النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ مقدمة المؤلف الإِمام العالم الحافظ، (الإِمام) أي المقتَدَى به، وهو إمام أئمة الأنام كالسيوطي، وابن الهُمَام، والسَّخَاوِي، والقَسْطَلَاني، ومُلّ قاسم الحنفي، وغيرهم من العلماء الأعلام. (العالم) أي العالم الكامل ، والمشهور في هذا العلم، فإن له تصانيفَ كثيرة، وتآليفَ شهيرة، وأجلّها ((فتح الباري في شرح البخاري)) الذي هو في هذا الفن غاية، بل في سائر العلوم الشرعية نهاية. (الحافظ)(١): هو مَنْ أحاط علْمُه بمئة ألفِ حديث، ثم بعده الحُجَّة: وهو مَن أحاط /٢ - ب/ علمه بثلاث مئة ألف حديث، ثم الحاكم: وهو الذي أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متناً وإسناداً، وجَرحاً وتعديلاً وتاريخاً، كذا قاله جماعة من المحققين. وقال العلامة الجَزَرِي : (١) قال الشيخ تقي الدين السبكي: إنه سأل الحافظ جمال الدين المِزْيَّ عن حَدِّ الحفظ، الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يُطلَقَ عليه الحافظ؟ قال: يرجع إلى أهل العُرْف. تدريب الراوي ٤٨/١. قال الشيخ ظفر أحمد العُثماني التهانوي - رحمه الله -: وهذا هو الصواب أن مدار ذلك في كل زمان على عُرف أهله، فالمحدِّث في زماننا: مَن كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب الحديث، ودرسه، وتدريسه ... والحافظ: إذا سمع الحديث عَرَفَ أنه في الصحاح أم في غيرها ... والحُجَّة: مَن كان قوله: ((إنّ في الحديث كذا)) حُجَّةٌ بين أقرانه لا ينكرونه عليه ... قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - حفظه الله -: ويشهد لهذا الذي قاله شيخنا التهانوي رحمه الله: أني كنت سألت شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله عن هذه التحديدات التي ذكروها في الحافظ، والحاكم، والحجة. من أين جاءت؟ وما مستندها؟ فأجابني بأنها اصطلاح متأخّر لم يُعْرَف في السلف، وقد سمّى الحافظ الذهبي كتابه ((تذكرة الحفاظ)»، وترجم فيه لجماعات من الصحابة وغيرهم، لم يُروٍ. كثيرٌ منهم عُشرَ العدد الذي ذكروه في (الحافظ، والحجة، والحاكم). انتهى. قواعد في علوم الحديث ص ٢٨ - ٢٩ تعليق رقم (١). وهذه التعاريف: ((للحافظ))، و((الحُجَّة))، و((الحاكم)) هي. من اختيار المتأخرين، وهي مردودة، وذلك لأن ((الحافظ) لقب تحديث ورواية ليس محصوراً بعددٍ ما. و((الحُجَّة)) ليس من ألقاب الرواية، بل هو من أعلى ألفاظ التوثيق والدِّراية، قال الذهبي في تذكرة الحفاظ ٩٧٩/٣: ((الحُجَّة فوق الثُّقة)). و((الحاكم)) وصفٌ لِمن وَلَيَ القضاء، ولا دخل له في حفظ الحديث وروايته. انظر لمزيد تفصيل وبيان ((رسالة أمراء المؤمنين في الحديث)) للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص ١٢٦ - ١٣٦ . ١٢٢ مقدمة المؤلف وحيدُ دهره وأوانه، وفريدُ عصره وزمانه، الراوي: ناقل الحديث(١) بالإِسناد. والمحدِّث مَنْ تحمَّل الحديث رواية، واعتنى به دِرَاية. والحافظ: مَنْ رَوَى ما يصل / إليه ووعى ما يُحْتَاج لديه. ٣ وقال العراقي: المحدِّث في عُرْف المحدثين: مَنْ يكون له كُبٌ، وقرأ، وسمع، ووعى، ورحل إلى المدائن والقُرَى، وحصَّل أصولاً من متون [٣ - أ] الأحاديث، وفروعاً من كتب المسانيد، والعِلَل، والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف انتهى. وكأنه تعريف المُنْتَهِي !. وقال مِيْرَك شاه(٢) رحمه الله تعالى: المراد به حافظ الحديث لا القرآن. قلت: ولا بدع(٣) أن يكون حافظاً للكتاب والسنة، وإنساناً كاملاً من بين الأمة. وكان يقول شيخ مشايخنا العارف الرباني مولانا إسماعيل الشَّرْوَانِيّ(٤) لبعض تلاميذه: أنا وأنت إنسان كامل، فإنك تحفظ القرآنَ ومبناه، وأنا أعرِف تفسيرَه ومعناه . (وحيدُ دهره وأوانه) الإِضافة بمعنى في، والمعنى: نادرة زمانه، ومنفردُ أوانه . (وفريدُ عصره وزمانه) أي لا نظير له في شأنه، عطف تفسير، أو الأول(٥): لخصوص مِصره، والثاني: لعموم عصره. (١) في (د) للحديث. . (٢) في (ج) و(د) میرکشاه، هكذا. (٣) في المطبوعة: والأبدع. (٤) في (ج) كُتِبَ فوقها ممدوداً إلى الحاشية: ((بالفتح وسكون الراء، مدينة بِدَربَند، بناها أنو شَرَوان، فأسقط ((أنو)) تحقيقاً له، لب اللباب للسيوطي)) [ص ١٥٢ انتهى. وانظر معجم البلدان ٣٣٩/٣، والأنساب ٤٢٣/٣]. (٥) في المطبوعة: الأولى. ١٢٣ مقدمة المؤلف شهابُ المِلَّة والدين، أبو الفضل أحمدُ بنُ عليٍّ العَسْقَلاَنَي الشهيرُ بابن حجر (شهابُ المِلَّة والدين) أي نجمهما الذي يَستَضِيئَان بنوره، وينكشفان بحضوره، وأهلهما يستنيران به حين حياته، ويستفيدان بكتبه بعد مماته، والظاهر أنّ المراد بالمِلّة: هو طريق التوحيد الإِيماني، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿اَّبِعْ مِلَّةً إبراهيمِ حنيفاً﴾(١) وسُمِّي مِلَّةٌ مِن حيث إنه يُملَى على الأمة. وبالدين: أحكام الإِسلام، ويومىء إليه قوله تعالى: ﴿إنّ الدِّينَ عند الله الإِسلام﴾(٢) وسُمِّي (٣) به من حيث إنه يُتَدَّين به، ويُنْقَاد إليه، ويُجَازَى عليه. (أبو الفضل) كنيته، وهو يحتمل أن يكون له ولدٌ مسمّى بالفضل، أو المراد به أنه صاحب الفضل والزيادة من الأموال الدنيوية، أو ذو الفضيلة من العلوم الأخروية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلَ أُوْلُو الفَضْلِ منكم والسَّعَةِ﴾ (٤) والمراد به الصِّدِّيق الأكبر رضي الله عنه. وهذا الذي اخترناه أولى مما ذكره صاحب الجلالين من العطف التفسيري(٥)، فإن التأسيس مهما(٦) أمكن [فهو](٧) أولى من التأكيد. (أحمدُ بنُ علي العَسْقَلَانيّ) بفتح العين، وسكون السين المهملتين، وفتح القاف نسبة إلى بلد بساحل الشام. (الشهيرُ) أي المشهور (بابن حَجَر) قال السيد أَصِيل الدين(٨): هو لقب الشيخ [٣ - ب]، وإن كان بصيغة الكنية، وذلك شائع/٣ - أ/، ووجه تلقيبه بذلك كثرة (١) سورة النحل: (١٢٣). (٢) سورة آل عمران: (١٩). (٣) في (ج) ویسمی. (٤) سورة النور: (٢٢). (٥) في المطبوعة: التفسير، وفي (ج) التغيري. (٦) في (ج) و(د): منهما (٧) من (ج) و(د). (٨) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن جلال الدين يحيى الحسيني، عم والد ميرك شاه السابق ذكره ص١٢٢. البضاعة المزجاة ص١٩. ١٢٤ الكلام حول الحمدلة - أثابه الجنة بفضله وكرمه -: (الحمدُ للَّه ماله وضِيَاعِه، والمراد بالحَجَر: الذهب والفضة. انتهى. ويحتمل أنه كانت(١) له جواهر كثيرة فسُمِّيَ به، وقيل: لُقِّب بذلك لجودة ذهنه، وصَلَابة رأيه بحيث يَردُّ اعتراض كل معترض، ولا يتصرف(٢) فيه أحد من أقرانه، ولذا قال بعض الظرفاء في حقه: رَجَح بنا ابن حَجَر يُقرأ طرداً وعكساً كقوله تعالى: ﴿كلَّ فِي فَلَكَ﴾(٣). وقيل: سُمِّي به لكونه اسم أبيه الخامس (٤)، لأنه كان حامل الحَجَر، (أثابه) أي الله تعالى - وكان الأولى ذكره كما في نسخة، وإن كان في الذهن مذكوراً - (الجنة) أي جازاه أعلى درجاتها، وأعلى مقاماتها (بفضله وكرمه) أي زيادة على عدله بمقابلة عمله وعلمه. (الحمدُ لله(٥)) جُوِّز في لام التعريف أن تكون(٦) للجنس، أو الاستغراق، أو العهد. وقد سأل الشيخ أبو/ العباس المُرْسِي ابنَ النَّحَّاس النَّحْوِيَّ عن الألف واللام في الحمد لله، أجنسيةٌ هي، أم عهدية؟ فقال: يا سيدي قالوا: إنها جنسية، فقال له: الذي أقول(٧): إنها عهدية، وذلك أنّ الله تعالى لمّا علم عجز خلقه عن كُنْه حمده وحقّه، حَمِدَ نفسه بنفسه في أزله نيابةً عن خلقه قبل أن يحمدوه، فقال ٤ (١) في (ج) كان. (٢) في المطبوعة: ينصرف. (٣) سورة الأنبياء: (٣٣). والمقصود من قوله: ((يُقرأ طرداً وعكساً، أنك إذا عكست كلمة حَجَر تُقرأ: رَجَحَ. كما إنك إذا عكست قوله تعالى: ﴿كلّ فِي فَلَكِ﴾ فابتدأت بكافٍ فَلَك، تُقرأ أيضاً: ﴿كلُّ فِي فَلَكَ﴾. (٤) وهو الصحيح كما أشار إليه السخاوي في الضوء اللامع ٣٦/٢. (٥) أقسام الحمد أربعة : الأول: حمد قديم لقديم: وهو حمده تعالى نفسه بنفسه أزلاً . الثاني: حمد قديم لحادث: وهو حمد الله لأنبيائه وأصفيائه. الثالث: حمد حادث لحادث: وهو حمد العباد بعضهم لبعض. الرابع: حمد حادث لقديم: وهو حمدنا الله تعالى، لقط الدرر ص ١٢ . وانظر تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص ٤ . (٦) في (ج) يكون. (٧) في (ج) أقوله. ١٢٥ الكلام حول الحمدلة ابن النَّحَّاس: أُشْهِدُكَ أنها للعهد . انتهى. وكأنه(١) أراد أن العبرة بذلك الحمدِ، لا أنه منحصر فيه. ويشير إلى العهد أيضاً قوله ◌َّةِ: ((لا أُحْصِي ثناءً عليك(٢) أنت كما أثنيت على نفسِك))(٣). لكن قول الشيخ: نيابة عن خلقه لمّا علم عجزَهم، غيرُ محتاج إليه(٤) لأن عند الصوفية لا يعوَّل عليه إذِ الحمدُ ثابت له أزلاً وأبداً، فكأنّ الشيخ تنزّل(٥) عن مقاماته وحالاته من آثار المحو، إلى مقام ابن النَّّاس المُقَيَّد بالنحو، لِمَا(٦) ورد: ((كَلُّمِ الناس على قَدْرِ عقولهم(٧) وقال تعالى: ﴿قَد عَلِمَ كُلِ أُنَّاسٍ مَشْرَبَهم﴾(٨). والأظهر (٩) عندي أن اللام للاستغراق الحقيقي دون العُرْفي، كما قيل به، فالمعنى: أنّ كل حمدٍ صَدر مِن كل حامد، فهو لله تعالى حقيقة، [٤ - أ] وإنْ كان بعض أفراده لغيره تعالى صورة، بل المصدر بالمعنى الأعم من الفاعلية والمفعولية، فيفيد أنّ الله تعالى هو الحامد وهو المحمود، سِوَى الله - والله - ما في الوجود. ومنه قول شيخ مشايخنا: استغفر الله مما سوى الله، ومنه قول العارف ابن الفَارِض: (١) في المطبوعة: وكأن. (٢) قوله: «لا أُحصي ثناء عليك» ليس في (ج). (٣) أخرجه مسلم ٣٥٢/١، كتاب الصلاة (٤)، باب ما يُقال في الركوع والسجود (٤٢)، رقم (٢٢٢ - ٤٨٦)، وأبو داود ٥٤٧/١، كتاب الصلاة (٢)، باب في الدعاء في الركوع والسجود (١٤٧، ١٤٨)، رقم (٨٧٩). (٤) ((إليه)) ليست في المطبوعة. (٥) في المطبوعة: ينزل. (٦) في (ج) كما. (٧) ذكره العَجْلُوني بلفظ: ((أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّم الناسَ على قَدْرِ عقولهم)) رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً [الفردوس بمأثور الخطاب ٣٩٨/١]، وفي اللآلىء بعد عزوه لمسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعاً قال: وفي إسناده ضعيف ومجهول. انتهى. وقال في المقاصد: وعزاه الحافظ ابن حجر لمسند الحسن بن سفيان، عن ابن عباس بلفظ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُخَاطِب الناس على قدر عقولهم)). قال: وسنده ضعيف جداً. كشف الخفاء ١٩٦/١. المقاصد ص ١٦٤. (٨) سورة البقرة: (٦٠). (٩) في المطبوعة: والأظهري. ١٢٦ الكلام حول الحمدلة ولَوْ خَطَرَتْ لي في سِوَاكَ إِرَادةٌ على خَاطِرِي سَهْوَاً حَكَمْتُ بِرِدَّتِي(١) ومنه حديث: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد: ألا(٢) كلُّ شيء ما خلا اللّهَ باطلُ (٣). وإليه الإِيماء بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾(٤): نعم أظهر مظاهر مَحْمَدَةِ الحق هو المحمود، المسمّى بمحمَّدٍ(٥) المنعوت بأحمد الخلق، أو المعنى /٣ - ب/: جنس الحمد مستحق له تعالى سواء حُمِد أو لم يُحمد، ويشير إليه: يا الله المحمود في كل فِعَاله، وقال تعالى: ﴿وهو الوَلْيُّ الحَميد﴾(٦). وأما ما قيل: إذا كان اللام للجنس، فإفادته قاصرة إذ لا يلزم من إثبات الجنس لأحد إحاطة أفراد له، فمدفوع هنا بأن لام الله للاختصاص، فلا يخرج فرد من هذا المقام الخاص، فيرجع معناه إلى الاستغراق. وقول صاحب المدارك(٧): واللام فيه للاستغراق عندنا خلافاً للمعتزلة، يريد به أن المعتزلة لا يجوَّزونه الأٌ على مسألة خلق الأفعال، وليس معناه أن كونها للجنس هو مذهب المعتزلة فقط كما تُوُهِّم، فإن البيضاوي وغيره من المحققين جوزوا الجنس(٨)، بل رجحوه، وقدموه على الاستغراق لأنه الأصل في التعريف. (١) ديوان ابن الفارض، ص ٢٨ . (٢) ليست في (ج). (٣) أخرجه البخاري (فتح الباري) ١٤٩/٧، كتاب مناقب الأنصار (٦٣)، باب أيام الجاهلية (٢٦)، رقم (٣٨٤١)، ومسلم ١٧٦٨/٤، أول كتاب الشعر (٤١)، رقم (٣ - ٢٢٥٦). (٤) سورة القصص: (٨٨). (٥) في (د) والمطبوعة: بحمد. (٦) سورة الشورى: (٢٨). (٧) مدارك التنزيل المشهور بـ: ((تفسير النسفي)) ٦/١. (٨) في المطبوعة: للجنس. ١٢٧ الكلام حول الحمدلة ثم المشهور أن جملة الحمدلة مبناها إخبارية، ومعناها إنشائية. وسئل ابن الهُمَام عنها فأجاب: بأنها إنشائية فقيل: بل خبرية، قال فحينئذ: ليس لنا حامدون(١). فقيل: فإذاً ليس لله حقيقة الحمد ثابتة. انتهى. ومعنى كلام ابن الهُمَّام(٢) أنه حينئذ لا نكون حامدين مع أنه يقال لقائلها: حامداً، ولو كانت خبرية معنى لم يُسَمّ إلا مخبراً، لأن من المعلوم أنه لا يُشتق للمُخبِر عن شيء اسمُ [٤ - ب] فاعِل من ذلك الشيء، إذ لا يقال لمن قال: الضرب مؤلمٌ ضارب، لكن يمكن دفعه بأنه جاز أن يَعدَّ الشرعُ المخبر / بثبوت الحمد لله تعالى(٣) حامداً. ثم الشيخ رحمه الله تعالى أتى بالحمدلة بعد البسملة تخلقاً بالأخلاق الربانية، وتعلقاً بالكلمات السبحانية، وجمعاً بين الأخبار النبوية والآثار المصطفوية حيث قال: ((كُلُّ أمر ذي بالٍ لم يُبدأ فيه بالحمد لله [فهو أبتر(٤))] وفي رواية: [(بحَمْدٍ لله)) وفي رواية: ((بالحمد](٥) فهو أقطع)) وفي رواية: ((أجزم)). أي مقطوع البركة. ثم الابتداء وإن كان يحصل بكلٍ من البسملة والحمدلة لما في رواية: ((لا يُبدأ فيه بذكر الله (٦)) إلا أن الجمع بينهما أفضل، وثوابهما أكملَ. ثم الابتداء عرفي (١) في (د) حمد، وفي (ج) حمادور (٢) ليس في (ج). (٣) في (د) بثبوت الحمد له. وصحفت في (ج) إلى ((الحمدلة)). (٤) أخرجه أبو داود ١٧٢/٥، كتاب الأدب (٤٠) باب الهَذي في الكلام (١٨)، رقم (٤٨٤٠). وابن ماجه ٦٠/١، كتاب النكاح (٩٠)، باب خطبة النكاح (١٩)، رقم (١٨٩٤)، والإمام أحمد في ، نظر الارزاء. المسند ٣٥٩/٢. وسنن الدارقطني ٢٢٩/١، كتاب الصلاة (٤)، مقدمة كتاب الصلاة، رقم (١). وسنن البيهقي ٢٠٨/٣، ٢٠٩. ولفظة: ((فهو أبتر)) زيادة من (ج) ومسند الإمام أحمد (٥) ما بين الحاصرتين ليس في (ج). (٦) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٢٩/١، كتاب الصلاة (٤) مقدمة كتاب الصلاة، رقم (٢). وقال العظيم آبادي في (التعليق المغني على الدارقطني)): قُرَّة ليس بقوي في الحديث. هو: قُرّة بن عبد الرحمن المَعَافِري. أخرج ه مسلم في الشواهد. وقال أحمد: هو منكر الحديث. وقال يحيى: ضعيف الحديث. وقال أبو حَاتِم: ليس بقوي. وقال ابن عَدِيّ: روى الأوزاعي عن قُرَّة بضعة عشرَ حديثاً، وأرجو أنه لا بأس به. وقال ابن حبان: ثقة. هامش سنن الدارقطني ٢٢٩/١. ١٢٨ الكلام حول الصفات الذاتية الذي لَمْ يَزَلْ عالماً قديراً) حياً قَيُّوماً سميعاً بصيراً، يمتد إلى الشروع في المقصود(١)، والأول حقيقي، والثاني إضافي، والأول أولى بالحقيقي، فإن الثاني بمنزلة الشكر على توفيق الذكر الإلهي المقتضي لتصحيح النية (٢)، والباعث على ملاحظة المِنّة، ومطالبة المعونة، والتبرِّي من الحول والقوة. (الذي لم يزل عالماً قديراً) كان الأولى (٣) مبنىٌّ ومعنى أن يقول: عليماً قديراً ليدل على كثرة العلم، وسعة القدرة. وأما ما قيل: لو قال: ولا يزال ليصرح بأنّ علمه تعالى وقدرته أبدي كما أنّ كلَّ منها أزليٌّ لكان أحسن، فيجاب (٤) عنه: بأن ما ثبت قِدَمه استحال عدمه/٤ - أ/، وهو أحد الأجوبة عن قوله تعالى: ﴿إنه كان عليماً قديراً﴾(٥). (حيّاً قيّوماً) فَيْعُول: من القِيَام أي القائم بذاته المقيم لغيره قيل: لما ذكر في المتن أنه تعالى متصف بالعلم والقدرة أزلا نَّه في الشرح على أنه لا يزال كذلك سرمداً بقوله: حَيّاً قيّوماً، لأن معناه دائم البقاء. ونوقش بأنه إنما يدل على أنّ ذاته أبدية، ودَفْعُهُ ظاهرٌ لأن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات الإلهية. (سميعاً بصيراً) قيل: اللائق أن يزيد مريداً متكلماً، لتكون الصفات الذاتية بتمامها مذكورة. وأجيب: بأن القدرة تستلزم الإِرادة، والتكلم. وأغرب(٦) محشٍّ جميل، وأخرجه أحمد في المسند ٣٥٩/٢ بلفظ: ((كل كلام أو أمر ذي بال لا يُفْتَحُ بذكر الله فهو أتبر)». أو قال: ((أقطع)). (١) في المطبوعة: المقصد. (٢) في المطبوعة: النسبة. (٣) في المطبوعة: الأول. (٤) في (ج) ویجاب. (٥) سورة فاطر: (٤٤). (٦) فى (د) وأعرب. ١٢٩ الكلام حول الشهادتين وأشهدُ أَنْ لا إله إلا الله فقال: إنما لم يقل متكلماً لأن التكلم مشكل، وقال الشارح وجيه(١): قيل: اللائق ذكر جميع الصفات الذاتية [٥ - أ] وسكت عن الجواب بالكلية، ولعل الشيخ اكتفى بالوصفين السابقين في المتن إشعاراً بأن العلم لشموله الجزئيات والكليات يتضمن المسموعات، والمبصَرَات، وأن القدرة تستلزم بقية الصفات. (وأشهد) أُورِد عليه أنه عطف الفعلية الإنشائية [على الاسمية الإِخبارية، ودُفِعَ بأن الحمدلة - كما تقدم - في المعنى إنشائية(٢)]، وبأن أصله: حمدت الله، أو أحمده حمداً، فكان في المعنى فعلية. وهذا إنما هو بناء على الكلام في الاعتبارات الرسمية، وإلا فلا منع من عطف الاسمية على الخبرية، وعكسه كما ورد في كلام أهل العربية. ثم معنى أشهد: [أُقِرّ عن صميم قلب، وأخبر عن علم يقين(٣)]، فلا يشكل قوله تعالى: ﴿واللّهُ يشهدُ إن المنافقين لكاذبون﴾(٤) بعد قوله عز وجل: ﴿إِذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسولُ الله﴾(٤) ولذا قدَّم دفع الوهم بقوله عز وجل: ﴿واللّهُ يعلمُ إنك لرسُولُه﴾(٤). (أن) مخففة من الثقيلة أي أنه (لا إله إلا الله) المشهور: أن خبر" (٢١ ◌َويرضى. محذوف، وهو: موجود. وقال صاحب الكشّاف: يجوز أن يكون لا إله إلا اللّه جمله والطيلة تامة. من غير تقدير حذف الخبر، يعني لا إله: مبتدأ، وإلا الله: خبره، قيل: بحق (١) في المطبوعة و(د) وقال شارح وجيه. وهذا الشارح هو: وجيه الدين العلوي الكُجَرَاتي الهندي من علماء الهند؛ ولد في: ((جابانير من بلاد كَجُرَات بالهند سنة ٩١١ هـ - ١٥٠٥ م، وتعلم وأقام ومات في كُجُرات سنة ٩٩٨ هـ - ١٥٩٠ م له كتب أكثرها حواش، منها حواشيه على تفسير البيضاوي، والتلويح، وشرح العقائد للتفتازاني وشرح النخبة. وغيرها الكثير. الأعلام للزركلي ١١٠/٨. (٢) سقط من (٥). (٣) في (ج) أقر عن صميم القلب، وأخبر صميم قلب، وأخبر علم يقين. (٤) سورة المنافقون، الآية: ١. ١٣٠ الكلام حول الشهادتين يلزم / أن يكون المبتدأ نكرة، والخبر معرفة، قال: ليس الأمر كما قيل، لأن أصل ٦ الكلام في التقدير: الله إله، قُدِّم الخبر دفعاً لإِنكار المنكِرِ، فصار: إلهُ الله، ثم أُريد نفيُ الآلهة(١)، وإثباتُه قطعاً. فدخل في صدر الكلام من الجملة حرف (لا)) وفي وسطها ((إلا)) ليحصل غرضهم، فصار لا إله إلا الله. انتهى. والمشهور: أن رفع الجلالة على البدلية من الضمير المستتر في الخبر المقدر، وجُوِّز نصبها على الاستثناء من الضمير المذكور. قيل: هذه/٤ - ب/ الكلمة كلمة توحيد إجماعاً، ولا يستقيم ذلك ما لم يكن صدر الكلام نفياً لكل معبود بحق. والله: اسم للمعبود(٢) بالحق، ومثله يكون تناقضاً(٣) في القول، وهو محال في كلمة التوحيد المجمَع على صحتها. وأجيب بأن المنفي (٤) في صدر الكلام مفهوم كلي كالإِله، والمأخوذ من مدلول(٥) الجلالة فرد خاص من مفهوم الإِله بمعنى أن لفظة ((الله)) علم للمعبود بالحق الموجودِ الخالق للعالَم، لا أنه اسم لذلك المفهوم الكلي كالإِله. وقال السيوطيّ في الإتقان: وقد [٥ - ب] توجب الصناعة النَّحْوية التقدير، وإن كان المعنى غيرَ متوقف عليه(٦)، فقالوا في: لا إله إلا الله: إن الخبر محذوف، أي موجود. وقد أنكره الإِمام الرَّازي وقال: هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير، وتقدير النحاة فاسد، لأن نفي الحقيقة مطلقةً أتمُّ من نفيها مقيدةً [بقيد مخصوص](٧)، فإنّها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلاً على سلب الماهِيَّة مع القيد، (١) من المطبوعة وهامش (د). وفي (ج) و(د) الإلهية. (٢) في (ج) المعبود. (٣) في (٥) متناقضاً. (٤) في (ج) النفي . (٥) في (د) فرد. (٦) ليس في (ج) . (٧) زيادة من (ج). i ١٣١ الكلام حول الشهادتين وحده لا شريك له، وأكبّرُه تكبيراً، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله. وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر. ورُدَّ بأن تقديرهم ((موجود)) يستلزم نفي كل إله غير الله قطعاً، فإنَّ العدم لا كلام فيه، فهو في الحقيقة. ب. مالا نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة، ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر نصهل فرض ـ ع خلاصة أو مقدر، وإنّما يقدِّر النَّحْويّ ليعطيَ القواعدَ حقّها، وإن كان المعنى مفهوماً. الاأوساء فيذا الباب أسعار انتھی. وفیه بحثان: خصر فإذاكان الأول: أن كلام الإِمام تحقيق وتدقيق في المرام ورَدُّه مصادرة، بل مكابرة بلآلام ذلك كذلك نظام . فإذا لابد من تقديم خيره والثاني: أن كلامه لا يدل على نفي القواعد النحوية بالكلية، بل ذهب إلى لكن يبقى مسلك ((الكشاف)) في عدم الحاجة إلى تقدير كلمة تكون(١) مرفوعة بالخبرية، وعلىٍ ماذا وقدره تقدير التقدير ينبغي أن يقدَّر ((لن) لئلا يَرِد شيء من عدم التحقيق علينا مراعاة! زقدره موح للجانبين، ومحافظة للمذهبين. ام تقدرة كـ إده قدرناه مو وكأن الجمهور نظروا إلى أن المعدوم لظهور حدوثه لا يصلح للألوهية، فلا صار الحصة فى حـ ون اته يلون يحتاجٍ إلى نفيه، أو نفيه يُفَهم بالبرهان الأولى، أو أرادوا بموجود أعم من ال بعد خلاف لامه موجوداً في الحال والاستقبال، والله أعلم بالمآل. (وحدَه) حال على مذهب الكوفيين(٢)، وتقديره متوحِّداً ومنفرداً على مذهب البصري(٣) وهو حال مؤكّدة(٤)، (لا شريك له) المراد بالأولى: وحدته في الذات، وبالثانية: وحدته في الصفات. (وأُكبِره) أي أُعَظِّمُه وأعتقد أنه أكبر من أَنْ يُحاط بكُنْه كبريائه، (تكبيراً) أي تكبيراً كثيراً. (وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله) كذا في نسخة مصححة. والظاهر أنها (١) في المطبوعة و(ج) يكون. (٢) في (ج) الكوفي، أو تقديره. (٤) ليس في المطبوعة . (٣) يعني أبا العباس المبرَّد البصري . ١٣٢ الكلام حول الشهادتين مُلحَقَة من الناسخ(١) لعدم إتيان الشيخ بما يناسب المقام من السجع كما هو دأب أرباب الكلام /٥ - أ/، ولا يلائم أن يكون ما بعده من المتن متمماً له لوجود واوِ الفصل / لكن يُشكل بأن الخطبة لا تتم (٢) بدون تلك الزيادة، اللهم إلا أن يُتْكَلَّف [٦ - أ] بأن يقال: قوله: وصلى الله ... إلخ قام مقامها. ٧ ثم قيل: أورد المصنف الشهادة في الخطبة عملاً بقوله وَله: ((كل خُطْبَة ليس فيها تشهّد فهي كاليد الجذماء)) رواه أبو داود والترمذي في جامعه(٣)، ونوقش بأنه كان عليه أن يوردها في خطبة المتن أيضاً، ودُفع بأنه لم يُوردها في المتن إشارة إلى أن الحديث ضعيف، فلم يجب العمل به (٤) وأوردها في خطبة الشرح إيماءً إلى أن الحديث الوارد في فضائل الأعمال يُستحسن العمل به، وإن كان ضعيفاً. والأظهر أن يقال: صرَّح بلفظ الشهادتين في الشرح عملاً بظاهر الحديث، وأتى في المتن بمعناهما كما قيل به في تأويل الحديث على ما نقل من التّوْرِبِشْتِيّ(٥) وغيره مراعاة للإِيجاز والإطناب بحسب ما يليق بكلِّ بابٍ من الكتاب، ويمكن أن يقال: إنما ترك الشهادتين في المتن بناء على أن المراد بالخُطبة (١) في (ج) النساخ. (٢) في المطبوعة و(ج) يتم. (٣) سنن أبي داود ١٧٣/٥، كتاب الأدب (٤٠)، باب في الخطبة (١٩)، رقم (٤٨٤١) وسنن الترمذي ٤١٤/٣، كتاب النكاح (٩)، باب ما جاء في خطبة النكاح (١٧)، رقم (١١٠٦). (٤) في (ج) فيه. (٥) في هامش (ج): [التُّوْرِبِشْتي شارح المصابيح منسوب إلى تُوْرِبِشْت، بضم المثّاة من فوق، ثم واوٍ ساكنة، ثم راءٍ مكسورة، ثم باء موحدّة مكسورة، ثم شين ساكنة، ثم مثنّة من فوق، من شيراز ذكره ابن السبكي في الطبقات] ٣٤٩/٨ انتهى. بينما ضبطها الزركلي في الأعلام: ١٥٢/٥: التُّرْبُشْتِي !!. وهو: فضل الله بن حسن، أبو عبد الله، شهاب الدين التُّورِبِشْتي. له كتب بالفارسية والعربية. منها: مطلب الناسك في علم المناسك، والمُيَسَّر في شرح مصابيح السنة للبغوي. مخطوط في شستربتي chester Bcatty رقم (٥٠٣٩)، والمكتبة الظاهرية: رقم (٧٧٣٣) -(٧٧٣٤). وقد اختلف في مذهبه، فترجم له السبكي في طبقاته ٣٤٩/٨، وترجم له حاجي خليفة في كشف الظنون ١٧١٩ وقال : = ١٣٣ الكلام حول الصلاة على النبي ﴾﴾ (وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله الخطبةُ(١) على المنبر المتعارَفة في زمنهِوَ﴿، وأتى بهما في الشرح عملًا بالاستحباب في خطبة الكتاب، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، والله أعلم بالصواب. (وصلى الله على سيّدنا) الجملة خبرية لفظاً، ودعائية معنىًّ. والصلاة من الله تعالى: إدرار الرحمة وإظهار المَرْحَمة. وتعديتة بعلى لحصول الاستعلاء، وتوهم (٢) بعضهم أنّ على مطلقاً للضرر، واللام للنفع، وليس كذلك، بل هو مختص بفعل تارةً يتعدى باللام، ومرّةً(٣) بعلى كدعا له، ودعا عليه، وشهد له، وشهد (٤) عليه، وحكم(٥) له، وحكم عليه، لا يقال: صلى بمعنى دعا، فإنه لا يلزم توافق المترادفين في التعدية، ألا ترى(٦) أنه لا يقال: صلى له مع أن الصلاة إنما وردت بمعنى الدعاء بخير، فزال الإِشكال من أصله. (محمد) هو في أصله اسمُ مفعول من محمّد بالتشديد مبالغة حَمِد بالتخفيف، سُمِّي به رجاءَ أن يكون يحمده الأولون والآخرون ﴿وكان أمْرُ اللَّهِ قَدَرَاً مَقْدُورَاً﴾(٧). ولذا قيل: الأسماء تتنزل من السماء، فنقل من الوصفية [٦ - ب] إلى العلمية. (الذي أرسله) أي جعله رسولاً بعدما صيّره نبياً. = حنفي، وتبعه البغدادي فقال: فقيه حنفي ٨٢١/١. وقال محققا طبقات السبكي : لم نجد له ترجمة في كتب طبقات الحنفية!؟ وهذا ليس بشيء، فكم من حنفيٍ لم يترجم له في طبقاتهم، على أنه ترجم في كتاب ((حدائق الحنفية)) بالأردية كما في ((البضاعة المزجاة))، وبالوقوف على كتابه ((الميسر)) يتبين أنه حنفي واختلف في وفاته أيضاً فقال السبكي: أظن هذا الشيخ مات في حدود سنة ٦٦٠ هـ. وواقعة التتار أوجبت عدم المعرفة بحاله. انتهى. واضطرب كلام حاجي خليفة في كشف الظنون بين ٦٥٨ هـ إلى ٦٦١ هـ، وقد أرّخ التوربشتي الفراغ من تأليف كتابه ((الميسر)) سنة (٦٦٦ هـ) فقد توفي بعد ذلك لا محالة. انظر البضاعة المزجاة ص ٧٣. (١) في (ج) المراد الخطبة بالخطبة على ... (٣) في المطبوعة: تارة. (٥) سقط من المطبوعة. (٧) سورة الأحزاب: (٣٨). (٢) في المطبوعة: توهيمه. (٤) ليس في (ج). (٦) في (ج) یری. ١٣٤ الكلام حول إرساله ﴿﴿ للناس كافةً للناس كافةً بشيراً ونذيراً، (للناس) أي لأجل نفعهم، فالمرادُ بالناس المؤمنون، فإنهم المنتفعون كما قيل في قوله تعالى: ﴿هدىًّ للمتقين﴾(١) أو عام لقيام الحجة عليهم كما قيل في قوله تعالى: ﴿هدىَّ للناس﴾(٢) والجِنّ تابع لهم، أو يطلق الناس عليهم، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى، كما تدل/٥ - ب/عليه نسخة، وقيل: بُعث إلى الخلق جميعاً حتى الجن(٣)، والحيوانات، والجمادات. (كافّةً) هي من الشرح قيل: إرسالاً كافةً بمعنى عامة لهم، فهي (٤) مفعول مطلق. أو جامعاً لهم في الإِبلاغ، فهي حال من الضمير المنصوب في أرسله، والتاء للمبالغة، والأظهر(٥): أنها في هذا المقام حال من الناس، وإنما قال البيضاوي(٦) في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافَّةً للناس﴾(٧) لا يجوز جعلها حالاً من الناس على المختار، لأن تقدُّمَ حال المجرور عليه كتقدم المجرور على الجار(٨). قال أبو حيان(٩): هذا مذهب الجمهور. وذهب أبو علي، وابن كَيْسَان، وابن بَرْهان، وابن مالك(١٠) إلى جوازه، وهو الصحيح. (بشيراً) أي مبشراً للمؤمنين بالجنة، (ونذيراً) / أي منذِراً ومخوِّفاً للكافرين بالنار. وحذف مفعولاهما لوضوحهما ولِيَذهبَ الوهم كل مذهب، وإيماء إلى أنه لا یمکن بیانهما. ٨ (١) سورة البقرة: (٢). (٢) سورة آل عمران: (١٢). (٣) زيادة من المطبوعة. (٤) في (ج) فهو. (٥) في المطبوعة: الظاهر. (٦) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي) بهامش حاشية الشهاب ٢٠٤/٧. (٧) سورة سبأ: (٢٨). (٨) عبارة (ج) تقدم حال المجرور على الجار لا يجوز ... (٩) البحر المحيط ٢٨١/٧. (١٠) في الأصول كلها: ابن مُلْكُون. والمثبت من البحر المحيط. ١٣٥ الكلام حول آل النبي # وصحبه وعلى آل محمد، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. (وعلى آل محمد) أي أقاربه وأتباعه، فالأول - من جهة النّسب -: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((هم أولادُ عليّ، وجعفَرِ، وعقيل، والعباس)(١). ومن جهة الدِّين: ما روي عنه وَلَ: ((آلُ محمدٍ كلَّ تقي)) رواه الطبراني في الأوسط عن أنس(٢). ويمكن حمل الحديث على العموم، ويحتمل أن يكون الثاني تقييداً(٣) للأول فتأمل، فإنه المعقول بقرينة قوله: (وصحبه) لأن الأصل في العطف التغاير، وإن احتمل التخصيص بعد التعميم بناء على الثاني. وفي ذكرهما إيماء إلى ردّ الخوارج والروافض، وهو اسم جمع. وقيل: جمع وسيأتي معناه المصطَلَح (٤). (وسَلَّم) بفتح اللام عطف على صلى، وجمع بينهما لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾(٥) والمراد بإيراد: (تسليماً) إظهار [٧ - أ] زيادة التعظيم، وإفادة التكثير. كما أشار إليه بقوله: (كثيراً) وقد ورد: ((أَكْثِرُوا الصلاةَ عليّ، فإنّ صلاتكم عليَّ مغفرةٌ لذنوبكم))(٦) وفي حديث قدسي: ((مَنْ صلّى عليك صليتُ عليه، ومَنْ سلّم عليك (١) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه حديثاً قريباً من هذا، وهو عن زيد بن أرقم حين سئل عن أهل بيت النبي : مَن هم؟ ((قال: هم آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل ... )) ١٢٥/٣، كتاب الزكاة، من قال: لا تحل الصدقة على بني هاشم والطبراني في ((المعجم الكبير)) ١٨٢/٥، رقم (٥٠٢٤). (٢) قال ابن حمزة الدمشقي في البيان والتعريف ٤١/١: صرح البيهقي - السنن الكبرى ١٥٢/٢ - وابن حجر، والسخاوي بضعفه، وعدم الاحتجاج به. وانظر المقاصد ص ٤٠ وكشف الخفاء ١٨/١ . (٣) في (ج) ويحتمل أن يكون تعيين الأول. وفي (د) بدون لفظ ((الثاني)). (٤) ص ٥٧٥. (٥) سورة الأحزاب: (٥٦). (٦) أورده الإمام السيوطي في ((الجامع الصغير)) عن ابن عساكر عن الحسن بن علي. والمتقي الهندي في كنز العمال، وتكملة الحديث: ((واطلبوا لي الدرجة والوسيلة، فإن وسيلتي عند ربي شفاعتي لكم». فيض القدير ٨٨/٢، رقم (١٠٤٦)، وكنز العمال ٤٨٩/١، رقم (٢١٤٣). ١٣٦ الكلام حول كثرة التصانيف في علوم الحديث أما بعد: فإنَّ التصانيفَ في اصطلاح أهل الحديثِ قد كَثُرَتْ) للأئمة في القديم والحديث، سلَّمتُ عليه))(١). ثم هذا الذي فعله من ذكر الصلاة على رسوله وَّه بعد الحمدِ له تعالى هو عادة العلماء على ما قاله النووي(٢). وعن مجاهد(٣) في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لك ذِكْرَك﴾(٤) قال: ((لا أُذكرُ إلا ذُكِرتَ معي))(٥). (أما بعد)(٦) أي بعد ما ذُكر، ولما كانت أمّا متضمنةً لمعنى الشرط كما هو مقرر، أتى بالفاء الجزائية في قوله: (فإنّ) وقيل: لدفع توهم الإِضافة، وقوله: (التصانيف) جمع تصنيف مأخوذ من الصنف، لأن المؤلّف يجمع بين أنواع الكلام ويجعلها صنفاً صنفاً لتمام النظام . (في اصطلاح أهل الحديث) أي في عرفهم، وهو: توافقهم على استعمال ألفاظ مخصوصة يتداولونها على وجه التعارف فيما بينهم كما اصطلحوا عليها. (قد كَثُرت) أي/٦ - أ/ التصانيف، (للأئمة) حال من ضمير كثرت، (في القديم والحديث) أي في قديم الزمان، وجديده فيما بين المتقدمين والمتأخرين، فممن صنف، وفي نسخة : (١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٩١/١، وتكملته: ((فسجدت لله شكراً)). (٢) شرح صحيح مسلم ٤٣/١. (٣) انظر جامع البيان للطبري ٢٣٥/١٥، والدر المنثور للسيوطي ٥٤٩/٨. (٤) سورة الشرح: (٤). (٥) ليس في (د) لفظ ((معي)). (٦) أي بعد البسملة، والحمدلة، والتشهد، والصلاة والسلام على ما تقدم. وأتى بها تأسِّياً به وَّ، فإنه كان يأتي بها في خُطَبِهِ ومراسلاته، وذلك مشهور في الصحيحين وغيرهما. انظر لقط الدرر ص ٢١، وتدريب الراوي ١ / ٦١ . ١٣٧ بدء التصنيف في علوم الحديث فمِن أول مَن صنف في ذلك القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي كتابه ((المحدِّث الفَاصِل)) لكنه لم يَستَوعِب، [بدء التصنيف في علوم الحديث] (فمن أوّل مَن صَنّف في ذلك)، أي في اصطلاح أهل الحديث، (القاضي أبو محمد) أي الحسن بن عبد الرحمن بن خَلَّاد، (الرَّامَهُرْمُزي) بفتح الميم الأولى، وضم الهاء، وسكون الراء، وضم الميم الثانية، بعدها زاي معجمة بلد بِخُوْرِسْتَان(١) . وفي الكلام إشعار بوجود تعدد التصنيف في قرن القاضي ، وعدم تحقق الأولية وبيانه: أنَّ ((مِن)) للتبعيض، و((أول)): اسم التفضيل بمعنى الجماعة، فإن أفعل التفضيل المستعمل بالإِضافة يجوز فيه الإِفراد والمطابقة لمن هُوَ لَه، فالمعنى: من أوائل المصنفين في ذلك القاضي. كأنّ جماعة في عصر واحد صنفوا ولم يسبقهم أحد في التصنيف، والمصنف لم يعلم أوَّلهم بالحقيقة، فأورد هذه العبارة، وإلا فحقه أن يقول: فأول مَن صنف، بياناً لأول المتقدمين، فإنه أمر إضافي . (كتابَه) بالنصب لفعل مقدَّر كأنه قيل: أيَّ شيء صنف؟ فقال: صنف كتابه، أو أعني بما صنف كتابه. ولا يصح نصبُ بـ: صَنَّفَ المذكور لأن ((مَن)) في ((مَن صنف)) قوم [٧ - ب] من جملتهم القاضي كما سبق وتوضيحه: أن فاعل صنف المذكور ضمير مَن، ولم / يصنف هذا الكتاب إلا واحد منهم لا جميعهم، ثم أبدل ٩ عن كتابه بقوله : (المحدِّث) بتشديد الدال المكسورة، أي الراوي، والواعي مجازاً، (الفَاصِل) بالصاد، أي الفارق بينهما، أو بين طرق الحديث وإسناده، (لكنه) أي القاضي، أو كتابه، (لم يستوعب) أي الفنون بأجمعها، من جميع [المراد (١) صُحّفت في (ج) و(د) والمطبوعة، والصحيح ما أثبتناه. انظر مراصد الاطلاع ٤٩٠/١. ١٣٨ بدء التصنيف في علوم الحديث والحاكم أبو عبد الله النَّيْسَابُورِي، لكنه لم يُهذُّب ولم يُرتِّب، وتلاه أبو نُعَيم الأصفهاني، فعمل على كتابه مستخرِجاً، وجميع] (١) المواد. (والحاكم) - عطف على القاضي - (أبو عبد الله النّيْسَابُورِيّ) بفتح النون، والسين المهملة، نسبة إلى بلد مشهور بخُرَاسَان، (لكنه) أي الحاكم، وإن استوعب، (لم يهذَّب) أي بالتنقيح والتصحيح، (ولم يرتّب) ، أي لم يجعل الأشياء في مراتبها على وفق مآربها (٢) كما ينبغي عند الفصيح والنصيح . (وتلاه) أي تبع الحاكم في ترتيبه وفي عدم تهذيبه(٣)، أو جاء بعده، (أبو نُعَيم) بضم النون، وفتح العين، (الأصفهاني) بكسر همزة وبفتح، وبفاء مفتوحة في لغة (٤) أهل الشرق، وبموحدة في الغرب. (فعمل) أي أبو نعيم (على كتابه) أي معترضاً على كتاب الحاكم، أو على منوال كتابه، وأما ما قيل: ولك أن تقول: أي قرأ كتابه، لكن يأباه قوله: على كتابه، فإن الأنسب حينئذ أن/٦ - ب/يقول: ((عليه) مكان ((على كتابه))، فكلام غير موجَّه فإنّ قوله: على كتابه متعلق بـ: عمل لا بـ: تلاه(٥)، مع أنه لا تستعمل التلاوة بمعنى القراءة في غير القرآن، ثم قوله: (مُسْتَخْرِجاً) بكسر الراء حالٌ من فاعلٍ عَمِلَ المنزَّل منزلة اللازم. يقال: كتب فلان مُسْتَخْرِجاً على الصحيحين [أي جاعلاً الزيادة عليهما(٦)]، أي مستدركاً عليهما. والفرق بين الاستخراج والاستدراك أن الزوائد في المستخرج بالفتح - من (١) ليس في (ج). (٢) في المطبوعة: ماديها . (٣) في (ج) في مرتبته وعدم تهذيب. (٤) في المطبوعة: اللغة. (٥) في (ج) و(د): تبلا. (٦) زيادة في (ج). ١٣٩ بدء التصنيف في علوم الحديث وأبقى أشياء للمتعقّب، ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، فصنف في قوانين الرواية كتاباً سماه: ((الكفاية)) وفي آدابها كتاباً سماه: ((الجامع لآداب الشيخ والسامع))، وقَلَّ فن من فنون الحديث المستخرج - بالكسر - بخلاف المستدرك فالتعبير هنا بالمستخرج أولى من المستدرك وقيل: الظاهر أن (١) معناه: زاد أبو نُعَيم على كتاب الحاكم أشياء، واستدرك عليه ما فاته وحينئذ يكون قوله: مستخرجاً على بناء المفعول مفعول عَمِل. وقوله: على كتابه متعلق بقوله: مستخرِجاً. وتفسير محشٍ الاستخراج بالاختصار غير ملائم للمقام مع معارضة بنقله. يقال: كتب فلان مستخرجاً [٨ - أ] على الصحيحين أي معترضاً. (وأبقى) أي ومع ذلك ترك (أشياء) أي كثيرة (للمتعقّب)(٢) أي للذي جاء بعد زمانه، أو للمعترض، ولو في أوانه. (ثم جاء) أي بمهلة (بعدهم) أي بعد القاضي، والحاكم، وأبي نُعَيم المتقدِّمِين، (الخطيب) فهو أول المتأخرين، أو آخر المتقدمين، وهو صاحب المنهل، (أبو بكر البغدادي) يجوز إهمال الدالين، وإعجامهما، وإعجام الأول، وإهمال الثاني، وعكسه(٣)، وهو الأفصح المروي عن الشّاطِبي. (فصنف في قوانين الرواية) أي أصولها وقواعدها الكلية المشتملة على المسائل الجزئية . (كتاباً) أي كافياً وافياً (سمّاه الكفاية) في قوانين الرواية كما أشار إليه، (وفي آدابها) أي وصنف في آداب تحمُّل الرواية وآدابها، (كتاباً) أي حافلاً كاملاً، (سمّاه الجامع الآداب الشيخ) أي في الأداء (والسامع) أي في التحمل، وأخّره لمراعاة التجمع، أو قدم الشيخ لتعظيمه ولا منع من الجمع، (وقلّ فنٌّ من فنون الحديث) (١) في (د) انه . (٢) في (ج) للمعقب. (٣) انظر معجم البلدان ٤٥٦/١. ١٤٠ بدء التصنيف في علوم الحديث إلا وقد صنّف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نُقْطَة: ((كل من أنصف عَلِمَ أنّ المحدثين بعد الخطيب عِيَالٌ على كُتُبه)). ١٠ وهي خمس وستون فناً تقريباً على ما ذكره النووي / في ((التقريب))(١)، (إلا وقد صنف) استثناء من أعم الأحوال. والقلة بمعنى النَّدْرَة، أو النفي والعدم. أي لا يوجد فن من فنون الحديث بوصف من الأوصاف إلا حال كونه متصفاً بهذه الصفة، أي بأنْ صنف (فيه) أي في ذلك الفن، (كتاباً مفرداً) كالمستدرَكات، والمستخرجات(٢) والمؤتلف(٣). (فكان) أي الخطيب، (كما قال) أي في حقه (٤) (الحافظ أبو بكر بن نُقْطَة) : - بضم النون، وسكون القاف، بعدها طاء مهملة، وهاء تأنيث - اسم/ ٧ - أ/ جارية ربَّت جدته أم أبيه عُرِف بها. (كلُّ مَن أنصف) من الإِنصاف، وهو العدل، (عَلِمَ أنّ المحدثين) أي من الأصوليين، (بعد الخطيب) أي بعد تصانيفه، (عِيَالٌ) عِيَالُ الرجل بكسر العين: مَن يَعُولُه ذلك الرجل أي يقوته، وينفق عليه. والمعنى عيال له°) مُعْتَمِدُون (على كتبه) (١) أي عدد فنون الحديث وبوّبَها بخمس وستين باباً. وانظر علوم الحديث لابن الصلاح ص ٧ - ١١. (٢) المستدرك: هو كل كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث التي استدركها على كتاب آخر مما فاته على شرطه، مثل مستدرك الحاكم. والمستخرج عن المحدثين: هو أن يأتي المصنف المُسْتخْرِج إلى كتاب من كتب الحديث، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو مَن فوقه، ولو في الصحابي، وشرطه: أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سنداً يوصله إلى الأقرب، إلّ لعذر من علو، أو زيادةٍ مهمة. وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد لها سنداً يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب. انظر تدريب الرواي ١١٢/١ . (٣) المؤتلف لغة: اسم فاعل من الائتلاف بمعنى الاجتماع والتلاقي، وهو ضد النفرة، والمؤتلف والمختلف فن واسع من فنون الحديث، يُحتاج إليه لدفع التصحيف والتحريف. والمؤتلف اصطلاحاً: هو ما يتفق في الخطّ دون اللفظ مثل: سَلام وسلَّام. سراج وسَرَاح. انظر تدريب الراوي ٢٩٧/٢، وفتح المغيث ((السخاوي)) ٢٣٥/٣. (٤) في المطبوعة: في حق. (٥) في المطبوعة: عياله.