النص المفهرس

صفحات 1-20

شَرَّح الفيَة العِرَاقي
المسماة
بالتبجرة والتذكرة
لناظمها حافظ العصر ومحدثه الامام الكبير حامل راية الحديث والمبرز فيه في
القديم والحديث الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن
ابي بكر بن ابراهيم العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ .
ويليه
فتح الباقي عَلى ألفيّة العراقي
لشيخ الاسلام ملك الائمة الاعلام قاضي القضاة الفقيه المعقولي الحجة النظار
العارف بالله الحافظ زين الدين الشيخ زكرياء بن محمد بن احمد بن زکریاء
الانصاري السنكي الازهري الشافعي المتوفى سنة ٩٢٥ .
الجزء الثَّالِث
﴿ تنبيه﴾ جعلنا شرح الناظم لالفيته في أعلى الصحيفة وفتح الباقي أسفلها مفصولا بينهما بجدول.
اعتنى بتصحيحهما وتعليق مقدمة عليهما والتعريف باعلام الثاني ووضع فهارس لهما
محمد بن الحسين العراقي الحسيني
مدرس بكلية القرويين وأمين الخزانة القروية
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم
معرفة الصحابة
وقيل ان طالت ولم يثبت
رائي النبي مسلما ذو صحبة
معه وذا لابن المسيب عزا
وقيل من أقام عاما او غزا
الف العلماء في معرفة الصحابة كتباً كثيرة منها معرفة الصحابة لابي
حاتم بن حبان البستي مختصر في مجلد ومنها كتاب معرفة الصحابة لأبي
عبد الله بن مندة وهو كتاب كبير جليل وقد ذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني
بذيل كبير ومنها الصحابة لابي نعيم الأصبهاني كتاب جليل ومنها كتاب
الاستيعاب لابن عبد البر وهو كثير الفوائد وذيل عليه ابن فتحون بذيل في مجلد
ومنها معرفة الصحابة للعسكري وهو على غير ترتيب الحروف وصنف معاجم
الصحابة جماعة منهم أبو القاسم البغوي وابن قانع والطبراني الا ان من صنف
المعاجم لا یورد غالباً الا من له رواية وان ذکر وا من لا رواية له ايضاً وقد صنف
أبو الحسن علي بن محمد بن الاثير الجزري كتاباً كبيراً سماه أسد الغابة جمع فيه
بین کتاب ابن مندة وذیل أبي موسی علیه وکتاب أبي نعيم والاستيعاب وزاد من
معرفة الصحابة
وهي فن مهم وفائدته تمييز المرسل والحكم لهم بالعدالة وغيرهما وفيه
تصانيف كثيرة والصحابي لغة من صحب غيره ما ينطلق عليه اسلم الصحبة
وان قلت واصطلاحا ما ذكره بقوله ( رائي النبي ) صلى الله عليه وسلم قبل
وفاته حالة كونه ( مسلما ) مميزا ولو بلا مجالسة ومكالمة أنسيا أو جنيا ( ذو
صحبة ) اكتفاء بمجرد الرؤية لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم فيظهر اثر

٣
شرحا الفية العراقي
غيرها اسماء ولم يقع له ذيل ابن فتحون لكنه يكرر اسماء الصحابة باعتبار
اسمائهم وكناهم وباعتبار الاختلاف في اسمائهم أو كناهم واختصره جماعة منهم
الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مختصر لطيف وقد ذيلت عليه بعدة اسماء لم تقع
له وقد اختلف في حد الصحابي من هو على أقوال أحدها وهو المعروف المشهور
بین أهل الحديث انه من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حال اسلامه هكذا
أطلقه كثير من أهل الحديث ومرادهم بذلك مع زوال المانع من الرؤية كالعمى
والا فمن صحبه صلى الله عليه وسلم ولم يره لعارض بنظره كابن أم مكتوم
ونحوه معدود في الصحابة بلا خلاف قال احمد بن حنبل من صحبه سنة أو شهراً
أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من الصحابة وقال البخاري في صحيحه من صحب
النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من الصحابة وفي دخول
الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً ولم يصحبه ولم يجالسه
في عبارة البخاري نظر ولو قيل في النظم لاقى النبي لكان أولى لكن تبعت فيه
عبارة ابن الصلاح فالعبارة السالمة من الاعتراض ان يقال الصحابي من لقي.
النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً ثم مات على الاسلام ليخرج من ارتد ومات
نوره في قلب الرائي، على جوارحه وجرى تبعا لابن الصلاح في التعبير بالرؤية
على الغالب والا فالأولى كما قال التعبير يلاقي النبي أي ليدخل نحو ابن أم
مكتوم ثم قال فالعبارة السالمة من الاعتراض ان يقال الصحابي من لقى النبي
مسلما ثم مات على الاسلام ليخرج من ارتد ومات كافرا كابن خطل(١) وربيعة
(١ ) ابن خطل: اسمه عبد الله وقيل هلال وقيل هلال كان أخاً له وكان يقال لهما الخطلان وهما
من بني تميم بن غالب بن فهر قال ابن اسحاق وانما أمر بقتله لانه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله
علیه وسلم مصدقاً وبعثمعه رجلاً من الانصار وكان معه مولی له يخدمه وكان مسلماً فنزل منزلاً وأمر = .

شرحا الفية العراقي
كافراً كابن خطل وربيعة بن أمية ومقيس بن صبابة ونحوهم وفي دخول من لقيه
مسلماً ثم ارتد ثم أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة نظر كبير
فان الردة محبطة للعمل عند أبي حنيفة ونص عليه الشافعي في الام وان كان
الرافعي قد حكى عنه انها انما تحبط بشرط اتصالها بالموت وحينئذ فالظاهر انها
ابن أمية(١) قال وفي دخول من لقيه مسلما ثم ارتد ثم
أسلم بعد وفاة النبي في الصحابة نظر كبير كقرة بن هبيرة(٢)
المولى ان يذبح له تيساً فيصنع له طعاماً فنام فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركاً
وكانت له قينتان فرنتي وصاحبتهما وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بقتلهما معه فقتل وهو متعلق باستار الكعبة قال الامام السهيلي ففي هذا ان الكعبة لا
تعيد عاصياً ولا تمنع من اقامة حد واجب وان معنى قوله تعالى ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ انما هو الخبر عن
تعظيم حرمة الحرم في الجاهلية نعمة منه على أهل مكة فكان في ذلك قوام للناس ومصلحة لذرية اسماعيل
وهم قطان الحرم وعند ما قتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن خطل قال لا يقتل قرشي صبراً بعد هذا
كذلك قال يونس في روايته هـ وكان الفتح سنة ٨ .
(١) ربيعة بن أمية : أسلم يوم الفتح وكان شهد حجة الوداع وجاء فيها عنه حديث مسند فذكر
لاجله في الصحابة وهو وهم لانه ورد انه ارتد في زمن عمر فروى يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق
حماد عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن ان أبا بكر الصديق كان أعبر الناس للرؤيا فأتاه ربيعة
ابن أمية فقال اني رأيت في المنام كأني في أرض معشبة مخصبة وخرجت منها الى أرض مجدبة كالحة ورايتك
في جامعة من حديد عند سرير الى الحشر فقال أن صدقت رؤياك فستخرج من الايمان الى الكفر واما أنا
فان ذلك ديني جمع لي في أشد الاشياء الى يوم الحشر قال فشرب ربيعة الخمر في زمن سيدنا عمر فهرب منه
الى الشام ثم هرب الى قيصر فتنصر ومات عنده هـ من الاصابة .
(٢) قرة بن هبيرة: قال البخاري وابن أبي حاتم له صحبة وهوجد الصمة الشاعر واحد الوجوه =

٥
شرحا الفية العراقي
محبطة للصحبة المتقدمة كقرة بن هبيرة وكالاشعث بن قيس اما من رجع الى
الاسلام في حياته كعبد الله بن أبي سرح فلا مانع من دخوله في الصحبة بدخوله
الثاني في الاسلام والله أعلم فقولي رائي اسم فاعل من رأى والنبي مضاف اليه
ومسلماً حال من اسم الفاعل وذو صحبة خبر المبتدأ والمراد برؤية النبي صلى الله
عليه وسلم رؤيته في حال حياته والا فلو رآه بعد موته قبل الدفن أو بعده
والأشعث بن قيس(١) قال شيخنا والصحيح دخوله فيهم
الاطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه منهم
أما من رجع الى الاسلام في حياته كعبد الله بن أبي سرح(٢) فلا مانع من دخوله
فيهم بدخوله الثاني في الاسلام قال الناظم وقولهم من رأى النبي صلى الله عليه
وسلم هل المراد انه رآه في حال نبوته أو اعم ثم ذكر ما يدل على أن المراد الأول
من الوفود وقد ارتد مع من ارتد من بني قشير ثم أسره خالد بن الوليد وبعث به موثقاً الى أبي بكر الصديق
رضي الله عنه فاعتذر عن ارتداده بانه كان له مال وولد فخاف عليهم ولم يرتد في الباطن فاطلق .
( ١ ) الأشعث بن قيس: يكنى أبا محمد الكندي قال ابن سعد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم
سنة عشر في سبعين راكباً من كندة وكان من ملوكها وأخرج البخاري ومسلم حديثه في الصحيح وكان
اسمه معد يكرب ولقب بالاشعث قال اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم شهدت جنازة فيها
الاشعث بن قیس وجریر فقدم الاشعث جریر لأنه لم یرتد وقد کنت ارتددت وکان الاشعث قد ارتد فیمن
ارتد من الكنديين وأسر فأحضر الى أبي بكر فاسلم فأطلقه وزوجه اخته أم فروة في قصة طويلة مات بعد
استشهاد سيدنا علي كرم الله وجهه باربعين يوماً .
(٢) عبد الله بن أبي سرح : هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري كان أخاً لعثمان
من الرضاعة قال ابن حبان كان أبوه من المنافقين ولما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم
الناس كلهم الا أربعة وامرأتين منهم المترجم له فقد فر واختبأ عند سيدنا عثمان وجاء به من الغد ليبايع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فازله الشيطان =

٦
شرحا الفية العراقي
فليس بصحابي على المشهور بل ان كان عاصره ففيه الخلاف الاتي ذكره وان
كان ولد بعد موته فليست له صحبة بلا خلاف واحترزت بقولي مسلما عما لو
رعاه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فانه ليس بصحابي على
المشهور كرسول قيصر وقد خرجه احمد في المسند وكعبد الله بن صياد ان لم يكن
هو الدجال وقد عده في الصحابة كذلك أبو بكر بن فتحون في ذيله على
الاستيعاب وحكى ان الطبري وغيره ترجم به هكذا وقولهم من رأى النبي صلى
اللّه عليه وسلم هل المراد رآه في حال نبوته او أهم من ذلك حتى يدخل من
رآه قبل النبوة ومات قبل النبوة على دين الحنيفية ذكرياء بن عمرو بن
نفيل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم انه يبعث أمة وحده وقد
ذكره في الصحابة أبو عبد الله بن منده وكذلك لو راه قبل النبوة ثم غاب عنه
وعاش الى بعد زمن البعثة وأسلم ثم مات ولم يره ولم أر من تعرض لذلك
ويدل على ان المراد من رآه بعد نبوته انهم ترجموا في الصحابة لمن ولد للنبي
صلى الله عليه وسلم بعد النبوة كابراهيم وعبد الله ولم يترجموا لمن ولد قبل النبوة
ومات قبلها كالقاسم وكذلك ايضا ما المراد بقولهم من رءاه هل المراد رؤيته له
مع تمييزه وعقله حتى لا يدخل الاطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز ولا
من رءاه وهو لا يعقل او المراد أعم من ذلك ويدل على اعتبار التمييز مع الرؤية
ما قاله شيخنا الحافظ أبو سعيد بن العلاءي في كتاب المراسيل في ترجمة عبد الله
وخرج بقبل وفاته من رآه بعدها وبالمسلم الكافر ولو أسلم بعد وبالمميز غيره
وان رآه كعبيد الله بن عدي بن الخيار الذي احضر اليه غير مميز ( وقيل ) انما
يكون من ذكر صحابيا ( ان طالت ) عرف صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم
والتحق بالكفار الى يوم فتح مكة فاستجار بعثمان شهد فتح مصر وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو
ابن العاص وله مواقف محمودة في الفتوح مات سنة ٣٦.

٧
شرحا الفية العراقي
ابن الحرث بن نوفل حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له ولا صحبة له بل
ولا رؤية ايضاً وحديثه مرسل قطعاً وكذلك قال في ترجمة عبد الله بن أبي طلحة
الانصاري حنكه ودعا له ولا تعرف له رؤية بل هو تابعي وحديثه مرسل والقول
الثاني انه من طالت صحبته له وكثرت مجالسته على طريق التبع له والاخذ عنه
حكاه أبو المظفر السمعاني عن الاصوليين وقال ان اسم الصحابي يقع على ذلك
من حيث اللغة والظاهر قال واصحاب الحديث يطلقون اسم الصحبة علی کل
من روی عنه حديثاً أو كلمة ویتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة
قال وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا كل من رآه حكم
الصحبة هكذا حكاه أبو المظفر السمعاني عن الاصوليين وهو قول لبعضهم
حكاه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما وبه جزم ابن الصباغ في العدة فقال
الصحابي هو الذي لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأقام عنده واتبعه فاما من
وفد عليه وانصرف عنه من غير مصاحبة ومتابعة فلا ينصرف اليه هذا الاسم
وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني لا خلاف بين أهل اللغة ان
الصحابي مشتق من الصحبة وانه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص بل هو جار
على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً يقال صحبت فلاناً حولاً ودهراً وسنة
وشهراً ويوماً وساعة قال وذلك يوجب في حكم اللغة اجراءها على من صحب
النبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم ومع
ذلك فقد تقرر للايمة عرف في انهم لا يستعملون هذه التسمية الا فیمن کثرت
صحبته واتصل لقاؤه ولا يجرون ذلك على من لقي المرء ساعة ومشى معه خطا
وسمع منه حديثاً فوجب لذلك الا يجري هذا الاسم في عرف الاستعمال(١)
وكثرت مجالسته له على طريق التبع والأخذ عنه وبه جزم ابن الصباغ في العدة
( و) هذا القول ( لم يثبت ) بضم التحتية وتشديد الموحدة المفتوحة أي لم
(١) وقع في النسخة التي عليها خط المؤلف ((في عرف اللغة)) بدل ((الاستعمال)) وهو غلط
ظاهر ..

٨
شرحا الفية العراقي
الاعلى من هذه حاله وقال الآمدي الاشبه ان الصحابي من رآه وحكاه عن احمد
بن حنبل واكثر أصحابنا واختاره ابن الحاجب ايضاً لان الصحبة تعم القليل
والكثير نعم في كلام أبي زرعة الرازي وأبي داود ما يقتضي ان الصحبة أخص
من الرؤية فانهما قالا في طارق بن شهاب له رؤية وليست له صحبة وكذلك ما
رويناه عن عاصم الأحول قال قد رأى عبد الله بن سرجس النبي صلى الله عليه
وسلم غير انه لم تكن له صحبة ويدل على ذلك ايضاً ما رواه محمد بن سعد في
الطبقات عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني أتيت أنس بن مالك
فقلت أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قد
بقي قوم من الاعراب فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي انتهى قال ابن الصلاح
اسناده جید حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة والجواب عن ذلك انه أراد بیان
صحبة خاصة ليست لتلك الاعراب وكذا أراد أبو زرعة وأبو داود نفي الصحبة
الخاصة دون العامة وقولي ولم يثبت أي وليس هو الثبت الذي علیه العمل عند
أهل الحديث والاصول والقول الثالث وهو ما روي عن سعيد بن المسيب انه
كان لا يعد الصحابي الا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو
سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين قال ابن الصلاح وكأن المراد بهذا ان صح عنه
راجع الى المحكي عن الاصوليين ولكن في عبارته ضيق يوجب الا يعد من
الصحابة جرير بن عبد الله البجلي ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم
ممن لا نعلم خلافاً في عده من الصحابة قلت ولا يصح هذا عن ابن المسيب ففي
يقو عند المحدثين والأصوليين ( وقيل ) انما يكون صحابيا ( من أقام ) مع
النبي صلى الله عليه وسلم (عاما ) أو أكثر (وغزا معه ) غزوة أو اكثر (وذا )
القول ( لابن المسيب ) سعيد بكسر الياء وفتحها وهو الأشهر والأول أولی لما
نقل عنه انه كان يكره الفتح ويقول سيب الله من سيبني ( عزى ) اي ابن
الصلاح متوقفا في صحته عنه قال الشارح ولا يصح عنه ففي الاسناد اليه محمد

٩
شرحا الفية العراقي
الاسناد اليه محمد بن عمر الواقدي ضعيف في الحديث والقول الرابع انه يشترط
مع طول الصحبة الاخذ عنه حكاه الآمدي عن عمرو بن يحيى فقال ذهب الى
ان هذا الاسم انما يسمى به من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وأخذ
عنه العلم وحكاه ابن الحاجب ايضاً قولاً ولم يعزه لعمرو بن يحيي ولكن أبدل
الرواية بـ لاخذ عنه وبينهما فرق وعمرو هذا الظاهر انه الجاحظ فقد ذكر
الشيخ أبو اسحاق في اللمع ان أباه اسمه يحيى وذلك وهم وانما هو عمرو بن
بحر أبو عثمان الجاحظ من أيمة المعتزلة قال فيه ثعلب انه غير ثقة ولا مأمون ولم
أر هذا القول لغير عمر وهذا وكان ابن الحاجب أخذ هذا القول من كلام
الآمدي ولذلك أسقطته من الخلاف في حد الصحابي تبعاً لابن الصلاح والقول
الخامس انه من رآه مسلماً بالغاً عاقلا حكاه الواقدي عن أهل العلم فقال رأيت
أهل العلم يقولون كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أدرك الحلم
فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي صلى الله عليه
وسلم ولو ساعة من نهار انتهى والتقييد بالبلوغ شاذ والقول السادس انه من
ابن عمر الواقدي(١) ضعيف في الحديث وقيل الصحابي من رآه مسلما بالغا عاقلا
(١) الواقدي : أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي الاسلمي المدني القاضي قال الخطيب فيه ولى
قضاء الجانب الشرقي وهو ممن طبق الأرض ذكاؤه وكان جواداً كريماً مشهوراً بالسخاء هـ وهذا الرجل
اختلف فيه من الثقة التامة الى الوضع والكذب قال الامام البخاري الواقدي مدني سكن بغداد متروك
الحديث تركه الامام احمد وابن المبارك وابن نمير واسماعيل بن زكرياء وقال معاوية ابن صالح قال لي أحمد بن
حنبل الواقدي كذاب وقال كاتبه ابن سعد كان عالماً بالمغازي والسير والفتوح واختلاف الناس في الحديث
واجتماعهم هـ ووثقه آخرون مع تلميذه ابن سعد والذي نختم به ترجمته ما قاله الإمام النووي عنه في
كتاب الغسل الواقدي ضعيف باتفاقهم وقال الذهبي في الميزان استقر الاجماع على وهن الواقدي هـ ولاً.
المأمون القضاء بالعسكر فلم يزل قاضياً حتى مات سنة ٢٠٧ .

١٠
شرحا الفية العراقي
أدرك زمانه صلی الله علیه وسلم وهو مسلم وان لم يره وهو قول یحیی بن عثمان
ابن صالح المصري فانه قال وممن دفن أي بمصر من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ممن أدركه ولم يسمع منه أبو تميم الجيشاني واسمه عبد الله بن مالك
انتهى وانما هاجر أبو تميم الى المدينة في خلافة عمر باتفاق أهل السير وممن حكى
هذا القول من الاصوليين القرافي في شرح التنقيح وكذلك ان كان صغيراً
محكوماً باسلامه تبعاً لاحد أبويه وعلى هذا عمل ابن عبد البر في الاستيعاب
وابن منده في معرفة الصحابة وقد بين ابن عبد البر في ترجمة الاحنف بن قيس
ان ذلك شرطه وقال ابن عبد البر في مقدمة كتابه وبهذا كله يستكمل القرن
الذي أشار اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قاله عبد الله بن أبي أوفى
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد بذلك تفسير القرن قلت وانما هو
قول زرارة بن أوفى من التابعين القرن مائة وعشرون سنة وهكذا رواه هو قبل
ذلك باربع ورقات كل ذلك في مقدمة الاستيعاب وقد اختلف أهل اللغة في مدة
القرن فقال الجوهري هو ثمانون سنة قال ويقال ثلاثون وحكى صاحب المحكم
فيه ستة أقوال قیل عشر سنين وقيل عشرون وقيل ثلاثون وقيل ستون وقيل
سبعون وقيل أربعون قال وهو مقدار أهل التوسط في اعمار أهل الزمان فالقرن
في كل قوم على مقدار اعمارهم فعلى هذا يكون ما بين الستين والسبعين كما رواه
الترمذي في الحديث المرفوع أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وأما ابتداء قرنه
صلى الله عليه وسلم فالظاهر انه من حين البعثة أو من حين فشو الاسلام فعلى
قول زرارة بن أوفى قد استوعب القرن جميع من رآه وقد روى ابن منده في
الصحابة من حديث عبد الله بن يسر مرفوعا القرن مائة سنة .
وقيل من أدرك زمانه وهو مسلم وان لم يره ثم بين ما تعرف به الصحبة فقال
١

١١
شرحا الفية العراقي
تواتر أو قول صاحب ولو
وتعرف الصحبة باشتهار أو
وهم عدول قيل لا من دخلا
قد ادعاها وهو عدل قبلا
أنس بن عمر الصديقة
في فتنة والمكثرون ستة
اكثرهم والبحر في الحقيقة
البحر جابر أبو هريرة
وابن الزبير وابن عمرو قد جری
اكثر فتوى وهو ابن عمرا
ليس ابن مسعود ولا من شاكله
عليهم بالشهرة العبادلة
في الفقه اتباع يرون قولهم
وهو وزيد وابن عباس لهم
هذه الابيات تجمع ست مسائل الاولى فيما تعرف به الصحبة وذلك إما
بالتواتر كابي بكر وعمر وبقية العشرة في خلق منهم وإما بالاستفاضة والشهرة
القاصرة عن التواتر كعكاشة بن محصن وضمام بن ثعلبة وغيرهما وأما باخبار
( وتعرف الصحبة ) اما ( باشتهار ) بها قاصر عن التواتر ويسمى استفاضة
على رأي كعكاشة بن محصن(١) وضمام بن ثعلبة ( أو ) بالدرج ( تواتر ) بها
كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ( أو قول ) أي أخبار ( صاحب ) أخبر بها
صريحا كقوله فلان له صحبة أو ضمنا كقوله كنت أنا وفلان عند النبي صلى الله
(١) عكاشة بن محصن : بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها أيضاً من السابقين الأولين وشهد
بدراً وقع ذكره في الصحيحين في حديث ابن عباس في السبعين الفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال
عكاشة ادع الله أن يجعلني منهم قال انت منهم فقام آخر فقال سبقك بها عكاشة وقد ضرب بها المثل يقال
للسبق في الامر سبقك بها عكاشة قيل استشهد في قتال أهل الردة قتله طليحة بن خويلد الذي تنبأ وجزم
ابن العماد بوفاته سنة ١١ .

١٢
شرحا الفية العراقي
بعض الصحابة عنه انه صحابي كحممة بن أبي حممة الدوسي الذي مات
باصبهان مبطوناً فشهد له أبو موسى الاشعري انه سمع النبي صلى الله عليه
وسلم حكم له بالشهادة ذكر ذلك أبو نعيم في تاريخ اصبهان وروينا قصته في
مسند أبي داود الطيالسي ومعجم الطبراني على انه يجوز ان یکون أبو موسى انما
أراد بذلك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتله بطنه وفي عمومهم حممة لا
انه سماه باسمه والله أعلم وإما باخباره عن نفسه انه صحابي بعد ثبوت عدالته
قبل اخباره بذلك هكذا اطلق ابن الصلاح تبعاً للخطيب فانه قال في الكفاية
وقد يحكم بانه صحابي اذا كان ثقة أميناً مقبول القول اذا قال صحبت النبي
صلى الله عليه وسلم وكثر لقائي له فيحكم بانه صحابي في الظاهر لموضع عدالته
وقبول خبره وان لم نقطع بذلك كما نعمل بروايته هكذا ذكره في آخر كلام
القاضي أبي بكر والظاهر ان هذا كلام القاضي قلت ولا بد من تقييد ما أطلق
من ذلك بان يكون ادعاؤه لذلك يقتضيه الظاهر أما لو ادعاه بعد مضي مائة سنة
من حین وفاته صلی الله عليه وسلم فانه لا يقبل وان كانت قد ثبتت عدالته قبل
ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ((أرايتكم ليلتكم هذه فانه
على رأس مائة سنة لا يبقى أحد ممن على وجه الارض يريد انحرام ذلك القرن))
قال ذلك في سنة وفاته صلى الله عليه وسلم وهذا واضح جلي وقد اشترط
عليه وسلم وقد علم اسلام فلان في تلك الحالة وكذا تعرف بقول آحاد ثقات
التابعين ( ولو قد ادعاها ) أي الصحبة بنفسه ( وهو ) قبل دعواه ایاها ( عدل
قبلا ) قوله لأن مقامه بمنعه الكذب قال الناظم ولا بد من أن یکون ما ادعاه مما
يقتضيه الظاهر أما لو ادعاه بعد مضي مائة سنة من حين وفاته صلى الله عليه
وسلم فانه لا يقبل وان ثبتت عدالته قبل ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الخبر
الصحيح ((أرأيتكم ليلتكم هذه فانه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه
الأرض ممن هو اليوم عليها أحد)) قاله في سنة وفاته قال وقد اشترط الأصوليون
في قبول ذلك منه معرفة معاصرته للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل لا يقبل قوله

١٣
شرحا الفية العراقي
الاصولیون في قبول ذلك منه ان يكون قد عرفت معاصرته للنبي صلى الله عليه
وسلم قال الآمدي فلو قال من عاصره أنا صحابي مع اسلامه وعدالته فالظاهر
صدقه وحکاهما ابن الحاجب احتمالین من غیر ترجیح قال ویحتمل ان لا يصدق
لكونه متهماً بدعوى رتبة يثبتها لنفسه الثانية الصحابة كلهم عدول لقوله تعالى
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وهذا خطاب مع
الموجودين حينئذ ولقوله تعالى ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ قيل ان
المفسرين اتفقوا على انه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد
الخدري)) لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما
ادرك مداحدهم ولا نصيفه)» ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على
صحته ايضاً من حديث ابن مسعود خير الناس قربى وقد سبق تفسير القرن في
أول هذه الترجمة ولغير ذلك من الاحاديث الصحيحة ولاجماع من يعتد به في
الاجماع من الايمة على ذلك ثم ان جميع الامة مجمعة على تعديل من لم يلابس
بذلك لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه ثم بين مرتبتهم فقال ( وهم )
كلهم باتفاق أهل السنة على ما حكاه ابن عبد البر ( عدول ) وان دخلوا في
الفتنة نظرا الى ما اشتهر عنهم من المآثر الجميلة ولقوله تعالى ﴿ كنتم خير أمة
أخرجت للناس ﴾ وقوله ﴿ كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على
الناس﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم ((لا تسبوا صحابي فوالذي نفسي بيده لو
أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) رواه الشيخان وقوله
عليه الصلاة والسلام ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم
فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم ومن اذاهم فقد اذاني ومن
آذاني فقد آذی الله ومن آذی الله فیوشك ان یأخذه» ر واه الترمذي وابن حبان في
صحيحه ( وقيل لا ) يحكم بعدالة ( من دخلا ) منهم ( في فتنة ) وقعت من

١٤
شرحا الفية العراقي
الفتن منهم وأما من لابس الفتن منهم وذلك من حين مقتل عثمان فاجمع من
يعتد به ايضاً في الاجماع على تعديلهم إحساناً للظن بهم وحملاً لهم في ذلك على
الاجتهاد هكذا حكى ابن الصلاح اجماع الامة على تعديل من لم يلابس الفتن
منهم وفيه نظر فقد حکی الآمدي وابن الحاجب قولاً في انهم کغيرهم في لزوم
البحث عن عدالتهم مطلقاً وقولاً آخر انهم عدول الى وقوع الفتن فاما بعد ذلك
فلا بد من البحث عمن ليس ظاهر العدالة وذهبت المعتزلة الى فسق من قاتل
علياً منهم وقيل يرد الداخلون في الفتن كلهم لان احد الفريقين فاسق من غير
تعيين وقيل يقبل الداخل فيها اذا انفرد لان الاصل العدالة وشككنا في فسقه ولا
يقبل مع مخالفه لتحقق فسق أحدهما من غير تعیین والذي علیه الجمهور كما قال
الآمدي وابن الحاجب انهم عدول كلهم ايضاً مطلقاً وقال الآمدي انه المختار
وحكى ابن عبد البر في الاستيعاب اجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل
السنة والجماعة على ان الصحابة كلهم عدول الثالثة المكثرون من الصحابة عن
النبي صلى الله عليه وسلم ستة أنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعائشة
الصديقة بنت أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وهو البحر وجابر بن
حين مقتل عثمان كالجمل وصفين الا بعد البحث عنها لأن أحد الفريقين فاسق
وقيل يقبل الداخل فيها اذا انفرد لأن الأصل العدالة وشككنا في ضدها ولا يقبل
مع مخالفه لتحقق ابطال أحدهما من غير تعيين وقيل القول بالعدالة مختص بمن
اشتهر منهم ومن عداهم كسائر الناس والصحيح الأول تحسينا للظن بهم وحملا
لمن دخل في الفتنة على الاجتهاد ولا التفات الى ما يذكره أهل السير فان أكثره لم
يصح وما صح فله تأويل صحيح وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله
تلك دماء طهر الله سيوفنا منها فلا نخضب بها السنتنا .

١٥
شرحا الفية العراقي
عبدالله وأبو هريرة وأكثر الستة حديثاً أبو هريرة قال ذلك احمد بن حنبل وأشرت
الى كون أبي هريرة أكثرهم حديثاً بقولي اكثرهم ولم يتعرض ابن الصلاح
لترتيب من بعد أبي هريرة في الاكثرية وبعضهم مقارب لبعض والذي يدل عليه
کلام بقي بن مخلد ان أكثرهم أبو هريرة روی خمسة آلاف حديث وثلاثمائة
واربعة وسبعين حديثاً ثم ابن عمر روى الفي حديث وستمائة وثلاثين ثم أنس
روى الفين ومائتين وستة وثمانين ثم عائشة روت الفين ومائتين وعشرة ثم ابن
عباس روى الفا وستمائة وستين حديثاً ثم جابر روى الفاً وخمسمائة وأربعين
قال ابن الأنباري(١) وليس المراد بعد التهم ثبوت عصمتهم واستحالة
المعصية منهم بل قبول رواياتهم من غير بحث عن عدالتهم وطلب تزكيتهم ثم
بين المكثرين منهم رواية وفتوى فقال ( والمكثرون ) منهم رواية وهم من زاد
حديثهم على ألف ( ستة ) وهم ( أنس ) هو ابن مالك و ( ابن عمر )
عبد الله وعائشة ( الصديقة ) بنت الصديق ( والبحر ) عبد الله بن عباس
سمى بحراً لسعة علمه ( وجابر ) هو ابن عبد الله ( وأبو هريرة ) وهو
( أكثرهم ) أي الستة رواية لأنه روى خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة
وسبعین حدیثا ثم ابن عمر لأنه روی الفین وستمائة وثلاثین ثم أنس لأنه روی
الفين ومائتين وستة وثمانين ثم عائشة لأنها روت الفين ومائتين وعشرة ثم ابن
عباس لأنه روى الفا وستمائة ثم جابر لأنه روى الفا وخمسمائة وأربعين وزاد
الناظم سابعا وهو أبو سعيد الخدري لأنه روى الفا ومائة وسبعين وانما كان أبو
هريرة أكثرهم لقوله كما في الصحيحين قلت يا رسول الله أني اسمع منك حديثا
(١) ابن الانباري : أبو بكر محمد بن القاسم النحوي الحافظ شيخ الاسلام سمع أبا العباس
الكديمي واسماعيل القاضي وأحمد بن الهيثم البزار وطبقتهم صنف التصانيف الكثيرة ويروي باسانیده
ويملي من حفظه وكان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين صنف في القراءات والغريب
والوقف والمشكل مات ليلة عيد النحر ببغداد سنة ٣٢٨ .

١٦
شرحا الفية العراقي
حديثاً وليس في الصحابة من يزيد حديثه على الف الا هؤلاء وأبو سعيد الخدري
فانه روى الفاً ومائة وسبعين حديثاً الرابعة أكثر الصحابة فتوى عبد الله بن
عباس قاله احمد بن حنبل ايضاً الخامسة في بيان العبادلة من الصحابة وقيل
لاحمد بن حنبل من العبادلة فقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر
وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو قيل له فأين ابن مسعود قال لا ليس من
العبادلة قال البيهقي وهذا لانه تقدم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم
فاذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة وقولي وهو وابن عمر الضمير عائد
على البحر وهو ابن عباس لانه أقرب مذكور وما ذكر من ان العبادلة هم هؤلاء
الاربعة هو المشهور بين أهل الحديث وغيرهم واقتصر صاحب الصحاح على
ثلاثة واسقط ابن الزبير واما ما حكاه النووي في التهذيب ان الجوهري ذكر
فيهم ابن مسعود وأسقط ابن العاصي فوهم نعم وقع في كلام الزمخشري في
المفصل ان العبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وكذا قال الرافعي في
الشرح الكبير في الديات وغلط في ذلك من حيث الاصطلاح قال ابن الصلاح
ويلتحق بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسلمين بعبد الله من الصحابة وهم
کثیرا أنساه قال ابسط رداءك فبسطته فغرف بیدیه ثم قال ضمه فما نسيت شيئا
بعد والمكثرون منهم فتوى سبعة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس
وزيد بن ثابت وعائشة ( والبحر ) ابن عباس (في الحقيقة اكثر ) الصحابة
فتوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بقوله اللهم علمه الكتاب وفي لفظ
اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وفي آخر اللهم علمه الحكمة وتأويل
الكتاب ثم بين العبادلة منهم فقال( وهو ) أي البحر عبد الله بن عباس ( وابن
عمرا ) عبد الله ( وابن الزبير ) عبد الله ( وابن عمرو ) بن العاصي عبد الله
( قد جرى عليهم بالشهرة العبادلة ) و( ليس ) من جرى عليه ذلك معهم
( ابن مسعود ) عبد الله لتقدم موته عليهم (ولا من شاكله ) في التسمية
بعبد الله فاذا اجتمعت الأربعة على شيء قيل هذا قول العبادلة وبعضهم زاد

١٧
شرحا الفية العراقي
نحو مائتين وعشرين نفساً أي فلا يسمون العبادلة اصطلاحاً والى ذلك أشرت
بقولي ولا من شاكله اي ولا من أشبه ابن مسعود في التسمية بعبد الله وقول ابن
الصلاح انهم نحو مائتين وعشرين كأنه أخذه من الاستيعاب لابن عبد البر فانه
عد ممن اسمه عبد الله مائتين وثلاثين وفيهم من كرره للاختلاف في اسم ابيه أو
في اسمه هو ومنهم من لم يصح له صحبة ومنهم من لم يره وانما ذكره لمعاصرته
على قاعدته وذلك فوق العشرة فبقي نحو مائتين وعشرین کما ذکر ولکن قد ذکر
الحافظ أبو بكر بن فتحون فيما ذيله على الاستيعاب مائة واربعة وستين رجلاً
زيادة على ذلك وفيهم ايضاً من عاصره ولم يره ومن كرره للاختلاف في اسمه
ايضاً أو اسم ابيه ومن لم تصح صحبته ولكن يجتمع من المجموع نحو ثلاثمائة
رجل السادسة في بيان من كان له من الصحابة اتباع يقولون برأيه قال ابن
المديني لم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد له أصحاب
يقولون بقوله في الفقه الا ثلاثة عبد الله بن مسعود وزید بن ثابت وابن عباس
كان لكل رجل منهم أصحاب يقومون بقوله ويفتون الناس انتهى فقولي في
البيت وهو أي ابن مسعود .
ستة أصحاب كبار نبلا
وقال مسروق انتهى العلم الى
عمر عبد الله مع علي
زيد أبي الدرداء مع أبي
الاشعري عن أبي الدردا بدل
ثم انتهى لذين والبعض جعل
عليهم وبعضهم نقص منهم ثم بين من كان له من الصحابة أتباع وأصحاب
يقولون برأيه فقال ( وهو ) أي ابن مسعود ( وزيد ) هو ابن ثابت ( وابن
عباس لهم ) دون غيرهم من الصحابة ( في الفقه اتباع يرون ) في علمهم
وفتياهم ( قولهم ) ثم بين الذين انتهى اليهم العلم من أكابر الصحابة.

١٨
شرحا الفية العراقي
في هذه الابيات بيان الذين انتهى اليهم العلم من أكابر الصحابة وقد
ذكر ذلك مسروق والشعبي فقال مسروق وجدت علم أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم انتهى الى ستة عمر وعلي وأبي وزيد وأبي الدرداء
وعبد الله بن مسعود ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين علي وعبد الله فقولي
ثم انتهى لذين أي للأخيرين وهما علي وعبد الله وقد روى مطرف عن الشعبي
عن مسروق نحوه الا انه ذكر أبو موسى الاشعري بدل أبي الدرداء قلت زيد بن
فقال (وقال مسروق ) بن الأجداع الكوفي(١) ( انتهى العلم ) أي وصل علم
الصحابة ( الى ستة ) انفس ( أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ايضا (كبار
نبلا ) أي فضلاء ( زيد) هو ابن ثابت و ( أبي الدرداء) عويمر(٢) (مع
أبي ) بن كعب و( عمر ) بن الخطاب و(عبد الله ) بن مسعود (مع علي )
ابن أبي طالب ( ثم انتهى ) علم الستة ( لذين ) اي لعلي وابن مسعود وكذا
رواه بعضهم عن مسروق ( و) لكن ( البعض ) ممن رواه عنه ايضا وهو
الشعبى ( جعل ) أبا موسى ( الأشعري عن أبي الدردا ) بالقصر للوزن
(١) مسروق بن الاجدع الكوفي : أبو عائشة العابد الفقيه من أصحاب سيدنا عبد الله بن
مسعود الذين كانوا يعملون الناس السنة كان أعلم بالفتوى من شريح وكان شريح أعلم بالقضاء منه قال
علي بن المديني ما أقدم على مسروق من أصحاب عبد الله أحداً صلى خلف أبي بكر ولقي عمر وعلياً
وروى عنهم ولم يرو عن عثمان شيئاً وروى أيضاً عن معاذ بن جبل وحباب بن الارث وابن مسعود وأبي
ابن كعب والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت وروي عنه جماعة منهم ابن أخيه وأبو وائل وأبو الضحى
والشعبي وابراهيم النخعي وأبو اسحاق السبيعي وغيرهم توفي سنة ٦٣ .
(٢) أبو الدرداء عويمر: قال الحافظ بن حجر مشهور بكنيته وباسمه جميعاً اسلم يوم بدر وشهد
أحداً وابلى فيها وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الفارس عويمر وقال هو حكيم أمتي روى
عن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت وعائشة وروى عنه ابنه وزوجته وجبير بن نفير وزيد بن
وهب وغيرهم توفي لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه .

١٩
شرحا الفية العراقي
ثابت وأبو موسى الاشعري كلاهما تأخرت وفاته بعد عبد الله بن مسعود وبعد
علي بن ابي طالب بلا خلاف فقول مسروق ان علم الستة انتهى لعبدالله وعلي
فيه نظر من هذا الوجه ولهذا عزوت هذه المقالة لمسروق ولم اطلقها لتكون
العهدة عليه ويصح أن يقال انتهى علمهم اليهما لكونهما ضما علمهم الى
علمهما وان تأخرت وفاة زيد وأبي موسى عن علي وابن مسعود والله أعلم وقال
الشعبي كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان عمر وعبد الله وزيد يشبه بعضهم بعضاً وكان يقتبس بعضهم من بعض
وكان علي والاشعري وأبي يشبه علم بعضهم بعضاً وكان يقتبس بعضهم من
بعض .
سبعون الفا بتبوك وحصر
والعد لا يحصرهم فقد ظهر
عن ذين مع اربع آلاف تنض
الحج اربعون الفا وقبض
حصر الصحابة رضي الله عنهم بالعد والاحصاء متعذر لتفرقهم في
البلدان والبوادي وقد روى البخاري في صحيحه ان كعب بن مالك قال في
( بدل ) بالوقف بلغة ربيعة ولا يقدح في انتهاء علم الستة الى علي وابن مسعود
تأخر وفاة كل من زيد وأبي موسى عنهما اذ لا مانع من انتهاء علم شخص الى
آخر مع بقاء الأول كما أفاده الناظم قال شيخنا ولأن عليا وابن مسعود كانا مع
مسروق بالكوفة فانتهى العلم اليهما بها بمعنى ان عمدة أهل الكوفة في معرفة
علم الصحابة عليهما ثم بين عدم انحصارهم فقال ( والعدد لا يحصرهم )
لتفرقهم في البلدان والنواحي ( فقد ) صح قول كعب بن مالك(١) في قصة تبوك
(١) كعب بن مالك: أبو عبد الله الانصاري السلمي ( بفتحتين ) شهد العقبة وبايع بها
وتخلف عن بدر وشهد احداً وما بعدها وتخلف في تبوك وهو احد الثلاثة الذين ثيب عليهم روى عن النبي
صلی الله عليه وسلم وعن أسد بن حضير روي عنه أولاده الخمس وسیدنا عبد الله بن عباس وجابر وأبو

٢٠
شرحا الفية العراقي
قصة تخلفه عن غزوة تبوك وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا
يحصرهم كتاب حافظ يعني الديوان ولكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده
كتبوك وحجة الوداع وعدة من قبض عنه من الصحابة عن أبي زرعة الرازي
على ما فيه من نظر فروينا عنه انه سئل عن عدة من روى عن النبي صلى الله
عليه وسلم فقال ومن يضبط هذا شهد معه حجة الوداع اربعون الفاً وشهد معه
تبوك سبعون الفاً وروينا عنه ايضاً انه قيل له اليس يقال حديث النبي صلى الله
عليه وسلم اربعة آلاف حديث قال ومن قال ذا قلقل الله انيابه هذا قول الزنادقة
ومن يحصى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن مائة الف واربعة عشر الفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع
منه وفي رواية ممن رآه وسمع منه فقيل له هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه قال
أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والاعراب ومن شهد معه حجة الوداع كل رآه
وسمع منه بعرفة وقولي عن ذين أي عن مقدار هذين العددين المذكورين وهما
سبعون ألفاً واربعون الفاً مع زيادة اربعة آلاف فذلك مائة الف واربعة عشر
الفاً كما تقدم بيانه وقولي تنض بكسر النون وتشديد الضاد أي تتيسر يقال خذ ما
نض لك من دين أي ما تيسر حکاه الجوهري والنض والناض وان کان انما يطلق
وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ أي ديوان و
( ظهر ) يعني شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم على ما روي عن أبي زرعة
الرازي ( سبعون الفا بتبوك ) قال ( وحضر ) معه ( الحج اربعون الفا
وقبض ) صلى الله عليه وسلم ( عن ذين ) أي الفريقين المذكورين في قصة
تبوك وحجة الوداع أي مقدارهما وهو مائة ألف وعشرة آلاف ( مع ) زيادة
(أربع آلاف) فذلك مائة ألف وأربعة عشر الفا ( تنض ) بكسر النون وتشديد
الضاد المعجمة أي تتيسر يقال خذ ما نض لك من دين أي تيسر حكاه الجوهري
أمامة الباهلي وغيرهم قال ابن حجر نقلاً عن البغوي بلغني انه مات بالشام في خلافة معاوية .