النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
الحسن لغيره
والمُتَابَع؛ لأنَّ كل احتمال كون روايته صواباً، أو غير صواب على حد
سواء. فإذا جاءت من المُعْتَبَرِين روايةٌ موافقة لأحدهم رَجَحَ أحد
الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودلّ ذلك على أنَّ الحديث
محفوظ، فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القَبُول، والله سبحانه
أعلم.
ومع ارتقائه إلى درجة القبول
(والمتابع) بفتحها؛ (لأن /٩٤ - أ/ كل واحد منهم احتمال كون روايته صواباً أو غير
صواب) قوله احتمال: مبتدأ وقوله: (على حد سواء) خبره، والجملة خبر أنّ، ولك أن
تجعل احتمال منصوباً بدلاً من كل واحد، أو منصوباً على نزع الخافض، أي في احتمال
[كونه](١) كما في نسخة، ورأيت في نسخة: احتَمَل بصيغة الماضي، فلا إشكال.
(فإذا جاءت من المعتبرين) على صيغة اسم فاعل، أو مفعول، (روايةٌ) فاعل
جاءت، (موافقة لأحدهم رجح) بصيغة المفعول، (أحد الجانبين من الاحتمالين
المذكورين) أي كونهما صواباً أو غير صواب.
(ودلّ ذلك) أي الترجيح، (على أن الحديث) على تقدير كونه صواباً،
(محفوظ، / فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القَبول، والله سبحانه أعلم).
١٦٣
قيل: يُشعِر كلامه بأن الأنواع المذكورة كلّها متوقّفٌ فيها، وكذا قوله فيما
تقدم(٢): لأن كل واحد منهم ... إلخ، صريحٌ في ذلك، وفيه تأمل، لأن بعض
أقسام السِىء الحفظ مقبول لا توقف(٣) فيه. انتهى. ولك أن تقول: المراد من
السِّىء الحفظ، هو القسم الأول كما سبق فتأمل.
[الحسن لغيره]
(ومع ارتقائه إلى درجة القَبول) أي وأقل درجاته مرتبة الحسن إذ الضعيف
(١) زيادة من (ج).
(٢) ص ٥٤٠.
(٣) في (د) يتوقف.

٥٤٢
الحسن لغيره
فهو منحظٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق
اسم الحسن عليه. وقد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيث القَبولُ
والرَّدُّ.
خارج عن درجة القَبول.
(فهو منحط عن رتبة (١) الحسن لذاته) أي فيكون حسناً لغيره.
(وربما [١٣٣ - ب] توقف بعضهم عن إطلاق [اسم](٢) الحسن عليه) لأنه
ليس بحسن حقيقة، ولأن الحسن إذا أطلق ينصرف إلى الحسن لذاته، ولأنه يلزم
مِن إطلاق(٣) الحسن عليه الاحتجاج به عند الفقهاء، وهو محل خلاف، ولهذا وقع
الإِشارة في الحسن الذاتي إلى أنه المحتج به بعبارة تفيد الحصر، فتذكّر وتدبر.
قال التلميذ: مقتضى النظر أنه أرجح من الحسن لذاته، لأن المتابع، بكسر
الباء، إذا كان معتبراً، فحديثه حسن، وقد انضم إليه المتابَع بالفتح، والله سبحانه
أعلم. قلت: إنما الكلام فيه مع قطع النظر عن غيره، فهو لا شك أنه حسن لغيره،
وهو دون الحسن لذاته، وأما مع الانضمام فلا أحد يشك أن الحديث الذي ورد من
طريقين (٤): أحدهما حسن لذاته، والآخر حسن لغيره، يرجح(٥) على معارِض له
طريقٌ واحد يكون حسناً في ذاته، والله سبحانه أعلم.
(وقد انقضى) أي تمَّ وانتهى (ما يتعلق بالمتن من حيث القَبولُ والردُّ) وبقي
ما يتعلق بالإِسناد من حيث إنه ينتهي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم،
والصحابي أو غيره. ولما كان ما يتعلق بالمتن مقدَّم على ما يتعلق بالإِسناد، فإنه(٦)
المقصود بالذات، والإِسناد إنما هو وسيلة إليه قال:
(١) في (ج) مرتبة.
(٢) سقط من المطبوعة .
(٣) في المطبوعة: أطلق.
(٤) في (ج) طرفين.
(٥) في (د) مرجح.
(٦) في (ج) لأنه.

٥٤٣
تعریف الإسناد والمتن
(ثم الإِسناد:) وهو الطريق المُوصِلة إلى المتن. والمتن: هو
غاية ما ينتهي إليه الإِسناد مِن الكلام.
[تعريف الإسناد والمتن]
(ثم الإِسناد) إشارة إلى تأخر(١) رتبته معنىًّ، وإن كان مقدَّماً(٢) على المتن لفظاً.
(وهو الطريق الموصلة إلى المتن، والمتن: هو/٩٤ - ب/ غاية ما ينتهي
إليه الإِسناد من الكلام)، فيه شائبة من الدَّوْرِ، ويُدفع(٣) بأن المراد بالطريق حكايته
على حذف مضاف، أو بأنه أشار(٤) إلى أنه يطلق على المحكي أيضاً، والأظهر أن
يقال: المراد بالطريق المعنى اللغوي، وبالإِسناد المعنى الاصطلاحي، فلا دور كما
قيل في قول صاحب(٥) الزَّنْجَاني: أما الماضي فهو الفعل الذي دل على معنى
وُجد في [الزمان](٦) الماضي [١٣٤ - أ].
والمراد بالطريق هنا رجال الإِسناد. وقيل: التعريفان لفظيان، فلا يلزم من
أخذ كلٍّ من المتن والإِسناد في تعريف الآخر دور. واعلم(٧) أنه بين تعريف الإِسناد
ههنا وبين التعريف الذي مر في صدر الكتاب(٨)، وهو حكاية طريق المتن، تلازمٌ.
قال التلميذ: لفظ ((غاية)) زائد مغيرٌ للمعنى لأن لفظ [ما](٩) عبارة عن الكلام كما
(١) في (ج) تأخير.
(٢) في (ج) يتقدم.
(٣) في (ج) يندفع.
(٤) في (ج) إشارة.
(٥) شرح السعد التفتازاني على تصريف الزنجاني ص ٤١ في هامش تدريج الأداني إلى قراءة شرح
السعد، لعبد الحق سبط النووي الثاني. وانظر تفصيل التعريف ص ١٦٠، تعليق رقم (٥) فإنه مفيد.
(٦) سقط من (د) والمطبوعة.
(٧) في المطبوعة: ((أو أراد)) بدل ((واعلم)).
(٨) ص ١٥٩، ١٦٠.
(٩) سقط من المطبوعة.

٥٤٤
تعريف الإِسناد والمتن
فسره بقوله: من الكلام، فيصير التقدير(١): المتن غاية [كلام](٢) ينتهي إليه الإِسناد،
فعلى هذا، المَتْنُ حَرْفُ اللَّامِ(٣)، من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((من جاء منكم
دمعة فليغتسل)»(٤). انتهى.
ودفعه ظاهر بأن يقال: إن هذه الإضافة من قبيل خاتم فضة، كما قيل في قول
١٦٤ ابن الحاجب في الكافية: إذا كان وصفه لغرض / المعنى، أن إضافة الغرض إلى
المعنى بيانية. أي المتن غاية السند وهو كلام ينتهي إليه الإِسناد. نعم الأولى ترك
لفظ الغاية، أو الاختصار عليه لأن المتن هو ما ينتهي [إليه](٥) الإِسناد من قول
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو فعلِه، أو من قول الصحابي: قال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، وهو غاية الإِسناد لا غاية
ما ينتهي إليه الإِسناد. فإن هذه إنما هي آخر المتن، اللهم إلا أن يقال: المراد
بالغاية الغرض والمقصود، ومنه العلة الغائية، أي المتن هو مطلوب ما ينتهي إليه
الإِسناد الذي بمنزلة الوسيلة، وفيه إشارة لطيفة إلى أن المراد بما ينتهي إليه الإِسناد
هو الجانب الذي وقع فيه متن الحديث، وإلا فما ينتهي إليه الإِسناد قد يصدق على
جانب المخرج أيضاً، ولذا بيّنه بقوله: من الكلام، أي سواء كان كلامَ الرسول
صلى الله تعالى عليه وسلم [أو الصحابي، أو مَن بعده ويدخل فيه فعل الرسول
صلى الله تعالى عليه وسلم](٥) [١٣٤ - ب]، وتَقْرِيرُهُ لأنهما وإن لم يكونا قولَ
(١) في (ج) تقديره.
(٢) سقط من (د).
(٣) في المطبوعة: آخر الكلام من قوله، وفي (ج) حذف اللام. والمراد هنا: حرف اللام الأخير من قوله ير:
((فليغتسل)).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣٨٢/٢، كتاب الجمعة (١١)، باب هل على مَن لم يشهد الجمعة
غُسل من النساء والصبيان وغيرهم (١٢)، رقم (٨٩٤). ومسلم ٥٧٩/٢، كتاب الجمعة (٧)،
مقدمة کتاب الجمعة، رقم (٢ - ٨٤٤).
(٥) سقط من (ج).
:

٥٤٥
المرفوع تصريحاً أو حكماً
٩
وهو (إما أنْ يَنتهيَ إلى النبيّ وَّ) ويقتضي لفظه، إما (تصريحاً أو
(حُكْماً) أنّ المنقول
الرسول ﴿ لكنهما (١) قول الصحابي أو مَن بعده.
وفي الخلاصة(٢): اختلف في متن الحديث أهو قول الصحابي عن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم كذا وكذا، أو هو مقول الرسول صلى الله تعالى عليه
وسلم فحسب؟ والأول أظهر لما تقرر من أن السنَّه إما قول، أو فعل، أو تقرير،
والسلف أطلقوا [الحديث](٣) على أقوال الصحابة والتابعين وآثارهم وفتاويهم.
[المرفوع تصريحاً أو حكماً]
(وهو) أي الإِسناد، (إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
ويقتضي لَفْظُهُ) أي تلفظ الحديث، والمراد متنه. قال محشٍ: هو عطف تفسير
لقوله: /٩٥ - أ/ ينتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وضمير لفظه عائد إلى
الإِسناد، ولو لم يذكره ويقول: يقتضي أي الإِسناد، لكان صحيحاً. انتهى. وضعفه
لا يخفى لأن الانتهاء لا يتنوع بالتصريح والحكم، بل تلفظ (٤) المتن يدل عليهما
كما سيأتي في كلام الشيخ صريحاً في بيان قوله: تصريحاً أو حكماً، ولذا تدارك
المتن بقوله في الشرح: ويقتضي لفظه، وأما جعلهما متعلقين بما بعدهما على ما
تكلَّف له المحشي، فيدل على بُعْدِه(٥) .
(إما تصريحاً أو حكماً) حالان أو تمييزان، (أن المنقول) مفعول يقتضي، فلا
يصح ما في نسخة: لأن المنقول، اللهم إلا أن يجعل تصريحاً أو حكماً مفعولاً به
(١) في (د) لكونهما.
(٢) الخلاصة في أصول الحديث ص ٣٣.
(٣) زيادة من الخلاصة ص ٣٣.
(٤) في (ج) بلفظ.
(٥) عبارة (ج) و(د): على ما بعده.

٥٤٦
المرفوع تصريحاً أو حكماً
بذلك الإِسناد (مِن قوله) وَلجر (أو) مِن (فعله، أو) من (تقريره).
مثال المرفوع من القول تصريحاً: أنْ يقول الصحابي:
ليقتضي، فحينئذٍ يصح التعليل بقوله: لأن المنقول (بذلك الإِسناد) أي إسناد ذلك
اللفظ الذي هو المتن، وقال المحشي: وهو من وضع الظاهر موضعَ الضمير.
انتهى. وهو ماشٍ على طريقته.
(من قوله) أي من جنس قوله (صلى الله تعالى عليه وسلم أو من فعله، أو من
تقريره) قال شارح: والظاهر قوله بدون ((مِنْ)). انتهى. وكأنه بدلٌ من النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن للتبعيض، أو تمييزٌ من النبي عليه الصلاة
والسلام، مثل قولهم: لله دَرُّهُ مِن فارس، وعَزَّ مِن قائل. [١٣٥ - أ] و: ((أو)) للتنويع،
وهذا باعتبار المتن، وأما باعتبار الشرح، فالأمر ظاهر لأنه خبر لأنّ.
هذا، وقد أشار المصنف إلى تعريف المرفوع بحيث لا يشذ شيء من أقسامه مما
ذكره غيره في المرفوع .
١٦٥
قال الجمهور: المرفوع ما أضيف/ إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
قولاً، أو فعلاً، وقيل تقريراً أو هِمّة، سواء أضافه صحابي أو تابعي، أو من بعده،
حتى يدخل فيه قول المخرِّج ولو تأخر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال
الخطيب: هو ما أخبر فيه الصحابي(١) عن قول النبي عليه الصلاة والسلام، أو
فعله، فأخرج ما يضيفه التابعي فمن بعده إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن
المشهور هو القول الأول، واختاره المصنف وزاد قيد التقرير كما هو مذهب
البعض، وترك قيد الهِمَّة، إذ الهمة خفية لا يُطّلع عليها إلا بقول، أو فعل.
(مثال المرفوع(٢) من القول تصريحاً: أن يقول الصحابي) فيه مسامحة، ولو
(١) في (ج) الصحابة .
(٢) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٤٥، وإرشاد طلاب الحقائق ص ٧٥، والمنهل
الروي ص ٤٠، والخلاصة ص ٤٩، والموقظة ص ٤١، والباعث الحثيث ص ٤٣، وفتح المغيث
((العراقي)) ص ٥٢، وفتح المغيث (للسخاوي)) ١١٧/١، وتدريب الراوي ١٨٣/١، وألفية
السيوطي ص ٢١، وقفو الأثر ص ٨٩، وبلغة الأريب ص ١٩٧، ومنهج النقد ٣٢٥، والوجيز
٣٢٩.

٥٤٧
المرفوع تصريحاً أو حكماً
سمعت رسول الله وَله يقول كذا. أو حَدَّثنا رسول الله وَلَهَ بكذا. أو
يقول هو أو غيره: قال رسول الله وي ليه كذا، أو عن رسول الله وَالقيل أنه
قال كذا، ونحو ذلك.
ومثال المرفوع من الفعل تصريحاً: أنْ يقول الصحابي: رأيت
رسول الله وَ ◌ّ فَعَل كذا. أو يقول هو أو غيره: كان رسول الله وَل يفعل
کذا.
قال: ما يقول كما قال في بعض ما يجيء، لم تكن مسامحة كذا قاله محشٍ ، وإذا
قلنا: أن يقول بمعنى القول، وهو بمعنى المقول يرجع إلى ما يقول، فلم تكن فيه
مسامحة .
(سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول كذا، أو حدثنا رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم بكذا) إشارة إلى أنواع التحديث.
(أو يقول هو) أي الصحابي، (أو غيره) [أي من التابعي](١) أو مَن دونه:
(قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كذا) أي بلفظ لا يحتمل التدليس.
(أو عن رسول الله/ ٩٥ - ب / صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال كذا) أي
بلفظ يحتمله، (ونحو ذلك) أي من ألفاظ التحديث المحتمل(٢) وغيره.
(ومثال المرفوع من الفعل تصريحاً، أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم فعل كذا) ومنه قول الصحابي: ((كان آخرُ الأمرين من
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تَرْكَ الوضوء مما مسته النار))(٣).
(أو يقول هو) أي الصحابي (أو غيره) كالتابعي: (كان [١٣٥ - ب]
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل كذا) أو يترك كذا.
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) المحتملة.
(٣) أخرجه أبو داود ١٣٣/١، كتاب الطهارة (١)، باب في ترك الوضوء مما مست النار (٧٤)، رقم
(١٩٢). الترمذي ١١٦/١، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار (٥٩)،
رقم (٨٠) وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه فإنه مفيد. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى
١٥٥/١ - ١٥٦، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار، واللفظ له.

٥٤٨
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً: أن يقول الصحابي:
فعلتُ بحضرة النبي ◌َّ كذا. أو يقول هو أو غيره: فَعَل فلان
بحضرة النبي ◌َ﴾ كذا، ولا يَذكر إنْكَارَه لذلك.
ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً: ما يقول
الصحابي - الذي لم يَأْخُذْ عن الإسرائيليات -
(ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً، أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ) أي أنا،
وفي معناه: فَعَلَ فلان، (بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كذا) ومنه قول
الصحابي: ((أُكِلَ الضَّبُّ على مائدة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))(١).
(أو يقول هو أو غيره) كان الأولى [أن يقول](٢) بدون هو، (فعل فلان
بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام كذا، ولا يَذكر) أي الصحابي أو غيره (إنكارَه)
أي إنكار النبي صلى الله عليه وسلم (لذلك) أَيُّ الفعل الذي فُعِل بحضرته من فعل
المتكلم، أو غيره، سواء قرره صريحاً أو حكماً بأن سكت عليه. قال محشٍ : ولا
يذكر معروف أو مجهول، وهو أولى لإِفادته نفي العام. انتهى. وفيه أن إفادة نفي
العام مستفادة من عموم فاعل يذكر، وهو الصحابي، أو غيره.
(ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً:) تصريحٌ بما عُلِمَ ضمناً(٣) في
قوله: حكماً، فهو تأكيد لا تقييد، (ما يقول الصحابي) قيل (ما)) مصدرية، والأظهر
أن ((ما)» موصولة أو موصوفة، أي الحديث الذي يقوله الصحابي، أو حديث يقول
فيه الصحابي (الذي لم يأخذ عن الإِسرائيليات) أي من كتب بني إسرائيل، أو مِن
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣٣٠/١٣، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٦)، باب الأحكام التي
تعرف بالدلائل (٢٤)، رقم (٧٣٥٨)، والترمذي ٢٢١/٤، كتاب الأطعمة (٢٣)، باب ما
جاء في أكل الضبّ (٣)، رقم (١٧٩٠). واللفظ له، وتكملة الحديث: (( ... وإنما تركه
رسول الله (﴿ تقذَّراً)).
(٢) زيادة من (ج).
(٣) في (ج) و(د) بما علم في ضمن قوله حكماً.

٥٤٩
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ما لا مجال للاجتهاد فيه،
أفواههم، وهو احتراز عن الصحابي الذي عُرِفَ بالنظر في الإِسرائيليات،
كعبد الله بن سَلام، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في
وقعة / اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، وكان يخبر بما فيها من الأمور ١٦٦
المغيَّة، حتى كان بعض أصحابه ربما قال: حدِّثْنا عن النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم ولا تحدِّثْنا من الصحيفة، ذكره السخاوي(١). فقوله(٢) لا يكون من المرفوع
حكماً لقوة الاحتمال، ثم قيد بقيد آخر وهو: (ما لا مجال للاجتهاد فيه) ومحله النصب
على المفعولية لـ: يقول، وقال محشٍ : يمكن أن يتنازع يقول، ولم يأخذ فيه،
[وفيه](٣) أنه يجوز لفظاً لكنه يفسد معنى. قال السخاوي (٤): مثل [١٣٦ _ أ] حديث:
(مَنْ أتى ساحراً أو عرّافاً، فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم))(٥)
رواه ابن مسعود. ومن أمثلة ذلك أيضاً قول أبي هريرة: ((ومَنْ لم يُجِبِ الدعوة، فقد
عصى الله ورسوله))(٦). وقول عمَّار بن ياسر ((مَنْ صام اليوم الذي يُشَكّ فيه فقد عصی أبا
القاسم صلی الله تعالی علیه وسلم))(٧).
لكن قد جوّز شيخنا في ذلك وما يشبهه /٩٦ - أ/ احتمال إحالة الإِثم على ما
ظهر من القواعد، بل يمكن أن يقال ذلك أيضاً في الحديث الأول، أما الساحر،
(١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ١٥٠/١ -١٥١.
(٢) أي: فقول الصحابي الذي عُرف بالنظر في الإسرائيليات لا يكون من المرفوع حكماً لقوة احتمال غير
الرفع.
(٣) سقط من المطبوعة.
.(٤) فتح المغيث ((للسخاوي)) ١٤٨/١ - ١٤٩.
(٥) رواه الطبراني في المعجم الكبير ٩٣/١٠، رقم (١٠٠٠٥)، والهيثمي في كشف الأستار ٤٤٣/٢،
رقم (٢٠٦٧) ومجمع الزوائد ١١٧/٥ -١١٨. وأحمد في المسند ٤٢٩/٢.
(٦) أخرجه مسلم ٢/ ١٠٥٥، كتاب النكاح (١٦)، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (١٦)، رقم
(١١٠ - ١٤٣٢). وابن ماجه ٦١٦/١. كتاب النكاح (٩) باب إجابة الداعي (٢٥) رقم (١٩١٣)
وأحمد في المسند ٢٦٧/٢ .
(٧) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١١٩/٤ تعليقاً. وأبو داود ٧٤٩/٢، كتاب الصوم (١٤)، باب كراهية
صوم يوم الشك (١٠)، رقم (٢٣٣٤). والترمذي ٧٠/٣، كتاب الصوم (٦)، باب ما جاء في
كراهية صوم يوم الشك (٣)، رقم (٦٨٦).

٥٥٠
المرفوع تصريحاً أو حكماً
فلقوله تعالى: ﴿وما هم بِضَارِّينَ به من أَحَدٍ إلا بإذن الله﴾(١). قلت: الأولى أن
يقول: لقوله تعالى: ﴿واتُّبَعوا ما تتلوا الشياطينُ﴾(١) أو لقوله: ﴿ولكنّ الشياطينَ
كَفَرُوا يُعَلِّمون النّاسَ السِّحْرَ﴾(١)، أو لقوله: ﴿وما يُعَلَّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يقولا إنما
نحن فتنةً فلا تَكْفُرْ﴾(١) أو لقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾(١). وأما
قوله تعالى: ﴿وما هم بِضَارِّينَ ... ﴾(١) إلخ، فإخبار من الله تعالى بأنه لا يقع
شيء إلا بأمره وإرادته، ولا دلالة له على حِلِية شيء، ولا حرمته. قال: وأما
العرَّاف، وهو المنجم، فلقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السماوات والأرضِ
الغيب إلا الله﴾ (٢) قال شيخنا: لكن الأول [يعني الحكم لها بالرفع](٣) أظهر.
انتھی .
على أن حديث ابن مسعود، ( وإن جاء من وجه آخر عنه بصورة الموقوف،
فقد جاء من بعضها بالتصريح بالرفع، بل في ((صحيح مسلم)) من حديث صَفِيَّة
عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن أتى عَرّافاً، فسأله عن شيء
لم تُقْبَلْ له صلاةُ أربعين ليلة))(٤). ومن الأدلة للأظهر أن أبا هريرة رضي الله تعالى
عنه حَدَّثَ كَعْبَ الأحبار بحديث: ((فُقِدت أُمَّةٌ من بني إسرائيل لا يُدرَى ما
فَعَلت(٥)، فقال له كعب: أنت سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله؟
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٢) سورة النمل، الآية: ٦٥.
(٣) زيادة من فتح المغيث ((للسخاوي)) ١٥٠/١ .
(٤) صحيح مسلم ١٧٥١/٤، كتاب السلام (٣٩)، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٣٥)، رقم
(١٢٥ - ٢٢٣٠).
(٥) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٦/ ٣٥٠، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع به شَعَف
الجبال (١٥)، رقم (٣٣٠٥). عن أبي هريرة ولفظه: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ من بني إسرائيل لا يُدرى ما
فعلت، وإني لا أراها إلا الفأر، إذا وُضع لها ألبان الإِبل لم تشرب، وإذا وُضع لها ألبان الشاء
شربت. فحدثت [أي حدَّث أبو هريرة] كعباً فقال: أنت سمعت النبي وَلَّ يقوله؟ قلت: نعم. فقال
لي مراراً، فقلت: أفأقرأ التوراة؟)). وأخرجه مسلم ٢٢٩٤/٤، كتاب الزهد والرقائق (٥٣)، باب
في الفأر، وأنه مسخ (١١)، رقم (٦١ - ٢٩٩٧).

٥٥١
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ولا له تعلُّق ببيانِ لُغَةٍ، أو شرح غريبٍ، كالإخبار عن الأمور
الماضية مِن بَدْءِ الخلق وأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو
الآتية كالمَلاَحِم والفِتَن
فقال له أبو هريرة: نعم، وتكرر ذلك مراراً، فقال له أبو هريرة [١٣٦ - ب] أفأقرأ
التوراة))؟ قال شيخنا(١): فيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ من أهل الكتاب، وأن
الصحابي الذي يكون(٢) كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والمجتهد فيه يكون
للحديث حكم الرفع(١). هذا، ولا بد من قيد آخر عدمي، وهو قوله:
(ولا له) أي للحديث أو للراوي، (تعلق ببيان لغة): أي ضبطه، (أو شرح
غريب) أي تفسير، (كالإِخبار) بكسر الهمزة، (عن الأمور) أي الأحوال (الماضية)
أي المتقدمة (من بدء الخلق) أي عما خلق أولاً قبل خلق السماء والأرض، كقوله
صلى الله تعالى عليه وسلم حين سئل عنه: ((كان الله ولم يكن شيءٌ قَبْلَه، وكان
عرشه على الماء ثم خلق السماوات / والأرض، وكتب في الذكر كلّ شيءٍ))(٣).
انتهى لفظ الحديث. [فالعرش والماء خلقا قبل السماوات والأرضِين. فالعرش] (٤)
قائمة بقدرته الكاملة، والذكر عبارة عن
على الماء، والماء على متن الريح، والريح
اللوح المحفوظ (وأخبار الأنبياء) بفتح الهمزة أي وكقصص [الأنبياء](٤) (عليهم
الصلاة والسلام) وأقوالهم، وأفعالهم وأحوالهم.
١٦٧
(أو الآتية) أي الأمور المستقبلة، (كالمَلَاحِم) بفتح الميم، جمع المَلْحَم،
وهو المَقْتَل، والمراد بها الحروب /٩٦ - ب/ لاشتباك الناس فيها كالسَّدى
واللحمة(٥)، أو لكثرة لحوم القتلى فيها، (والفتن) جمع الفتنة وهي أعم مما قبله
(١). في فتح الباري ٣٥٣/٦.
(٢) في (ج) لا يكون كذلك، وهو خطأ.
(٣) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٤٠٣/١٣، كتاب التوحيد (٩٧)، باب ﴿وكان عرشه على الماء، وهو
رب العرش العظيم﴾ (٢٢)، رقم (٧٤١٨).
(٤) سقط من المطبوعة .
(٥) السَّدّى من الثوب: ما مُدَّ منه، القاموس مادة (سدى) ص ١٦٦٩. واللَّحْمَةُ: ما سُدي به بين سَدَى
الثوب. قاموس مادة (لحم) ص ١٤٩٣ وفي اللسان ٥٣٨/١٢ مادة (لحم): ولحمة الثوب ولحمته:
ما سُدِّي بين السَّدَبَيْن. والمراد: تشابك الجيوش طولاً وعرضاً، كالسدى واللُّحْمَة.

٥٥٢
المرفوع تصريحاً أو حكماً
وأحوال يوم القيامة .
وكذا الإِخبار عمّا يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب
مخصوص. وإنما كان له حُكْم المرفوع: لأن إخباره بذلك يقتضي
مُخْبِراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي مُوَقَّفاً للقائل به،
من الأمور الواقعة في أحوال الدنيا (وأحوال يوم القيامة) أي مواقفها وأهوالها،
(وكذا الإِخبار)(١) بكسر الهمزة، (عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب
مخصوص) فَيَّدَ به لأن مطلق الثواب والعقاب على الخير والشر، للاجتهاد فيه
مدخل، بخلاف التحديد فيها، فإن ذلك إنما يُعْلَم بالوحي .
(وإنما كان له) أي للحديث (حكم المرفوع لأن إخباره) أي الصحابي
(بذلك) أي الخبر، (يقتضي مُخْبِراً له) بكسر الموحّدة.
قيل: كان عليه أن يعمه بحيث يشمل صورته الاجتهادية أيضاً، ليكون أعم
من المُوقِف(٢) بأن يقول: لأن إخباره بشيء يقتضي [١٣٧ _ أ] إما كونه من عند
نفسه، أو من مخبر وحينئذٍ لم يستدرك قوله :
(وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي مُوقِفاً) بضم ميم، [وسكون واو](٣) وكسر
قاف مخففة، أو مشددة أي: مُعْلِماً أو مُطلِعاً (القائل به) قال محش: الباء متعلق (٤)
بالقائل، فلو قال: لقائله، لكان أولى، ويحتمل أن يتعلق بقوله مُوقفاً. انتهى. وهو
في غاية من البعد لفظاً ومعنى، لأنه يقال: قال به، ولا يقال: أُوقِف به، بل يقال:
أوقفه.
(١) في (د) وكذلك.
(٢) في المطبوعة: الوقف.
(٣) سقط من (ج) والمطبوعة .
(٤) في (ج) يتعلق.

٥٥٣
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ولا مُوَقَّف للصحابة إلا النبي وَّةِ، أو بعض مَنْ يُخْبِر عن الكتب
القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني. وإذا كان كذلك فله
حكم ما لو قال: قال رسول الله وَله، فهو مرفوع سواء كان مما
سمعه منه أو عنه بواسطة.
(ولا مُوقِف للصحابة) وفي نسخة: للصحابي والمراد به الجنس. (إلا النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم) وأما الكشف والإلهام، فخارجان عن المبحث لاحتمال
الغلط فيهما(١). (أو بعض مَن يخبر عن الكتب القديمة) وفي نسخة: المتقدمة وهي
الإِسرائيلية .
(فلهذا) أي لكون حصر المُوقِف في هذين القسمين من النوعين المذكورين،
(وقع الاحتراز) أي فيما سبق، (عن القسم الثاني) أي بقوله: لم يأخذ عن
الإِسرائيليات (٢)، فاختص بالقسم الأول، وهو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. قال
التلميذ: قوله عن القسم الثاني: هو بعض من يخبر عن الكتب المتقدمة، وقع(٣)
الاحتراز عنه بقوله فيما تقدم(٢): ما يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإِسرائيليات.
انتھی. وهو واضح.
(وإذا كان) أي الأمر، (كذلك) أي على نحو ما ذكر من الشرط في
الصحابي، (فله) أي فلحديثه الموقوف (حكم ما لو قال: قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم فهو مرفوع) أي حكماً، (سواء كان مما سمعه منه) أي بغير
واسطة، (أو عنه بواسطة) كلمة مِن للاتصال، وكلمة عن للانقطاع، فإذا قيل
سمعت منه يكون سماعه(٤) بلا واسطة، وإذا قيل عنه يكون بواسطة، ويحتمل أن
يكون بلا واسطة ولذا قيده بقوله: عنه بواسطة.
وحاصله: أنه لا يضره صيغة التدليس لأن الصحابي عدل ثقة محفوظ
(١) انظر ما ذكره الشيخ عبد الفتاح أبو غُدَّة في مسألة الكشف في تعليقه على ((المصنوع في معرفة الحديث
الموضوع)) ص ٢١٦، ٢٧٣ تعليقاً. فإنه نفيس.
(٢) ص ٥٤٨.
(٣) في (ج) رفع.
(٤) في المطبوعة: باستماعه.

٥٥٤
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ومثال المرفوع مِن الفعل حكماً: أنْ يفعلَ الصحابي ما لا
مجال للاجتهاد فيه، فيُنَزَّلُ على أنّ ذلك عنده عن النبيِ وَّرَ، كما
قال الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة علي كرّم الله وجهه في
الکسوف: في کل ركعة أکثر من ركوعین.
خصوصاً/ ٩٧ - أ/ في الرواية.
١٦٨
(ومثال / المرفوع من [١٣٧ - ب] الفعل حكماً: أن يفعل الصحابي ما لا
مجال للاجتهاد فيه) أي من الفعل، (فينزَّل) بتشديد الزاي المفتوحة أي فيحمل
(على أن ذلك) أي الفعل، (عنده) أي الصحابي (عن النبي عليه الصلاة والسلام)
أي مستفاداً منه بأي وجه كان تحسيناً للظن بالصحابة(١).
واستشكل شارح بأنه يجوز فعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه لسماعه
منه صلى الله تعالى عليه وسلم، لا لأنه عليه الصلاة والسلام فعله، فلا يكون مِن
مرفوع الفعل. انتهى. وهو مدفوع بأن المراد من المثال أن يكون فعل الصحابي له
حكم المرفوع، بأن لا يكون من تلقاء نفسه لاشتراط ما لا مجال للاجتهاد فيه، بل
يكون مأخوذاً منه عليه الصلاة والسلام، وهو أعم من أن يكون مستفاداً من قوله، أو
فعله، أو تقريره صلى الله تعالى عليه وسلم كما أشرنا إليه .
(كما قال الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة عليَّ كرم الله وجهه في الكسوف)
أي في صلاته (في كل ركعة أكثر من ركوعين) ولعل هذا قولٌ في مذهبه، وإلا
فالمشهور من مذهبه، وهو قول مالك وأحمد في كل ركعة ركوعان، وعند أبي حنيفة
رحمه الله ركوع واحد، فمعنى قوله: أكثر من ركوعين غير ظاهر، قال في
((الأنوار))(٢)، وهو كتاب مشهور في مذهب الشافعي: أقل صلاة الخسوف والكسوف
(١) في (د) بالصحابي .
(٢) ((الأنوار لأعمال الأبرار)) الأردبيلي ١٥٨/١.

٥٥٥
المرفوع تصريحاً أو حكماً
ومثال المرفوع من التقرير حكماً: أنْ يُخْبِرَ الصحابي أنهم كانوا
يفعلون في زمان النبي # كذا،
ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، ولا يزاد ولا ينقص، ولو زيد أو نقص عامداً
بطلت، وناسياً يُتَدَارَك انتهى(١). ولعل معناه: أن الشافعي حمل فعل عليّ كرم الله
تعالى وجهه على أنه في حكم المرفوع، ثم رَجَّحَ غيره من الأدلة المقتصرة على
ركوعين على فعله رضي الله عنه.
(ومثال المرفوع من التقرير(٢) حكماً، أن يُخبر الصحابي أنهم كانوا) أي
الصحابة، (يفعلون في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كذا) أي بالإِضافة إلى
زمنه عليه الصلاة والسلام، [لا](٣) إلى حضرته عليه الصلاة والسلام كقوله: ((كنا
نأكل لحوم الأضاحي [١٣٨ - أ] على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم))(٤). وكقول [جابر](٥): (كنا نعزل والقرآن يُنْزِل))(٦)، أو ((كنا نأكل لحوم
الخيل على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم)) (٧)، فالصحيح الذي عليه
(١) عبارة (ج) و(د) والمطبوعة: ركوعان ولا يزيد، وإن زاد عامداً بطلت، ولا ينقص، وإن نقص عامداً
يتدارك، وما أثبتناه من الأنوار: ١٥٨/١.
(٢) في (د) التقدير.
(٣) سقط من (د).
(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢٧، رقم (١٤٠٩) بلفظ: ((كنا نأكل لحوم الأضاحي بعد
عاشرةٍ».
(٥) سقط من (ج).
(٦) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣٠٥/٩، كتاب النكاح (٦٧)، باب العزل (٩٦)، رقم (٢٥٠٨).
ومسلم ١٠٦٥/٢، كتاب النكاح (١٦)، باب حكم العزل (٢٢)، رقم (١٣٦ - ١٤٤٠)
و(١٣٧ - ١٤٤٠) (١٣٨ - ١٤٤٠). والترمذي ٤٤٣/٣، كتاب النكاح (٩)، باب ما جاء في
العزل (٣٩)، رقم (١١٣٧).
(٧) أخرجه النسائي ٢٠١/٧، كتاب الصيد والذبائح (٤٢)، باب الإذن في أكل لحوم الخيل
(٢٩)، رقم (٤٣٣٠) واللفظ له. وابن ماجه ١٠٦٤/٢، كتاب الذبائح (٢٧)، باب لحوم الخيل
(١٢)، رقم (٣١٩٠) و١٠٦٦/٢، باب لحوم البغال (١٤)، رقم (٣١٩٧). والبيهقي في السنن
الكبرى ٣٢٧/٩. والدارقطني ٢٨٨/٤ .

٥٥٦
المرفوع تصريحاً أو حكماً
فإنه يكون له حكم المرفوع مِن جِهَةِ أنّ الظاهر أُطَّلاَعُه ◌َ لِّ على ذلك؛
لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم ؛ ولأن ذلك الزمان زمان
نزول الوحي، فلا يقع من الصحابة فعل شيء، ويستمرون عليه إلا
وهو غير ممنوع الفِعْل.
وقد استدل جابر وأبو سعيد رضي الله تعالى عنهما على جواز
العَزْلِ
الاعتماد وبه قَطَع الحاكم وغيره من أئمة الحديث، أنه مرفوع. وقال الإِسماعيلي: إنه
موقوف، والصواب الأول.
(فإنه يكون له حكم المرفوع (١) من جهة أن الظاهر اطلاعه (٢) صلى الله
تعالى عليه وسلم على ذلك) أي على ما فعله أصحابه في زمانه، (لتوفر دواعيهم)
[أي لتكثر بواعث الصحابة (على سؤاله) من الإِضافة إلى المفعول، وفي نسخة:
على السؤال، (عن أمور دينهم](٣)، ولأن ذلك الزمان [زمان](٤) نزول الوحي)
أي الجلي، وحصول الوحي الخفي. وفي نسخة: زمان تواتر الوحي أي تتابعه
وتعاقبه، والمراد / ٩٧ - ب / عدم انقطاعه.
(فلا يقع من الصحابة فعل شيء) بفتح الفاء ويجوز كسرها، وهو مضاف إلى
١٦٩ مفعوله، / (ويستمرون عليه) أي على ذلك الفعل، وفيه إشارة إلى عدم نُدْرَة وقوعه
المحتملِ عدمَ اطلاعه صلى الله تعالى عليه وسلم. (إلا)، الاستثناء مفرغ من أعم
الأحوال، (وهو) أي ذلك الشيء، (غير ممنوع الفعل).
(وقد استدل جابر وأبو سعيد رضي الله تعالى عنهما على جواز العَزْل) أي في
الأمّة وإن لم يستأذن، وفي الزوجة بإذنها.
(١) في (د) والمطبوعة: الرفع.
(٢) في (د) اطلاقه.
(٣) سقط من (ج).
(٤)، سقط من (ج) والمطبوعة .

٥٥٧
المرفوع تصريحاً أو حكماً
بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن يُنْزِل، ولو كان ممّا يُنْهَى عنه لَنَهى عنه
القرآن.
ويلتحق بقولي: ((حكماً)) ما ورد
(بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان) أي العزل أي بذاته، (مما يُنهى
عنه [لَنَهَى عنه](١) القرآن) وفيه إشارة لطيفة إلى أن هذا كأنه تقرير ربانيّ، وإيماء
إلى (٢) أن فعلهم مرضي سبحاني، فإن الله سبحانه وتعالى حَبَّبَ إليهم الإِيمان وزيَّنه
في قلوبهم، وكَرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ولأن الله تعالى ارتضاهم لصحبة
نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، واختارهم لتقوية دينه وجعلهم خير أمّة أُخرجت
للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولذا قال صلى الله تعالى عليه
وسلم: [١٣٨ - ب] ((خير القرون قرني)(٣) وقال عليه الصلاة والسلام: ((أصحابي
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) (٤).
(ويلتحق(٥) بقولي) أي في المتن، (حكماً) أي قولٌ حكمي وهو (ما ورد
(١) سقط من (ج).
(٢) في (ج) على.
(٣) مر تخريجه ص ٢٣٥، تعليق رقم (٢) وانظر ص ٥١٦، تعليق رقم (٣).
(٤) قال العجلوني: ١٣٢/١ رواه البيهقي في الاعتقادص ١٨١ ، وأسنده الديلمي عن ابن عباس. وقال اللكنوي
في تحفة الأخيار ص ٥٣: وقد طال كلامهم على هذا الحديث تضعيفاً وجرحاً، حتى ظن بعضهم أنه
موضوع، وليس كذلك، نعم طرق روايته ضعيفة، ولا يلزم منه وضعُها، بل قد حسنه الصَّغَاني كما
قال الطيبي في حواشي ((المشكاة) المسماة بـ ((الكاشف عن حقائق السنن)) تحت حديث: ((فضل العالم
على العابد ... )) الحديث، قد شبِّهوا أي الصحابة بالنجوم في قوله مثل: ((أصحابي كالنجوم)).
حسِّنه الإِمام الصَّغَاني. انتهى. ونحوه في حواشي السيد على المشكاة. وفي ((شرح مختصر
المنار» لقاسم بن قُطْلُوبُغا: رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقد
روي معناه من حديث أنس، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشد بعضها بعضاً. انتهى. ((نخبة الانظار))
ص ٥٤. وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: انظر ما علقته على ((فتح باب العناية)) لعلي القاري
١٣:١، وفيه ما يفيد ورود هذا الحديث في الجملة، وأنه ليس بموضوع.
(٥) في (ج) يلحق.

٥٥٨
المرفوع تصريحاً أو حكماً
بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه عليه الصلاة
والسلام، كقول التابعي عن الصحابي: ((يرفع الحديث، أو يرويه، أو
يُنْمِيه، أو روايةً،
بصيغة الكناية في موضع الصيغ) جمع الصيغة أي الكلمة (الصريحة بالنسبة إليه
عليه الصلاة والسلام) يعني ما ورد بالصيغ التي كنّى بها أصحاب الحديث عن
قولهم: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو إما لكونه رواه بالمعنى، أو
اختصاراً، أو غير ذلك. قال ابن الصلاح(١): وحكم ذلك عند أهل العلم حكم
المرفوع، ومقتضاه الاتفاق. وقد صرح به النووي(٢).
(كقول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث) أو رفعه أو مرفوعاً، كحديث
سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ((الشفاء في ثلاث: شَرْبَة عَسَلٍ، وشَرطَةٍ مِحْجَمٍ ،
وكَيَّةِ نارٍ، وأنْهى أُمّتي عن الكيِّ(٣)) رفع الحديث.
(أو يرويه أو يَنْمِيه) بفتح أوله، وسكون النون، وكسر الميم، أي ينسبه
ويسنده. يقال: نَمَيْتُ الحديث إلى غيري نَمْياً، إذا أسندته أو رفعته، كحديث
مالك عن أبي حَازِمٍ عن سهل بن سعد قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل
يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة))(٤). قال أبو حَازِمٍ لا أعلم إلا أنه ينمي
ذلك.
(أو روايةً) بالنصب على المصدرية كحديث سفيان عن الزُّهري عن سعيد بن
(١) علوم الحديث ص ٤٩. حيث قال: الثاني: قول الصحابي: ((أُمِرْنابكذا، أو نهينا عن كذا)) من نوع
المرفوع المسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم ...
(٢) تدريب الراوي ١٨٨/١.
(٣) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٣٦/١٠، كتاب الطّب (٧٦)، باب الشفاء في ثلاث (٣)، رقم
(٥٦٨٠).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٢٤/٢، وعمدة القاري ٢٨٧/٥)، كتاب الأذان (١٠)، باب وضع
اليمنى على اليسرى (٨٧)، رقم (٧٤٠).

٥٥٩
المرفوع تصريحاً أو حكماً
أو یبلغ به، أو رواه).
وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل، ويريدون به
النبي ◌َ﴾،
المسيّب عن أبي هريرة رواية: ((الفِطْرَةُ خَمْس))(١).
(أو يَبْلُغ به) كحديث مسلم عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة يَبْلُغُ
به: ((الناس تَبَعٌ لقريش)) (٢) وبه عن أبي هريرة رواية: ((تُقَاتِلون
قوماً (٣)٩٨/٠ - أ/ صِغَار الأَعْيُن)) (٤) .
(أو رواه) أي بصيغة الماضي، وكأنه أقلّ استعمالاً من المضارع، والمصدر
ولذا أخره عنهما والله سبحانه أعلم.
(وقد يقتصرون) أي المحدثون (على القول مع(٥) حذف القائل) أي
اختصاراً بناء على الوضوح، (ويريدون به) أي بالقائل، (النبي صلى الله تعالى عليه
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣٤٩/١٠، كتاب اللباس (٧٧)، باب تقليم الأظفار (٦٤)، رقم
(٥٨٨٩). ومسلم ٢٢١/١ كتاب الطهارة (٢) باب خصال الفطرة (١٦) رقم (٤٩ - ٢٥٧)
و(٥٠ - ٢٥٧).
(٢) أخرجه مسلم ١٤٥١/٣، كتاب الإمارة (٣٣)، باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش (١)،
رقم (١ - ١٨١٨). والبخاري (فتح الباري) ٥٢٦/٦، كتاب المناقب (٦١)، باب قول الله تعالى:
﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ... ﴾ (١)، رقم (٣٤٩٥). وأحمد في المسند
٢٤٢/٢ - ٢٤٣.
(٣) سقط من (د).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٠٤/٦، كتاب الجهاد (٥٦)، باب قتال الذين ينتعلون الشعر (٩٦)،
رقم (٢٩٢٩) ومسلم ٢٢٣٣/٤، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٥٢)، باب لا تقوم الساعة حتى يمرّ
الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (١٨)، رقم (٦٤ - ٢٩١٢).
(٥) في المطبوعة: ما، وفي (د) على.

٥٦٠
المرفوع تصريحاً أو حكماً
كقول ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال: ((تقاتلون قوماً ...
الحديث)). وفي كلام الخطيب أنه اصطلاح خاص بأهل البصرة.
ومن الصيغ المحتَمِلة قولُ الصحابي: مِنَ السنة كذا،
وسلم كقول ابن [١٣٩ - أ] سيرين عن أبي هريرة قال:) أي أبو هريرة، (قال) أي
النبي عليه الصلاة السلام:
((تقاتلون قوماً ... )) الحديث) تمامه ((صغار الأعين، تسوقونهم(١) ثلاث
١٧٠ مرات حتى تُلحِقُوهم(٢) بجزيرة العرب، فأما في السِّيَاقة / الأولى، فينجو من هرب
منهم، وأما في الثانية فينجو بعضٌ، ويَهْلِك بعض، وأما في الثالثة فيَصْطَلِمُون))، أو
كما قال. انتهى(٣). وصغار الأعين: الترك، وجزيرة العرب: ما أحاط بها بحر
الحبشة، وبحر فارس، ودجلة والفرات، واصطلم: أي هلك.
(وفي كلام الخطيب أنه) أي الاقتصار على القول مع حذف القائل،
(اصطلاح خاص بأهل البصرة) أي منهم ابن سيرين وغيره، وتحقيقه ما قال ابن
سيرين: كل شيءٍ حَدَّثْتُ به عن أبي هريرة فهو مرفوع. وقال الخطيب(٤) عقبه: قلت
للبرْقَاني: أحْسَب أن موسى (٥) عَنَى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصه، فقال: كذا
[تَحْسِب؟].
(ومن الصيغ المحتملة) أي لأن يكون مرفوعاً أو موقوفاً، (قول الصحابي:
من السنة كذا) كقول علي كرم الله وجهه: ((مِن السنّه وضع الكف على الكف في
(١) تغير خط الناسخ بدأً من هنا في (د).
(٢) في (د) والمطبوعة: تلحقونهم، وهو خطأ.
(٣) أخرجه أبو داود ٤٨٦/٤، كتاب الملاحم (٣٦)، باب في قتال الترك (٩)، رقم (٤٣٠٤) (٤٣٠٥).
(٤) الكفاية ص ٤١٨ - ٤١٩، وما بين الحاصرتين منه.
(٥) هو موسی بن هارون.