النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
المدلس
مجروح عند جماعة لا تقبل روايته، بَيَّن السماع أو لم يبينه.
والصحيح التفصيل فيما بيَّن فيه الاتصال، كـ: سمعت، وحدثنا، ونحو ذلك
مقبول، ففي الصحيحين(١) وغيرهما منه كثير.
قال النووي(٢): وذلك لأن هذا التدليس ليس كذباً، بل لم يبيّن فيه
الاتصال، فلفظه محتمل، وحكمه حكم المرسَل وأنواعه. وأجرى الشافعي هذا
الحكم فيمن دلّس مرة.
وأما تدليس الشيوخ: وهو أن يسمي شيخاً سمع منه [بغير](٣) اسمه
المعروف، أو ينسبه(٤)، أو يصفه بما لا يشتهر كيلا يعرف. وهذا أخف من الأول،
ويختلف الحال في كراهته(٥) بحسب اختلاف القصدِ الحاملِ عليه، وهو إما لكونه
ضعيفاً، أو صغيراً، أو متأخر الوفاة، أو لكونه مكثراً عنه، أو شاركه(٦) في السماع
عنه جماعة دونه. وتَسَمَّح به جماعة من المصنفين، كالخطيب، وقد أكثر منه. ومنه
قول ابن مُجَاهِد المُقْرِىء: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد أبا بكر عبدَ الله بن
أبي داود السجستاني. وقوله: حدثنا محمد بن سَنَّد، يعني أبا بكر محمد بن
الحسن النقَّاش، نِسبة إلى جدٍ له. قلت: هو محمد بن حسن بن
زیاد بن/٦٨ -ب/هارون بن جعفر بن سند. انتھی.
وقيل: المُدَلَّس ثلاثة أقسام:
أحدها: ما ذكره المصنف: وهو أن يُسقط اسمَ شيخه الذي سمع منه،
(١) في المطبوعة: الصحيح.
(٢) ارشاد طلاب الحقائق ص ٩٣. وعبارته: ((وهذا لأن التدليس ليس كذباً. ثم الحكم بأنه لا يقبل من
المدلس حتى يبيّن أجراه الشافعي فيمن عرفناه دلس مرة)».
(٣) سقط من (ج).
(٤) في (د) بنسبه .
(٥) في (ج) كراهيته.
(٦) في (ج) يشاركه.

٤٢٢
المدلس
ويرتقي إلى شيخ شيخه، أو مَن فوقه، فيسند ذلك بلفظ لا يقتضي الاتصال، بل
بلفظ موهِمٍ له، كـ: عن فلان، أو قال فلان. وإنما يكون تدليساً إذا كان المدلس لَقِيه
ولم يسمع منه، أو سمعه ولم يسمع منه ذلك الحديث. مثال ذلك: ما روي عن
علي بن خَشْرَم قال: كنا يوماً عند ابن عُيَيْنة(١) ... إلخ.
وثانيها(٢): أن يصف المدلِّس شيخه بوصف لا يُعرف ببه، من اسم، أو
كنية، أو نسبة [٩٥ _ أ] إلى (٣) قبيلة، أو صفّة، أو بلدٍ، أو نحو ذلك، كي (٤)
١١٧ يُوعِّر الطريق /إلى السماع له، كقول ابن مجاهد - أحد القُرَّاء -: حدثنا عبد الله بن
أبي عبد الله، يريد به عبد الله بن أبي داود السُّجِسْتَاني صاحب ((السنن)).
وثالثها: تدليس التسوية: وصورته أن يرويَ حديثاً(٥) عن شيخ(٦) ثقة، وذلك
الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلَّس الذي سمع الحديث من الثقة
الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن
الثقة الثاني، فيسوِّي (٧) الإِسناد كله ثقات. فهذا أشر(٨) أقسام التدليس، لأن الثقة
الأول قد لا يكون معروفاً بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية
قد رواه عن ثقة آخر، فیحکم له بالصحة، وهذا غرور شديد.
وأما القسم الأول: فمكروه جداً ذمه أكثر العلماء، وكان شُعْبَةُ أشدَّهم ذماً
(١) انظر تمام القصة صفحة: ٤٢٠.
(٢) في المطبوعة: ثانيهما.
(٣) في (د) أو.
(٤) عبارة (ج) كما توعر الطريق.
(٥) في المطبوعة: حدثنا.
(٦) في (ج) شيخه.
(٧) في (ج) ويسوى.
(٨). من الشاذ استعمال كلمتي. ((خير)) و((شر)) في التفضيل، أي أخْيَر، وأشَرَّ. النحو الوافي ٣٩٦/٣
تعليق رقم (٥). وقال في اللسان ٤٠٠/٤: قال الجوهري: ولا يقال اشرّ الناس إلا في لغة رديئة.

٤٢٣
المرسل الخفي
(وكذا المُرْسَلُ الخَفِيّ)
فروى(١) الشافعي، عن شعبة قال: التدليس أخو الكذب. وقال: لأن أزني أحب
إليّ مِن أن أدلّس، قال: وهذا من شعبة محمول على الزجر والتنفير(٢).
والقسم الثاني أمره أخف(٣)، وفيه تضييع للمروي عنه والمروي، وتوعير
لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله.
[المُرْسَلُ الخَّفِيّ] (٤)
(وكذا) أي مثل المُدَلَّس في الرَّدّ(٥) (المرسَل الخفي) قيل: الظاهر أنه عطف
على قوله: المدلس. وأدخل كذا لطول العهد، أي الثاني هو المدلس، والمرسل
الخفي، أي منقسم(٦) إليهما. ثم اعلم أنه ليس المراد بالإِرسال هنا ما سقط من
سنده الصحابي، كما هو المشهور في حد المرسَل، وإنما المراد هنا مطلق
الانقطاع .
ثم الإِرسال بهذا المعنى على نوعين: ظاهر، وخفيّ .
فالظاهر: هو أن يروي الرجل عمن لم یعاصره، أي لم تثبت معاصرته أصلاً،
بحيث لا يشتبه إرساله(٧) باتصاله على أهل الحديث، [٩٥ - ب] كأن يرويَ مالك
مثلاً عن سعيد بن المسيِّب.
(٢) انظر علوم الحديث ص ٧٤ - ٧٥.
(١) في (ج) فرده.
(٣) في (ج) اضعف.
(٤) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٢٨٨ - ٢٨٩، وإرشاد طلاب الحقائق ص ١٩٢،
والباعث الحثيث ص ١٧٢، وقفو الأثر ص ٧٢ - ٧٣، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب
ص ١٩٢، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٣٩، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ٧٠/٤، وتدريب الراوي
٢٠٥/٢، وقواعد في علوم الحديث ص ٤٢، ومنهج النقد في علوم الحديث ص ٣٨٦.
(٥) عبارة (ج) مثل المدلس ورد المرسل.
(٦) في (د) ينقسم.
(٧) في (ج) والمطبوعة: ارسال.

٤٢٤
المرسل الخفي
إذا صدر (مِنْ مُعَاصرٍ لم يَلْقَ) مَنْ حدَّث عنه، بل بينه وبينه واسطة.
والفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَلِ الخَفِيّ دقيقٌ، يحصل
والخفي: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، أو عمن لقيه ولم
يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، فهذا قد يخفى على كثير من أهل الحديث،
لكونهما قد جمعهما عصر واحد، وهذا أشبه بروايات(١) المُدلِّسين(٢)، كذا
حققه/٦٩ - أ/ العراقي (٣).
(إذا صدر من معاصر لم يلق) قيد اتفاقي (٤) لا احترازي، وكان الأنسب أن
يقول: وهو الصادر مِن معاصر. ولذا قال تلميذه: هذا الشرط يوهم أنّ له مفهوماً،
وليس كذلك؛ إذ ليس لنا مرسل [خفي](٥) إلا ما صدر عن معاصر لم يلق.
انتهى. وفيه أن الحصر غير صحيح لما تقدم من الصور، ومن جملتها معاصر لم
يلْقَ (مَن حدّث عنه) كان الظاهر أن يقول: لم يُعرف لقاؤه، كما صرح به فيما
سيأتي(٦) .
(بل بينه) أي المعاصر، (وبينه) أي المُحَدَّثِ عنه، (واسطة). ظاهر كلامه
أن ((بل)) للإضراب، تأكيداً على وجه الانتقال، ويمكن أن يكون بل للإِبطال، عدولاً
عن الحصر المفهوم من الأول. وإفادة للعموم (٧) المستفاد من الثاني، فإنه يشعر
أنه نفى الواسطة مع تحققها. وهذا أعم من أن يكون معاصراً له، أو لم يكن،
فيشمل جميع [الصور](٥) السابقة.
(والفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي دقيق) أي وبالبيان حقيق (يحصل)
(٢) في (ج) والمطبوعة: المدلس.
(١) في (د) رواية.
(٣) فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٣٣٩.
(٤) في (ج) واقع، وفي المطبوعة: واقعي .
(٥) سقط من المطبوعة.
(٦) ص ٤٢٥ حيث قال: لم يُعْرَف أنه لقيه ...
(٧) في (د) المفهوم.

٤٢٥
المرسل الخفي
تحريره بما ذكر هنا: وهو أنّ التدليس يختص بمَن روى عمّن عُرِف
لقاؤه إياه، فأما إنْ عاصره، ولم يُعْرَف أنه لَقِيَه، فهو المُرْسَلِ الخَفِيّ.
ومَنْ أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه
دخول المُرْسَل الخفي في تعريفه،
وفي نسخة: حصل (تحريره بما ذكر هنا) أي بما ذكر / بعده من تقريره، كما يدل ١١٨
عليه قوله :
(وهو أن التدليس يختص بمَن رَوَى عمن عُرف لقاؤه إياه) أي والمرسَل
الخفي يختص بمَن روى عمن عاصره، ولم يُعرف أنه لقيه على ما ذكره
السخاوي(١)، وهو معنى قوله:
(فأما إنْ عاصره ولم يُعَرف أنه لقيه، فهو المرسَل الخفي). قيل: الأظهر في
العبارة أن يقول: بما يذكر؛مقيداً بـ: الآن (٢) أو [٩٦ _ أ] غير مقيد. ويجوز أي حينئذ
أن يراد به التقرير السابق في تقسيم السَّقْط إلى الواضح(٣) والخفي (٤)، حيث اعتبر
في الأول عدم التلاقي، فعلم أن التلاقي معتبر في الباقي الذي هو المدلس بقرينة
المقابلة، والمرسَل الخفي من الأول، كما يدل عليه قوله: مِن معاصِرٍ لم يلق،
فعُلِم من مجموع ما سبق الفرقُ بينهما. وهذا إنما يتأتى إذا لم يجعل المرسَل
الخفي قسماً من الثاني.
(ومن أدخل) كصاحب ((الخلاصة))(٥) (في تعريف التدليس المعاصرة ولو
بغير لُقِيّ) كالنووي (٦)، والعراقي (٧) (لزِمه دخول المرسَل الخفي في تعريفه) أي
(٢) عبارة (ج) والمطبوعة: مقيداً بما لأن أو غير ...
(٤) انظر المتن صفحة: ٤١٤.
(١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٧٠/٤.
(٣) في (ج) الواضع.
(٥) ص ٧١.
(٦) التقريب ص ٨، وارشاد طلاب الحقائق ص ٩٢.
(٧) فتح المغيث ((للعراقي)) ص ٧٩ - ٨٠.

٤٢٦
المرسل الخفي
والصواب التفرقة بينهما. ويدل على أنّ اعتبار اللَّقِيّ في التدليس دون
المعاصرة وحدها لا بُدّ منه إطباقُ أهل العلم بالحديث على أنّ رواية
المُخَضْرَمِين كأبي عثمان النَّهْدِيّ، وقيس بن أبي حَازِمِ عن النبيِ وَّهِ مِنْ
قَبِيل الإِرسال لا من قَبِيل التدليس.
ولو كان مجرد المعاصرة يُكْتَفَى به في التدليس لكان هؤلاء
مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ◌َّ قطعاً، ولكن لم يُعْرَف هل لَقَوْهُ أم
لا .
تعريف التدليس.
(والصواب: التفرقة بينهما) وفيه أنه لا منع من أن يكون بينهما عموماً
وخصوصاً.
(ويدل على أن اعتبار اللُّقِيّ في التدليس دون المعاصرة وحدها لا بد منه)
خبر أَنَّ مقدم على قوله: دون المعاصرة، وفاعل يدل قوله: (إطباق أهل العلم
بالحديث) متعلق بالعلم، أي اتفاقهم (على أن رواية المُخَضْرَ مِين) جمع المُخَضْرَم
بالخاء والضاد المعجمتين، وفتح الراء.
يقال: خُضْرِم عما أدركه: قُطِعَ، وهو الذي أدرك الجاهلية وزمنَ النبي صلى
الله تعالى عليه وسلم ولم يره. وسيأتي (١) الخلاف في أنهم هل [هم](٢)
معدودون/٦٩ - ب/ من الصحابة، أم من كبار التابعين؟ كما هو الصحيح، وعَدَّهُم
مسلم عشرين نفساً (كأبي عثمان النَّهْديَ) بفتح نون، وسكون هاء، (وقيس بن أبي
حَازِم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قبيل الإِرسال) أي الخفي (لا من
قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يُكْتَفى به في التدليس، لكان هؤلاء
مدلسين، لأنهم عاصروا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قطعاً، ولكن لم يعرف هل
لَقَوْهُ أم لا).
(١) ص ٥٩٨.
(٢) سقط من (ج).

٤٢٧
المرسل الخفي
وممن قال باشتراط اللَّقِيّ في التدليس الإِمامُ الشافعي، وأبو بكر
البَزَّار، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه وهو المُعْتَمَد. ويُعْرَف عدمُ
المُلاَقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بِجَزْم إمام مطَّلِعٍ، ولا يَكْفِي أنْ
يقعَ في بعض الطُّرُق زيادةُ راوٍ بينهما؛ لاحتمال أنْ يكون مِن المزید،
والظاهر أن المُخَضْرَمِ مَن عُرف عدم لُقِيّه، لا مَن لم يعرف أنه لقيه، وبينهما
فرق كما لا يخفى، فيكون حديثهم من المرسل الجلي قريب [٩٦ - ب] من
مراسيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
(وممن قال باشتراط اللَّقِي في التدليس: الإِمام الشافعي، وأبو بكر البزَّار)
بتشديد الزاي، في آخره راء.
(وكلام الخديث في ((الكفاية)) يقتضيه، وهو المعتمد، ويعرف عدم المُلاَقَاة
بإخباره) أي المدلِّس (عن نفسه بذلك) كما أخبر ابن عُيَيْنَة على ما روى عنه
علي بن خَشْرَم وقد تقدم(١).
(أو بجزم إمام مِطّلع)(٢) أي بذلك وهو عدم الملاقاة، وإنما يعلم ذلك
بالتاريخ كحديث العَوَّم - بفتح مهملة وتشديد [واو](٣) - ابن حَوْشَب، عن
عبد الله بن أبي أوفى: ((كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قال بلال: قد قامتٍ
الصلاة نهض وكبّر))(٤). قال الإِمام أحمد: العَوَّام لم يُدْرِك ابن أبي أوفى.
(ولا يكفي) أي في عدم الملاقاة، (أن يقع في بعض / الطرق زيادة راوٍ) أو ١١٩
أكثر، كما قال بعضهم، (بينهما لاحتمال أن يكون) أي هذه الزيادة، أو هذا الزائد،
(من المزيد) وهو أن يزيد الراوي في إسناد واحدٍ رجلاً، أو أكثر وَهْماً منه وغلطاً.
(١) ص ٤٢٠.
(٢) في المطبوعة: مطلق.
(٣) سقط من المطبوعة.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير، انظر مجمع الزوائد ٥/٢.

٤٢٨
المرسل الخفي
ولا يُحكم في هذه الصورة بحكم كلي لتعارض احتمال الاتصال
والانقطاع. وقد صنَّف فيه الخطيب كتاب ((التفصيل لِمُبْهَم
المَرَاسيل))، وكتاب ((المَزِيد في مُتَّصِل الأَسَانِيد)). وانتهت هنا أحكام
الساقط من الإِسناد.
وحاصله: أنه لا يكفي للحكم بالتدليس وقوع زيادة راوٍ بَيْنَ مَن روى بصيغة
تحتمل السماع، وبين المروي عنه في بعض الطرق، فلا يُحكم بمجرد هذه الزيادة
بالتدليس لاحتمال أن يكون هذا الزائد من المزيد في متصل الأسانيد. وسيجيء(١)
تفسيره في المخالفة .
(ولا يُحكم) بصيغة المجهول، (في هذه الصورة) أي التي وقعت في بعض
طرقها زيادةُ راوٍ، (بحكم كليّ) أي قطعي في أحد الجانبين، (لتعارض احتمال
الاتصال والانقطاع) وعدم مرجِّح(٢) لأحدهما.
(وقد صنف فيه [الخطيب])(٣) أي في بيان ما ذكر من المُدَلَّس، والمُرْسَل
الخفي، والمزيد، والفرق بينهما، فصنف في خفي الإِرسال [٩٧ - أ] كتاباً (٤) سماه:
(كتاب ((التفصيل) بمعنى(٥) التبيين، (لمُبْهَم المراسيل))). (وكتاب ((المزيد) أي
وصنف في مزيد الإِسناد(٦) كتاباً سماه: تمييز المزيد في (في مُتَّصِل الأسانيد))) أي
واستوعب فيهما مسائل الصورتين.
(وانتهت هنا أحكام الساقط) وفي / ٧٠ - أ/ نسخة: حكم الساقط (مِن
الإِسناد) أي وعُرِف حكم المحذوف. قيل: الأنسب تقديم الحكم على الأقسام، إذ
الأقسام للساقط، والأحكام للأقسام، بأن يقول: وانتهى هنا أحكام أقسام الساقط،
بل حق العبارة أن يقال: وانتهت هنا أقسام المردود، والسقط وأحكامه.
(١) ص ٤٧٨.
(٢) في المطبوعة: مرجع.
(٣) سقط من (ج).
(٤) عبارة (ج) الارسال الخطيب كتاباً.
(٥) في (د) يعني، وبهامشها ((بمعنى)).
(٦) في (د) الأسانيد.

٤٢٩
الطعن وأسبابه
(ثُمَّ الطَّعْنُ) يكون بعشرة أشياء بعضُها يكون أشدَّ في القَدْحِ مِن
بعض: خمسةٌ منها تتعلق بالعدالة، وخمسةٌ تتعلق بالضبط، ولم
يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر لمصلحة اقتضت ذلك،
وهي ترتيبها على الأشدّ فالأشد في موجب الردِّ على سبيل التدلِّي؛
[الطَّعْنُ وأَسْبَابُه]
(ثم الطعن) أي في رجال الإِسناد، (يكون بعشرة أشياء) كما سيجىء مجملاً
ومفصلاً(١) (بعضها يكون أشد في القدح) أي في الطعن والجرح (من بعضٍ:
خمسةٌ منها) أي من العشرة، (تتعلق بالعدالة) وهي الكذب، والتهمة، والفسق،
والجهالة، والبدعة. (وخمسة تتعلق بالضبط،) وهي الخمسة الباقية (٢).
((ولم يحصل الاعتناء) أي الاهتمام (بتمييز أحد القسمين من الآخر) أي بأن
يبين جميع ما يتعلق بالعدالة على حدة، ثم يبين جميع ما يتعلق بالضبط، بل بيّنها
مختلطة، (لمصلحة اقتضت ذلك) أي عدم الحصول المذكور.
(وهي) أي المصلحة، (ترتيبها) أي العشرة، (على الأشد فالأشد في موجّب
الرد) بفتح الجيم في إيجاب الرد، (على سبيل التدلي) أي التنزّل من الأعلى في
الشدة إلى الأدنى فيها، عكس طريق الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كما فعل في
تسميتهما لفاً ونشراً مرتباً.
قيل: وهذا لا يخلو عن استدراك لانفهامه(٣) من الأشد فالأشد. وفيه أن
العبارة محتملة لأنْ يكون للترقّي وللتدَلِّي، بل الأُوَّل (٤) هو المتبادر إلى الذهن.
(١) ص ٤٣٠.
(٢) في (ج) والمطبوعة: البقية.
(٣) في المطبوعة: الانفهام.
(٤) في (ج) و(د): الأولى.

٤٣٠
الطعن وأسبابه
لأنّ الطعن (إمّا أنْ يكون لِكَذِبِ الرَّاوي) في الحديث النبوي: بأن
يرويَ عنه بَّ ما لم يَقُلْهُ متعمِّداً لذلك.
وحاصله: أنه أراد تقرب أحدها إلى الآخر في الأشدية [٩٧ - ب] فإنّ بعض
أقسام أحد القسمين يترتب في الأشدية على بعض أقسام الآخر دون أقسام
الآخر (١) قيل: الأوضح (٢) في العبارة: مكانها بحسب الشدة والضعف، إذ لا
١٢٠ أشدية للأخير(٣). ويُدفع بأن هذه عبارة/ مشهورةٌ بين البلغاء، وقد ورد في
الحديث الشريف أيضاً: ((أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ، فالأمثل)). رواه
البخاري (٤) وغيره. ويوجَّه بأنه لو كان هناك سبب آخر للطعن كان الأخير أشد منه، وإنما
انحصر الطعن في العشرة.
(لأن الطعن إما أن يكون لكَذِب الراوي) بفتح الكاف، وكسر الذال، أفصح
من كسر أوله، وسكون ثانيه. ويرد على المتن أن الكذب فرد من أنواع الفِسق،
ولهذا قيده في الشرح بقوله: (في الحديث النبوي، بأن يروي عنه وِّ ما لم يَقُلْهُ
متعمِّداً لذلك) أي بخلاف ما رَوَى(٥) ساهياً، فالمراد بالكذب في المتن الكذب
على سبيل العمد. فلو قال بدله: الافتراء وهو الكذب عن عمدٍ، لكان أولى.
ثم لما كان هذا الكذب الخاص / ٧٠ - ب /أشدَ أنواعِ الفسق، وأقبح أسباب
الطعن، حتى قيل بكفر المفتري عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، أفرده وجعله
كأنه جنس آخر، وقدَّمه على الكل. وأما قول محشٍ: وإنما قدّم الأول لكون
(٢) في المطبوعة: الأصح.
(١) في (ج) الأقسام.
(٣) عبارة المطبوعة: إذ الأشدية للآخر.
(٤) قال المُنَاوي: وعَزُوه (أي السيوطي في الجامع الصغير) إلى البخاري تَبع فيه ابنَ حَجَر في ترتيب
الفردوس، قيل: ولم يوجد فيه. اهـ فيض القدير ٥١٩/١، بل هو في صحيح البخاري (فتح الباري)
١١١/١٠، كتاب المرضى (٧٥) ولقد صَدَّرَ البخاري بهذا اللفظ الباب حيث قال: باب أشد الناس بلاء
الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وهذه الترجمة لفظ حديث عند الترمذي ٥٢٠/٤، كتاب الزهد (٣٤)، باب ما
جاء في الصبر على البلاء (٥٧) رقم (٢٣٩٨).
(٥) في (ج) یروی.

٤٣١
الطعن وأسبابه
(أو تهمتِهِ بذلك) بأن لا يرويَ ذلك الحديث إلا من جهته،
ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة، وكذا من عُرِفَ بالكذب في
كلامه، وإنْ لم يظهر منه وقوعُ ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون
الأول.
الطعن به أشد في هذا الفن، وإن كان الفسق بالفعل أشد من الكل، فمردود بما
ذكرنا .
(أو تهمته) أي الراوي، (بذلك) أي الكذب المذكور، (بأن لا يروي ذلك
الحديث) أي المطعون. والأظهر أن يقول: بأن لا يروي الحديث (إلا من جهته)
أي الراوي المُتَّهَم، (ويكون) أي ذلك الحديث، (مخالفاً للقواعد،) أي قواعد
الدين (المعلومة) أي من الشريعة بالضرورة. والعطف للتفسير والبيان، [٩٨ - أ]
وسيجيء(١) ما يشعر بأن هذا من الأول، حيث عدّ كونه مناقضاً لنص القرآن من قرائن
كونه موضوعاً.
(وكذا مَن عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في
الحديث النبوي) قلت: هذا داخل في الفسق القولي، وجَعْلُه داخلاً في التُهمة غير
مستبعد، (وهذا دون الأول).
قال تلميذه: قوله: وهذا دون الأول مستغنی عنه. انتهى. وكأنه فهم أن هذا
إشارة إلى التهمة، والمراد بالأول الحقيقي. والصواب جعله إشارة إلى قوله: وكذا
مَن عرف ... إلخ. وجعل الأول إضافياً، وهو ما أشار إليه بقوله: أو تهمته بذلك،
ثم وَجْهُ تقديم الثاني على ما بعده من الفسق وغيره، أَنَّ كون كلٍ من العشرة مُوجِبة
للرد، إنما هو من جهة إيجابها بحسب ظن الكذب في الرواية، وهذا هو وجه تقديم
النوعين اللَّذَيْن يليانه(٢) على الفسق.
(١) ص ٤٤٣.
(٢) عبارة (ج) الذين ببيانه.

٤٣٢
الطعن وأسبابه
(أو فُحْشٍ غَلَطِهِ) أي كثرته، (أو غَفْلَتَه) عن الإِتقان، (أو فِسْقِهِ)
أي بالفعل أو القول مما لم يبلغ الكفر، وبينه وبين الأول عموم، وإنما
أُفْرِد الأول لكون القدح به أشد في هذا الفن.
(أو فُحْش غلطه أي كثرته) بأن يكون خطؤه أكثر من صوابه، أو يتساويان(١)،
إذ لا يخلو الإِنسان من الغلط والنسيان.
(أو غفلته) أي ذُهُوله (عن الإتقان) أي الحفظ والإِيقان. والظاهر: أنه عطف
على غلطه، لا على الفحش. والمعنى: أو فُحش غفلته، أي كثرة غفلته، لأن
الظاهر أن مجرد الغفلة ليس سبباً للطعن لقلة من يعافيه الله منها. ويدل عليه قوله
فيما بعد: أو كَثُرَت غفلته(٢).
(أو فسقه) قيل المراد به ظهوره، لأن جعله موجباً للطعن إنما هو بعد العلم
به وظهوره، كما سيصرح به. وفيه أنه لا تخصيص له بذلك، بل الجميع كذلك.
(أي بالفعل أو القول) والمراد بالفعل أعم من عمل الظاهر والباطن (مما لم
١٢١ يبلغ الكفر) أي من / فعله أو قوله. وأما الكفر، فهو خارج عن المبحث، لأن
الكلام في الراوي المسلم، وبه يظهر فساد قول شارح: فإن ما يبلغ الكفر داخل في
[٩٨ - ب] الفسق بالمُعْتَقَد، وهي البدعة. انتهى. مع ما فيه أن كل ما يبلغ الكفر
لا يسمى بدعة، بل من البدع ما يبلغ الكفر، فتأمل / ٧١ - أ/حق التأمل.
(وبَيْنَه) أي الفسق، (وبين الأول) أي كذب الراوي، (عموم) أي وخصوص
مطلقاً، فالأول أخص، والثاني أعم، لأن الفسق يصدق على كل ما صدق (٣) عليه
الكذب، دون العكس، وأما بينه وبين الثاني، فعموم من وجه.
(وإنما أفرد الأول) أي مع كونه داخلاً في العام، (لكون القدح به أشد في
هذا الفن) وقدَّمنا ما يزيد به التحقيق.
(١) في (ج) يتساويا، وفي (د) تساويا.
(٣) في (ج) يصدف.
(٢) ص ٤٥٤.

٤٣٣
الطعن وأسبابه
وأما الفسق بالمُعْتَقَد فسيأتي بيانه.
(أو وَهْمه) بأن يروي على سبيل التوهم، (أو مُخَالَفَتِهِ) أي
للثقات، (أو جَهَالَتَه) بأن لا يُعْرَف فيه تعديل ولا تجريح معين، (أو
بِدْعَته) وهي اعتقاد ما أَحْدِثَ على خلاف المعروف عن النبي ◌َّ
(وأما الفسق بالمعتقد) أي بالاعتقاد، أو بسبب معتقَد السوء، (فسيأتي بيانه)(١)
أنه نوع خاص یسمی بالبدعة.
(أو وهمه: بأن يروي على سبيل التوهم) أي بناء على الطرف المرجوح من
الشك.
(أو مخالفته أي للثقات) أو لمن هو أوثق منه، وفي تأخيرهما عن الفسق نظر
ظاهر، فإنهما أكثر مناسبة للكذب من الفسق بالفعل.
(أو جَهالته) بفتح الجيم، (بأن لا يُعرَف فيه تعديل ولا تجريح معيَّن)، إشارة
إلى أنه لو جُرِحَ فيه جَرْحٌ مُجَرَّد، لا يكون في هذه المرتبة، إذ التجريح لا يُقبل ما
لم يبَيَّن وجهه، بخلاف التعديل، فإنه يكفي فيه أن يقول: عدل أو ثقة مثلاً.
(أو بدعته). اعلم أن البدعة أضعف من مقدمة ومؤخرة (٢)، لأن اعتقاد خلاف
المعروف إنما هو بناء على دليل لاح عليه، فلا يؤثر مثل ما سِوَاهُ في عدم
الاعتماد(٣)؛ ولذا قد يوجد في الصحيح ما يكون رافضياً، أو خارجياً، أو معتزلياً،
وغيرهم في رجال الإِسناد.
(وهي اعتقاد ما أُحدث) أي جُدِّد واختُرع (على خلاف المعروف) متعلق
بـ: أُحدِث، (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) متعلق [٩٩ - أ] بالمعروف، وكذا
عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((مَن أحدث
(١) ص ٥٢١.
(٢) كذا في الأصول كلها.
(٣) في (د) الاعتقاد.

٤٣٤
الطعن وأسبابه
لا بمعاندة بل بنوع شبْهَة، (أو سُوء حفظه) وهي عبارة عن أنْ لا يكون
غلطُه أقلّ من إصابته.
في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)(١).
(لا بمعاندة) فإن ما يكون بمعاندة كفر، (بل بنوع شبهة) أي دليل باطل سُمِّي
[بها](٢)، لأنه يشبه(٣) الثابت وليس بثابت، لأن أدلة المبتدعة كلها مدخول فيها،
وإن كان الكل يستدلون بالقرآن، لكنْ كما قال تعالى: ﴿يُضِلّ به كثيراً وَيَهْدِي به
كثيراً﴾ (٤).
(أو سوء حفظه وهي:) أنّثَ باعتبار الخبر، وهو قوله: (عبارة عن(٥) أن لا
يكون) بصيغة النفي هو الصواب خلافاً لما في بعض النسخ، وسيأتي تفصيله في
التفصيل (٦). (غلطه أقل من إصابته)(٧) سواء كان مساوياً، أو أكثر، وأما إذا كان غلطه
أقل من الإصابة، أو قليلاً بالنسبة إليها، فهو مقبول.
ويَرِدُ على المصنف أنه لا يظهر الفرق بين الغفلة والوهم، وكذا بين فحش
الغلط، وسوء الحفظ. وإن حمل فحش الغلط على كثرته في نفس الأمر، وسوء
الحفظ على أنْ لا يكون الغلط أقل من الإصابة (٨) / ٧١ - ب/، بقرينة المقابلة، لم
يكن لتأخر سوء الحفظ - أي ما يكون الغلط مساوياً للإصابة، أو أكثر(٩) منها عن
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٣٠١/٥، كتاب الصلح (٥٣)، باب إذا اصطلحوا على صلح
جور ... (٥)، رقم (٢٦٩٧). ومسلم ١٣٤٣/٣، كتاب الأقضية (٣٠)، باب نقض الأحكام
الباطلة ... (٨)، رقم (١٧ - ١٧١٨).
(٢) سقط من (ج).
(٣) في (د) شبه.
(٤) سورة البقرة: الآية: ٢٦ .
(٥) في (د) والمطبوعة: عمن.
(٧) في (د) والمطبوعة: الإِصابة.
(٨) كرّر الناسخ ما سبق ذكره من قوله: أو قليلاً بالنسبة ... إلى قوله: أقل من الإِصابة، وهو خطأ.
(٩) في (ج) كثر.
(٦) ص ٥٣٣.

٤٣٥
الموضوع
(فـ) القسم (الأوّل) وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث
النبوي هو (المَوْضُوع)، والحُكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظّنِّ
الغالب لا بالقطع؛ إذ قد يَصْدُق الكذوب،
فحش الغلط - وَجْهُ أصلاً.
[الموضوع](١)
١٢٢
(فالقسم (٢) الأول وهو / الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي هو
الموضوع) وفيه مسامحة، لأن الموضوع هو الحديث الذي فيه الطعن بكذب
الراوي، لا نفس الطعن به، وأما ما قيل: من أن المراد بالطعن المطعون، فخلاف
ظاهر المَقْسَم كما تقدم(٣). ثم يقال له أيضاً: المُخْتَلَق بقاف بعد لام مفتوحة،
والمصنوع، لأن واضعه اختلقه، أي افتراه، وصنعه، أي من عنده.
(والحكم عليه) أي على الحديث، (بالوضع) أي بكونه موضوعاً، أو بوضع
الواضع إياه، (إنما هو) أي الحكم عليه (بطريق الظن الغالب) صفة [٩٩ - ب]
كاشفة للتأكيد، إذ قد يطلق الظن بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿الذين يَظُنُّون أنَّهم
مُلاقُوا رَبِّهِمٍ﴾(٤)، (لا بالقطع) وهو تصريح بما علم ضمناً، مبالغة في التأكيد.
(إذ قد يصدق الكذوب) كما أن الصدوق قد يكذب. ومنه قوله صلى الله
تعالى عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذِباً أن يُحدِّث بكلِ ما سمع)) رواه مسلم (٥).
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٩٨، وإرشاد طلاب الحقائق ص ١٠٥، والباعث
الحثيث ص ٧٤، والموقظة ص ٣٦، والخلاصة في أصول الحديث ص ٧٤، وفتح المغيث
((للعراقي)) ص ١٢٠، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ٢٩٤/١، وتدريب الراوي ٢٧٤/١، وقواعد في
علوم الحديث ص ٤٢، وألفية السيوطي في علم الحديث ص ٧٩، ومنهج النقد في علوم الحديث
ص ٣٠١.
(٢) في المطبوعة: والقسم.
(٣) ص ٤٣٠، ٤٣١.
(٤) سورة البقرة: (٤٦).
(٥) في صحيحه ١٠/١، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (٣)، رقم (٥ - ٥).

٤٣٦
الموضوع
لكن لأهل العلم بالحديث مَلَكَة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم
بذلك منهم مَنْ يكون اطلاعه تاماً، وذِهنُه ثاقباً، وفهمه قوياً،
ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة.
(لكن لأهل العلم بالحديث ملكة) أي مهارة علمية وحذَاقة (قویة یمیزون بها
ذلك) أي الموضوع من غيره، والكَذِب من الصِّدق.
(وإنما يقوم بذلك) أي الحكم على الحديث بأنه موضوع، (منهم) أي من
المحدثين، بيان مقدَّم على قوله: (مَن يكون اطلاعه تاماً) أي كاملاً في معرفة
الأسانيد، ومعرفة رجال الحديث(١)، (وذهنه ثاقباً) أي مضيئاً بتنوير قلبه، وشرح
صدره، (وفهمه قوياً) أي مستقيماً، (ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك) أي كون
الحديث موضوعاً، (متمكنة) أي ثابتة راسخة .
قال الدَّارَقُطْنِيُّ: يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحداً يقدر أن يكذب على
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا حيّ، ذكره السخاوي (٢).
وقال الربيع بن خُثْم (٣): إن للحديث ضوءً كضوء النهار تعرفه، وظلمة
كظلمة الليل تنكره (٤).
وقال ابن الجَوْزِي(٥): إن الحديث المنكر يَقْشَعِرُّ له جلد طالب [العلم](٦)،
وينكسر منه قلبه في الغالب.
(١) في (د) الأحاديث.
(٢) فتح المغيث ٣٠٣/١.
(٣) حرفت في (ج) إلى حيثم، و(د) إلى خشيم، والمطبوعة: خيشم، والصواب ما أثبتاه، انظر التقريب
ص ٢٠٦.
(٤) انظر فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣١٤/١ _٣١٥. ومعرفة علوم الحديث للحاكم: ٦٢.
(٥) ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ١٠٣/١، وانظر فتح المغيث ٣١٥/١.
(٦) سقط من (ج).

٤٣٧
طرق معرفة الوضع
وقد يُعْرَفُ الوضعُ بإقرار واضعه. قال ابن دَقِيق العِيد: ((لكن
لا يُقْطَع بذلك؛ لاحتمال أنْ يكون كَذَب في ذلك الإِقرار)) انتهى.
[طرق معرفة الوَضْعِ]
:
(وقد يعرف الوضع: بإقرار واضعه) أي واضع الحديث المتفرد به كقول
عمر بن صبيح: أنا وضعت خطبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أي التي
نسبها(١) إليه. وكالحديث الطويل عن أبيٍّ بن كعب رضي الله تعالى عنه في
فضائل سور القرآن، اعترف راويه/٧٢ - أ/ بالوضع، وأَنْكِر على الثعلبي،
والبيضاوي، وغيرهما من المفسرين الذين ذكروه في تفاسيرهم، من غير بيان
وضعه.
قال شارح: ويُنَزَّل منزلة الإِقرار [١٠٠ - أ] أن يُعَيِّن المنفردُ به تاريخَ مولده،
بما لا يمكن معه الأخذ عن شيخه. انتهى. وفيه أنه مع احتمال التدليس كيف
یحکم عليه بالوضع؟
(قال ابن دقيق العيد: لكن) أي مع هذا، (لا يقطع بذلك) أي بالوضع، لأنه
ليس بقاطع في كونه موضوعاً. قيل: لا يحصل القطع من القرائن الأخر أيضاً، فما
الوجه في تخصيص الاستدراك (٢) به؟ أجيب بأنه قد يُتوهم حصول القطع به لكونه
أقرب من سائر القرائن.
(لاحتمال أن يكون كَذَب في ذلك الإِقرار. انتهى) [يعني](٣) ولاحتمال أن
يكون صادقاً فيه، ولو رُجِّح الثاني، / لأنه يبعد عادة أن يَنْسِب إلى نفسه مثل هذا ١٢٣
الأمر الشنيع من غیر باعث ديني، أو دنيوي.
(١) في (ج) ينسبها.
(٢) في (د) الإِدراك.
(٣) سقط من (د).

٤٣٨
الموضوع
وفَهِمَ منه بعضُهم أنه لا يُعْمَل بذلك الإِقرار أصلاً، وليس ذلك
مُرَادَه، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛
لأنَّ الحكم يقع بالظنّ الغالب وهو ههنا كذلك،
والغالب أن الداعي إليه إنما هو التوبة، وحينئذ يبعد أن يكون كذباً، لكن
لاحتمال [جرأته](١) على الله تعالى، وقلة حيائه من الخلق، أو قَصْدِ فساده في
الرواية، وعدم العمل بها لا يقطع بالوضع إلا إذا دلّ دليلٌ على صدقه، على ما
ذكره في ((المنهل))(٢)، [فإنه](٣) إذا تواردت الأدلة على شيء يُقْطَع به.
(وفهم منه) أي من كلامه هذا، (بعضهم) أي كابن الجزري (٤) على ما ذكره
السخاوي (٥)، أنه أي مراده (أنه لا يُعْمَل بذلك الإِقرار أصلاً) أي لا قطعاً ولا ظناً،
لاحتمال كونه كاذباً. ورَدّ عليه المصنف وقال: (وليس ذلك) أي عدم العمل به،
(مراده) أي مقصود ابن دقيق العيد(٦).
(وإنما نفى القطع) [أي الجزم واليقين في كونه موضوعاً، (بذلك) أي بذلك
الإِقرار؛ لما فيه من الاحتمال، ولا يلزم من نفي القطع](٧) نفي الحكم، أي نفي
الإِقرار نَفْسِهِ الذي هو الحكم بالوضع، كذا قال شارح. والصواب: أنه لا يلزم من
نفي القطع بقوله نفي الحكم مطلقاً، أي لا قطعاً ولا ظناً.
(لأن الحكم) أي الشرعيّ (يقع) أي غالباً (بالظن الغالب وهو) أي إقراره
(ههنا) أي في هذا المحل (كذلك) [١٠٠ - ب] أي مما يُحْكَم عليه بالظن. فإنا
(١) سقط من المطبوعة .
(٢) المنهل الروي ص ٥٤.
(٣) في (ج) فإذا .
(٤) في (ج) و(د) والمطبوعة: الجوزي، والصواب: الجزري كما في فتح المغيث للسخاوي ٣١٧/١،
والغاية شرح الهداية ٣٣٦/١ حيث قال الجزري :
ويُعْرَفُ الموضوعُ لا بأنْ يُقِرّ
واضِعُهُ بل مَن بنى لله سِرّ
(٥) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٣١٧/١.
(٦) في (ج) ابن الدقيق، وسقط لفظ ((العيد)).
(٧) سقط من (ج).

٤٣٩
الموضوع
ولولا ذلك لما ساغ قتل المُقِرّ بالقتل، ولا رَجْمُ المُعْتَرِف بالزِّنا؛
لاحتمال أن یکونا کاذِبیْنِ فیما اعترفا به.
ومن القرائن التي يُدْرَك بها الوضعُ ما
نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر.
(ولولا ذلك) أي جواز الحكم بالظن، (لما ساغ) أي لما جاز (قتل المُقِرّ بالقتل
ولا) زائدة للتأكيد، أي وَلَمَا جاز (رجم المعترف(١) بالزنا، لاحتمال أن يكونا کاذِبْنِ
فيما اعترفا به). قال الحنفي: وفيه خفاء، لأن غاية ما في الباب أنه وقع منه خبران
متناقضان، فکیف یغلب الظن بكذب الأول؟ انتھی.
ويُردُّ [قوله](٢) بما أشرنا إليه سابقاً(٣)، من أن أحداً من المسلمين إذا أسند
إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حديثاً، ثم اعترف أنه كذب، فلا شك أنه
يغلب على الظن صدقه في الثاني، وكذبه في الأول، إذ لا يجترىء مؤمن على
نسبة (٤) مثل هذا القبيح الشنيع - الذي اتفق العلماء/٧٢ - ب/على أنه كبيرة، بل
قال بعضهم: إنه كفر - إلى نفسه، على أن الأصل في خبر المؤمن الصدق
بمقتضى حسن الظن به، ولذا يُقْبَلُ خبر واحد في الدیانات، وإن كان الخبر من حیث
هو (٥) يحتمل الصدق والكذب بالتجويز العقلي، ولذا لا يُقْطَعُ به ولا يُجْزَمُ
بمضمونه، إلا إذا أحال العقل كذبه عادة، فصح قياس الشيخ اعترافه بإقرار
القاتل(٦)، واعتراف الزاني على ما ورد بهما الشرع، مع أن الحكم عام، سواء أنكر
أو (٧) لا، فمع ظهور الأمر غاية الظهور والجلاء لا معنى لقوله: فيه خفاء.
(ومن القرائن التي يُدْرَك بها الوضْع)(٨) أي وضعه، أو يعرف بها الموضوع(ما
(١) في (د) المقر.
(٣) ص ٤٣٧.
(٥) في (د): أنه، وفي المطبوعة: ان.
(٦) في (ج) والمطبوعة: القائل.
(٧) عبارة (د) أولاً أو لا.
(٢) سقط من (ج).
(٤) في (د) نفسه.
(٨) في (د) والمطبوعة: الموضوع.

٤٤٠
الموضوع
يُؤْخَذ مِن حال الراوي كما وقع للمأمون بن أحمد أنه ذُكِرَ بحضرته
الخلاف في كون الحَسَن سمع من أبي هريرة أوْ لا؟ فساق في الحال
إسناداً إلى النبي ◌ّالقر أنه قال: ((سمع الحَسَن من أبي هريرة)) رضي الله
عنهما،
يؤخذ من حال الراوي) كالتقرب للخلفاء(١)، والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم
ورأيهم(٢)، وغير ذلك.
(كما وقع للمأمون بن أحمد أنه ذُكِرَ بحضرته(٣) الخلاف في كون الحسن)
١٢٤ أي البصري، (سمع من أبي هريرة أوْ لا/فساق) أي مأمون، (في الحال إسناداً إلى
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال:) [قال](٤) محش: إنه بدلٌ من ((إسناداً)).
وقال شارح: التقدير(٥) قائلاً [١٠١ - أ] فيه أنه قال. وقيل: إسناداً ثابتاً على أنه قال.
والظاهر أن التقدير إسناداً متصلاً إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، مذكوراً فيه
أُنه - أي الراوي - قال:
((سمع الحسن من أبي هريرة(٦) رضي الله عنهما) أي إلى آخر ما ذكره، رواه
البيهقي في ((المدخل))، ونحوه: أن عبد العزيز بن الحارث التميمي(٧) سئل عن فتح
مكة، فقال عَنْوَةً، فطولب بالحجة فقال: حدثنا ابن الصوَّاف: حدثنا عبد الله بن
أحمد: [حدثنا أبي](٨): حدثنا عبد الرزاق، عن (٩) مَعْمَر، عن الزُّهري، عن أنس:
(١) حرفت في المطبوعة إلى: للخفاء.
(٢) في المطبوعة: آراءهم.
(٤) سقط من المطبوعة .
(٣) في (ج) لحضرته.
(٥) في (ج) التغيير.
(٦) أورده الذهبي في الميزان ١٠٨/١ عن أحمد بن عبد الله الجُوَيباري.
وللعلماء في (سماع الحسن البصري من أبي هريرة) اختلاف طويل، وقد استوفى الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
المسألة في تعليقه على ((الموقظة)) ص ٥٠ -٥١، فانظره هناك. وانظر تحقيق الدكتور نور الدين عتر المسألة في تعليقه
على ((علوم الحديث)) ص١٣٣ - ١٣٤، فإنه مفيد.
(٧) حرفت في الأصول كلها إلى: التيمي، والصواب ما أثبتناه من فتح المغيث للسخاوي ٣١٤/١، وميزان
الاعتدال ٦٢٤/٢، والمغني ٣٩٦/٢.
(٨) سقط من (ج) و(د).
(٩) في (د): ((ابن)) بدل: عن، وهو خطأ.