوافقان، لكنه إنما يظهر دلالة قوله: ((يظهر سماعه)) على الأول. (وأما الخطيب) وهو الحافظ أبو بكر البغدادي (فقال: ((المسند المتصل)). فعلى هذا) [أي على تعريفه](١)، (الموقوفُ إذا جاء بسند متصل يُسَمَّى عنده مسنداً) فيشمل المرفوع، والموقوف، بل المقطوع أيضاً. (لكنه قال: ((إن ذلك) أي الموقوف المتصل السند، (قد يأتي بقلة))) وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، نوقش في العبارة بأن قوله: بقلّة مستدرك، لكون ((قد)) مفيداً للقلة، ودفع بأنه ذكر تأكيداً؛ واستشكل بما في بعض النسخ: قد يأتي لكن بقلة، فإن لكن إنما تكون لدفع التوهم الناشىء مما قبله، وأجيب: بأن ((قد)) هنا للتحقيق الصِّرف، فإنّ ((قد)) في الحال إنما تكون للتحقيق فقط لا للتقليل كما صرح به ((اللب)) في قوله تعالى: ﴿قد يَعْلَمُ ما أنتم عليه﴾(٢) انتهى. والتحقيق أن قد في الآية لتقليل مُتَعَلَّقه(٣)، والمعنى أن: ﴿ما أنتم عليه﴾ هو أقل معلوماته [١٥٩ - أ] وقيل: المراد بالقلة المذكورة بعد لكن إنما هي نهاية القلة، بقرينة التنوين. هذا، وقال التلميذ: قوله: وأما الخطيب ... إلخ فيه نظر من وجهين: الأول: أن الخطيب لم يذكر للمسند تعريفاً من قِبَل نفسه لِيَلْزَمَهُ مَا ذُكِرِ (٤). (١) سقط من (د). (٢) سورة النور: (٦٤). (٣) سقط من (ج). (٤) عبارة (ج) ليلزم ما ذكره. ٦١٣ المسند وأَبْعَدَ ابن عبد البَرّ حيث قال: ((المسند المرفوع))، ولم يَتَعَّرض للإِسناد، فإنه يصدق على المُرْسَل والمُعْضَل والمُنْقَطِع إذا كان المتن مرفوعاً، ولا قائل به. قلت: يدفعه ما تقدم من نقل المنهل(١). الثاني: أن قوله: لكن قال: إن ذلك قد يأتي بقلة ليس بظاهر المراد، فإن الظاهر أَنْ / ١١٠ - ب / ترجع الإِشارة إلى مجيء الموقوف بسند متصل، وليس بمراد، وإنما المراد استعمالهم المسند في كل ما اتصل إسناده موقوفاً كان أو مرفوعاً، وبيان ذلك أن لفظ الخطيب: وصْفُهم الحديث بأنه مسند يريدون أنّ إسناده متصل بين راويه، وبين مَن أسند عنه إلا أنّ أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أُسْنِد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة. انتھی . ويدفع بأن الشيخ نقل حاصل المعنى وأسند التعريف إلى الخطيب لكونه ذكره واختاره، والظاهر أنه لا اعتراض على الخطيب، فإنه أشار إلى أن الاصطلاح المذكور لأكثر المحدثين إنما هو غالبي وأكثري، لا كليّ جامعي، ومانعي (٢). (وأبعد ابن عبد البر حيث قال: ((المسند المرفوع))) وهو ما جاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة، (ولم يتعرض للإِسناد) أي بالاتصال والانقطاع وغيرهما، وفيه أنه قد سبق منه أنه [عمّم](٣) بقوله: متصلاً كان أو منقطعاً، ولو لم يتعرض له لكان أهون بأن يقال: اللام للعهد وهو المتصل. (فإنه يصدق على المرسل، والمعضل، والمنقطع) هو كالمعضل إلا أنه يشترط فيه عدم التوالي، وكذا يصدق على المعلق (إذا كان المتن مرفوعاً، ولا قائل به) وحاصله [١٥٩ - ب] أن هذا التعريف أبعد من تعريف / الخطيب، لأن تعريف ١٩٢ (١) المار ص ٦١١. (٢) في (ج) جامع ومانع. (٣) سقط من (ج). ٦١٤ العالي (فإنْ قَلّ عَدَدُه) أي عدد رجال السَنَّد (فإما أنْ يَنتهيَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام) بذلك العدد القليل بالنسبة إلى سند آخر يَرِدُ به ذلك الحدیث بعينه بعدد کثیر . (أو) ينتهي (إلى إمام) من أئمة الحديث الخطيب لا يصدق على شيء من أغيار(١) المحدود إلا على الموقوف المتصل، وهو مما يقال بدخوله في المحدود، وهذا التعريف يصدق على أنواع متعددة من أغيار(١) المحدود، ولم يقل بدخولها في المحدود أحد أصلاً. [العالي] (فإن قلّ عدده، أي عدد رجال السند) يعني بالنسبة إلى عدد رجال سند آخر، (فإما أن ينتهي) أي السند القليل العدد (إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بذلك العدد) متعلق بـ: ينتهي (القليل بالنسبة)(٢) متعلق بالقليل، (إلى سند آخر يَرد به) صفة سند، أي يجيء بسند آخر، (ذلك الحديث بعينه بعدد كثير). قال السخاوي(٣): تارة يكون بالنظر إلى سائر الأسانيد، وتارة بالنسبة إلى سند آخر ... إلخ. (أو ينتهي) أي ذلك السند (إلى إمام من إئمة الحديث) أي سواء يكون من أئمة الفقه وغيره أم لا، وَسواء يكون (٤) تابعياً أو دونه، كما يعلم من التمثيل الآتي، وأما أنه هل يشمل(٥) الصحابي أم لا، ففيه تردد. (١) في (د) اعتبار. (٢) في (ج): النسبة. (٣) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٣٩/٣. (٤) في (ج) كان. (٥) في (د) شمل. ٦١٥ العلو المطلق (ذي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ) كالحفظ، والفقه، والضَّبْط، والتصنيف، وغير ذلك من الصفات المقتضية للترجيح (كشُعْبَةَ) ومالكِ والثَّوْرِيّ والشافعي والبخاري ومسلم ونحوهم. (العُلُوُ المُطْلَق) ◌َىاللّه (فالأول:) وهو ما ينتهي إلى النبي (ذي صفة علّة) أي رفيعة، وهو صفة كاشفة للإِمام، (كالحفظ والفقه) وفي نسخة: التيقظ بدل الفقه(١)، (والضبط والتصنيف وغير ذلك من الصفات) أي العَلِيَّة (المقتضية للترجيح) أي على / ١١١ - أ/ أقرانه في تلك الصفة. (كشُعبة ومالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، والبخاريِّ ومسلم ونحوهم) أي من الليثِ، وابنٍ عُيَيْنة، وهُشَيْم(٢) وغيرهم. ذكره السخاوي. [العُلُوُّ المُطْلَقِ](٣) (فالأول: وهو ما ينتهي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على النهج المذكور والوصف المسطور، (العُلُّوّ) [١٦٠ - أ] بضمتين فتشديد (المطلق) أي على الإِطلاق لا بالنسبة إلى شخص من رجال السند دون شخص، وإن كان أصل النسبة (٤) إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم موجودة. (١) في (د) الحفظ. (٢) هو: هُشَيْم بن بشير بن أبي خازم. روى له الجماعة. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٨٧/٨ . (٣) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٥٥، وارشاد طلاب الحقائق ص ١٧٥، ومعرفة علوم الحديث ص ٥، والخلاصة في أصول الحديث ص ٥٥، والباعث الحثيث ص ١٤٥، وقفو الأثر ص ٩٩، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٧، وفتح المغيث (للعراقي)) ص ٣٠٨، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٣٦/٣، تدريب الراوي ١٥٩/٢، والفية السيوطي في علم الحديث ص ١٩١، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٥٨. (٤) في (د) السند. ٦١٦ العلو المطلق فإِنْ اتفق أنْ يكون سَنَدُه صحيحاً كان الغايةَ القُصْوَى، وإلا فصورة العلوِّ فيه موجودة ما لم يكن موضوعاً، فهو كالعدم. (فإنْ اتفق) أي الحديث المذكور (أن يكون سنده صحيحاً، كان الغاية القصوى) لجمعه بين الصحة والرواية العليا، (وإلا فصورة العلوّ فيه) أي في سنده، (موجودة) وهي في الجملة مطلوبة (ما لم يكن) أي الحديث أو إسناده، (موضوعاً فهو) أي الموضوع، (كالعدم) دفعٌ لسؤال مقدر تقديره أن يقال: قِلة العدد قد توجد في الموضوع ولا يقال له: العلو، فكيف قال: فالأول أي قليل العدد المنتهي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العلو المطلق؟ والجواب أنّ الموضوع مثل المعدوم، فلا يدخل في قليل العدد، فلا توجد فيه صورة العلو أيضاً، ثم الشيخ قيّد وجود صورة العلو بما إذا لم يكن موضوعاً، وقيده غيره بما إذا لم يكن ضعيفاً كالحاكم، والعراقي(١)، والنووي(٢) [بما إذا لم يكن ضعيفاً](٣) حتى إذا كان قُرْبُ الإِسناد مع ضعف [بعض](٤) الرواة فلا التفات إلى هذا العلو، لا سيما إذا كان فيه بعض الكذّابين. قال شارح: وهو الظاهر لأن الغرض من العلو كما سيجيء(٥) كونه أقربَ إلى الصحة، فلا بد من التقييد حتى لا يندرج فيه ما يكون رواية ضعيفة. أقول: الخلاف لفظي في التحقيق، لأن الشيخ لما اعتبر صورة العلو فلا شك ١٩٣ أنها موجودة في / الحديث الضعيف، بل لا تتصور الصورة في غيره، وأن الباقين لما أرادوا حقيقة العلو مع اعتبار مراتب الصحة والحسن أخرجوا الضعيف(٦). (١) معرفة علوم الحدث ص ٩ - ١١، وفتح المغيث للعراقي ص ٣١٠. (٢) في (د) الثوري. (٣) سقط من (د). (٤) سقط من (ج). (٥) ص ٦١٩. (٦) في (ج) الضعف. ٦١٧ العدو المطلق ثم اعلم أن أصل الإِسناد خَصِيصَة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنةٌ بالغة من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية. قال ابن المبارك: الإِسناد من الدين [١٦٠ - ب] لولا الإِسناد لقال مَن شاء ما شاء(١). قال الثوري: الإِسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح لم يقدر أن يقاتل. وقال بَقِيّة: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث فقال: ما أَجْوَدَهَا لو كان لها أجنحة، يعني الأسانيد. وقال مطر: في قوله تعالى ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾(٢) أي إسناد الحديث. ثم طَلَبُ العلو أمر مطلوب، وشأن مرغوب. قال أحمد بن حنبل: طلب الإِسناد العالي سنةٌ عمن سلف. /١١١ - ب/ وعن ابن مَعِين لما قيل له في مرضه الذي مات فيه: [ما](٣) تشتهي؟ قال: بيت خالٍ، وإسناد عال. وقال أحمد بن أسلم: قرب الإِسناد قرب، أو قُرْبَةٌ إلى الله عز وجل. قال ابن الصلاح (٤): لأن قرب الإِسناد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قرب إليه، والقرب إليه قرب إلى الله عز وجل. وقال الحاكم(٥): طلب الإِسناد العالي سنة صحيحة، فذَكَر حديث أنس في مجيء الأعرابي وقوله: يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا ... الحديث(٦)، قال: ولو كان طلب العلو في الإِسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه. قال الجزري: وقد رحَلَ جابر بن (١) انظر ص ١٥٧، تعليق رقم (٣). (٢) سورة الأحقاف: (٤). (٣) سقط من المطبوعة . (٤) علوم الحديث ص ٢٥٧ . (٥) معرفة علوم الحديث ص ٥. (٦) أخرج هذا الحديث مسلم ٤١/١ - ٤٢، كتاب الإِيمان (١)، باب السؤال عن أركان الإسلام (٣)، رقم (١٠ - ١٢). ٦١٨ العلو النِّسْبِي (والثاني:) العلو (النِّسْبِي) وهو ما يَقِلُّ العدد فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد مِن ذلك الإِمام إلى منتهاه كثيراً. عبد الله الأنصاري من المدينة إلى مصرَ في طلب حديث واحد. انتهى . وأما ما قاله بعض أكابر الصوفية من أنّ حدّثنا، باب من أبواب الدنيا، فمحلُّه إذا كان الغرض منه حصولَ غرض دنيّ أو غرض دنيوي. قال محمد بن حَاتِم : إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة بالإِسناد، وليس لأحد من الأمم إسناد، إنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز(١) بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن [١٦١ - أ] غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله، حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشدَّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ [فالأحفظ](٢)، والأضبط [فالأضبط](٢)، والأطول مجالسة لمن كان فوقه ممن كان أقلَّ مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً أو أكثر حتى يهذبوه من الغَلَط، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عداً، فهذا من أفضل نِعم الله تعالى على هذه الأمة . [العُلُوُّ النَّسْبِيّ] (والثاني: العلوّ النِّسْبِيّ) بكسر النون، وسكون السين، نسبة إلى النِّسْبَة سُمِّيَ به لكونه بالنسبة إلى شخص مِن رجال السند دون شخص. (وهو) أي الثاني (ما يَقِل العدد فيه) أي في إسناد الحديث (إلى ذلك الإِمام ولو كان العدد من ذلك الإِمام إلى منتهاه كثيراً) لأن الحديث بوجود ذلك الإِمام في (١) في (ج) والمطبوعة: تميز. (٢) سقط من (ج). ٦١٩ العلو النِّسْبِيِ وقد عَظَمَتْ رغبة المتأخرين فيه، حتى غَلَبَ ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه، وإنما كان العُلُوّ مرغوباً فيه؛ لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ؛ لأنه ما مِن راوٍ مِن رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كَثُرَت الوسائط وطال السند، كَثُرَت مَظَانُّ الْتَجْوِيزِ. وكلما قَلَّتْ قَلَّتْ. رجاله تحصل له رفعة(١) واضحة [ومَزِيَّة واضحة](٢) بالنسبة إلى سند لم يوجد فيه إمام، ولم تضره الكثرة المتأخرة، إذ الغالب أن مشايخ الإِمام ثقات / عظام . ١٩٤ (وقد عَظُمَتْ رغبة المتأخرين) أي زيادةً على المتقدمين، (فيه) أي في تحصيل علو الإِسناد مطلقاً، (حتى غلب ذلك) أي ما ذكر من الرغبة والميل إلى العلوّ (على كثير منهم) أي من المتأخرين. (بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه) أي من العلو، وهو الحفظ والإِتقان، والعِفة والإِحسان/ ١١٢ - أ/، وأنواع علوم القرآن، وتحصيل الأخلاق(٣) الحِسان . (وإنما كان العلو مرغوباً فيه) سواء كان مطلقاً أو نسبياً، (لكونه أقرب إلى الصِّحة، وقِلة الخطأ، لأنه، ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كَثُرَتْ الوسائط وطال السند) أي رجاله، وهو عطف تفسير، (كثرت مظانّ التجويز،) أي تجويز الخطأ. (وكلما قَلَّتْ) أي الوسائط، (قَالَّتْ) أي المظان، منها [١٦١ - ب] الثلاثيات للبخاري، وغيره، والثنائيات في موطأ الإمام مالك، والوُحْدَان في حديث الإِمام (١) في (د) رفقة. (٢) سقط من (ج). (٣) في (ج) و(د) اخلاق. ٦٢٠ العلو النِّسْبِي فإن كان في النزول مَزِيَّةٌ ليست في العلو، كأن يكون رجاله أوثقَ منه، أو أحفظَ، أو أفقَهَ، أو الاتصال فيه أظهر، فلا تردد في أن النزول حينئذٍ أولی. أبي حنيفة. قال السخاوي(١): لكنّ الأخير بسند غير مقبول إذ المعتمد أنه لا رواية له عن أحد من الصحابة (٢) يعني لصغره زمنَ إدراكه إياهم. (فإن كان في النزول) هو مقابل للعلو كما سيجيء(٣)، (مزية ليست في العلو) وإنما ذكره وإنْ عُلِم ذلك من قوله: مَزِيَّة للتصريح بأن المقصود هو المزية بالنسبة إلى العلو. (كأن يكون رجاله أوثقَ منه) أي من رجاله بحذف المضاف، (أو أحفظ، أو أفقه، أو الاتصال) أي كأن يكون الاتصال (فيه) أي في إسناده (أظهر، فلا تردد) أي لا شك (في أن النزول حينئذ أولی). قال تلميذه: لأنه ترجيح(٤) بأمر معنوي، (١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣٤٣/٣ - ٣٤٤. (٢) بل أثبت روايته عن الصحابة الإِمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المُقْرِي الشافعي، وألَّف جزءً في ذلك، وهو من فضلاء الشافعية. وأثبتها أيضاً الإِمام المحدث عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي الحنفي المصري، أول من صنف في طبقات الحنفية. قال القرشي [في الجواهر المُضِيَّةِ ٥٤/١]: والذين سمع منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين: عبد الله بن أُنّيْس، [وعبد الله بن الحارث بن جَزْءِ الزُّبَيْدِي، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومَعْقِل بن يسار] ووَائِلة بن الأسْقَع، وعائشة بنت عجرد. وروى عبد الله بن جعفر الرازي، أبو علي الإِمام عن أبي يوسف: سمعت أبا حنيفة يقول: حججت مع أبي سنة ثلاث وتسعين - ولعله ست وتسعين كما في جامع المسانيد - ولي ست عشرة سنة، فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا رجل قد صحب رسول الله* يقال له: عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْدي، فقلت لأبي: فأي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله ﴿﴿، فقلت لأبي: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدمت بين يديه، وجعل يُفرِّجَ الناس حتى دنوت منه، فسمعته يقول: قال رسول الله وله: ((من تفقه في دين الله كفاه الله همَّه وَرَزَقَه من حيث لا يحتسب)). انظر مقدمة اعلاء السنن ٧/٣، وشرح مسند أبي حنيفة ص ٥٨١، ومناقب أبي حنيفة ((للمكي)» ص ٢٨، ومناقب أبي حنيفة ((للكردي)) ص ١٤، وإقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة ص ٨٦. (٤) عبارة (ج) يترجح النزول بأمر معنوي. (٣) ص ٦٢٩.