النص المفهرس
صفحات 1-20
شَرْجُ سـ شر مُخْبَةِ الفكر فِيَ مُضْطَلَحَاتِ أَهْلِ الأَثَر لِلإِمَامِ إِلَحَدِّثِ عَلِّ بْنُ سُلْطَانِ مُحَمَّدٍ الْحَرَوِي الْفَارِيُّ (٩٣٠ تقريباً - ١٠١٤ هـ) شَرْحُ اٌلْتُّغْبَة: نُزْهَةُ النَّظَرِ لِلإِمَامِحَافِظِ أحَدَ بنْ عَلَى بِنِ عَجَرَ العَسْقَلَاني (٧٣٣ - ٨٥٢ هـ) قَدَّمَ لَهُ الشَّخِ عَبْدُ الفَتَّاحِ أَبُوُزَّة حَقََّهُ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ هَثَ فِزَآَ تِيِمْ وَ مُحَدّ ◌ِاَر غَيمْ كافّة حقوق الطّبع وَالصَّف وَالاخْرَاج محفوظَة لـ: شركة دار الأرقمين أبى الأرقم للطّباعَة وَالنّشر والتوزيع بيروت - لبْنان توزيع دَارُ القَلم للطباعة وَالنشرَ بيروت - لبنان - ص.ب ٣٨٧٤ شركة دار الأرقم بن أبى الأرقم للطباعة وَالنّشر وَالسَّتَوزيع فمـ هاتف : ٤ / ٨٣٤٩٧٣- فاكس ٦٠٣٠١٣ كود بيروت ٠٠٩٦١١ - شرچ شِرَحْ مَحْبَة الفكر فِى مُضْطَحَاتِ أَهْلِ الْأَثَر من أقوال العلماء في الحافظ ابن حَجَرِ العَسْقَلاني · شَهِد له القدماء بالحفظ والثقة، والأمانة والمعرفة التَّامَّة، والذهن الوقَّاد، والذكاء المُفْرِط، وسَعَة العلوم في فنون شتَّى، وشهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحدیث. [السخاوي، الضوء اللامع ٣٩/٢]. شيخ الإِسلام، عَلَمُ الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ العصر. [ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب ٢٧٠/٧]. · الحافظ الكبير الشهير، الإِمام المتفرِّد بمعرفة الحديث وعِلَلِه في الأزمنة المتأخرة ... حتى صار إطلاق ((الحافظ)) عليه كلمة إجماع. [الشوكاني، البدر الطالع ٨٧/١، ٨٨]. من أقوال العلماء في الحافظ مُلّ علي القَارِي الجامع للعلوم العقلية والنقلية، والمتضلِّع من السُّنَّة D النبوية، أحد جماهير الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ [العِصَامي، سِمْط النجوم ٣٩٤/٤]. والأفهام . ● أحد صدور العلم، فَرْدُ دَهْرِه، الباهر السَّمْت في التحقيق وتنقيح العبارات، وشهرته كافية عن الإطراء بوصفه. [المُحِّي، خلاصة الأثر ١٨٥/٣]. ● فاق أقرانه، وصار إماماً شهيراً، وعَلَّمة كبيراً، نظَّاراً متضلُّعاً في كثير من العلوم العقلية والنقلية، متمكناً بفن الحديث والتفسير، والقراءات، والأصول، والكلام، والعربية . [النعماني، البضاعة المزجاة ص ٣٠]. .. ...... ... ...... . ... . ... . . . -... .. . ١ ٩ مقدمة التحقيق بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَ الزَّحِيةِ مقدمة التحقيق إِنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، مَن يهدِ اللَّهُ فلاِ مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتّقوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّ وأنتُم مُسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يا أيُّها الناس اتَّقُوا رَبَّكم الذي خَلَقَكُم مِن نفسٍ واحدٍ وخَلَقَ منها زوجها وبثَّ منهما رِجالاً كثيراً ونساءاً واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ إِنَّ اللَّهَ كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أيُّها الّذين آمنوا اتقوا اللَّهَ وقولوا قولاً سديداً * يُصْلِحْ لكم أعمالَكم ويَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١ ]. أمَّا بعد، فإن تعهد الله تعالى بحفظ كتابه في قوله: ﴿إِنَّا نحن نزَّلنا الذِّكْرَ وإنَّا لِه لحافِظُون﴾ [الحجر: ٩] لَّهُوَ تعهد بحفظ سنة نبيه وَلَه، وذلك لأن السنة شارحةٌ لكتاب الله، مُفَصِّلةٌ لمُجْمَله، مُخَصِّصَةٌ لعمومه، مُقَيِّدةٌ لمُطْلَقِهِ، فحِفْظُها حفظً لكتاب الله سبحانه وتعالى . ولما كان أفضل الحديث كتاب الله، وأفضل الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام، كان لزاماً على علماء هذه الأمة الاهتمام بحفظ هذه السنة النبوية - التي هي المصدر الثاني بعد كتاب الله - من لدن ١٠ مقدمة التحقيق رسول الله ول﴿ إلى يومنا هذا، فكان الصحابة في القرون الأولى حريصين على حفظ السنة في صدورهم، ونشرها في مجتمعاتهم، والعمل بها، والدعوة إليها . وإن مما ساعدهم على حفظها: معاينتهم صاحبَ الشريعة وَّل، وسماعَهم منه، وأخذَهم عنه، ومن ثَمَّ عملهم بمقتضى ما سمعوه وأخذوه. وكان الأمر كذلك في عهد الخلفاء الراشدين، فكانت السنة محفوظة في صدور العدول الأمناء، من غير دسٍّ ولا تغيير. ومضى القرن الأول، ورواة السنة من الصحابة العدول الضابطين، أو من التابعين الكبار الثقات. وفي أوائل القرن الثاني، عصر أواسط التابعين، وقع خطأ من رواة السنة، وذلك لأسباب عدة منها: توسع رقعة الخلافة الإسلامية أكثر مما كانت عليه، وانتشارها في مناطق عدة، وحضارات شتى، ودخل في الإِسلام أصحاب تلك البلاد والحضارات، من الأعاجم البعيدين عن أصالة اللغة، وروح التشريع الإِسلامي، وأصحاب الأهواء عامة، فكثر الخطأ في رواية الأحاديث تعمداً من أصحاب الأهواء، وسهواً من البعض، وخطأً من أصحاب اللُّكْنَة والعجمة، وازداد هذا الخطأ خطورة في عصر صغار التابعين، وذلك بعد سنة مئة وخمسين (١٥٠ هـ)، حيث ظهرت الفرق السياسية، وانتشرت النُّحَلُ والعصبية، فكان من يتعمَّدُ الكذب ترويجاً لبدعته، ونصرةً لمذهبه. فأقام الله للسنة رجالاً يحرسونها من كيد الكائدين، ودَسِّ الكاذبين، وتحريف الزائغين، ويحفظون أحكامها وأسانيدها، حتى لا تختلط بغيرها، كما اختلطت شريعة اليهود والنصارى بأقوال رهبانهم وقِسِّیسیھم. ١١ مقدمة التحقيق قال الحافظ محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله كَرَّمَ هذه الأمة، وشرَّفها وفضلها بالإِسناد، وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول، وإنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه في كتبهم من أخبارهم التي اتخذوها عن غير الثقات. وهذه الأمة الشريفة، زادها الله شرفاً بنبيّهَا وَّه، إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله، حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشدَّ البحث، حتى يعرف الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً وأكثر، حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عَدّاً، فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستوزعُ الله شكر هذه النعمة، وغيرها من نعمه. انتهى (١). ولقد شمَّر العلماء عن ساعد الجِدّ يَنْخُلُون الروايات، وينتقون منها ما صحت نسبته إلى رسول الله وَل، ويطرحون ما لم يستوف شروط القبول عندهم. وقد قيض الله لشريعته وسنّة نبيه وال﴿ رجالاً لهم إمامة في هذا الشأن، قاموا بفحص تلك الأحاديث وكشفوا أحوالها، وأودعوا العلم بمراتبها في كتبهم، ونشروها بألسنتهم، وحفظت بهم الشريعة، وتحقق وعده سبحانه وتعالى بحفظ القرآن بحفظ أحكامه، وذلك بحفظ سنة نبيه وَلێ . فألَّفوا في ذلك المصنفات، يُبَيِّئُونَ فيها المقبول والمردود من الرواية، والمجروح والعَدْل من الرواة. وعندما دُوِّنت السنة في عصر التدوين، بأمر الخليفة العادل عمر بن (١) انظر ص ٦١٨ من هذا الكتاب. ١٢ مقدمة التحقيق عبد العزيز رضي الله عنه، تتابع الناس في خدمتها، والتوسع في علومها وفنونها، والكلام على أسانيدها ومتونها، ووضعت لعلومها القوانين السليمة، والمبادىء القويمة، فكانت مؤلفات عدة: فَأُلِّفَ في القرن الثاني والثالث والرابع، ثم فيما تلاها في أحوال رجال الإسناد: كتب التاريخ، والطبقات، والوفيات، ومعرفة الوُحْدَان، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأصناف المُدَلِّسِين والكذّابين ... إلخ. وفي أحوال الخبر: كتب العلل، وألفاظ مراتب القبول والرد، وتفسير ألفاظ الجرح والتعديل من الحفاظ والمحدثين ... إلخ. وفي الضعيف والموضوع: الكتب المختصة بهذا الشأن، الموضوعات، والضعفاء ... إلخ. ولما كانت المئة الرابعة، وفيها نَضِجَت العلوم، واستقر الاصطلاح، ألّف القاضي أبو محمد، الحسن بن عبد الرحمن بن خلَّاد الرَّامَهُرْمُزِيّ المتوفى (٣٦٠ هـ) كتابه «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي))، وإن كان يوجد قبله مصنفات مفردة في أشياء من فنونه، لكنه كان أجمعَ من غيره آنذاك. ثم جاء بعد الرَّامَهُرْمُزِيّ الحاكمُ أبو عبد الله النَّيْسَابُورِي المتوفى (٤٠٥ هـ) فَأَلّف كتابَه ((معرفة علوم الحديث)). ثم جاء أبو نُعَيم الأصفهاني المتوفى (٤٣٠ هـ) فعمل على كتاب الحاكم مُسْتَخْرِجاً، وأبقى أشياء للمُتَعقُّب. ثمّ جاء بعدهم ابن عبد البرّ، يوسف بن عبد الله المتوفى (٤٦٣ هـ)، فألّف كتابه ((التمهيد)) الحاوي لمقدمة جامعة في علوم الحديث ثم جاء بعده الخطيبُ أبو بكر البغدادي المتوفى (٤٦٣ هـ) فصنف كتاب ((الكفاية في علم الرواية))، وكتاب ((الجامع لآداب الشيخ والسامع)) (١)، وكتباً مفردة في أكثر (١) هكذا ذكره ابن حَجَر ص ١٣٩ من هذا الكتاب، بينما طبع الكتاب بعنوان: ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، طباعة مؤسسة الرسالة، بيروت. ١٣ مقدمة التحقيق فنون الحديث، فكان كل من جاء بعده عيالاً على كتبه. ثم جاء القاضي عِياض بن موسى اليَحْصُبِي المتوفى (٥٤٤ هـ) فجمع في ذلك كتابَه ((الإلماع))(١). ثم جاء بعده ابن الأثير المتوفى (٦٠٦ هـ) فألف كتابه ((جامع الأصول)) الحاوي في مقدمته بحثاً جامعاً لا يُستغنى عنه في علوم الحديث. ثم جاء بعد كل هؤلاء وغيرهم ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشّهْرَزُورِيّ المتوفى (٦٤٣ هـ) فصنف كتابه ((علوم الحديث))، المشتهر بـ ((مقدمة ابن الصلاح)). فاعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه. هذا، وبقي كتاب ابن الصلاح المَنْهَلَ الوحيد المفضَّلَ في علم المصطلح نحو مئتي سنة، حتى جاء الحافظ ابن حَجَر العسقلاني المتوفى (٨٥٢ هـ) فألّف رسالته المختصرة الجامعة ((نُخْبَة الفِكَر)»، ثم شرحها بكتابه ((نُزْهَة النَظر في توضيح نُخْبَة الفِكَر)»، فاتجهت أنظار العلماء إليه، وعَوَّلوا في علم المصطلح عليه، لاختصاره، وتنسيقه، وتمحيصه وتحقيقه، واحتوائه لزيادةِ جملةٍ هامة من أنواع علم المصطلح، خَلتْ عنها مقدمة ابن الصلاح. فكثر شراحها، ومختصروها، ومحشوها، وناظموها، كثرة بالغة، (١) لقد أغفلنا ذكر جزء أبي حفص المَيَّانِجِيّ: (ما لا يَسَعُ المحدث جهله)) مخالفين في ذلك ترتيب ابن حجر ومن حذا حذوه، وذلك لعدم أهمية الكتاب، وضعف مادته، وحشوه بما لا طائل منه. وانظر لمزيد تفصيل ص ١٤٢ من هذا الكتاب تعليق رقم (١). وذكرنا ما أشار إليه الشيخان الجليلان: عبد الفتاح أبو غُدَّة، بتعليقه على كتاب ((قَفْو الأثر)) ص ٣٧، حيث قال: وقد ذكر ابن حجر جزء المَيَّنِجي، وأغفل ذكر المقدمة الجامعة للحافظ ابن عبد البر في أوّل كتابه ((التمهيد)). والشيخ الدكتور نور الدين عتر، بتعليقه على كتاب ((نزهة النظر)) ص ٣٥، حيث قال: وكان الأولى من هذا الجزء أن يذكر ... قسم علوم الحديث في مطلع ((جامع الأصول» لابن الأثير. ١٤ مقدمة التحقيق كادت تبلغ ما بلغته مقدمة ابن الصلاح. فمن شراحها: العلامة المحدّث نور الدين، أبو الحسن، علي بن سلطان محمد الهَرَوِيّ القَارِي المكي، المشهور بـ: مُلّ علي القاري المتوفى (١٠١٤ هـ)، واسم كتابه ((شرح شرح نُخْبَة الفِكر)) وهو كتابنا هذا . ولقد ضمَّن المؤلف رحمه الله كتابه معظم حاشية ((القول المُبْتَكَر على شرح نُخْبَة الفِكَر)) للعلامة قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحنفي المتوفى (٨٧٩ هـ) تلميذ الحافظ ابن حَجَر العسقلاني. وصدَّر نقله هذا بقوله: ((قال تلميذه)) أو ((قال التلميذ)). وأكثر المؤلف من النقل عن شارح مبهم لم يُسَمِّه، وصدَّر نقله هذا بقوله: ((قال شارح))، ولعل السبب أن هذا الشارح معاصر للمؤلف، فلم يُرِد ذكر اسمه، والله أعلم. وإن المصنّف رحمه الله أكثر من النقول عن السابقين كالبغدادي، والقاضي عياض، والطَّيْبِي، والعراقي، والجَزَرِي والسَّخَاوي، نقلاً مفيداً نافعاً: شارحاً تارة، وضابطاً بعض الألفاظ تارة أخرى، ومستدركاً، ومناقشاً، ومعترضاً مرات كثيرة. وإن مناقشته، واستدراكه، واعتراضه، لهو دليل على دقة فهمه وإمامته في هذا الفن، حيث إنه لا يسلّم لمقولات غيره إلا بعد أن يغوص في أعماقها، ويقتنع بمضمونها. ونقوله تلك، إن دلّت على شيء، فهي تدل على سعة اطلاعه، ووفير علمه، ودقة انتخاله للمسائل، فهو ينقل بعض المسائل المتعلقة بالمصطلح من كتب غير مختصة في هذا الفن، وكأن هذه الكتب مفتوحة أمامه، ينقل منها ما شاء. ولا يعلم أحد مدى صعوبة ردّ هذه النقول لمصادرها المنقول ١٥ مقدمة التحقيق عنها، إلا من عمل بمصنّفات مُلّ علي القاري رحمه الله . وإن المُتَتَبِّعَ لما ينقله مُلّ علي، يرى أنه غالباً ما ينقل بالمعنى، معتمداً في ذلك على حفظه وعميق فهمه، وقد أشرنا لبعض النقول - التي نقلها بالمعنى - في الحاشية ، ولم نشر إليها كلها، اكتفاءً بإشارتنا ههنا . ولقد استخدم الشارح رحمه الله أسلوباً يتميز بالإِيجاز المفيد، وسهولة العبارة، وسلامة الذوق في التعبير، وحسن الاختيار في النقل عن العلماء، واتبع منهجاً قويماً ينفرد بالدقة والتحقيق، والاستيعاب والتدقيق . وعُني بتوضيح عبارات ((نُخْبة الفِكْر)) و((نُزهة النظر)) حقَّ العناية، وبَيِّن ما فيها من غموض، وحلّ ما في الظاهر من إشكال، واهتم بضبط غريب الألفاظ من الأعلام، والمواضع، والكُنى، وغيرها بالحروف. وسلك في شرحه مسلك التحقيق المعروف حينئذ، وهو إتمام النص الموضوع في الهلالين بما يستكمل به إيضاحه، ويتم المراد منه، ويدفع به الاشتباه عنه، بدلاً من الكتابة في الحواشي ، كما نفعله اليوم. وعُني بجمع أقوال العلماء المُحَدِّثِين في التعريف بأنواع الحديث بكل دقة، واعتناء، وتحقيق، وتمحيص، مع ترجيح الأنسب والأوفق منها. ووضّح إعراب بعض الكلمات والجمل، التي ظاهرها الإِشكال، وعني بتحليلات لفظية. والكتاب مفيد في تبيين آراء المحدثين، وخاصة الحنفية منهم(١). ولما كان هذا الكتاب ((شرح شرح نُخْبَة الفِكَر)) من الأهمية (١) انظر الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث ص ١٧٧ . 1 ١٦ مقدمة التحقيق بمكان، وكانت نسختُه القديمةُ المطبوعة - بمطبعة (أُخُوَّت) باسطنبول سنة (١٣٢٧ هـ) - منذ حوالي تسعين عاماً، مع نُدْرَة وجودها، سقيمةً، مملوءةً بالأخطاء الإملائية والتحريفات والسقط حتى إنك لتجد أكثر من عشرة أخطاء في الصفحة الواحدة، وعلاوة على ذلك ينقصها فهارس موضوعية، وتفصيل فقراتها، وعنونة فصولها، وترقيم جملها. هذا، مع أن النسخة المطبوعة كانت من أجمل ما طُبع في زمنها، بَيْد أنها اليوم لا توافق النمط الطباعي الحديث، وذلك مما يجعل طلاب العلم يعزفون عنها . فكان هذا كله حافزاً لنا لخدمة هذا الكتاب الجليل، بإعادة طبعه بوجه ناضر جميل، مشكولاً، مضبوطاً، مفصَّلاً، ليسهل فهمه، وتناوله من قبل طلاب العلم. فاستخرنا الله تعالى، واستعنا به للعمل في هذا الكتاب - مع أننا لسنا أهلاً لهذا، وبضاعتنا مُزْجَاة لاقتحام هذا الصرح المتين - فيسَّر الله لنا مخطوطتين، ولكنهما ليستا قيِّمتين، بمعنى أنهما ليستا للمصنّف مُلاّ علي، ولا لبعض تلامذته، مع أن المخطوطة ((هـ)) كتب في وصفها أنها قرئت على المصنّ في مكة، بيد أن هذا الكلام ليس دقيقاً، لأنها مملوءة بالأخطاء والسقط، مما يُرجِّح أنها ليست كذلك. وخلاصة القول: أننا اعتمدنا هاتين المخطوطتين ومخطوطات أخرى سيأتي الكلام عليها(١)، فاستطعنا بعون الله أن نُصَوِّب معظم أخطاء الكتاب، ونستدرك السقط الذي فيه بقدر الوسع والطاقة، وليس سراً أن نقول: إننا وقفنا على بعض العبارات والأخطاء القليلة التي لم تصحح بعد، ولا يمكن ذلك إلا بقراءة نسخة المصنّف، أو واحدة مقروءة علیه. وما هذا التقصير إلا لعسر الحصول على المخطوطات اليوم، والعاملون في هذا المجال يعرفون ما نقول، ونسأل الله تعالى أن نُوفّق في (١) ص ٩٠ وما بعدها. ١٧ عملنا في الکتاب طبعات أخرى لاستدراك هذه الأخطاء القليلة فيما بعد بإذن الله تعالى ونرجو ممن وقع على حلها وتصويبها أن يُسعفنا بها مأجوراً مشكوراً. ملاحظة: وبعد الانتهاء من كتابة هذه المقدمة وجهوز الكتاب - للتجربة الثالثة - والانتهاء منه تقريباً، يسَّرَ الله لنا مخطوطة من المكتبة المحمودية، بالمدينة المنورة، وذلك بمعونة الأخ الفاضل الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي جزاه الله خيراً، وكنا نأمل أن تكون نسخة المؤلف مُلَّ عليّ نفسه، أو نسخة مقروءة عليه من أحد طلابه، بَيْدَ أنها بعد مقابلة معظمها تبيَّن أنها ليست أفضل بكثير من المخطوطتين المعتمدَتين لدينا: (ج) و (د)، ولكننا استفدنا منها في تصويب مواضع عدة. عملنا في الكتاب والتعليق عليه: ١ - مقدمة تشتمل على ثلاثة أبواب: الباب الأول: ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني. الباب الثاني: ترجمة المحدث مُلّ علي القاري. الباب الثالث: يشتمل على كلمة حول ((مقدمة ابن الصلاح)) و ((نُخْبَة الفِكَر)». ٢ - مقابلة الكتاب على أربع نسخ خطيَّة: اثنتين أصليّتين (ج) و(د)، واثنتين فرعيَّتَين (هـ) و (نسخة المكتبة المحمودية)، واستعنا بحاشية لقط الدرر شرح نخبة الفِكّر، لعبد الله بن حسين خاطر السَّمِين العَدَوِي المالكي، المطبوعة في مصر، حيث إن المؤلف قد صرّح بتضمين حاشيته ((شرح شرح نُخْبَةٍ الفِكَر)) لمُلاّ علي القاري، إضافة إلى مخطوطة لـ ((نزهة النظر))، ورجعنا أيضاً لمخطوطة حاشية القاسم بن قُطْلُوبُغَا: ((القول المُبْتَكر على شرح نُخْبَة الفِكَر)» في بعض المواضع. وقابلنا ((نزهة النظر)) - متن كتابنا هذا - على نسخة مقروءة على ١٨ عملنا في الکتاب ابن حجر رحمه الله، وهي النسخة التي حققها شيخنا الدكتور نور الدين عتر حفظه الله . إلا أننا لم نثبت جميع الفوارق الموجودة بين النسخ، حرصاً على عدم إثقال الحواشي بما لا طائل منه، بل ضبطنا النص، وأثبتنا في الحاشية معظم الفوارق. ٣ - تخريج الآيات القرآنية. ٤ - تخريج الأحاديث والآثار. ٥ - عزو نصوص الكتاب المنقولة لمصادرها الأصلية وما لم نجده في مظانِّه أهملناه، وهو قليل بالنسبة لمجمل الكتاب. ٦ - ضبط الأعلام وشكلها. ٧ - كنا قد عزمنا على ترجمة الأعلام الواردة في الكتاب، ولكن لما وجدنا أنها كثيرة تثقل الحواشي، وتُضَخَّم حجم الكتاب، اقتصرنا على ترجمة بعض المغمورين والمشتَبِهين. ٨ - شرح غريب الألفاظ وضبطها. ٩ - تصحيح الأخطاء الإملائية والمطبعية. ١٠ - التعليق على بعض المواضع، بما يُوَضِّح غموضها وإشكالها. ١١ - عنونة فصول الكتاب. ١٢ - جعلنا جميع ما أضفناه على النص، سواء كان من نسخة أخرى للكتاب، أو من كتاب آخر ينقل عنه المؤلف بعض .[ النصوص، بین حاصرتین [ ١٣ - وضعنا في حاشية هذه الطبعة الجديدة رقم الصفحة في الطبعة القديمة، نظراً إلى أن النسخة المطبوعة قد استمر العزو إليها حوالي تسعين سنة، فتكون هذه الأرقام مرشدة ١٩ عملنا في الكتاب إلى تعيين موضع العزو إليها في تلك الطبعة. ١٤ - رمزنا لانتهاء صفحة المخطوطة (د) بحاصرتين: [٢ _ أ] وللمخطوطة (ج) بخطين مائلين: / ٢ - أ/ تمييزاً بينهما. ١٥ - فضَّلْنَا فقرات الكتاب، ووضعنا علامات ترقيم له . ١٦ - أضفنا المتن المتضمن: ((نُخْبَة الفِكَر)) و ((نزهة النظر)) بأعلى الصفحات، حيث إنه لم يكن موجوداً في النسخة القديمة، وميَّزْنا ((النُخْبَة)) بحرف أسوذ بارز، بين هلالين، في حين أننا دمجنا ((النُخْبَة)) مع ((النِّزْهة)) ولم نُميِّز بينهما، ومن أراد التمييز بينهما فلينظر المتن. ١٧ - الفهارس الفنية: أ _ فهرس الآيات القرآنية. ب - فهرس الأحاديث والآثار. ج - فهرس الأعلام. د- فهرس الأماكن والبلدان. هـ- فهرس المصطلحات الحديثية. و- فهرس الموضوعات التفصيلي. وأخيراً لا نَدَّعي الكمال في عملنا، فإن الكمال لله وحده. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين بيروت في: ٢٥ من المحرم ١٤١٥ هـ الموافق: ٤ تموز ١٩٩٤ م وكتبه محمد نزار تميم و هيثم نزار تميم