النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الناسخ والمنسوخ
وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخرُ الإِسلام مُعَارِضاً للمتقدِّم
عليه؛ لاحتمال أنْ يكون سمعه من صحابي آخر أَقْدَمَ مِن المتقدِّمَ
المذكور، أو مثلَه فأرسله.
لكن إنْ وقع التصریح بسماعه له من النبي
صلى الله
وَسلم
وسلم احتجم وهو صائم)) (١)، فقد بَيِّنَ الشافعي أن الثاني ناسخ للأول، لأنه كان في سنة
عشر، والأول في سنة ثمان، كذا في ((الخلاصة))(٢).
(وليس منها) أي من الأمور التي يعرف بها النسخ (ما يرويه الصحابي
المتأخر الإِسلام معارضاً) بكسر الراء (٣)، (للمتقدم عليه ) أي لما يرويه صحابي
آخر متقدم عليه؛ (لاحتمال أن يكون) المتأخر (سمعه) أي ما يرويه (من صحابي
آخر أقدم من المتقدم المذكور، أو مثله) بالنصب، (فأرسله) أي أسند المتأخر
مَرْوِيَّه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وحذف ذكر الصحابي الذي رواه عنه
اختصاراً. ويسمّى هذا مرسل(٤) الصحابيّ، وهو غير مرسل التابعي، وسيجيء
حکمهما(٥)
قال مُحَشٍ : فيه أنه يمكن أن يكون سماعه مِنْ أقدم من متقدم الإِسلام، أو
مثله، ومع هذا يكون حديث [٨٣ - أ] متأخر [الإِسلام متأخراً](٦)، أو يمكن أن
يقال: إذا تطرق إليه الاحتمال لا يكون معارِضاً، فارتفع الإِشكال.
(لكن إنْ وقع التصريح بسماعه) أي الصحابي، (له) أي لمَرْوِيِّه (من النبي ◌ِّ
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٤٩/١٠، كتاب الطب (٧٦)، باب أي ساعة يحتجم؟ (١١)، رقم
(٥٦٩٤).
(٢) ص ٦١.
(٣) في (ج) والمطبوعة: بالكسر.
(٤) في (ج) مرسلاً.
(٥) انظر مبحث المرسل ص ٣٩٩.
(٦) سقط من المطبوعة .

٣٨٢
الناسخ والمنسوخ
فَيَتَّجِه أن يكون ناسخاً، بشرطِ أنْ يكون لم يتحملْ عن النبيِ وَّ شيئاً
قبل إسلامه.
وأمّا الإِجماع فليس بناسخ
فيتجه) بتشديد التاء، أي فيتوجه ويتعيَّن.
(أن يكون) أي مرويه (ناسخاً بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم شيئاً قبل إسلامه) فإنه لو تحمل عنه قبل إسلامه، ورواه بعد
إسلامه جاز.
قال محشي: وفيه أن عدم تحمل(١) متأخرِ الإِسلام شيئاً من النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم قبل إسلامه، لا يوجب تأخر مرويه من متقدم الإِسلام، لجواز أن
يسمع [المتأخر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يسمع](٢) متقدم
الإِسلام شيئاً آخر.
فالصواب أن يقول: بشرط عدم تحمله شيئاً منه صلى الله تعالى عليه وسلم
قبل إسلامه، مع موتٍ متقدم الإِسلام قبل [إسلام](٣) المتأخر، أو مع العلم بأن
المتقدم لم يسمع شيئاً بعد إسلام المتأخر تأمل. انتهى. ويمكن أن يقال: اكتفى
المصنف عن ذكرهما لوضوح اعتبارهما.
(وأما الإِجماع) أي على حكم شرعي معارض لحكم آخر شرعي متقدِّم،
(فليس بناسخ) أي له بمجرده/ ٦٠ - ب/ لا حقيقة ولا مجازاً، لأن الإِجماع هو
إجماع الأمة. [والأمة](٣) لا تنسخ حكماً أتى به رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم، [كذا قيل، وقيل: لأنه لا ينعقد إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم](٣)، وبعدها ارتفع النسخ.
(١) عبارة (ج) تحمل مع متأخر. وهي مقحمة.
(٢) سقط من (د).
(٣) سقط من (ج).

٣٨٣
الناسخ والمنسوخ
بل يدل على ذلك.
(بل يدل على ذلك) أي على وجود ناسخ غيره / يعني: بالإِجماع يُستدل على ١٠٣
وجود خبر معه يقع به النسخ، كذا ذكره السخاوي(١).
وحاصله: أن الإِجماع بذاته لا يصلح أن يكون ناسخاً، لا في حياته
صلى الله تعالى عليه وسلم ولا بعد مماته، بل إذا تعارض حديثان، والإِجماعُ على
حديث يدل على أن السند الذي عمل به الإجماع ناسخ للأول؛ إذ الإجماع لا بد
أن يكون مستنداً(٢) إلى سندٍ نصٍ من الكتاب [٨٣ - ب] أو السنة. وإنما هو أقوى
منهما كما ذكروه، لأن الكتاب والسنة يجري فيهما احتمال المعاني، والتقدم،
والتأخر، والتخصيص، والتعميم ونحو ذلك، بخلاف الإجماع، فإنه نص في
المقصود.
ثم مستند الإِجماع قد يكون قياساً، ومستند القياس النص، فيرجع إليهما.
هذا، وفي كلام الشيخ إشارة لطيفة إلى اعتراضٍ فِعْلِيّ على صاحب
((الخلاصة)) حيث قال(٣): وهذا النوع منه ما عرف بنص النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم، ومنه(٤) ما عرف بقول الصحابي(٥)، ومنه ما عرف بالتاريخ، ومنه ما
عرف بالإِجماع، كحديث ((قتل شارب الخمر في الرابعة))(٦) عُرِفَ نسخه بالإِجماع
(١) فتح المغيث ((للسخاوي)) ٥٣/٤.
(٣) ص ٦١.
(٥) في (٥) صحابي.
(٢) في (٥) مسنداً.
(٤) في (د) منها.
(٦) ونص الحديث: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة، فاقتلوه)). أخرجه أبو داود
٦٢٣/٤ - ٦٢٤، كتاب الحدود (٣٧)، باب إذا تتابع في شرب الخمر (٣٦)، رقم (٤٤٨٢).
والترمذي ٣٩/٤، كتاب الحدود (١٥)، باب ما جاء في شرب الخمر ... (١٥)، رقم (١٤٤٤).
وابن ماجه ٨٥٩/٢، كتاب الحدود (٢٠)، باب من شرب الخمر مراراً (١٧)، رقم (٢٥٧٣).
والإمام أحمد في المسند ٩٣/٤.
قِف على بحث الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في هذا الحديث في تحقيقه على ((مسند الإمام أحمد)) ٤٩/٩ -
٩٢، وقد انتهى في بحثه الى: أن شارب الخمر إذا جُلِد فيها ثلاث مرات، فلم يدعها وشَربَها الرابعة يُقتل، وأن =

٣٨٤
الناسخ والمنسوخ
وإنْ لم يُعْرَف التاريخ، فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما
على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو بالإِسناد، أَوْ
لا .
على خلافِهِ، والإِجماعُ لا يَنْسَخ، وإنما يدل على النسخ. انتهى.
ولا شك أن صنيع(١) صاحب ((الخلاصة)) أظهرُ، فإنه لا يلزم من علمنا
بالإجماع، علمنا بمستندهم(٢) من حديث أو غيره، فيصدق عليه أنه مما يعرف به
الناسخ، فلا وجه لعدول المصنف عن ذلك.
(وإنْ لم يعرف التاريخ) أي تاريخ تأخر أحدهما، (فلا يخلو) أي الحال عن
أحد الأمرين: (إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح)،
الترجيح في اللغة: جعل الشيء راجحاً. وفي الاصطلاح: اقتران الأمارة بما يتقوى
به على معارضها. وقد سرد(٣) منها الحازمي في كتابه ((الناسخ والمنسوخ))
خمسين، مع إشارته إلى زيادتها، وبلغ بها غيره زيادة على مئة . (المتعلقة بالمتن)
ككونه متناً اتفق عليه الشيخان مثلاً(٤). وهذا عن الشافعي وأتباعه، وكأن يكون
مدلوله الحظر على ما مدلوله الإِباحة للاحتياط. وهذا عند أبي حنيفة وأصحابه.
(أو بالإِسناد أوْ لا) ككونه بإسناد اتصف بالأصحية مثلاً، وكون أحدهما
سماعاً أو عَرْضاً، والآخر كتابةً، أو وجادة (٥) أو مناولة، وكون راوي أحد الحديثين
أكثر عدداً من الآخر [٨٤ _ أ]، أَوْ لَهُ زيادة ثقة، أو فِطنة دون/٦١ - أ/ الآخر.
كذا قالوا(٦). وفي بعضها خلافٌ كما تقدَّم(٧) من أن المذهب المنصور عند
= حكم القتل لم ينسخ، وأن دعوى الإجماع على نسخ هذا الحديث وتركِ العمل به منقوضة. أفاده الشيخ عبد
الفتاح أبو غدة في تعليقه على ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٧٠ - ٧١.
(١) في (ج) منع صنيع.
(٣) في (ج) يرد، وفي المطبوعة: يتفرد.
(٥) في المطبوعة: ((إجارة)) بدل («وجادة)).
(٦) في (د) والمطبوعة: قالوه.
(٧) تقدم كلام المحقّق ابن الهمام ص ٢٦٣ .
(٢) في (ج) والمطبوعة: بسندهم.
(٤) في (ج) مثل هذا.

٣٨٥
الناسخ والمنسوخ
فإن أمكن الترجيح تعيَّن المصير إليه (وإلا) فلا، فصار ما ظاهره
التعارض
علمائنا الحنفية الأفقهية دون الأكثرية، والأصحية(١).
قال تلميذه: قد يقال: هذا مما لا معنى له، لأن ركن المعارضة تساوي
الحجتين في الثبوت، فإذا كان أحد السندين(٢) أرجحَ لم تتحقق المعارضة.
انتھی .
وأيضاً يناقض كلامَه ما قال في تقرير المقبول(٣)، حيث جعله مقْسَماً ثانياً،
أن المراد به أصل القبول(٤) لا التساوي فيه، حتى(٥) يكون القوي ناسخاً
للأقوى، بل الحسن يكون ناسخاً للصحيح، لوجود أصل القبول، فتدبر، فإن
العقل يتحيَّر(٦).
(فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه) أي بالرجوع إليه والاعتماد عليه،
(وإلا) معناه باعتبار المتن، وإلا ثبت المتأخر، ويأتي جوابه، وباعتبار الشرح وإن
لم يمكن الترجيح، (فلا) أي فلم يتعين المصيرُ إليه بل / يتوقف الحكم لا له، ولا ١٠٤
عليه .
(فصار ما ظاهره التعارض) قيّد(٧) بما ظاهره التعارض، إذ لا يتعارض
(١) قال اللَّكْنوي: اعتبار الترجيح بالفقه فيه ثلاثة مذاهب: ١ - عدم اعتباره مطلقاً، ٢ - واعتباره مطلقاً، ٣ -
واعتباره فيما إذا كان مروياً بالمعنى دون ما كان مروياً باللفظ، وأن مختار الحنفية وبعض المحدثين هو المذهب
الأخير. الأجوبة الفاضلة ص ٢١٥.
(٢) في (ج) المسندین.
(٣) في (ج) القبول. انظر ص ٣٥٩.
(٤) في المطبوعة: إلى التساوي.
(٥) في المطبوعة: معنى.
(٦) في (ج) يتخيَّر.
(٧) في (ج) قیده.

٣٨٦
الناسخ والمنسوخ
واقعاً على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ
(فالترجِيحُ) إنْ تَعَيَّن، (ثُم التوقف) عن العمل بأحد الحديثين.
النصان في الواقع، ولا يقع متناقضان شرعيان في نفس الأمر (واقعاً على هذا
الترتيب). قال تلميذه: مقتضى النظرِ طلبُ التاريخ أولاً (١) لتنتفي المعارضة إن
وجد، ثم إذا لم يوجد، (الجمعُ إن أمكن) برفع الجمع، على أنه خبر مبتدأ
محذوف وقوله:
(فاعتبار الناسخ والمنسوخ) عطف عليه، والجملة تفسير الترتيب، وإنما
عدلنا عن الجر على سبيل البدلية والبيان(٢)، مع أنه استعمالُ الأكثرِ المختارِ في
الحديث والقرآن كقوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وكقوله صلى الله تعالى
عليه وسلم: ((بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ... ))(٣) ليوافق
قوله :
(فالترجيح) فإنه يتعين أن يكون بالرفع بناء على المتن، (إن تعيّن) أي المصير
إليه بعد أنْ أمكن، (ثم التوقف عن العمل بأحد [٨٤ - ب] الحديثين) حتى يظهرَ
حکمه، ویتبین أمره.
وقيل: يُهْجَم فُيُفْتَى بواحد منهما، أو يُفْتَى بهذا في وقت، وبهذا في آخر،
كما يفعل أحمد، وذلك غالباً بسبب اختلاف روايات أصحابه عنه، كذا ذكره
السخاوي، وكذا صنيع مالك وأحمد في سلام السهو.
(١) في (د) أولى، وفي (ج) أولا تقتضى لتنفي.
(٢) سقط من (ج).
(٣) أخرجه البخاري (فتح الباري) ٤٩/١، كتاب الإيمان (٢)، باب دعاؤكم إيمانكم (٢)، رقم (٨).
واللفظ له. ومسلم ٤٥/١، كتاب الإيمان (١)، باب بيان أركان الإسلام ... (٥)، رقم
(١٩ - ١٦).

٣٨٧
الناسخ والمنسوخ
والتعبيرُ بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأنّ خفاء ترجيح
أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتَبِر في الحالة الراهنة، مع
احتمال أنْ يظهر لغيره ما خَفِي عليه، والله أعلم.
(والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط)(١) على ما اشتهر على الألسنة
من أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا، أي تساقط حكمُهما، وهو يوهم الاستمرار مع
أن الأمر ليس كذلك، لأن سقوط حكمهما إنما هو لعدم ظهور ترجيح أحدهما
حينئذ. ولا يلزم منه استمرار التساقط(٢)، مع أن إطلاق التساقط على الأدلة الشرعية
خارجٌ عن سنن الآداب السَّنِيّة وبما ذكرنا ظهر وجه التعليل بقوله: (لأن خفاء ترجيح
أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر) قيل الأولى إلى المعتبر (في الحالة
الراهنة) أي الثابتة / ٦١ - ب / الموجودة.
ففي ((الصحاح))(٣) [يقال](٤): رهن: دام وثَبَت. وقيل: أي الحاصرة سميت
بها، لأن الرهن هو الحبس(٥) في اللغة، والمرهون(٦) محبوس فيها لا فيما قبلها،
ولا فيما بعدها.
(مع احتمال أن يظهرَ لغيره ما خفي عليه) قال تعالى: ﴿وفوق كُلِّ ذِي عِلمٍ
عليم﴾(٧). (والله أعلم).
(١) في (د) بالساقط.
(٢) في (د) الساقط.
(٣) ٥١٦/١ مادة (رهن).
(٤) سقط من (ج).
(٥) عبارة (ج) هو الحبس لغة.
(٦) في (ج) والمطبوعة: المراء.
(٧) سورة يوسف، الآية: ٧٦.

٣٨٨
أقسام المردود
(ثُمَّ المَرْدُودُ) ومُوجِبُ الرَّدِّ (إمّا أنْ يكونَ لسَقْطٍ)
[أقسام المردود]
(ثم المردود) لما فرغ من أقسام المقبول شرع في أقسام المردود.
(ومُوجِبُ الرَّدِّ) أي مقتضاه، وهو حرمة العمل به، أي المردود، وحكمه
المترتب عليه، كلاهما لجهة واحدة. (إما أن يكون) أي المردود يعني رده، أو
موجب رده، فاندفع ما قال تلميذه: يقال على هذا: إنّ الشرح غيرُ معنى الأصل.
انتهى. إذ كان ظاهر مراعاة الجانبين أن يقول بدون العطف: موجب رده إما أن
يكون بسببه(١)، والظاهر أنه اسم مفعول من الإِيجاب، أي ما أوجب رده، أي
واجب الرد، إما أن يكون:
(لسَقْطٍ) باللام وفي نسخة: [٨٥ - أ] بالموحدة، وتثليث السين، والفتحُ هنا
أظهر، أي لسقوطه بحذف المضاف، إن كان السَّقط بمعنى ما يسقط، كما يشعر به
قوله فيما بعد(٢): إن كان باثنين. وإن كان بمعنى السقوط، فلا حاجة إليه. في
المُغْرِب(٣): السقْط بالحركات الثلاث، ولدٌ سقط قبل تمامه. وكذلك(٤) سقط
١٠٥ النار: ما يسقط منها عند القَدْح، فإن أريد / بالسقط ما يسقط ففيه التجريد(٥)، وإن
كان بمعنى السقوط فلا حاجة إليه.
(١) في (د) بسبب.
(٢) ص ٤٠٩
(٣) المُغْرِب في ترتيب المُعْرِب: ٤٠٢/١ وعبارته: وهو بالحركات الثلاث: الولد يسقط من بطن أمه ميتاً وهو
مستبين الخلق، وإلا فليس بسقط .
(٤) في (د) وكذا.
(٥) في (ج) التحرير. والتجريد: هو أن يُنْتَزَعَ من أمر موصوف بصفة أمر آخر مثله في تلك الصفة
للمبالغة، أي تجريد اللفظ الدال على المعنى عن بعض معناه، كما جُرِّد الإِسراء عن معنى الليل،
وأُرِيدَ به مطلق الإِذهاب لا الإِذهاب بالليل في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ سورة
الإِسراء، الآية: (١). التعريفات ((للجرجاني)) ص ٥٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ((للتهانوي))
٢٧٤/١، مادة (جرد).

٣٨٩
أقسام المردود
من إسناد (أو طَعْنٍ) في راوٍ على اختلاف وجوه الطعن، أعم من أنْ
يكون الأمر يرجع إلى ديانة الراوي أو إلى ضبطه.
قال محشي: ويجوز أن يقرأ على صيغة اسم الفاعل كما صُحح(١) في بعض
النسخ، أي ما أوجب رد نفسه(٢)، وذلك باعتبار اشتماله على السقوط، أو باعتبار
اشتماله على كونه مقروناً بالطعن. وهذا معنى قوله: لسقط أو طعن، وعلى
التقديرين قوله: موجب الرد، عطف تفسيري للمردود. ولك أن تقول: الموجّب
بالفتح مصدر ميمي، أي وجوب الرد إما أن يكون لسقط أو طعن، وفيه أنه حينئذ
يبقى المردود. أو يقول: اللام في السقط زائدة، والمعنى موجب الرد بالكسر، إما
السقط وإما الطعن، وفيه ما ذكر. انتهى.
وفيه أن مصدر الموجب هو الإِيجاب لا الوجوب(٣)، وأن خبر المردود على
كل حال: إما أن يكون. وحاصل الكلام: أن ما يجب الرد بسببه، وهو فوات صفة
القبول - أعني العدالة والضبط وغيرهما _ إما أن يكون لأجل سقوط، أو سبيب
حذف.
(من إسناد) أي على اختلاف أنواع الحذف، كما سيأتي. (أو طعن في راو)
أي من رواة إسناده، (على اختلاف(٤) وجوه الطعن) مما سيأتي (أعم من أن يكون)
أي الطعن على اختلاف الوجوه.
(لأمر يرجع إلى ديانة الراوي، أو إلى ضبطه).
فيه(٥) أنّ قوله: أعم ... إلخ مغنٍ عن قوله: على اختلاف وجوه الطعن،
(١) في (د) صحيح .
(٢) في (د) نفيه.
(٣) عبارة (ج) أن موجب مصدراً الإيجاب.
(٤) عبارة المطبوعة: اختلاف أنواع وجوه الطعن.
(٥) في (٥) قیل.

٣٩٠
أقسام المردود
(فالسَّقْطُ إِمّا أَنْ يكونَ مِنْ مَبَادِىء السَنَد مِن) تصرف (مصنفٍ،
أو مِنْ آخره) أي الإِسناد (بَعْدَ التابعي، أو غيرِ ذلك)
لكن إغناء(١) الثاني عن الأول مما يتسامح فيه، بخلاف/٦٢ - أ/ العكس،
فتأمل.
(فالسَّقْط) أي الحذف، (إما أن يكون من مبادىء السند) أي [٨٥ - ب]
أوائله. (من تصرف مصنف)، فيمِن الْأُوْلَى: للتبعيض(٢)، والثانية: ابتدائية. وأشار
المصنف في الشرح إلى تقدير مضاف، والمعنى أنه نشأ من تصرف مصنف، أعم
من أن يكون مخرّجاً أو غيره، وسواء كان السقوط من الابتداء(٣) فقط، كما في
الصورة الثالثة(٤) من الصور المذكورة للمعلق كما سيأتي(٥). أو منها مبدوءً(٦)
بالسقوط من الأوسط، كما في الصورة الثانية، أو من الآخر أيضاً كما في الصورة
الأولى .
(أو من آخره أي الإِسناد) والأولى أي السند، فكأنه أشار إلى أن المعتمد
اتحاد الإِسناد والسند. والمراد أن يكون السقوط من آخر السند فقط، بقرينة
المقابلة، أو يقال: المراد من مبادىء السند، ما يقال له المبادىء عرفاً، فتكون
جمعية المبادىء مع وحدة الآخر كذلك(٧).
(بعد التابعي) قيد للآخر، (أو غير ذلك) أي من غير شرط الأولية (٨)
والآخرية، أو من غير ذلك المذكور من المبادىء المقيدة والآخر.
(١) . في (د) اغتناء.
(٢) في (ج) تبعيضية.
(٣) في (ج) المبدأ، وفي المطبوعة. المبتدأ.
(٤) في (د) الثانية.
(٦) في (ج) مبدأ، وفي المطبوعة: مبتدأ.
(٧) في (ج) و(د) لذلك.
(٨) في (د) الأولوية.
(٥) ص ٣٩٤.

٣٩١
المعلق
على التوالي
(فالأول: المُعَلَّق) سواء كان الساقط واحداً، أم أكثر.
[الحديث المُعَلَّقِ] (١)
(فالأول) وهو ما يكون الحذف من مبتدأ(٢) السند، ويعزى الحديث إلى من
فوقه، (المُعَلَّق سواء كان الساقط) أي المحذوف، (واحداً أم أكثر) وفي
نسخة: أو أكثر أي على التوالي، والأكثر أعم من أن يكون كل السند أو بعضه،
كقول البخاري: وقال يحيى(٣) بن كثير، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: ((إذا قاء فلا يُفْطِر))(٤). حكاه ابن الصلاح(٥) عن
بعضهم، وأقره فقال: إن لفظ التعليق وجدته مستعملاً فيما حُذِفَ من مبتدأ(٦)
إسناده واحدٌ أو أكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإِسناد/. انتهى .
١٠٦
ولم يذكر المِزِّيُّ هذا في كتابه ((الأطراف)) في التعليق، بل ولا ما اقتصر فيه
على الصحابي أيضاً، مع كونه مرفوعاً، ولم يشترط صيغة الجزم. ولعله(٧) اختار
مذهبَ مَن تأخر عن ابن الصلاح، [٨٦ - أ] كالنووي، والمِزِّي، فالتعليق عندهم
يكون بصيغة الجزم، كـ: قال فلان، وروى فلان، وبصيغة التمريض، كـ: يُروَى،
ويُذكر.
(١) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٢٤ - ٢٥، وارشاد طلاب الحقائق ص ٦٣
بالحاشية، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٢٧، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ٦١/١، وبلغة الأريب في
مصطلح أثار الحبيب ص ١٩٢، والباعث الحثيث ص ٣١، وتدريب الراوي ١/ ١٧١، وقواعد في
علوم الحديث ص ٣٩، والفية السيوطي في علم الحديث ص ٢٩ - ٣٠، ومنهج النقد في علوم
الحدیث ص ٣٧٤.
(٢) في(ج) مبدأ.
(٣) حرفت في (د) إلى: يحيى بن كثير بن عمير بن حكيم، وحرفت عمر إلى عمير في (ج).
(٤) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٧٣/٤، كتاب الصوم (٣٠)، في ترجمة باب الحجامة والقيء
للصائم (٣٢). وعبارته: ((وقال لي يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام: حدثنا يحيى عن عمر بن
الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة رضي الله عنه: إذا قاء فلا يفطر)).
(٥) علوم الحديث ص ٦٩ .
(٦) في (ج) والمطبوعة: مبدأ.
(٧) أي لعل ابن حجر اختار ...

٣٩٢
المعلق
وبَيْنَه وبين المُعْضَلِ الآتي ذكره، عُمومٌ وخصوصٌ من وجه،
فمن حيث تعريفُ المُعْضَل بأنه: سَقَطَ منه اثنان فصاعداً، يجتمع
مع بعض صور المُعَلَّق،
قال ابن الصلاح(١): ولم أجد لفظَ التعليق مستعملاً فيما سقط منه بعض
رجال الإِسناد من وسطه، ولا من آخره، ولا فيما ليس فيه جزم كـ: يُروَى، ويُذكر.
قال: كأنّ التعليق مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق(٢) ونحوهما، لِمَا
يشترك(٣) الجميع فيه من قطع الاتصال. واستبعد المصنف أخذه من تعليق الجدار،
ولعل وجهه أن الطرفين أو أحدهما في تعليق الجدار باقٍ على حاله غيرُ ساقط،
بخلاف تعليق الحديث. والله أعلم.
(وبَيْنَه) أي المعلق (وبين المُعْضَل الآتي ذكره(٤)، عموم وخصوص من
وجه) /٦٢ - ب / فيه نظر، لأن المعضل قسم من القسم الثالث المقابل للمعلق،
فيكونان متباينين، اللهم إلا أن يقال: المراد من قوله السابق(٥): أو غير ذلك، إنما هو
المغايرة مطلقاً لا المباينة، والتقسيم اعتباري لا حقيقي، والأقسام متصادقة(٦). ولو
قيل: المراد هو العموم بحسب المفهوم، دُفع بأنه يأباه. قوله: مع(٧) بعض صور
المعلق، والظاهر أنه أراد بالعموم والخصوص من وجه مجردَ الاجتماع في وصف،
والافتراق في آخر كما سبق، وبيانه قوله:
(فمِن حيث تعريفُ المُعْضَل بأنه سَقَطَ منه) أي من إسناده. (اثنان فصاعداً)
أي على التوالي من أيِّ موضعٍ كان، (يجتمع مع بعض(٨) صور المُعَلَّق) وهو فيما
(١) علوم الحديث ص ٧٠.
(٢) في المطبوعة: الاطلاق.
(٣) في المطبوعة: يشترط.
(٤) ص ٤٠٩ - ٤١٠ .
(٦) في (ج) والمطبوعة: متصادفة .
(٧) في (د) منع.
(٨) سقط من (ج).
(٥) ص ٣٩٠.

٣٩٣
المعلق
ومِن حيثُ تقييدُ المُعَلَّق بأنه مِن تصرفِ المصنفِ من مبادىء السند،
يفترق منه، إذ هو أعمُّ مِن ذلك.
إذا كان الساقط اثنين فصاعداً من مبادىء السند.
وتوضيحه: أنهما مجتمعان(١) حيث أسقط مصنف من مبادىء السند أكثرَ من
واحد على التوالي. ويصدق المُعَلَّق بدون المعضل، حيث أسقط مصنف من
مبادىء السند [واحداً](٢) أو أكثر [لا](٣) على التوالي، وبالعكس حيث أسقط
مصنف اثنين فصاعداً على (٤) [٨٦ - ب] التوالي من الأوسط لا من المبادىء، أو
أسقطهما منها غير المصنف، وهذا معنى قوله: (ومن حيث تقييدُ المُعَلَّق بأنه من
تصرف المصنف) أي جنسه.
(من مبادىء السند يفترق) المعضل (منه) أي يصدق المُعْضَل بدون المعلق.
هذا، ويصدق المُعَلَّق بدون المُعْضَل في صورة يكون الساقط واحداً كما علم من
(٥)
قوله: سواء كان، ولذا تركه ولم يذكر صدق المُعَلَّق بدون المُعْضَل، وإن احتيج
إليه في ثبوت العموم من وجه.
قال تلميذه: لا يقع الافتراق بهذا، وإنما يقع من حيث صدقُ المعلق
[بحذف واحد](٢) كما في الصورة التي اختلف فيها ونحوها، والله أعلم.
(إذ هو) أي المُعْضَل (أعم من ذلك) لجواز أن يكون الساقط من أواسط السند أو من
مبادیه، لأنه تصرفُ مصنفٍ.
(١) في المطبوعة: يجتمعان.
(٢) سقط من (ج).
(٣) سقط من (د).
(٤) في (ج) والمطبوعة: مع.

٣٩٤
المعلق
ومن صور المُعَلَّق: أنْ يُحْذَفَ جميعُ السند، ويقال مثلاً: قال
رسول الله وَ له. ومنها: أنْ يَخْذِف إلا الصحابي، أو إلا الصحابي
والتابعي معاً، ومنها: أن يَحْذِفَ مَن حدَّثه ويُضِيفَه إلى مَنْ فَوْقَه.
فإن كان مَنْ فوقَه شيخاً لذلك المصنّف،
(ومن صور المعلق: أن يحذف جميع السند، ويقال مثلاً: قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم) أو يقال: فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو
فُعِل بحضرته صلى الله تعالى عليه وسلم، أو نحو ذلك.
(ومنها أن يحذف) بصيغة الفاعل أي المصنف، أو بصيغة المفعول، أي
يسقط جميع السند، (إلا الصحابي) بالنصب أو الرفع، (أو إلا الصحابي والتابعي
١٠٧ معاً)(١)/ أي مجتمعین.
قيل: ولم يستثن التابعي فقط، مع أنه لم يشترط التوالي في المعلق، فيصدق
ظاهراً تعريفه على هذه الصورة التي حذف آخره، أي الصحابي، وأوله أيضاً بناءً
على أن معنى المرسَل ما سقط من آخره ما بعد التابعي، أي(٢) يذكر التابعي،
ويحذف ما بعده، فينبغي أن لا يكون المعلق كذلك، بقرينة المقابلة. وفيه أن
المرسل هو ما/٦٣ - أ/ سقط من آخره فقط كما مر، فلا يشمل المرسل هذه
الصورة التي حذف آخره وأوله، فتكون داخلة في المعلق.
(ومنها أنْ يَحذف) أي مصنف، (مَنْ حدّثه ويضيفه) أي ينسبه (إلى مَن فوقه،
فإن كان مَن فوقه [٨٧ - أ] شيخاً لذلك المصنف) احترازاً(٣) مما إذا كان شيخاً له،
فإنه تعليق اتفاقاً، فيصح عَدُّهُ من صور(٤) التعليق بلا خلاف.
(١) في المطبوعة تقديم وتأخير حيث قال: أو إلا التابعي والصحابي معاً.
(٢) في (ج) أن.
(٣) في (ج) احتراز عما.
(٤) في (ج) صورة.
:

٣٩٥
المعلق
فقد اخْتُلِف فيه هل يُسَمَّى تعليقاً أَوْ لا؟ والصحيح في هذا التفصيل:
فإنْ عُرِفَ بالنص، أو الاستقراء أنَّ فاعلَ ذلك مُدَلَّسٌ قُضِيَ به، وإلا
فتعلیق .
وإنما ذُكِرَ التعليق في قِسم المردود للجهل بحال المحذوف،
وقد يُحْكَم بصحته إنْ عُرِف بأنْ يجيءَ مسمَّىَ مِن وجه آخر.
(فقد اختلف فيه) أي في أنه (هل يُسَمَّى تعليقاً(١) أو لا؟ والصحيح في
هذا) - قال تلميذه: أي في محل الخلاف أنه هل يسمى تعليقاً أم لا - (التفصيل)
وهو هذا:
(فإن عرف بالنص) أي نص إمام من أئمة الحديث، قاله التلميذ. (أو
الاستقراء) أي بالتتبع التام، (أن فاعل ذلك) أي الحذف، (مدلِّس) بتشديد اللام
المكسورة، وهو الذي يفعل ذلك ترويجاً لحديثه، (قُضي به) بصيغة المجهول، أي
حُكِم بتدليسه (وإلا) أي وإن لم يُعرف بأحدهما أنه مدلس، (فتعليق) أي فعله
وحديثه مُعَلَّق، وهذا يدل على مباينة المعلِّق للمدلِّس.
وفيه أنه يصدق تعريفه عليه، فينبغي أن يقيد تعريف المعلَّق، بأن يكون
سقوط شيء من الإِسناد واضحاً لا خفياً، حتى يخرج المدلّس.
(وإنما ذُكِر التعليق في قسم المردود) أي مع أن بعض أقسامه مقبول يعمل به،
(للجهل بحال المحذوف) أي لكون(٢) الراوي المحذوف غير معلوم بالعدالة
والضبط.
(وقد يحكم بصحته) أي المعلق أو المحذوف، وهو أقرب لقوله: (إن عرف)
أي المحذوف بالعدالة والضبط، (بأن يجيء مسمى) أي موصوفاً باسمه ونسبه، أو
كنيته ولقبه، (من وجه آخر) أي من طريق آخر، فلا يصح جعل المعلَّق قسماً من
(١) في (ج) تعليق، وهو خطأ.
(٢). في المطبوعة: يكون.

٣٩٦
المعلق
فإن قال: جميعُ مَنْ أحذفه ثقات، جاءت مسألة التعديل على الإِبهام،
وعند الجمهور لا يُقْبَل حتی یسمَّى، لكن قال ابن الصلاح هنا:
((إِنْ وَقَعَ الحذف في كتاب التُزِمَتْ صحتُه، كالبخاريِّ، فما أَتَّى
فيه بالجَزْمِ، دَلّ على أنه ثَبَت إسناده عنده، وإنما حُذِف لغرض من
الأغراض،
المردود عند الجميع.
(فإن قال) أي راوي المعلق: (جميع من(١) أحذفه ثقات، جاءت) أي
حصلت (مسألة التعديل على الإِبهام) كأن يقول الراوي: أخبرني الثقة، وفي
نسخة: بنصب المسألة أي كانت هذه المقالة والمسألة. فكلمة جاء هذه ناقصة،
مثلها في : ما جاءت حاجتك.
(وعند الجمهور) ومنهم: الخطيب، والفقيه وأبو بكر الصَّيْرَفي، (لا يُقْبَل)
أي المبهم، (حتى يسمى)؛ لاحتمال أن يكون ثقة عنده دون غيره، فإذا ذكر
[٨٧ - ب] يعلم حاله. قال التلميذ: وليس هذا بشيء، لأنه تقديم للجرح المتوهّم
على التعديل الصريح. وفيه أن التعديل الصريح على المبهم المجهول كلا تعديل.
(لكن قال ابن الصلاح هنا:) أي في هذا المبحث (إن وقع الحذف في کتاب
الْتُزِمت صحته ((كالبخاري))) ومثله مسلم، (فما أتى) أي الكتاب أو صاحبه (فيه)
أي في التعليق، (بالجزم) أي بصيغة الجزم، كـ: ذَكَرَ، وزَادَ، وَرَوَى فلان، وقال
١٠٨ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، (دلّ) أي / إتيانه بالوصف المذكور (على
أنه) أي الشأن، (ثبت إسناده) أي المُعَلَّق / ٦٣ - ب/ (عنده، وإنما حُذِف لغرض
من الأغراض) كالاقتصار، أو خوف التكرار، أو بأن أسند معناه في الباب ولو من
طريق آخر، فَنَّهَ بالتعليق عليه، أو أنه لم يسمعه ممن يثق به، بقَيْد العلوِّ، أو
(١) في (د) ما.

٣٩٧
المعلق
وما أتى فيه بغير الجَزْم، ففيه مقال، وقد أوضحتُ أمثلةَ ذلك في
((النُّكَت على ابن الصلاح)).
سمعه(١) في حال المذاكرة، فقصد(٢) بذلك الفرق بين ما حدّثه عن(٣) مشايخه في
حالتي التحديث والمذاكرة، وأحاديثُ المذاكرة قلّما يحتجون بها، أو نبه بذلك
على موضع يوهِم تعليل(٤) الرواية التي على شرطه(٥)، أو غير ذلك من الأسباب
التي يصحبها(٦) خلل الانقطاع، كأن يكون الراوي ليس على شرطه، وإن كان
مقبولاً، ونحو ذلك.
(وما أتى فيه(٧) بغير الجزم) مثل أن يقول: يُذْكَر، أو يُرْوَى مجهولاً، (ففيه
مقال) أي قول كثير أو مجال اختلافٍ أقوال.
(وقد أوضحت أمثلة ذلك) أي أوردتها واضحة. وقيل: حق العبارة:
أوضحت ذلك بأمثلة واضحة، (في ((النُّكَت) بضم النون، وفتح الكاف اسم كتاب
للمصنف مشتمل على اعتراضات أوردها (على ابن الصلاح)))(٨). قلت: هذا إيضاح
(١) في (د) يسمعه.
(٢) حرفت في المطبوعة إلى فقضت.
(٣) في (ج) والمطبوعة: من.
(٤) في (ج) تقليل.
(٥) في المطبوعة: اشتراطه.
(٦) في هامش (د) يصححها.
(٧) في (ج) به.
(٨) قال ابن الصلاح: قال الإِسماعيلي في المدخل إلى المُسْتَخْرج الذي صنفه على صحيح البخاري ما
نصه: ((كثيراً ما يقول البخاري: قال فلان، وقال فلان عن فلان، فيحتمل أن يكون إعراضه عن التصريح
بالتحدیث لأوجه:
١ - أحدها: أن يكون قد سمعه عالياً، وهو معروف من جهة الثقات عن ذلك المروي عنه، فيقول:
قال فلان مقتصراً على صحته وشهرته من غیر جهته.
٢ - الثاني: أن يكون قد ذكره في موضع آخر بالتحديث فاكتفى عن إعادته ثانياً.
٣ - الثالث: أن يكون سمعه ممن ليس هو على شرط كتابه، فنبه على الخبر المقصود بذكر من =

٣٩٨
المعلق
في غاية [مِن](١) الإبهام، مع أنه لم يظهر وجه الاستدراك.
فإن الجمهور: إذا لم يقبلوا تصريح راوي المعلق: بأن جميع من أحذفه ...
وكذا قول من يقول: حدثني الثقة، كيف يقبلون من التزم صحة كتابه، ويذكر فيه
تعليقات، ولم يصرح بأن [٨٨ - أ] تعليقه صحيح أم لا؟ فإنه لو صرح به لكان من
قبيل ما سبق. والحال أنه يحتمل أنه حذفه لغرض من الأغراض، سواء ذُكر بصيغة
الجزم أو بصيغة التمريض. نعم صيغة المجهول أبعدُ من المعلوم في كونه مقبولاً،
ثم رأيت بعض متأخري المغاربة قال: إنه قسم ثانٍ من التعليق، وأضاف إليه قول
= رواه لا على وجه التحديث به عنه)».
قلت [القائل ابن حَجَر]: ومن تأمل تعاليق البخاري حيث لم تتصل لم يجدها تكاد أن تخرج عن هذه
الأوجه التي ذكرها الإسماعيلي، ولكن بقي عليه أن يذكر السبب الحامل له على إيراد ما ليس على شرطه
في أثناء ما هو على شرطه، وقد بينت مقاصده في ذلك في مقدمة تغليق التعليق، وأشرت في أوائل هذه
الفوائد إلی طرف من ذلك، وحاصله أنه أيضاً على أوجه:
أحدها: أن يكون كرره، وهذا قد تداخل مع الأوجه التي ذكرها الإسماعيلي.
وثانيها: أن يكون أوردها في معرض المتابعة والاستشهاد لا على سبيل الاحتجاج، ولا شك أن
المتابعات يتسامح فيها بالنسبة إلى الأصول، وإنما يعلقها وإن كانت عنده مسموعة لئلا يسوقها
مساق الأصول.
وثالثها: أن يكون إيراده لذلك منبهاً على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه، كأن يروي
حديثاً من طريق سفيان الثوري عن حميد عن أنس رضي الله عنه ويقول - بعده -: قال يحيى بن
أيوب عن حميد: سمعت أنساً رضي الله عنه، فمراده بهذا التعليق أن هذا مما سمعه حميد لئلا
يَتَوهَّم مُتَوهّم أن الحديث معلول بتدليس حميد. فإن قيل: فلم لم يسقه من طريق يحيى بن أيوب
السالم من هذه العلة ويقتصر عليه؟!
قلنا: لأن يحيى بن أيوب ليس على شرطه ولو كان، فالثوري أَجْلُّ وأحفظ، فَزَّلَ كلّ منهما منزلته
التي يستحقها.
ذاك في الاحتجاج به، وهذا في المتابعة القوية والله أعلم. النكت على كتاب ابن الصلاح
٥٩٩/٢ - ٦٠٠.
(١) سقط من (د).

٣٩٩
المرسل
(والثاني:) وهو ما سقط مِن آخره مَنْ بَعْد التابعي هو
(المُرْسَل)
البخاري في غير موضع من كتابه: وقال لي فلان، [وزادنا فلان](١) فوَسَمَ كل ذلك
بالتعليق المتصل من حيث الظاهرُ المنفصل بحسب المعنى. وقال: إذا قال:
[قال](٢) لي، أو قال لنا: فاعلم أنه ذكره للاشتهاد لا للاحتجاج.
قال: وكثيراً ما يعبِّر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذاكرات
والمناظرات. وأحاديث المذاكرات قَلَّمَا يحتجون بها، وردًّ ابن الصلاح(٣) هذا
القول، من حيث إنه مخالف لما قاله أبو جعفر بن أحمد النيسابوري أنه قال: كلما
قال البخاري: قال لي، أو قال لنا، فهو عَرْضٌ ومناولة، وذلك أن أبا جعفر أقدمُ منه
وأعرفُ بالبخاري، وفيه بحث ظاهر.
[المُرْسَل] (٤)
(والثاني) أي من أقسام السقط، (وهو ما سقط من آخره) أي آخر إسناده،
(مَن) بفتح الميم، أي صحابي كائن، (بعد التابعي) وإنما قيدته بصحابي، فإن
الحديث الذي حذف منه الصحابي (هو المرسَل) وهو مأخوذ من الإِرسال
بمعنى الإِطلاق، وعدم المنع كقوله تعالى: ﴿إِنا أرْسَلْنا الشياطِيْن على
(١) سقط من المطبوعة.
(٢) سقط من المطبوعة و(ج).
(٣) علوم الحديث ص ٦٩ - ٧٠.
(٤) لزيادة الفائدة والتوسع انظر: علوم الحديث ص ٥١، وإرشاد طلاب الحقائق ص ٧٩، ومعرفة علوم
الحديث ص ٢٥، والخلاصة في أصول الحديث ص ٦٤، والباحث الحثيث ص ٤٥، وتدريب الراوي
١٩٥/١، وفتح المغيث ((للعراقي)) ص ٦٣، وفتح المغيث ((للسخاوي)) ١٥٥/١، وقفو الأثر
ص ٦٦، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب ص ١٩٢، والموقظة ص ٣٨، والفية السيوطي في
علم الحديث ص ٢٥، قواعد في علوم الحديث ص ٣٩، ومنهج النقد في علوم الحديث
ص ٣٦٩.

٤٠٠
المرسل
وصورته أن يقول التابعي سواء كان كبيراً أو صغيراً: قال
رسول الله وَ﴿﴿ كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، أو نحو
ذلك.
الكافرين﴾(١) فكأن المرسل /٦٤ - أ/ أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف، أو
مِن قولهم: ناقة مِرسال(٢)، أي سريعة السير. كأن المُرسِل أسرع فيه، فحذف
بعض إسناده، أو مِن قولهم: جاء القوم أرسالاً أي متفرقين، لأن بعض الإِسناد
منقطع من بقيته(٣).
(وصورته أن يقول التابعي، سواء كان كبيراً) بأن لقي كثيراً من
١٠٩ الصحابة / وجالسهم، وكانت جُلّ روايته عنهم، كقيس بن أبي حَازِم، وسعيد بن
المسيَّب(٤)، (أم صغيراً) وفي نسخة: أو صغيراً، بأن لم يَلْقَ مِن [٨٨ - ب] الصحابة
إلا العدد اليسير، أو لقي جماعة مع كون جل روايته عن(٥) التابعين، كيحيى بن
سعيد الأنصاري. ذكره السخاوي(٦) .
(قال رسول الله ﴿﴿ كذا، أو فَعَلَ كذا، أو فُعِل) بصيغة المجهول (بحضرته
كذا، أو نحو ذلك) أي مما يضاف إليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الرواية،
والسماع ، والحُكْمِ ، والجوابِ، والإِجابةِ، والأمرِ، والنهي، وغير ذلك مما يشمل
الحِلِّية ونحوها. وهذا هو المعتمد، وقيده بعضهم بالكبير. وقالوا: لا يكون حديث
صغار التابعين مرسلاً، بل منقطعاً، لأنهم لم يلقَوا مِن الصحابة إلا الواحد أو
الاثنين، فأكثر روايتهم عن التابعين، وإلى هذا الاختلاف أشار ابن الصلاح بقوله:
وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير(٧).
(١) سورة مريم، الآية: ٨٣.
(٢) في (ج) مرسالة، وما اثبتناه من (د) والقاموس المحيط مادة (الرسل) ص ١٣٠٠.
(٣) في (د) والمطبوعة: بقية.
(٥) في (د) والمطبوعة: من.
(٦) فتح المغيث ١٥٧/١ .
(٧) علوم الحديث ص ٥١.
(٤) انظر قواعد في علوم الحديث ص ١٥٠ - ١٥١ .