النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الجزءالثاني
-
(وهل يثاب) ويؤجر (قارئ الآثار) أي الأحاديث النبوية، وبالأولى الموقوفات وكذا
سامعها من غير قصد الحفظ ونحوه (كقارئ القرآن) أي كما يثاب قارئ القرآن من حيث
أصل الثواب، وإلا فثواب القرآن بكل حرف بخلاف غيره (خلف) بالضم، أي اختلاف،
مبتدأ سوغه کونه موصوفًا بمحذوف، أي بين العلماء، وقوله (جاري) خبره.
وحاصل معنى البيت: أنه جرى اختلاف بين العلماء في أن قارئ الحديث مجردًا يئاب
كقارئ القرآن أو لا؟
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن قراءة متونها لا يتعلق بها ثواب خاص لجواز روايتها
بالمعنى، واستظهره ابن العماد الأقفهسي، قال: وإذا كانت قراءته المجردة لا ثواب فيها لم
یکن في استماعه المجرد ثواب بالأولى.
وقال بعضهم: بالثواب على ذلك، واستوجهه المحقق ابن حجر الهيتمي، قال: لأن
سماعها لا يخلو من فائدة، ولو لم يكن إلا عود بركته على القارئ والمستمع .
وقلنا: مجردًا لأنه لو قصد بقراءته، أو سماعه، الحفظ، وتعلم الأحكام، والصلاة
على النبي وَلّ، واتصال السند لا خلاف في ثوابه.
(تتمة): الزيادات في هذا الباب: قوله: ((ثم استعمل مكارم الأخلاق))، وقوله: ((ومن
يفدك العلم)) .... البيت، وقوله: ((عاليه، وما انفرد))، وقوله: (للمقابله))، أو لذهاب فرعه
فعاد له))، وقوله: ((فليتعرف ضعفه، وصحته)) إلى آخر البيتين، وقوله: ((كهذه)) وقوله:
((ورأوا جواز كتم عن خلاف الأهل، أو من ينكر الصواب إن يذكَّر))، وقوله: ((وإنه فرض
على الكفايه)). وقوله: ((يبدأ بالأسبق)) .... البيت. وقوله: ((الأطراف)). وقوله: ((وهل
يثاب قارئ الآثار))، البيت. والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب.
ولما أنهى الكلام على آداب طالب الحديث أتبعه بذكر العالي والنازل تنشيطًا له إلى
طالب العلو .
والمناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر في السابق من جملة آداب الطالب طلب العلو،
حيث قال:
مِنْ أهلِ مِصْرِكَ الَعِلِيِّ فَالْعَلِي
قال رحمه الله تعالی:
ثم حَصِّلٍ

١٤٢
شَرْجُ الفِيدُ السَّيُوطِيّ -
العالي والنازل
٦٠٧ - (قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَاد
وَهَّوَّ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَاد)
٦٠٨ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ
يُفَضِّلُ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ (*)
العالي والنازل
أي هذا مبحث أقسام العالي والنازل من السند، وبيان أفضلهما، وما يلتحق بذلك من
بيان الموافقة، والبدل، والمصافحة، والمساواة وهما من صفات الإسناد فقط.
وهو النوع الثالث والأربعون من أنواع علوم الحديث. قال رحمه الله تعالى:
وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَاد
قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ
(قد خصت) بالبناء للمفعول (الأمة) المحمدية (بالإسناد) المتصل إلى نبيها وَل﴾ .
والمعنى: أن الله تعالى اختص هذه الأمة بإسناد الأحاديث إلى النبي ◌َّخلو من بين سائر
الأمم.
قال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله أكرم هذه الأمة، وشرفها، وفضلها بالإِسناد،
وليس لأحد من الأم كلها قديمها وحديثها إسناد إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا
بكتبه أخبارهم، فليس عندهم تمييز بن ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم
من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات (وهو) أي الإِسناد (من) جملة أمور (الدين) وسنة
بالغة من سننه المؤكدة (بلا ترداد) أي من غير تردد وشك في ذلك، وفي ((صحيح مسلم))
قال عبد الله بن المبارك: الإِسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، وقال سفيان بن عيينة: حدث الزهري
يومًا بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم.
يُفَضِّلُ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ
وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خصت الأمة الإسلامية بالأسانيد والمحافظة عليها، حفظًا للوارد من دينها
عن رسول الله عزَّم، وليست هذه الميزة عند أحد من الأمم السابقة.
وقد عقد الإمام الحافظ ابن حزم في الملل والنحل (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤) فصلاً جيدًا في وجوه النقل عند
المسلمين، فذكر المتواتر، كالقرآن وما علم من الدين بالضرورة، ثم ذكر المشهور، نحو كثير من المعجزات
ومناسك الحج ومقادير الزكاة وغير ذلك، مما يخفي على العامة، وإنما يعرف كواف أهل العلم فقط. ثم قال:
((ليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء أصلاً، لأنه يقطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي =

١٤٣
الجُزءُ الثّاني
(وطلب العلو) مبتدأ خبره قوله (سنة) نبوية، وقيل: سلفية، والأول: أولى، أي
طلب الإِنسان علة الإسناد الذي هو قلة الوسائط في السند، أو في السماع، أو الوفاة كما
يأتي سنة مأثورة عن النبي ◌ُّ فيه حديث أنس رضي الله عنه في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى
النبي ◌ُّلا يسمع منه مشافهة ما سلف سماعه له من رسوله إليهم، إذ لو كان العلو غير
مستحب لأنکر علیه ټ سؤاله عما أخبر به رسوله عنه، وترك(١) اقتصاره على إخباره له.
وقد رحل فيه العلماء قديمًا وحديثًا إلى الأقطار البعيدة طلبًا للعلو.
= ذكرنا قبل - يعني: التواتر - من إطباقهم على الكفر الدهور الطوال، وعدم إيصال الكافه إلى عيسى عليه
السلام)».
ثم قال: ((والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ◌ِيَّام، يخبر كل واحد منهم باسم
الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجىء
فإنه منقول نقل الكواف: إما إلى رسول الله عزّم من طرق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وإما إلى
الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن،
والحمد لله رب العالمين. وهذا نقل خصَّ الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضًّا
جديدًا على قديم الدهور، منذ أربعمائة وخمسين عامًا- هذا في عصره والآن ١٣٥٢ سنة - في المشرق
والمغرب، والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصى عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب
على تقييده من كان الناقد قريبًا منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين. فلا تفوتهم
زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقًا أن يقحم فيه كلمة موضوعة،
ولله تعالى الشكر. وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها، والحمد لله رب العالمين)).
ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع، وأن المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك ثم قال: ((ومن هذا النوع
كثير من نقل اليهود، بل هو أعلى ما عندهم، إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد
عد ◌َّيَّام، بل يقفون ولابد، حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصرًا في أزيد من ألف
وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون ومر عقيبًا وأمثالهم.
وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم أخذها عنه
مشافهة، في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم
الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من کذاب قد صح كذبه)).
وطلب العلو في الإسناد سنة عن الأئمة السالفين كما قال الإمام أحمد بن حنبل، ولهذا حرص العلماء على
الرحلة إليه واستحبوها وأخطأ من زعم أن النزول أفضل، ناظرًا إلى أن الإسناد کما زاد عدد رجاله زاد
الاجتهاد والبحث فيه. قال ابن الصلاح (ص ٢١٦) ((العلو يبعد الإسناد من الخلل؛ لأن كل رجل من رجاله
يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهواً أو عمدًا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات
الخلل. وهذا جلي واضح)).
(١) بالنصب عطفًا على سؤاله أي لأنكر عليه ترك اقتصاره .... إلخ.

١٤٤
شَرْع الْفِيَة الشَّيُوطِيّ -
٦٠٩ - وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا:
قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ أوْ
٦١٠ - بنسْبَة إِلَى كِتَاب مُعْتَمَدْ
يُنْزَلُ لَوْذَا مِنْ طَريقه وَرَدّ
٠
٠
(ومن) شرطية، أو موصولة (يفضل) مجزوم إن كانت شرطية، وتحرك لامها بالكسرة
لالتقاء الساكنين، أو مرفوع إن كانت موصولة، أي الذي يفضل (النزول) ضد العلو (عنه)
أي عن العلو، وهو بعض أهل النظر محتجًّا له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في
معرفة أحوال الرواة فيكثر الثواب فيه (ما) نافية (فطن) كفرح، ونصر، وكرم، فطنًا مثلثة،
وبالتحريك، وبضمتين، وفطونة، وفطانة، وفطانية: حذق. أفاده في ((ق)) والأنسب هنا
كونه كنصر، لئلا يلزم عيب السناد، وإن كان مغتفرًا للمولدين. والجملة جواب ((من))
بتقدير الفاء أو خبرها .
وحاصل المعنى: أن من فضل النزول على العلو فيما فهم المقصود من العلو، إذ
المقصود منه الصحة إذ قلة الوسائط يقل الخلل وكثرتها بالعكس.
وما علل به من كثرة الثواب لكثرة التعب في معرفة أحال الرواة غير سديد، إذ التعب
ليس مقصودًا لذاته بل المقصود من الرواية هو الصحة، وهي في قلة الوسائط أتم منها في
کثر تهم .
وشبهه العراقي بمن يقصد المسجد للجماعة فيسلك الطريق البعيد لتكثير الخُطا رغبةً في
كثرة الأجر، وإن أداه سلوكها إلى فوت الجماعة التي هي المقصودة(١).
قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ أوْ
وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا:
يُنْزَلُ لَوْذَا مَنْ طَرِيَقِهِ وُّرَدْ
بنسْبَةٍ إِلَى كِتَاب مُعْتَمَدْ
(وقسموه) أي قسم العلماء العلو وأول من قسمه أبو الفضل بن طاهر، وتبعه ابن
الصلاح وغيره (خمسة) بالنصب مفعول مطلق على النيابة أي تقسيمًا خمسة، لكن بين
كلامي المذكورين اختلاف في ماهية بعضها، وقوله (كما رأوا) الكاف للتعليل، أي إنما قسموه
خمسة لما استبان لهم مما يقتضي ذلك، ثم هي ترجع إلى علو مسافة، وهي قلة الوسائط،
وهي الثلاثة الأول، وإلى علو صفة، وهما الأخيران، أشار إلى الأول، وهو العلو المطلق
بقوله (قرب) خبر لمحذوف أي أولها قرب المحدث (إلى النبي) وَ لا من حيث العدد.
(١) شرح الألفية ج ٢ ص ٢٥٣.

١٤٥
- الجزء الثاني
٦١١ - فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِه: مُوَفَقَهْ
أَوْ شَيْخِ شَيْخِ: بَدَلُ، أَوْ وَفَقَهْ
٦١٢ - فِي عَدَدِ: فَهْوَ الْمُسَاوَةُ ، وَإِنْ
فَرْدًا يَزدْ: مُصَافَحَاتٌ، فَأسْتَبنْ
يعني: أن أول الأقسام، ويسمي علوًّا مطلقًا هو القرب من النبي ◌َلّ بالنظر لسائر
الأسانيد، أو لإِسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا العلو هو الأفضل إن صح
إسناده وإلا فلا اعتبار به.
وأشار إلى الثاني، وهو العلو النسبي بقوله: (أو) قرب إلى (إمام) من أئمة الحديث
ذي صفات علية من حفظ وفقه وضبط، كالأعمش، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة،
والثوري مع صحة الإسناد إليه أيضًا، وإنَ كُثرَ العدد بعدّه إلى النبي ◌َّ.
وأشار إلى الثالث، وهو علو نسبي أيضًا بقوله: (او) قرب مقيد (بنسبة إلى) رواية (كتاب
معتمد) كالكتب الستة، ونحوها من الكتب المعتبرة، وسماه ابن دقيق العيد علو التنزيل.
(ينزل) بالبناء للمفعول، أي ينسب إلى النزول، أو للفاعل أي ينزل الراوي (لو ذا) أي
هذا الحديث (من طريقه) أي طريق ذلك الكتاب متعلق بـ (ورد) أي نقل.
وحاصل المعنى: أننا لو روينا الحديث من طريق كتاب من تلك الكتب يقع أنزل مما لو
رويناه من غير طريقها، قال الحافظ العراقي رحمه الله: وقد يكون عاليًا مطلقًا أيضًا
كحديث ابن مسعود مرفوعًا: ((يوم كلم الله موسى عليه السلام كان عليه جبة صوف)) (١)
الحديث رواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن خلف بن خليفة، قال: فلو رويناه من
طريق الترمذي وقع بيننا وبين خلف تسعة، فإذا رويناه من جزء ابن عرفة وقع بيننا وبينه
سبعة بعلو درجتين، فهذا مع كونه علوًّا بالنسبة فهو أيضًا علو مطلق، ولا يقع اليوم لأحد
هذا الحديث أعلى من هذا. اهـ(٢).
ثم إن هذا النوع هو النوع الذي تقع فيه الموافقات، والأبدال، والمساواة والمصافحات،
وإليه أشار بقوله:
أَوْ شَيْخِ شَيْخِ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ
فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِه : مُوَافَقَهْ
فَرْدًا يَزِدْ : مُصَافَحَاتٌ، فَأَسْتَبِنْ
فِي عَدَّد: فَهْوَ الْمُّسَاوَةُ، وَإِنْ
(١) ضعيف جداً . انظر ضعيف الجامع الصغير للألباني.
(٢) شرح الألفية ج ٢ ص ٢٥٥ - ٢٥٦ .

١٤٦
شَرْعُ الفِيَّةُ السُُّوطِيّ -
(فإن يصل) الراوي (لشيخه) أي شيخ صاحب الكتاب، كشيخ أحد الأئمة الستة مثلاً
(موافقه) خبر لمحذوف مع الرابطة والجملة جواب ((إن)) أي فهو موافقة.
وحاصل المعنى: أن الراوي إذا روى حديثًا في أحد الكتب المذكورة بسند نفسه من غير
طريقها بحيث يجتمع مع صاحب الكتاب في شيخه مع علو هذا الطريق الذي رواه منه
على ما لو رواه من طريق صاحب الكتاب فهذا يسمى موافقة لاتفاقه مع صاحب الكتاب
في شيخه، قال الحافظ العراقي رحمه الله: مثاله: حديث رواه البخاري عن محمد بن
عبد الله الأنصاري، عن حميد، عن أنس، مرفوعًا: (( كتاب الله القصاص)) فإذا رويناه
من جزء الأنصاري تقع موافقة للبخاري في شيخه مع علو بدرجة.
(أو) يصل إلى (شيخ شيخ) لأحد الأئمة الستة مثلاً مع وجود العلو أيضًا (بدل)
بفتحتین خبر لمحذوف، أي فهو بدل أي یسمی به.
وحاصل المعنى: أنه إذا كانت الموافقة لشيخ شيخ أحد الأئمة الستة فهذا يسمى بدلاً .
· مثاله: حديث ابن مسعود الذي مر آنفًا، وسمي بدلاً لوقوعه من طريق راوٍ بدل الراوي
الذي روى عنه أحد الستة.
وقد يسمونه موافقة مقيدة، فيقال: هو موافقة في شيخ شيخ الترمذي مثلاً .
(تنبيه): تقييد الموافقة، والبدل بالعلو هو الذي ذكره ابن الصلاح، قال: ولو لم يكن
ذلك عاليًا فهو أيضًا موافقة وبدل لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم الالتفات
إليه. قال العراقي: وفي كلام غيره إطلاق ذلك مع عدم العلو فإن علا قالوا: موافقة
عالية، وبدل عالٍ. اهـ. باختصار (١).
(أو وافقه) أي وافق الراوي صاحب الكتاب (في عدد) أي عدد إسنادهما (فهو) أي
الوفاق المذکور (المساواة) أي یسمی بها .
وحاصل المعنى: أنه إذا كان بين الراوي وبين الصحابي، أو من قبل الصحابي إلى شيخ
أحد الستة كما بين أحد الستة وبين ذلك الصحابي، أو من قبله على ما ذكر أو يكون بينه
وبين النبي ول كما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي وَلّ من العدد فهو المساواة، وهي
مفقودة الآن، إلا بأن يكون عدد ما بين الراوي الآن وبين النبي ومؤ كعدد ما بين الستة وبين
النبي ◌َّ. قاله العراقي (٢).
(١) شرح الألفية ج ٢ ص ٢٥٨ .
(٢) المصدر السابق ج ٢ ص ٢٥٩ .

١٤٧
- الجزء الثاني
٦١٣ - وَقَدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسينَا
عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سوَى عِشْرِينَا
٠
قال السخاوي: والمساواة بالنسبة لأصحاب الكتب الستة، ومن في طبقتهم مفقودة
الآن، نعم يقع لنا ذلك مع من بعدهم كالبيهقي، والبغوي في ((شرح السنة))، ونحوهما،
بل قد وقعت لي المساواة مع بعض أصحاب الستة في مطلق العدد، لا في متن متحد،
وذلك أنه وقع بيني وبين النبي ◌َّر في بعض الأحاديث عشرة رواة، وكذا وقع للترمذي،
والنسائي حديث عشاري. اهـ. باختصار (١).
(وإن فردًا) أي راويًا واحدًا (يزيد) صاحب الكتاب (مصافحات) خبر لمحذوف مع
الرابطة، أي فهو مصافحات، وإنما جمعه لأنه يكون له، أو لشيخه، أو شيخ شيخه.
وحاصل المعنی أنه إن زاد أحد الستة مثلاً راویًا واحدًا على الراوي الذي وقع له ذلك
الحديث سمي مصافحة بمعنى أن الراوي كأنه لقي أحد الأئمة الستة وصافحه بذلك، ومع
كونه مصافحة له فهو مساواة لشيخه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخه كانت المصافحة
لشيخه، أو لشيخ شيخ شيخه كانت المصافحة لشيخ شيخه، وسمي مصافحة لجريان العادة
غالبًا بها بين المتلاقيين (فاستبن) أي اطلب بيان الأمر واتضاحه على الوجه الذي بيناه.
ولما أنهى الكلام على علو المساواة شرع يذكر علو الصفة، وهما النوعان الأخيران،
فذكر الأول، وهو القسم الرابع، فقال:
عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سوَى عِشْرِينَا
وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسینَا
(وقد الوفاة) خبر لمحذوف، أي رابعها قدم الوفاة، بكسر القاف، وفتح الدال، أي
تقدم موت الراوي عن شيخ على وفاة راوٍ آخر عن ذلك الشيخ.
مثاله: من سمع ((سنن أبي داود)) على الزكي عبد العظيم أعلى ممن سمعه على النجيب
الحراني، ومن سمعه على النجيب أعلى ممن سمعه على ابن خطيب المزة، والفخر بن
البخاري، وإن اشترك الأربعة في رواية الكتاب عن شيخ واحد، وهو ابن طبرزد، لتقدم
وفاة الزكي على النجيب، ووفاة النجيب على من بعده.
قال القاضي زكريا: وقضية ذلك أنه يكون أعلى إسنادًا سواء تقدم سماعه، أو
اقترن، أو تأخر؛ لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواة عنه بالنظر لمتأخر الوفاة، فيرغب في
تحصيل مرويه، لكن الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع له، أخذًا مما
(١) فتح ج ٣ ص ٣٤٩ .

١٤٨
شَرْع الْفِيَّةُ الشّيُوطِيُّ -
٦١٤ - وَقَدَمُ السَّمَاعِ . وَالنُّزُولُ
نَقيضُهُ، فَخَمْسَةً مَجْعُولُ (*)
يأتي في القسم الخامس.
ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ إلى شيخ، أما العلو لا
مع الالتفات لشيخ آخر، فقد اختلف في وقته وإليه أشار بقوله:
(أو خمسينًا) عطف على ((الوفاة)) أي تقدم خمسين (عامًا تقضت) بالضاد المعجمة، أي
انصرمت. اهـ ((ق)) وفي نسخة المحقق بالصاد المهملة أي بلغت نهايتها، وهو قريب من
معنى الأول، أي مضت تلك الخمسون من وقت وفاة الشيخ.
وحاصل المعنى: أن الذي تقدم كان بالنسبة لوفاة الراوي مع راوٍ آخر، وأما العلو الذي
يستفاد من مجرد وفاة الشيخ لا مع الالتفات لأمر آخر: فقد اختلفوا فيه، فقيل: مضى
خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وهذا قول الحافظ ابن جوصاء (١)، قال: إسناد خمسين
سنة من موت الشیخ إسناد علو .
(أو سوى) أي إلا (عشرينا) سنة أي من الخمسين، يعني: ثلاثين سنة من وفاة الشيخ،
وهذا للحافظ ابن منده، قال: إذا مرَّ على الإِسناد ثلاثون سنة فهو عالٍ .
قال ابن الصلاح: وهذا أوسع من الأول.
ثم ذكر ثاني أقسام علو الصفة وهو خامس الأقسام، فقال :
وَقِدَمُ السَّمَاعِ
(١) هو الحافظ أبو العباس أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصاء الدمشقي، شيخ الشام، كان من
أركان الحديث. اهـ. فتح المغيث ج ٣ ص ٣٥٧ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: العلو في الإسناد خمسة أقسام:
الأول - وهو أعظمها وأجلها -: القرب من رسول الله عَّيم بإسناد صحيح نظيف خال من الضعف.
بخلاف ما إذا كان مع ضعف فلا التفات إليه، لا سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادعى
سماعًا من الصحابة. قال الذهبي: ((متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء فاعلم أنه عامي)) قاله الناظم في
التدريب (ص ١٨٤).
وقد حرص العلماء على هذا النوع من العلو حتى غالى فيه بعضهم، كما يفهم من كلام الذهبي، وكما رأيناه
كثيرًا في كتب التراجم وغيرها وأعلى ما وقع للحافظ ابن حجر - وهو مسند الدنيا في عصره - أن جاء بينه
وبين النبي عل ◌ّم عشرة أنفس، ولذلك قد اختار من هذا النوع عشرة أحاديث في جزء صغير سماه (العشرة
العشارية) وقال في خطبته: ((إن هذا العدد هو أعلى ما يقع لعامة مشايخي الذين حملت عنهم، وقد جمعت
ذلك فقارب الألف من مسموعاتي منهم.
=

١٤٩
- الجزء الثاني
= وأما هذه الأحاديث فإنها وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح فقد تحريت فيها جهدي وانتقيتها من مجموع
ما عندي)».
وهذا الجزء نقلته بخطي منذ عشرين سنة عن نسخة مكتوبة في سنة ١١٨٩، ثم قابلته على نسخة عتيقة
مقروءة على المؤلف وعليها خطه، كتبت في رمضان سنة ٨٥٢ أي: قبل وفاة الحافظ بثلاثة أشهر تقريبًا .
وقد نقل الناظم في التدريب (ص ١٨٤) الحديث الأول منها من طريق آخر غير طريق ابن حجر، وقال:
((وأعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان - تُوفي السيوطي سنة ٩١١ - من الأحاديث الصحاح المتصلة
بالسماع ما بيننا وبين النبي ◌ِّم فيه اثنا عشر رجلاً - وذلك صحيح؛ لأن بين السيوطي وبين ابن حجر
شيخًا واحدًا، فهما اثنان زيادة على العشرة.
القسم الثاني: أن يكون الإسناد عاليًا للقرب من إمام من أئمة الحديث كالأعمش وابن جريج ومالك وشعبة
وغیرهم مع صح الإسناد إليه .
القسم الثالث: علو الإسناد بالنسبة إلى كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة، كالكتب الستة والموطأ ونحو ذلك.
وصورته: أن تأتي لحديث رواه البخاري مثلاً فترويه بإسنادك إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه وهكذا،
ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عددًا مما لو رويته من طريق البخاري. وهذا القسم جعلوه أنواعًا أربعة:
الأول: الموافقة: وصورتها: أن يكون مسلم - مثلاً - روى حديثًا عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر،
فترويه بإسناد آخر عن يحيى، بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسلم عنه.
والثاني: البدل أو الإبدال، وصورته في المثال السابق: أن ترويه بإسناد آخر عن مالك أو عن نافع أو عن ابن
عمرو، بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسلم عنه.
والثاني: البدل أو الإبدال، وصورته في المثال السابق: أن ترويه بإسناد آخر عن مالك أو عن نافع أو عن ابن
عمر، بعدد أقل أيضًا، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى الشيخ الذي يجتمع فيه إسنادك بإسناد مسلم،
كمالك أو نافع.
والثالث: المساواة وهي كما قال ابن حجر في شرح النخبة: ((كأن يروي النسائي مثلاً حديثًا يقع بينه وبين
النبي علَ ◌ّم فيه أحد عشر نفسًا فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبي عِنَّم يقع بيننا فيه وبين
النبي علّم أحد عشر نفسًا، فنساوي النسائي من حيث العدد، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد
الخاص)).
وقال ابن الصلاح (ص ٢١٩): ((أما المساواة فهي في أعصارنا أن يقل العدد في إسنادك، لا إلى شيخ مسلم
وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه -: بل إلى من هو أبعد من ذلك، كالصحابي أو من قاربه، وربما كان إلى
رسول الله عدّم، بحيث يقع بينك وبين الصحابي - مثلاً - من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين
ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساويًا لمسلم - مثلاً - في قرب الإسناد وعدد رجاله.
والرابع: المصافحة: قال ابن الصلاح: ((هي أن تقع هذه المساواة - التي وصفناها- لشيخك لا لك، فيقع ذلك
لك مصافحة، إذ تكون كأنك لقيت مسلمًا في ذلك الحديث وصافحته به، لكونك قد لقيت شيخك المساوي
لمسلم. فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، فتقول: كأن شيخي سمع مسلمًا
وصافحه- وهكذا .
=

١٥٠
شَرْخ الفِيدُ السيوطي
(وقدم السماع) خبر لمحذوف أيضًا، أي وخامسها على قدم السماع لأحد رواته بالنسبة
لراوٍ آخر اشترك معه في السماع عن شيخه، أو لراوٍ سمع من رفيق لشيخه، وذلك بأن
يكون سماع أحدهما من ستين مثلاً والآخر من أربعين، ويتساوى العدد إليهما، فالأول
أعلى سواء تقدمت وفاته على الآخر أم لا .
وهذا كما نبه عليه ابن الصلاح يقع التداخل بينه وبين القسم الذي قبله، ولذا جعلهما
ابن طاهر، ثم ابن دقيق العيد واحدًا، وزادا العلو إلى صاحبي ((الصحيحين))، ومصنفي
الكتب المشهورة، وجعله ابن طاهر قسمين: أحدهما: العلو إلى الشيخين، وأبي داود،
وأبي حاتم، ونحوهم، والآخر: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام، كابن أبي الدنيا،
والخطابي .
ولما أنهى الكلام على أقسام العلو شرع یذکر ضده، وهو النزول فقال:
نَقيضُهُ، فَخَمْسَةً مَجْعُولُ
، وَالنَّزُولُ
...
(والنزول) مبتدأ خبره (نقيضه) أي ضده (فخمسة) الفاء فصيحية، وخمسة بالنصب
= وهذان النوعان - المساواة والمصافحة - لا يمكنان في زماننا هذا - سنة ١٣٥٢ - ولا فيما قاربه من العصور
الماضية، لبعد الإسناد بالنسبة إلينا، وهو واضح. ثم إن هذين النوعين أيضًا - بالنسبة لمن قبلنا من القرن
الرابع فمن بعده إلى التاسع -: ليسا في الحقيقة من العلو، بل هما علو نسبي بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في
إسناده، قال ابن الصلاح (ص ٢٢٠): ((اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول إذ لولا نزول ذلك
الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك- ثم حكى عن أبي المظفر بن أبي سعد السمعاني أنه روى عن
الفراوي حديثًا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري، فقال أبو المظفر: ((ليس لك بعالٍ، ولكنه
للبخاري نازل !- قال ابن الصلاح: ((وهذا حسن لطيف، يخدش وجه هذا النوع من العلو)).
القسم الرابع من أقسام العلو: تقدم وفاة الشيخ الذي تروي عنه عن وفاة شيخ آخر وإن تساويا في عدد
الإسناد، قال النووي في التقريب: ((فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن
أبي بكر بن خلف عن الحاكم، لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف)).
وقد يكون العلو بتقدم وفاة شيخ الراوي مطلقًا، لا بالنسبة إلى إسناد آخر ولا إلى شيخ آخر. وهذا القسم
جعل بعضهم حد التقدم فيه مضي خمسين سنة على وفاة الشيخ، وجعله بعضهم ثلاثين سنة ..
القسم الخامس: العلو بتقدم السماع .... فمن سمع من الشيخ قديمًا كان أعلى ممن سمع منه أخيراً، كأن
يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة - مثلاً - والآخر منذ أربعين، فالأول
أعلى من الثاني. قال الناظم في التدريب (ص ١٨٧): ((ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف-
يعني: أن سماع من سمع قديمًا أرجح وأصح من سماع الآخر .
ثم إن النزول يقابل العلو، فكل إسناد عالٍ فالإسناد الآخر المقابل له إسناد نازل. وبذلك يكون النزول خمسة
أقسام أيضًا، كما هو ظاهر.

١٥١
- الجُزءُ الثّاني
٦١٥- وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ
لَكِنَّهُ عُلُوَّ مَعْنَى يَقْتَصِرْ
٦١٦ - وَلأبن حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ
مِنْ عَالِمٍ بَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
مفعول ثان لقوله: (مجعول) أي إذا عرفت أن النزول ضد العلو وأردت معرفة أقسامه،
فهو مجعول خمسة، أي جعل خمسة أقسام مثله، فما من قسم إلا وضده قسم من أقسام
النزول، فتفصيلها يدرك من تفصيل أقسام العلو المتقدم.
وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنِّى يَقْتَصرْ
(وإنما يذم) بالبناء للمفعول، أي إنما ذم العلماء النزول (ما) مصدرية ظرفية (لم ينجبر)
أي مدة عدم انجباره بصفة مرجحة.
والمعنى: أن العلماء ذموا النزول، قال علي بن المديني وغيره: إنه شؤم، وقال ابن
معين: إنه قرحة في الوجه، فهذا إذا لم ينجبر النزول بصفة مرجحة، كزيادة الثقة في رجاله
على العالي، أو كونهم أحفظ أو أضبط أو أفقه، أو كونه متصلاً بالسماع بخلاف العلو في
ذلك، فهذا نزول في الظاهر، وفي المعنى أنه علو مختار على العلو، كما أشار إليه بقوله:
(لكنه) أي هذا النزول المنجبر، والاستدراك مما يتوهم أنه لما كان مختارًا على العلو يثبت
له وصف العلو المطلق (علو معنى) أي من حيث المعنى (يقتصر) عليه لا يتعداه إلى الظاهر.
وحاصل المعنى: أن هذا النزول المنجبر بمرجح، نزول في الظاهر، علو في المعنى عند
المحققين، كما أشار إليه السلفي حيث يقول (من بحر الخفيف):
عند أرباب علمه النقاد
ليس حسن الحديث قرب رجال
والإتقان صحة الإسناد
بل علو الحديث بين أولي الحفظ
فاغتنمه فذاك أقصى المراد
وإذا ما تجمعا في حديث
ولبعضهم (من البسيط):
وترككم ذاكم ضرب من العنت
علم النزول اكتبوه فهو ينفعكم
أعلى لكم من علو غير ذي ثبت
إن النزول إذا ما كان عن ثبت
ثم ذكر تفصيلاً للإمام الحافظ محمد بن حبان البستي صاحب ((الصحيح))، وهو
تفصيل حسن، فقال:
مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
وَلأبن حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ

١٥٢
شَرِيعُ الفِيَة السَّيُطِيّ -
٦١٧ - فَإنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ
وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ (*)
وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ
فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ
(ولابن حبان) خبر مقدم، أي كائن للحافظ المتقن الحجة أبي حاتم محمد بن حبان
البستي صاحب ((الصحيح))، قوله (إذا دار السند) .. إلخ مبتدأ مؤخر لقصد لفظه، أي إذا
کان سند الحدیث دائراً (من) بين (عالم ينزل) سنده لكثرة عدده (أو) بمعنى الواو (عال) أي
رجل عالٍ سنده لقلة عدده، وجملة قوله (فقد) بمعنى عدم، صفة لـ ((عال)) أي فاقد علمًا،
بأن كان عاميًّا (فإن ترى) أيها المحدث، أي تنظر (للمتن) أي إلى متن الحديث (فالأعلام)
مبتدأ خبره محذوف، أي أولى، أي الفقهاء الذين هم كالأعلام أولى من العوام الذين هم
أعلى سندًا، والجملة جواب ((إن)).
(وإن ترى الإسناد) أي تنظر أيها المحدث إلى سند ذلك المتن، وثبتت ألف ((ترى)) في
الموضعين على حد قول الشاعر (من بحر الطويل):
كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَميِّةٌ
وهو ضرورة على قول.
(فالعوام) جمع عامة خلاف الخاصة، وخففت الميم للوزن، مبتدأ خبره محذوف، أي
أولی.
وحاصل المعنى: أن ابن حبان له تفصيل حسن، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قلنا فيما مضى إن الإسناد العالي أفضل من غيره، ولكن هذا ليس على
إطلاقه؛ لأنه إن كان في الإسناد النازل فائدة تميزه فهو أفضل، كما إذا كان رجاله أوثق من رجال العالي أو
أحفظ أو أفقه، أو كان متصلاً بالسماع وفي العالي إجازة أو تساهل من بعض رواته في الحمل أو نحو ذلك.
قال الناظم في التدريب (ص ١٨٨): ((قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله، أم
سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش
شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة: فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. قال ابن المبارك: ليس جودة
الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السلفي: الأصل الأخذ عن العلماء. فنزولهم أولى
من العلو عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق.
قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى، قال
شيخ الإسلام: ولابن حبان تفصيل حسن، وهو: أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء-
وقد تغالى كثير من طلاب الحديث وعلمائه في طلب علو الإسناد، وجعلوه مقصدًا من أهم المقاصد لديهم، حتى
كان ينسيهم الحرص على الأصل المطلوب في الأحاديث، وهو صحة نسبتها إلى رسول الله عزَّ. وتأمل في
كلمتي ابن المبارك والسلفي - اللتين نقلنا آنفًا - واجعلهما دستورًا لك في طلب السنة. والتوفيق من الله سبحانه.
.

١٥٣
الجزء الثاني
-
أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء أولى، وبالجملة فالمعتبر إنما هو العلو المعنوي وهو قوة
الراوي.
ولذا قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، أم
سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش، عن أبي
وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة فقيه،
عن فقيه، عن فقيه .
(تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((قد خصت الأمة)) البيت، وقوله: «لكنه علو
معنى)) إلى آخر الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٥٤
شَرْعُ الغَُّ الشَّيُوخِيّ -
المسلسل
٦١٨ - هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ
قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَة أَوْ حَالَهْ
٦١٩ - قَوْلَيَّة فعْلَيَّة كلَيْهمَا
لَّهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
المسلسل
أي هذا مبحثه، وهو النوع الرابع والأربعون، من أنواع علوم الحديث، وهو لغة
المتصل، والسلسلة اتصال الشيء بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد، بفتح السينين
وكسرهما وهو من صفات الإسناد، فقط كسابقه.
واصطلاحا ما ذكره بقوله:
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهُ قَدْ تَابَعُوا في صِفَة أَوْ حَالَهُ
لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
قَوْلِيَّةٍ فِعْليَّة كلّيْهمَا
(هو) أي: المسلسل في اصطلاحهم (الذي إسناده) مبتدأ (رجاله) منصوب بفعل
محذوف، أي: أعني رجاله (قد تابعوا) بحذف إحدى التاءين، أي تواردوا واحدًا بعد
واحد، والجملة خبر المبتدإ(في صفة) أي على صفة واحدة (أو) على (حاله) واحدة (قولية)
صفة لـ((صفة))، وحذف نظيره لـ ((حالة)) (فعلية) عطف على ما قبله بحذف عاطف، أي أو
صفة فعلية (كليهما) عطف عليه أيضًا بعاطف محذوف، أي أو كليهما، أي القولية
والفعلية معًا .
(لهم) حال من ((صفة))، وما عطف عليه، أي: حال كون الوصف والحالة لرجال
الإسناد (أو الإسناد) أي: رواية الحديث، فالإِسناد هنا بمعنى رفع القول إلى قائله بخلافه
فيما تقدم فإنه بمعنى الرجال. قاله الشارح.
(فيما قسما) خبر لمحذوف، أي هذا حصل في تقسيم المحدثين لأنواع المسلسل.
وحاصل معنى البيتين: أن المسلسل هو الحديث الذي توارد رجال إسناده واحداً فواحدًا
على صفة واحدة، أو حالة واحدة سواء كانت الصفة والحالة للرواة أو للرواية، وسواء
أكان ما وقع منه في الإسناد في صيغ الأداء، أم متعلقًا بزمن الرواية، أو بالمكان، أو
بالتاريخ، وسواء كانت صفات الرواة أو أحوالهم أقوالاً، أم أفعالاً، أم كليهما.

١٥٥
- الجُزءُ الثاني
٦٢٠ - (وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْف، وَمِنْ
مُـفَـاده زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكُنْ)
٠
مثال المُسَلسَلِ بوصف الرواة القولي: المسلسل بقراءة سورة الصف ونحوه.
ومثال صفاتهم الفعلية كالمسلسل بالفقهاء، وبالحفاظ، وبالقراء، ونحو ذلك.
ومثال المسلسل بصفات الرواية، كقول كل من رواته: سمعت فلانًا، وحدثنا أو
أخبرنا أو شهدت على فلان، قال: شهدت على فلان، ونحو ذلك.
ومثال المسلسل بأحوال الرواة القولية حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي پے قال له: («یا
معاذ إني أحبك فقل في دبر كل صلاة )) الحديث(١)، فقد تسلسل لنا بقول كل راوٍ من
رواته: وأنا أحبك، فقل.
ومثال المسلسل بالفعلية حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: شبك بيدي أبو القاسم
وَال( وقال: ((خلق الله الأرض )) الحديث(٢) ، فقد تسلسل لنا بتشبيك کل رواته بید من رواه
عنه .
ومثال اجتماعهما حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: ((لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى
يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره))، قال: وقبض رسول الله و له على لحيته وقال: ((آمنت
بالقدر)) (٣)، فقد تسلسل لنا بقبض كل واحد من رواته على لحيته مع قوله: ((آمنت بالقدر))
إلى آخره .
وأما ما يتعلق بزمن الرواية، أو مكانها، أو تاريخها، فكالمسلسل بالتحمل يوم العيد،
وقص الأظفار في يوم الخميس، وكالمسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم.
وكالمسلسل بكون الراوي آخر من روى عن شيخه، وبالجملة فأنواع التسلسل كثيرة لا
تنحصر، كما قال ابن الصلاح.
(وَخَيْرُهُ الدَّالُّ (٤) عَلَى الْوَصْفُ، وَمَنْ مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكُنْ)
(وخيره الدال) مبتدأ وخبر، أي أفضل أنواعَ المسلسل هو الذي يدل (على
الوصف) أي وصف الاتصال، فـ((أل)) بدل عن المضاف إليه على رأي بعض النحاة،
(١) أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم .
(٢) أخرجه مسلم .
(٣) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٤٠ .
(٤) بتخفيف اللام للوزن .

١٥٦
يَرْجُ الغُُّ الشَّيُوطِيّ -
٦٢١ - وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي النَّسَلِسُل
مِنْ خَلَل وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
٦٢٢ - كَأَوَّلَيَّة لِسُفْيَاَنْ انْتَهَى
وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا (*)
وإنما قدرناه الاتصال لدلالة قوله: ((زيادة الضبط)) لأن الاتصال أعلى شروط الضبط،
والمعنى: أن أفضل أنواعه ما دل على الاتصال في السماع، وعدم التدليس كما في
قراءة سورة الصف، قال الحافظ رحمه الله: هو من أصح مسلسل يروي في الدنيا،
وقال الناظم: قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضًا، بل ذكر في ((شرح النخبة)) أنه
مما يفيد العلم القطعي.
(ومن) جملة (مفاده) مصدر ميمي لـ((أفاد)) أي من فائدة المسلسل أو اسم مفعول له
أيضًا، أي الوصف الذي أفاده المسلسل، وهو خبر مقدم لقوله (زيادة الضبط) أي اشتماله
على زيادة ضبط الراوي، وكذا الاقتداء بالنبي وَ ل﴿ فعلاً ونحوه، وقوله (زكن) بالبناء
للمفعول، أي علم، قال في ((ق)): زكنه، كفرح، وأزكنه، علمه، وفهمه، وتفرسه،
وظنه، أو الزكن ظن بمنزلة اليقين عندك، أو طرف من الظن. اهـ. والجملة حال مما قبله،
ويحتمل أن تكون خبرًا للمبتدأ، والجار والمجرور يتعلق بها، أي زيادة ضبط الراوي علم
من فائدة المسلسل.
مِنْ خَلَل وَرْبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التََّلُلِ
وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
كَأَوَّلِيَّة لسُفْيَاَن انْتَهَى
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: المسلسل: هو ما تتابع فيه رجال الإسناد واحدًا واحدًا على صفة واحدة أو
حال واحدة أو قول واحد. وهو أقسام كثيرة. تبعًا لكثرة الأحوال التي يتفق فيها الرواة، كأن يكونوا جميعًا
من الحفاظ أو من الفقهاء أو من النحويين. أو يكونوا من بلد واحد كالمصريين والدمشقيين، أو باسم واحد
كالمسلسل بالمحمدين، وهكذا. قال ابن الصلاح (ص ٢٣٧): ((وقل ما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني
في وصف التسلسل لا في أصل المتن)). وقد عني علماء الحديث بهذا النوع جدّا فصنفوا فيه مصنفات خاصة
ذكر بعضها شيخي العلامة حافظ العصر السيد محمد عبد الحي الكتاني في كتابه (فهرس الفهارس والأثبات)
المطبوع في مدينة فاس بالمغرب الأقصى (ج ٢ ص ٧٢ - ٨٠) ثم قال: ((واعلم أن ما ذكرته من المسلسلات
ليس هو غاية ما وجد، وإنما اقتصرت على ما قل مما كثر للاختصار)).
وقد ينقطع التسلسل في أثناء الإسناد كما في المسلسل بالأولية، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن
النبي عِدَ ◌ّم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فهذا الحديث =

١٥٧
- الجُزءُ الثاني
(وقلما) ((ما)) هذه زائدة تسمى كافة لأنها كفت الفعل عن عمل الرفع في الفاعل، قال في
((مغني اللبيب)): ما معناه: لا تتصل ((ما)) هذه إلا بثلاثة أفعال ((قل))، و(كثر))، و((طال))، وعلة ذلك
شبههن بـ(رب))، ولا يدخلن حينئذ إلا على جملة فعلية صرح بفعليتها كقوله (من بحر الخفيف) :
يورث المجد داعيًا أو مجيبًا
قلما يبرح اللبيب إلى ما
وزعم بعضهم أن ((ما)) مع هذه الأفعال مصدرية لا كافة. اهـ (١).
وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها وهي في تأويل المصدر فاعل ((قل)).
وقال العلامة الأمير ما معناه: وزاد بعضهم على هذه الأفعال ((قَصْرَ))، وهي أفعال لا
فاعل لها، كالتوكيد اللفظي، في ((قام قام زيد))، وكان الزائدة. اهـ(٢).
ونظمت ذلك بقولي (من الرجز):
وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيهَا قَصُرَاً
وَمَا تَكُفُ طَالِ قَلَّ كَثُرَ
فِي قَامَ قَامَ إِذْ مُؤَكِّدًا سَمَا
وَلاَ يَلِي الفَاعِلُ هَذه كَمَا
فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعَلَهْ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا مُؤَوَّلَةٌ
(يسلم) أي المسلسل (في) وصف (التسلسل) لا في أصل المتن (من خلل) متعلق بـ(يسلم))
أي عيب بضعف، كمسلسل المشابكة فمتنه صحيح، والطريق بالتسلسل فيها مقال.
وحاصل المعنى: أن سلامة المسلسل من الضعف في وصف التسلسل، لا في أصل المتن
رواه العلماء والحفاظ بالإسناد الصحيح المتصل إلى سفيان بن عيينة، وكل شيخ في الإسناد يرويه عمن سبقه
=
ويقول: ((وهو أول حديث سمعته منه)) وقد رويته أنا عن شيخي وأستاذي الإمام العلامة السيد عبد الله بن
إدريس السنوسي رحمه الله في سنة ١٣٣٠ وعن شيخي الحافظ الكبير السيد محمد عبد الحي الكتاني في
صفر سنة ١٣٥٢ وعن غيرهما من الشيوخ.
ثم بعد سفيان بن عيينة تقف سلسلة الأولية فيرويه سفيان بدونها عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد
الله بن عمرو. قال ابن حجر في شرح النخبة: ((ومن رواه مسلسلاً إلى منتهاه فقد وهم)). وهذا الحديث رواه
البخاري في الكنى وفي الأدب المفرد، ورواه أبو داود والترمذي في السنن، ورواه الحميدي في مسنده، إلا
أنهم لم يرووه مسلسلاً .
وانظر أسانيده المسلسلة بالأولية في: كتاب فهرس الفهارس لأستاذنا الكتاني (ج ١ ص ٥٤ - ٦١).
قال الناظم في التدريب (ص ١٩٥): ((فائدة: قال شيخ الإسلام: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل
بقراءة سورة الصف. قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضًا، بل ذكر في شرح النخبة أن المسلسل بالحفاظ
مما يفيد العلم القطعي)).
(١) مغني اللبيب ج ٢ ص ٧، ٨ بنسخة حاشية الأمير.
(٢) نفس المصدر السابق .

١٥٨
شَرْعَ الْفِيَةُ السَّيُوخِيّ _-
قليل، وقد لا يصح وصفًا ومتنًا.
(وربما) للتقليل (لم يوصل) بالبناء للمفعول، أي التسلسل بأن يقع فيه انقطاع، إما في
أوله أو وسطه أو آخره، ثم مثل للمنقطع في أوله بقوله (كأولية) أي كالحديث المسلسل
بوصف الأولية، وهو قول كل راوٍ من رواته: أول حديث سمعته من شيخي، فالجار
والمجرور خبر لمحذوف، أي ذلك كائن كأولية (لسفيان) متعلق بـ ((انتهى))، وهو الحافظ
الحجة أبو محمد الأعور سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، ثم المكي الثقة الفقيه، ولد سنة
١٠٧ ومات سنة ١٩٨ هـ عن ٩١ سنة (انتهى) أي انقطع تسلسله، يقال: انتهى الأمر: بلغ
النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه. اهـ. ((المصباح)).
والجملة صفة لـ ((أولية))، أي كأولية منتهية إلى سفيان.
وحاصل المعنى: أن تسلسل هذا الحديث بالأولية ما جاوز سفيان، بل انقطع عنده،
فمن رواه مسلسلاً إلى آخره فقد وهم. والحديث ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَل: ((الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى،
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » فهو مسلسل بقول كل راوٍ : أول حديث
سمعته من شيخي إلى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن مولاه ابن
عمرو رضي الله عنهما عن النبي وَلقر، وهو حديث صحيح بشواهده، كما قال
السخاوي.
(وخيره) أي أفضل أنواع المسلسلات على الإطلاق مبتدأ، خبره قوله (مسلسل) أي
حديث مسلسل (بالفقها)(١) أي الأئمة الحفاظ المتقنين، فقد قال الحافظ: إنه مما يفيد العلم
القطعي حيث لا يكون غريبًا، كحديث رواه أحمد، عن الشافعي، عن مالك مع مشاركة
غیرهم لهم.
(تتمة): الزيادات فى هذا الباب: قوله: ((وخيره الدال على الوصف))
.. .
البيت. وقوله: ((لسفيان انتهى)) ..... البيت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) بالقصر للوزن .

١٥٩
الجُزْءُ الثّاني
-
غريب ألفاظ الحديث
٦٢٣ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فيهِ مَعْمَرُ
وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا
٦٢٤ - (وَآبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ
لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدَ تُعَدّ )
غريب ألفاظ الحديث
أي هذا مبحثه، وهو النوع الخامس والأربعون من أنواع علوم الحديث، وهو غير
الغريب الذي مر في أقسام الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر، لأن ذاك
يرجع على الانفراد من جهة الرواية، وأما ما هنا فهو ما يخفي معناه من المتون لقلة
استعماله بحيث يبعد فهمه، ولا يظهر إلا بالتفتيش من كتب اللغة، وهو فن مهم جدًّا،
يجب على طالب الحديث إتقانه، والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ
النبوية واجب، فلا يقدمن علیه أحد برأيه.
وَاَلنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا
أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ
لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدَ نُعَدّ
وَابْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَّى، وَلَقَدْ
(أول) مبتدأ، أي أسبق (من صنف) أي جمع (فيه) أي تفسير الغريب (معمر) خبر
المبتدأ، ويجوز العكس، وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي المتوفى سنة ٢١٠ وقد قارب
عمره ١٠٠ سنة (والنضر) بن شميل أبو الحسن المازني النحوي المتوفى أول سنة ٢٠٤ عن
نحو ٨٠ سنة والواو بمعنى ((أو)) التي لتنويع الخلاف.
والمعنى: أنه اختلف في أول من صنف في غريب ألفاظ الحديث، هل هو معمر بن
المثنى، أو النضر بن شميل؟
(قولان) خبر لمحذوف أي هذان قولان للعلماء، جزم الحاكم في ((علومه)) بالثاني،
وإليه مال السخاوي، وغيره بالأول.
وكتاباهما مع جلالتهما صغيران لجريان العادة بذلك في المبتدئ بما لم يسبق إليه،
والعلم إذا ذاك أكثر فشوا من نقيضه، وأكبرهما كتاب أولهما.
وممن صنف أيضًا الأصمعي عبد الملك بن قريب المتوفى سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة
وهؤلاء متعاصرون (وقوم) من العلماء ممن جاء بعدهما (أثروا) أي نقلوا عن هذين الإمامين،
وزادوا عليهما، يقال: أثرت الحديث أثرًا، من باب قتل: نقلته. اهـ. ((المصباح)).

١٦٠
شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطيّ -
٦٢٥ - فَأَعْنَ بِه ، وَلا تَخُضْ بالظَّنِّ
وَلَا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الفَنِّ
٦٢٦ - وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ ( اوْ
عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا (*))
فجاء أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢١٤ عن ٦٧ سنة، فجمع كتابه فصار هو
القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: إني جمعت كتابي هذا في أربعين
سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه، فأضعها في موضعها، فكان خلاصة عمري.
(وابن الأثير) مبتدأ على حذف مضاف، أي كتابه المسمى بـ((النهاية في غريب الحديث
والأثر)) (الآن) منصوب على الظرفية متعلق بما بعده، أي في الوقت الحاضر (أعلى) خبر
المبتدإ، أي أفضل من غيره، والمعنى: أن كتاب العلامة أبي السعادات مبارك ابن أبي الكرم
المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦ أعلى. وأوسع كتاب ألف في هذا الفن
لجمعه كلام من تقدمه ممن ألف في هذا الموضوع.
قال الناظم رحمه الله (ولقد لخصته) أي اختصرته، قال في ((التاج)) مستدركًا على
((ق)): ومما يستدرك عليه التلخيص: التقريب، والاختصار، يقال: لخصت القول، أي
اقتصرت فيه، واختصرت منه ما يحتاج إليه، وهو ملخص، ويقال: هذا ملخص ما
قالوه، أي حاصله، وما يؤول إليه. اهـ.
والمعنى: أنه اختصر ما في النهاية لابن الأثير، وقربه بأوجز عبارة (مع زوائد) أي حال
كون الملخص المفهوم من لخصت مع أشياء مزيدة عليه، وجملة (تعد) صفة لـ ((زوائد))، أي
معدودة، يعني: أنها قليلة بالنسبة إلى الأصل، وسمى كتابه الملخص ((الدر النثير)) ويوجد
في هامش الأصل في بعض طبعاته، وكذا لخصه محمد بن المتقي الهندي، والسيد عيسى
بن محمد الصفوي، في قریب من نصف حجمه.
ثم حث الطالب على الاعتناء بالغريب، وعدم الخوض بالظن، ولا تقليد غير أهله،
فقال :
وَلَا تُقَلِّدْ غَيْـرَ أَهْلِ الْفَنِّ
فَأَعْنَ بِهِ ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ
عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا)
، وَخَيْرُهُ مَّا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ (اوْ
ء
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا الفن من أهم فنون الحديث واللغة، ويجب على طالب الحديث إتقانه،
والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ النبوية واجب، فلا يقدمن عليه أحد برأيه. وقد سئل =