النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الجُزْءُ الثّاني
-
٥٨٣ - وَبـ ((أَميرِ الْمُؤْمِنينَ) لَقَّبُوا
أئمة الحَديث قدَمًا نسبوا (*)
ما ذكر في صفة الحافظ والمحدث، والجار متعلق بـ (مقتصر) خبر لمحذوف، أي هو،
والجملة صفة، أو صلة لـ(( من)) أي: الذي أو شخص هو مقتصر على السماع المجرد،
وقوله (لا علم) تصريح بما علم من قوله: المجرد إيضاحًا، أي: لا علم له بتلك الأمور
المشترطة قبل، والجملة حال مِن ((من)) (سم) أم من وسم الشيء يسمه، كوعده يعده: إذا
جعل له علامة (بالمسند) بكسر النون متعلق بـ ((س))).
وحاصل معنى البيت: أن من كان مقتصراً على السماع المجرد اجعل المسند علامة له
يعرف بها. فالمسند هو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها من غير معرفة
بعلومها أو إتقان لها .
ثم ذكر أعلى الكل، وهو أمير المؤمنين في الحديث فقال:
وَبِ (أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) لَقَّبُوا
أئمة الحَديث قِدَمًا نسبوا
م
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أطلق المحدثون ألقابًا على العلماء بالحديث، فأعلاها: ((أمير المؤمنين في
الحديث)) وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة هذا الشأن والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن
الحجاج وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني وفي المتأخرين ابن حجر
العسقلاني، رضي الله عنهم جميعًا.
ثم يليه ((الحافظ)) وقد بين الحافظ المزي الحد الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه ((الحافظ)) فقال:
((أقل ما يكون أن تكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم: أكثر من الذين لا
يعرفهم، ليكون الحكم للغالب)» فقال له التقي السبكي: ((هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحدًا
كذلك؟)) فقال: ((ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة
جيدة، ولكن أين الثريا من الثرى؟!)) فقال السبكي: ((كان يصل إلى هذا الحد)) قال: ((ما هو إلا كان يشارك
مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، لأجل الفقه والأصول)).
وقال أبو الفتح بن سيد الناس: ((أما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواته،
واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر ضبطه، فإن
توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما
يجهله: فهذا هو الحافظ)).
وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال: ((ما يقول
سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظًا؟ وهل يتسامح بنقص بعض
الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك لنقص زمانه أم لا؟)) فأجاب: ((الاجتهاد في ذلك يختلف
باختلاف غلبة الظن في وقت، ببلوغ بعضهم للحفاظ، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير =

١٢٢
-
شَرِجُ الْفَيُ الشَّيُوطي
المخالطة للذي يصفه بذلك، وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأما
=
كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق، ولا شك أن جماعة
من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر
في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة
أخرى فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره، من حفظ المتون والأسانيد ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها،
ومعرفة الصحيح من السقيم والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام: فهو أمر ممكن،
بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر وانتفاء الموانع.
وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة .
فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ
وغيره أحفظ منه -. نقل ذلك كله الناظم في التدريب (ص ٧، ٨).
وأدنى من الحافظ درجة يسمى المحدث قال التاج السبكي في كتابه («معيد النعم- فيما نقله الناظم في التدريب
(ص ٦): ((من الناس فرقة ادعت الحديث فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فإن
ترفعت فإلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين! وما ذلك إلا بجهلها
بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب وضم إليهما من المتون مثليهما -: لم يكن
محدثًا، ولا يصير بذلك محدثًا حتى يلج الجمل في سمُّ الخياط! فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث - على
زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح أو مختصره
المسمى بالتقريب للنووي ونحو ذلك، وحينئذ ينادي من انتهى إلى هذا المقام، محدث المحدثين وبخاري
العصر! وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يعد محدثًّا بهذا القدر، إنما المحدث: من عرف
الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع
الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من
الأجزاء الحديثية، هذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل
والوفيات والأسانيد -: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء)».
ودون هذين من يسمى «المسند» - بكسر النون - وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها من غير
معرفة بعلومها أو إتقان لها، وهو الرواية فقط. وقد وصف التاج السبكي هؤلاء الرواة فقال: ((ومن أهل
العلم طائفة طلبت الحديث وجعلت دأيها السماع على المشايخ ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء
المحدثون على الحقيقة، إلا أن كثيرًا منهم يجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون وكثرة السماع، من غير فهم
لما يقرؤونه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أني حصلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخًا، وجزء الأنصاري عن
كذا كذا شيخًا، وجزء البطاقة ونسخة ابن مسهر، وأنحاء ذلك !! وإنما كان السلف يسمعون فيقرؤون
فیرحلون فیفسرون، ويحفظون فيعملون)».
وأما عصرنا هذا فقد ترك الناس فيه الرواية جملة، ثم تركوا الاشتغال بالأحاديث إلا نادرًا، وقليل أن ترى
منهم من هو أهل لأن يكون طالبًا لعلوم السنة، وهيهات أن تجد من يصلح أن يكون محدثًا. وأما الحفظ فإنه
انقطع أثره، وختم بالحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا =
-

١٢٣
- الجزءالثاني
(وبأمير المؤمنين) متعلق بـ (لقبوا) أي العلماء أي سموا (ذوي الحديث) أي
أصحاب الحديث (قدما) بكسر ففتح، كعنب هو ضد الحديث. قاله في ق أي في قديم
الزمان، وفي نسخة المحقق: ((أئمة الحديث قدمًا نسبوا)) وعليها فلابد من تسكين الدال
للوزن .
(ذا) أي هذا اللقب (منقب) بفتح الميم والقاف، أي مفخر لهم.
وحاصل معنى البيت: أن العلماء لقبوا أصحاب الحديث في قديم الزمان بأمير
المؤمنين في الحديث وهو لقب شريف يفتخر به، ولهذا لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر
الذين هم أئمة هذا الشأن والمرجوع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري،
وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والدار قطني في المتأخرين،
وكالحافظ ابن حجر، وهو مأخوذ من حديث رواه الطبراي، وغيره عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله قليل: ((اللهم ارحم خلفائي)» قلنا: يا رسول الله:
ومن خلفاؤك، قال: ((الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي)(١).
(تتمة): هذه المسألة من زيادات الناظم على العراقي. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
ولما أنهى الكلام على آداب المحدث، وتوابعه أتبعه بآداب طالب الحديث، فقال:
*
= حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحد.
ومن يدري: فلعل الأمم الإسلامية تستعيد مجدها وترجع إلى دينها وعلومها، ولا يعلم الغيب إلا الله.
وصدق رسول الله عزّالقلم: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ)).
(١) قلت: هكذا قالوا في مأخذ هذا اللقب، لكن الحديث باطل، كما بينه الشيخ الألباني في الضعيفة ج ٢ ص
٢، فلا يصلح أن يستند إليه .
.

١٢٤
شَرِيعُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِىّ -
آداب طالب الحديث
٥٨٤ - وَصَحِّحِ النِّيَّةَ (ثُمَّ اسْتَعْمِلِ (*).
مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) ثُمَّ حَصِّلٍ
آداب طالب الحديث
أي هذا مبحثه، وهو النوع الثاني والأربعون من أنواع علوم الحديث، وقد تقدمت
جملة من آدابه في الباب الذي قبله؛ لاشتراكهما فيها، والمذكور هنا هو الذي يختص به
الطالب غالبًا:
مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) ثُمَّ حَصِّل
وَصَحِّحِ النِّيَّةَ (ثُمَّ اسْتَعْمِلٍ
(وصحح) أيها الطالب للحديث (النية) في طلبه لأن الإخلاص شرط في القبول، فلا
ينبغي أن تطلبه لغرض دنيوي لحديث: ((من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا
ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) . رواه أبو داود، وصححه ابن
حبان، والحاكم.
(ثم) بعد تصحيح النية (استعمل) أي: لازم وحقق (مكارم الأخلاق) أي: الأخلاق
الطيبة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، قال في ((ق)) المكْرُم والمكرمة، بضم رائهما،
والأكرومة بالضم: فعل الكرم، وأرض مكرمة، وكرم محركة: كريمة طيبة. اهـ.
قلت: والمناسب هنا هو المعنى الثاني. والأخلاق جمع خلق بضمتين: السجية. أفاده
في المصباح.
وحاصل المعنى: أنه لابد لطالب الحديث أن يتخلق بالأخلاق الحسان ليتناسب فعله مع
ما يطلبه، إذ الحديث، باعث إليها، وحاثٌ عليها، قال أبو عاصم النبيل: ((من طلب هذا
الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس)) .
(ثم) بعد أن تتخلق بها (حصِّل) أي: اطلب حصول علم الحديث، وعبر بالتحصيل
الذي هو كما قال ابن فارس: استخراج الذهب من حجر المعدن، إشارة إلى أنه لابد
لطالب العلم من جَدٍّ واجتهاد، قال الله تعالى لنبيه موسى ◌َّ لما أعطاه الألواح: ﴿فَخُذْهَا
بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، الآية وقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] الآية.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا
تعجز)) وقال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: في الأصل المقروء على المصنف ((ثم المستعمل)) وهو خطأ واضح.

١٢٥
الجزء الثاني
٥٨٥ - مِنْ أَهْلٍ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي
ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ
٥٨٦ - فِي الْحَمْلِ، وَأَعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيه
وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ
ثُمَّ البلادَ ارْحَلْ وَلَا تَسَهَّلِ
مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي
وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ
فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيِهِ
(من أهل مصرك) متعلق بـ ((حصل)) أي تطلبه من أهل بلدك (العلي) صفة لـ ((أهل))،
أي: الرفيع سندًا، وعلمًا، وشهرة، ودينًا، وغيرها (فالعلي) أي: إذا انتهيت من الأعلى
فاطلبه ممن دونه علوا .
وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسنادًا وعلمًا
وشهرة ودينًا وغيرها إلى أن يفرغ منهم يبدأ بأفرادهم، فمن تفرد بشيء أخذه عنه أولاً، ولا
يرحل عن بلده قبل ذلك، إذ المقصود من الرحيل هو العلو، ولقاء الحفاظ، فحيث حصلا
في البلد فلا فائدة في الارتحال.
(ثم) إذا أتقنت ما في بلدك (البلاد) الأخرى منصوب بنزع الخافض متعلق بـ (ارحل)
أي: انتقل لطلب الحديث من بلدك إلى البلاد الأخرى، فإنه من عادة الحفاظ المبرزين،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا تَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾. الآية.
[ التوبة: ١٢٢]
وقصة موسى عليه السلام في لقاء الخضر .
وحديث مسلم: ((ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله تعالى له به طريقًا إلى
الجنة))(١)، ((ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر في
حدیث واحد )) (٢).
ورحل عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر في حديث واحد إلى غير
ذلك من الأحاديث والآثار.
(ولا تسهل) بحذف إحدى التاءين، أي: لا تتساهل (في الحمل) أي: حمل الحديث
بحيث تخل بما يجب عليك فيه، فإن المتساهل مردود كما تقدم في قوله :
(١) أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم، والبيهقي .
(٢) علقه البخاري بصيغة الجزم، وأخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد .

١٢٦
شَرْجُ الفِيدُ السَّيُوطِىّ -
٥٨٧- وَلَا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَب
وَالْكِبْرُ، وَأَبْذُلْ مَا تُفَادُ، وأَكْتُب
٥٨٨- للْعال والنَّازِل لاسْتِبْصَارِ
لا كَثْرَةَ الشَّيُوخِ لاِفْستخَارِ
كَنَومٍ أو كَتَرْك أَصْله ارْدُدَا
مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ والأَدَا
(واعمل) أيها الطالب (بالذي ترويه) من أحاديث العبادات، والآداب، والفضائل،
لأن الله تعالى ذم أهل الكتاب لعدم عملهم به بقوله: ﴿فَتَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٨٧]. قال مالك بن مغول رحمه الله: تركوا العمل به، ولحديث مرسل: قال رجل: يا
رسول الله: ما ينفي عني حجة العلم؟ قال: العمل. ولأنه سبب الحفظ، قال وكيع رحمه
الله: كنا نستعين على حفظ الحدیث بالعمل به.
(والشيخ) بالنصب مفعول مقدم لـ (بجل) أي: عظمه واحترمه لحديث عبادة بن
الصامت رضي الله عنه مرفوعًا: ((ليس منا من لم يجلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا
حقه)) حديث حسن، رواه أحمد، وغيره. وفي الحديث: ((تواضعوا لمن تعلمون منه)).
رواه البيهقي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وضعفه، وقال: الصحيح وقفه على عمر
رضي الله عنه.
ولأنه كما تقدم خليفة النبي ◌َّر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى
تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] . فينبغي احترام خليفته (لا تطل عليه) أي: لا
تمله بإطالة الجلوس؛ لأن ذلك يغير الأفهام، ويفسد الأخلاق، ويحيل الطباع،
ويخشى على فاعل ذلك أن يحرم من الانتفاع. وقال الزهري: إذا طال المجلس كان
للشيطان فيه نصيب .
وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ، وَاكْتُبِ
وَلَا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ
لاكَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ
العالِ والنَّازِلِ لاسْتِبْصَارِ
(ولا يعوقنك) أي: لا يمنعك، والنون الخفيفة للتوكيد (الحيا) بالقصر للضرورة (عن
طلب) ما تحتاج إليه (و) لا يمنعك (الكبر) أي: العظمة، فقد ذكر البخاري عن مجاهد،
قال: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رق
وجهه رق علمه. أي: من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال. وقالت عائشة

١٢٧
الجُزءُ الثاني
-
٥٨٩- (وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرٍ
بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْو عَنّهُ فَانْظُر)
رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
وعن الأصمعي قال: من لم يتحمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا. قال
بعضهم (من الطويل):
تَجَرَّعَ كَأْسَ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وَمَنْ لَمْ يَذَقْ ذلَّ الشَّعَلُّمِ سَاعَةً
فَكَِِّرْ عَلَّيْه أَوبعًا لوَفَاتِه
وَمَنْ فَأَتَهُ التَّعِلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ
(وابذل) أي: أعط لغيرك بمعنى: علمهم وجوبًا (ما تفاد) بالبناء للمفعول أي: ما
أفادك شيوخك، إذ بركة الحديث كما قال مالك: إفادة الناس بعضهم بعضًا. وعن ابن
المبارك، والثوري نحوه.
وعن ابن المبارك: من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى،
أو يتبع السلطان.
(واكتب) أيها الطالب عمن لقيته (للعال) بحذف الياء للوزن، أي الحديث العالي
سندًا. واللام زائدة لأن كتب، متعد (والنازل) منه، ويحتمل أن يراد بالعالي والنازل،
الشخص، أي الكتب الحديث عن الشخص العالي سندًا والنازل سنداً، فاللام بمعنى عن ،
ومفعول ((اكتب)» محذوف أي الحدیث.
وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يكتب الحديث ونحوه عاليًا، ونازلاً عن شيخه،
أو رفيقه، أو من دونه في الرواية، أو الدراية، أو السن، أو في الجميع، فإن ذلك عادة
السلف الصالح رحمهم الله، والأصل فيه قراءة النبي ◌ّل على أبي بن كعب سورة ﴿لَمْ
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].
(لاستبصار) متعلق بـ ((اكتب)) أي: اكتب ذلك لطلب البصيرة، وهي العلم والخبرة،
أي: لتكون خبيراً بفنون الحديث (لا كثرة الشيوخ) أي: لا تكتب لتكثير عدد شيوخك
(لافتخار) أي: لأجل أن تفتخر به على أقرانك، فتقول: كتبت عن كذا وكذا شيخًا، فإنه
لا طائل تحته إلا أن یکون قصدك به تکثیر طرق الحديث، وجمع أطرافه، فحينئذٍ لا بأس
عليك، بل هو أمر مستحسن، فعله الأئمة الحفاظ، كالثوري، وابن المبارك، وأبي داود
الطيالسي، والبخاري، وغيرهم.
(وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرٍ بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرٍ)

١٢٨
شَرْعُ الفِيَّة السُّوطِيّ -
٥٩٠ - فَقَدْ رَوَوْا : ((إِذَا كَتَبْتَ قَمِّئِ
ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشٍ)) (*)
ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتْشِ
فَقَدْ رَوَوْا إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ
(ومن) شرطية مفعول مقدم، أو مبتدأ (يفدك) أيها الطالب (العلم) أي: علم كان (لا
تؤخر) ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم كسر للوزن، والجملة جواب الشرط بتقدير الفاء، وهو
الخبر للمبتدإ على بعض الأقوال، والرابط محذوف مع مضاف، أي فلا تؤخر فائدته، أو
المضاف مقدر قبل من أي وفائدة من يفدك ..... إلخ.
وحاصل المعنى: أن من يفدك فائدة فلا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا
(بل خذ) ها واكتبها، لأنه ربما تفوتك بموته، أو سفره، أو غير ذلك (ومهما) اسم شرط
مبتدأ (ترو عنه) أي: إذا أردت الرواية عن ذلك المفيد (فانظر) أي: ابحث، هل هو ممن تحل
الرواية عنه، أم لا؟
وحاصل المعنى: أنك إذا أردت رواية ما كتبت فتحقق، لئلا تروي عمن ليس أهلاً
للرواية عنه، فتدخل في حديث رواه مسلم وغيره: ((كفى بالمرء إثما أن يحدث بکل ما
سمع))، ثم أكد ما ذكره بكلام منقول عن الإمام أبي حاتم وغيره بقوله:
(فقد رووا) أي: لأن العلماء نقلوا عن الحافظ أبي حاتم الرازي، وكذا عن ابن معين،
كما قال السخاوي(١) ما حاصله:
(إذ كتبت قمش) أي اجمع من هُهنا وهُهنا، وهو من القمش بالفتح، وهو جمع
القماش بالضم، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء، حتى يقال لرذالة الناس:
قماش، وما أعطاني إلا قماشًا، أي: أردأ ما وجده، أفاده في ((ق)).
والمراد به هنا كتابة كل ما سمع من غير بحث، هل هو صحيح، أو غير صحيح؟
(ثم إذا رويته) أي: إذا أردت رواية ما كتبته (ففتش) أي: ابحث بشدة، لتميز الصحيح
فترویه، وغير الصحیح فترميه.
ثم ذكر إتمام السماع، والانتخاب إن احتاج إليه، فقال:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: القمش: جمع شيء من هنا ومن هنا. قال أبو حاتم: ((إذا كتبت فقمش
وإذا حدثت ففتش- قال العراقي: ((كأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها، ولا تؤخر حتى تنظر هل هو أهل
للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك. فإذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش حينئذ)).
(١) فتح ج ٣ ص ٣٠٠.
۔
٠٠

١٢٩
- الجُزءُ الثّاني
٥٩١- وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ
وَنْ يَكُنْ للأنْتخَابِ دَاعٍ
٥٩٢- فَلْيَنْتَخِبْ (عَاليَهُ وَمَا انْفَرَدْ)
وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ
٥٩٣ - وَعَلِّمُوا فِي الأَصْلِ ( لِلْمُقَابَلَهْ
أَوْ لِذَهَابِ فَرْعه فَعَادَلَهْ(*))
وَإنْ يَكُنْ لِلانْتَخَـابِ دَاعٍ
وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ
وَقَاصرٌ أَعَّانَهُ مَنِ اسْتَعَدَّ
فَلْيَنْتَخِبْ (عَالَيَّهُ وَمَا انْفَرَدْ)
(وتمم) أيها الطالب (الكتاب) بالنصب، أو الجزء (في السماع) أي: في حال سماعك
من شيخك، وكذا كتابته، ولا تنتخب منه فربما تحتاج إلى رواية شيء منه لم يكن فيما
انتخبته فتندم .
(وإن يكن للانتخاب) متعلق بـ (داع) فاعل ((يكن)) لأنها تامة بمعنى (يحصل))، أي: إن
يحصل للطالب داعٍ، أي سبب موجب للانتخاب، أي اختيار بعض ما عند الشيخ من كون
الشيخ عسراً في الرواية، أو كونه، أو الطالب واردًا غير مقيم، ولا يتسع الوقت للاستيعاب،
أو ضيق يد الطالب، أو اتسع مسموعه بحيث يكون كتابة الكل كالتكرار فلا بأس بالانتخاب.
فإذا كان لابد من الانتخاب (فلينتخب) الطالب (عاليه) أي: غالي ذلك الكتاب، أو
الشيوخ دون ما يجده عند غيره، هذا إذا كان الطالب عارفًا بالانتخاب، وإلا فليستعن
بغيره من المتأهلين، كما أشار إليه بقوله :
(وقاصر) مبتدأ سوغه عمله في المقدر، أي: عن أهلية الانتخاب (أعانه) على الانتخاب
(من استعد) فاعل أعان، أي: من تأهل لذلك بكونه حافظًا عارفًا بكيفية الانتخاب.
وحاصل معنى البيت: أنه إن احتاج إلى الانتخاب للأسباب المذكورة انتخب بنفسه عواليه
وما لا يجده عند غيره، فإن قصر عنه لقلة معرفته استعان بحافظ متأهل لذلك، فقد كان الأئمة
أبو زرعة، والنسائي، وإبراهيم بن أرومة الأصبهاني، وهبة الله بن الحسن، والدار قطني،
وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وغيرهم ينتخبون على الشيوخ، والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم.
ثم ذكر عادة الحفاظ من تعليمهم في أصل الشيخ على ما انتخبوه مع بعض فوائده، فقال:
أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهُ
وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ لِلْمُقَابَلَهُ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله خير للطالب أن يتم سماع الكتاب الذي يسمعه عن الشيخ، فإن كان لديه =

١٣٠
شَرِجُ الْفِرَةُ السَّيُوطِىّ -
٥٩٤ - وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ
عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ
(وعلموا) أي: وضع المنتخبون علامة (في الأصل) أي: المنتخب منه وهو كتاب
الشيخ على ما انتخبوه (للمقابلة) متعلق بـ((علموا)) أي لأجل أن يقابلوا ما كتبوه من
المنتخب به (أو لـ ) أجل (ذهاب فرعه) أي: فقد فرعه المنتخب (فعاد) أي رجع ذلك
المنتخب (له) أي إلى المحل الذي وضع عليه العلامة، فقوله: ((عاد)» عطف على
((ذهاب))(١) أي: فَعَودِهِ إلى ذلك الأصل لأجل فقد المنتخب.
وحاصل معنى البيت: أن عادتهم جرت بوضع العلامة في أصل الشيخ على ما
انتخبوه، وذلك لفوائد، ذكر منها فائدتين، وهما: تيسر معارضة ما انتخبوه، أو احتمال
فقد ذلك المنتخب، فيعود للكتابة مرة ثانية من ذلك الأصل، وزاد غيره: أو ليمسك الشيخ
أصله بيده، أو ليحدث من الأصل بذلك المعلم.
(تنبيه): لم يذكر الناظم رحمه الله كيفية العلامة، وذكرها العراقي مع الاختلاف، فقال:
وَعَلَّمُوا في الأَصْلِ إِمَّا خَطَّا أَوْ هَمْزَتْين أو بصَاد أَوْطَا
والمعنى: أنهم اختلفوا في اختيار العلامة، ولكن لا حرج في ذلك، فكان الدار قطني
يعلِّم بخط عريض بالحمرة في الحاشية اليسرى، وكان اللالكائي يعلم على أول إسناد
الحديث بخط صغير بالحمرة، وهذا الذي استقر عليه عمل أكثر المتأخرين.
وكان أبو الفضل علي بن الحسن الفلكي يعلم بصورة همزتين بحبر في الحاشية
اليمنى، وكان أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي يعلم صادًا ممدودة بحبر في الحاشية اليمنى
أيضًا، وكان أبو محمد الخلال يعلم طاء ممدودة كذلك، وكان محمد بن طلحة النعالي
يعلم بحاءين إحداهما إلى جنب الأخرى كذلك، ذكره العراقي في شرح ألفيته(٢).
ثم ذكر رحمه الله ما يحث الطالب على تفهم ما يرويه، فقال:
عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ
وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ
= عذر يمنعه من ذلك فلا بأس أن ينتخب ما يمكنه سماعه، وليحرص على انتخاب الأسانيد العالية للشيخ
وعلى ما انفرد به. وإذا كان الطالب لا يحسن الانتخاب فلا بأس أن يستعين بمن هو أهل ذلك، ويضع في
أصل الشيخ علامة على الأحاديث التي ينتخبها، ليرجع إليها عند المقابلة على الأصل، وتفيد أيضًا إذا ضاع
الفرع الذي نقله الطالب، فيمكنه نقل ما سمعه من الأصل، فلا يختلط عليه بما لم يسمعه.
(١) أي لأنه في معنى الفعل، إذ تقديره لأن يذهب.
(٢) شرح الألفية ج ٢ ص ٢٣٥، ٢٣٦ .

١٣١
- الجزء الثاني
٥٩٥- (فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصحَّتَهْ
وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ
٥٩٦ - وَمَا بِه مِنْ مُشْكِل وَأَسْمَا
رِجَاله وَمَا حَوَاهُ علْمَا)
٠٠
وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ
(فَلَيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصخَّتَهُ
رِجَالِه وَمَا حَوَاهُ علمًا)
وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلَ وَأَسْمَا
(وسامع الحديث) مبتدأ، وكذا كاتبه (باقتصار) أي: مع اقتصار (عن فهمه) ولو قال
بدل هذا البيت :
عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحَمِيرِ
وَسَامِعُ الْحَدِيثِ مَعْ قُصُورِ
لكان أولى؛ لأن الاقتصار معناه عدم المجاوزة، يقال: اقتصر عليه أي لم يجاوزه.
قاله في ((ق)). فيكون المعنى عليه باقتصار على فهمه وتكون عن بمعنى على، يعني : أنه فهم
المقصود ولم يجاوزه، وهذا خلاف المعنى المقصود هنا، إذ المقصود هنا أنه لم يفهم المقصود
من الحديث أصلاً، فالمناسب استعمال قصر عن كذا، لا اقتصر على كذا، يقال: قصر عن
الأمر قصورًا، وأقصر، وقصر، وتقاصر: انتهى، وعنه عجز. قاله في ((ق)).
وحاصل المعنى: أن من اقتصر على سماع الحديث، وقصر عن فهم ما في سنده ومتنه
(كمثل الحمار) خبر المبتدأ، أي كصفة الحمار الذي هو أبلد الحيوان، وبئس المثل.
وقد مثل الله تعالى بهذا المثل اليهود الذين لم يعلموا بما في التوراة حيث قال: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [ الجمعة: ٥].
فلا ينبغي لسامع الحديث أن يقتصر عليه لإتعابه نفسه من غير أن يظفر بطائل، ولا
حصول في تعداد أهل الحديث، قال بعض الأدباء :
يَجْهَلِ مَا يَروي وَمَا يَكْتُبُ
إِنَّ الَّذي يرَوَيَ ولَكِنَّه
تَسْقِي الأراضِي وَهِيَ لا تَشْربُ
كَصَخرة تَنْبُعُ أَمْوَهُهُا
فإذا كان الأمر کما وصفنا.
(فليتعرف) من التعرف مبالغة في المعرفة، أي ليعرف سامع الحديث معرفة بالغة
(ضعفه) أي ضعف ذلك الحدیث إن كان ضعيفًا (وصحته) إن كان صحيحًا، وكذا حسنه
(وفقهه) أي ما فيه من الأحكام (ونحوه) أي ما يحتاج إليه الحديثي من النحو، وهو لغة
القصد، واصطلاحاً هو علم بأصول مستنبطة من كلام العرب يعرف بها أحكام الكلمات

١٣٢
شَرْعُ الفِيَةُ السَّيُوطِيّ _
٥٩٧ - وآَقْرَأَ كتَابًا تَدْرِمِنْهُ الاصطلاح
٠٠
(كَهَذه) وَأَصْلِهَا وَأَبْنِ الصَّلاحْ (*)
العربية حال إفرادها، كالإِعلال، والحذف، والإدغام، والإبدال، وحال تركيبها،
كالإِعراب، والبناء، وما يتبعها من بيان شروط لنحو النواسخ فهو يعم الصرف.
(ولغته) أي ما يحتاج إليه الحديثي من علم اللغة، وهو لغة أصوات يعبر بها كل قوم
عن أغراضهم. أفاده في ((ق))، واصطلاحًا عبارة عما حفظ من كلام العرب الخلص،
ونقل عنهم من الألفاظ الدالة على المعاني. أفاده الشارح.
(و) ليتعرف أيضًا (ما به) أي الذي استقر فيه (من مشكل) من الأسانيد، والمتون، فهو
من عطف العام على الخاص (وأسما) بالقصر للوزن أي وليتعرف أيضًا أسماء (رجاله)
وكذا ألقابهم، وكناهم، وأنسابهم، وليتعرف أيضًا جميع (ما حواه) الحديث (علمًا) أي من
حيث العلم، إذ الحديث يتضمن علومًا جمة، فلا بد للطالب أن يتعرفها .
قال الحافظ أبو شامة: علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها حفظ متونه، ومعرفة غريبها
وفقهها، والثاني: حفظ أسانيدها ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، إلى أن
قال: والثالث: جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان إلى
آخر كلامه، إلا أن الحافظ تعقبه في بعض كلامه فانظره(١).
(كَھَذه) وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ
وَأَقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِ مِنْهُ الإِصْطِلاحُ
(وأقرأ) أيها الطالب لتحقيق علوم الحديث (كتابًا) من كتب المصطلح (تدر) بحذف لام
الفعل تخفيفًا، وهو لغة لا ضرورة، على الأصح، وقد قرئ في السبعة ﴿يَومَ يَأْتِ ﴾ [ هود:
١٠٥] بحذف الياء وصلاً ووقفًا (منه الاصطلاح) هو لغة: مطلق الاتفاق، وعرفًا اتفاق
طائفة على أمر مخصوص بينهم متى أطلق انصرف إليه، ثم صار علمًا بالغلبة عند العلماء
على هذا الفن الذي نحن بصدده. قاله الشارح.
ثم ذكر بعض ما يحتاج إليه من كتب المصطلحات وقال (كهذه) الألفية التي هي أجمع
ما ألف من المنظومات.
(و) كـ (أصلها) الذي هو ألفية الحافظ العراقي رحمه الله، فإنها أصل لهذه؛ لأنه
اقتدى به وحذا حذوه، وزاد عليه (و) كمقدمة الحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ((أصلها)): المراد به ألفية العراقي.
(١) وقد استوفيت التحقيق فيه في أوائل الشرح الكبير، فراجعه .

١٣٣
الجُزْءُ الثّاني
-
٥٩٨- وَقَدِِّ الصِّحَاحِ ثُمَّ السُّنُنَ
ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى (*)
المعروف بـ (ابن الصلاح) الشهر زوري المتوفى سنة ٦٤٣ عن ٦٦ سنة، فإنها من أنفع ما ألف
في هذا الفن، لجمعها ما تفرق في غيرها من كتب الخطيب وغيره.
ثم ذكر ما ينبغي المسارعة إلى سماعه من كتب الحديث. فقال:
ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى
وَقَدِّمِ الصِّحَاحِ ثُمَّ السُّنَنَا
(وقدم) أيها الطالب في السماع والضبط والمعرفة (الصحاح) بالكسر جمع صحيح،
وهي التي التزم مؤلفوها أن يخرجوا الأحاديث الصحيحة فقط، كالبخاري، ومسلم،
وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، إلا أنه وقع له تساهل كثير كما مر في قوله:
وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ حَتَّى وَرَدِ
فيه مَنَاكِرٌّ وَمَوْضُوعُ يُردَ
(ثم) قدم بعدها (السننا) المراعي فيها الاتصال غالبًا، والأولى الابتداء بـ ((سنن أبي داود))
لكثرة أحاديث الأحكام فيها، ثم سنن النسائي لتتمرن في كيفية المشي في العلل،، ثم سنن
الترمذي لاعتنائه بالإِشارة لما في الباب من الأحاديث وبيانه لحكم ما يورد من الصحة والحسن،
وغيرهما هكذا رتبه السخاوي(١)، وهو الذي تقتضيه عبارة ابن الصلاح، والعراقي.
ثم بعدها السنن الكبرى للحافظ البيهقي لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام بل لا
یعرف مثله في بابه.
و کذا اعتن بسماع صحیح ابن خزيمة، لكنه لم یوجد تامًا، وصحیح ابن حبان،
وصحيح أبي عوانة، ومسند الدارمي، وسنن الشافعي مع مسنده، وهو على الأبواب،
والسنن الكبرى للنسائي لما اشتملت عليه من الزيادات على تلك(٢)، وسنن ابن ماجه،
وسنن الدار قطني، وشرح معاني الآثار للطحاوي، هكذا قال السخاوي (٣).
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ينبغي للطالب أن يقدم الاعتناء بالصحيحين ثم بالسنن، كسنن أبي داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان والسنن الكبرى للبيهقي، وهو أكبر كتاب في
أحاديث الأحكام، ولم يصنف في بابه مثله، ثم بالمسانيد، وأهمها مسند أحمد بن حنبل، ثم بالكتب الجامعة
المؤلفة في الأحكام، وأهمها موطأ مالك، ثم كتب ابن جريج وابن أبي عروبة وسعيد بن منصور وعبدالرزاق
وابن أبي شيبة، ثم كتب العلل، وقد تكلمنا عليها فيما مضى (ص ٨٤) ثم يشتغل بكتب رجال الحديث
وتراجمهم وأحوالهم، ثم يقرأ كثيرًا من كتب التاريخ وغيرها.
(١) فتح ج ٣ ص ٣٠٩ .
(٢) أي السنن الصغرى له .
(٣) المصدر السابق .

١٣٤
شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُطِىّ -
٥٩٩- وَأَحْفَظُهُ مُثْقِنَا وَذَاكِرْ وَرَأَوْا
جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ
(تنبيه) السنن ما ألف على أحاديث الأحكام من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب يذكر
على ترتيب الفقه كالسنن المذكورة.
(ثم) قدم بعدها (المسانيد) أي سماعها وهي جمع مسند، وهو ما ألف على تراجم
الصحابة رضي الله عنهم بحيث يوافق حروف الهجاء، أو السوابق الإِسلامية، أو شرافة
النسب، كمسند الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي داود الطيالسي، وعبد بن
حمید، والحميدي، وغيرهم(١) .
(و) اقرأ أيضًا (ما) أي: كتبًا (لا يغتني) بالبناء للمجهول، أي لا يستغنى عنها، وأهمها
((الموطأ)) لمالك، ثم سائر الكتب المصنفة في الأحكام، ككتاب ابن جريج، وابن أبي
عروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهم.
ومما لا يستغنى عنه كتب العلل، ككتاب أحمد، والدارقطني، وابن أبي حاتم، وغيرهم.
ومنها كتب التواريخ، كالتاريخ الكبير للبخاري، وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم في
الجرح والتعديل، ومنها كتب ضبط الأسماء ككتاب ابن ماكولا وغيره.
ومنها كتب شرح الغريب، ومن أنفعها النهاية لابن الأثير.
وَأَحْفَظُهُ مُتْقِنًا وَذَاكِرْ
(واحفظه) أي الحديث وما يتعلق به حال كونك (متقنًا) له أي محكمًا لتحقيقه فهو حال
مؤكد، قال ابن مهدي: الحفظ: الإتقان، فلا يمر عليك اسم مشكل، أو كلمة غريبة إلا
بحثت عنها، وأودعتها قلبك.
وليكن ذلك بالتدريج قليلاً قليلاً مع الأيام والليالي، فذلك أحرى بأن تتمتع
بمحفوظاتك، والزم نفسك ما تطيقه؛ لقوله مَله: ((خذوا من العمل ما تطيقون)) (٢) وعن
الزهري: من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان.
وعن الثوري: كنت آتي الأعمش، ومنصورًا، فأسمع أربعة أحاديث أو خمسة، ثم
أنصرف كراهية أن تكثر وتفلت.
(و) بعد حفظك على هذا المنوال (ذاكر) أيها الطالب للتحقيق بمحفوظاتك الطلبة
(١) وقد تقدم هذا في مبحث الحسن .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٥٨٦١ .

-
١٣٥
الجزءالثاني
٦٠٠ - مَنْ يُنْكرُّ(*) الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ ( ** )
ثُمَّ إِذَا أُمِّلَتْ صَنِّفْ تَمْهَرٍ
ونحوهم، فإن لم تجد من تذاكر، فذاكر مع نفسك، وكرره على قلبك لأنه يثبت
محفوظاتك.
والأصل في هذا معارضة جبريل مع النبي ◌ُّر القرآن في كل رمضان. وقال علي
رضي الله عنه: تذاکروا هذا الحدیث وإن لا تفعلوا یدرس.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تذاكروا الحدیث فإن حياته مذاكراته.
ونحوه عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم.
وقال الخليل بن أحمد: ذاكر بعلمك تذكر ما عندك، وتستفد ما ليس عندك.
قال إبراهيم النخعي: من سره أن یحفظ الحدیث فلیحدث به، ولو أن يحدث به من لا
يشتهيه. وقيل: حفظ سطرين، خير من كتابة وقرين، وخير منهما مذاكرة اثنين.
ولبعضهم (من الخفيف):
صَلُحَتْ دُنْيَاهُ وآخرَتُهْ
مَنْ حَازِ (١) العِلْمَ وذاكَرَهُ
فَأَدِمْ لِلْعِلْمِ مُذَاكَرَةً فَحَياةُ الْعِلْمِ مُذَا كَرَتُهْ
ثم استثنى مما تقدم من وجوب إفادة غيره ما ذكره بقوله:
جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ
وَرَأَوْا
مَنْ يُنْكرُ الصَّوَبَ إِنْ يُذَكَّرِ
(ورأوا) أي العلماء (جواز كتم) أي كتم العلم: الحديث وغيره (عن خلاف) أي غير
(الأهل) أي أهل العلم، والمعنى أن العلماء جوزوا كتم العلم عمن ليس بأهله، فإن هذا
ليس داخلاً في قوله وَّ: ((من كتم علماً)) الحديث.
وأخرج ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: من ينكر.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: تبليغ العلم واجب ولا يجوز كتمانه، ولكنهم خصصوا ذلك بأهله،
وأجازوا كتمانه عمن لا يكون مستعدًا لأخذه، وعمن يصر على الخطإ بعد إخباره بالصواب. سئل بعض
العلماء عن شيء من العلم فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت حديث: ((من علم علمًا فكتمه ألجم يوم القيامة
بلجام من النار))؟ فقال: ((اترك اللجام واذهب! فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني به)).
وقال بعضهم: ((تصفح طلاب علمك كما تتصفح طلاب حرمك)).
(١) هنا لا يستقيم الوزن، ولعل صواب الإنشاد: من يحز العلم وذاكره . إلخ.

١٣٦
شَرْجُ الفِيَةُ الشَّيُوطِيُ -
٦٠١ - وَيُبْقِ ذِكْرًا (*)مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ
(وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهُ)
وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب )».
وضعفه النووي بحفص بن سليمان، وحسنه المزي لتعدد طرقه، ووافقه السيوطي (١)
(أو)عن (من)موصولة (ينكر) في نسخة ((يدع))، أي يترك (الصواب، إن) شرطية (يذكر)
بالبناء للمفعول مجزوم بـ ((إن)) وكسر للوزن، أي يلقن، والجواب دل عليه السابق أي
ينكر، والمعنى: أنهم جوزوا كتمه أيضًا عمن لا يقبل الصواب إذا أرشد إليه.
وعلى هذا يحمل ما نقل عن الأئمة من الكتم، قال بعضهم: ليس الظلم في إعطاء
غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق، ولله در القائل (من الطويل):
وَمَنْ مَنَعَ الْمُستَوجِبِينِ فَقَدْ ظَلَمْ
فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ علمًا أَضَاعَهُ
وقال الخليل لأبي عبيدة: لا تردن على معجب، فيستفيد منك علماً، ويتخذك عدوًا.
ثم ذكر ما يتمهر به الطالب في فن الحديث، وهو التأليف، فقال:
ثُمَّ إِذَا أَهَّلَتْ صَنِّفْ تَمْهَر
وَيُّبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهُ
(ثم إذا) أتقنت طلبه على الوجه الذي تقدم و (أهلت) بالبناء للمفعول يقال: أهله
لذلك تأهيلاً، وآهله بالمد: رآه أهلاً ومستحقًّا، أو جعله أهلاً لذلك. اهـ ((ق))، و((تاج))
أي إذا صيرت مستحقًا، ومتعلقه محذوف أي للتصنيف.
فـ (صنف) في علم الحديث، والتصنيف أخص من التأليف، لأنه جعل كل صنف
على حدة بخلاف التأليف فإنه مطلق الضم، فهو أعم من التصنيف ومن التخريج، وهو
إخراج المحدث الأحاديث من بطون الكتب من الأجزاء، والمشيخات، والكتب،
ونحوها، وسياقها من مروياته، أو بعض شيوخه، أو أقرانه، أو نحو ذلك، والكلام
عليها، وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب، والدواوين، مع بيان البدل، والموافقة،
ونحوها، مما سيأتي تعريفه، وقد يتوسع في إطلاقه على مجرد الإخراج والعزو، ومن
الانتفاء وهو التقاط ما يحتاج إليه من الكتب، والمسانيد، ونحوها ولكن يستعمل كل منها
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: في الأصل المقروء على المصنف ((ويبقى ذاكرًا)) وهو خطأ ..
(١) وقال العلامة الألباني: صحيح دون قوله: ((وواضع العلم ..... إلخ. فإنه ضعيف جدًّاً. انظر ضعيف
ابن ماجه ص ١٧ .

١٣٧
الجُزءُ الثاني
-
عرفًا مكان الآخر، أفاده السخاوي رحمه الله (١) . (تمهر) مجزوم بالطلب، كسر للوزن،
أي تصير ماهرًا في علم الحديث، ويقال: مهر في العلم وغيره يمهر بفتح الهاء فيهما مهورًاً
ومهارة فهو ماهر، أي حاذق، عالم بذلك، قاله في ((المصباح)).
والمعنى: أنك إذا تأهلت للتصنيف صنف لأنك تتمهر به، قال الخطيب في ((جامعه)):
قلما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستبين الخفي من فوائده، إلا من
جمع متفرقه، وألف متشتته، وضم بعضه إلى بعض، واشتغل بتصنيف أبوابه، وترتيب
أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس، ويثبت الحفظ، ويزكي القلب، ويشحذ الطبع،
ويبسط اللسان، ويجيد البنان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس(٢) .
(ويبق) بضم أوله من الإبقاء والفاعل ضمير يعود إلى التصنيف المفهوم من ((صنف))،
أي يخلد (ذكرًا) بالكسر أي علاءً وشرفًا (ما) نافية أي ليس (له) أي لذلك الذكر (من غاية)
أي نهاية ينتهي إليها، والجملة صفة ((ذكراً)).
والمعنى: أن التصنيف يخلد شرفك بين العلماء المحصلين إلى آخر الدهر فهو ولدك
المخلد، ومكسبك الثواب المؤبد، والأصل فيه قوله وَ الر: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا.
من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٣) .
وقال الشاعر (من البسيط):
وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْوَاتًا بِأَمْوَاتِ
يَمُوتُ قَوْمٌ فَيُحْسِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ
وقال الحسن بن علي البصري (من البسيط):
فَكُنْ لَهُ طَالِبًا مَا عِشْتَ مُكْتَسبَا
العُلمُ أَفْضَلُ شَيءٍ أَنْتَ كَاسِبُهُ
والعَالِمُ الَيْتُ حِيٌّ كُلَّمَا نُسِبًا
وَالجاهِلُ الحِيُّ مَيَّتٌ حِينَ تَنَسُبُهُ
وقال أبو الفتح البستي (من الطويل):
وَلَيْسَ لَهُ ذكْرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ
يَقُوُلُوَن ذِكْرُ المرءِ يَبْقَى بِنَسْلِهِ
فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فَإِنَّا بِذَا نَسْلُو
فَقُلْتُ لَهُمَّ نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَّتِيّ
وقال الخطيب: وينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبه، ويجمع له همه، ويصرف
إليه شغله، ويقطع به وقته، وقد كان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم
(١) فتح ج ٣ ص ٣١٨ بتصرف.
(٢) الجامع ج ٢ ص ٢٨٠.
(٣) أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد.
٠

١٣٨
شَرِجُ الفُ الشَّيُوطِىّ -
٦٠٢- فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ
وَقَوْمٌ الْمُسْتَدَ لِلصَّحَابِ
٦٠٣ - (يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ
إِلَى النَّبِىْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْنَبِي)
٦٠٤ - وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا
أَنْ يَجْمَعَ (الأَطْرَافَ) أَوْ شُبُوخًا أوْ
٦٠٥ - أَبْوَابًا أوْ تَرَاجمَا أَوْ طُرُقًا
وَأَحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الاِنْتِقَا
النسخ، وليأخذ قلم التخريج (١).
ثم ذكر حكمه فقال :
(وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ)
(وإنه) أي التصنيف المفهوم من ((صنف)) (فرض) أي مفروض (على) سبيل (الكفايه)
قد صرح به العلماء، وكذا غيره من العلوم الشرعية، لكن إنما يجب على المكلف الحر غير
البليد القادر على الانقطاع له لوجود ما يكفيه لمعاشه هكذا ذكر بعضهم.
ثم إن للعلماء في التصنيف طريقتين ذكرهما بقوله:
وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ للصِّحَاب
فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ
إِلَى النَّبِىْ أَو الْحُرُوفِّ يَجْتَبِي)
(يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبَ
أَنْ يَجْمَعَ (الأَطْرَافَ) أَوْ شُيُوخًا أوْ
وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ ، وَقَدْ رَأَوْاَ
وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الانْتِقَا
أَبْوَابًا أوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُّقًا
(فبعضهم) مبتدأ، أي بعض العلماء الذي تصدوا للتصنيف، وخبره جملة قوله
(يجمع) أي يؤلف ما يريده (بالأبواب) الفقهية وغيرها، أي على الأبواب، أو الباء زائدة،
فيجمع كل ما ورد في حكم إثباتًا أو نفيًا في باب، فباب، بحيث يتميز ما يدخل في الجهاد
مثلاً عما يتعلق بالصيام، ثم منهم من تقيد بالصحيح فقط، كالشيخين، ومنهم من لم يتقيد
به، کباقي الستة، وغيرها.
(وقوم) عطف على ((بعض))، أو على الضمير في ((يجمع)) أي ويجمع قوم منهم
(المسند) عطف على الجار والمجرور، لأنه في محل نصب عطف معمولين على معمولي
(١) الجامع ج ٢ ص ٢٨٢ .

١٣٩
-
الجُزءُ الثاني
عاملين مختلفين، وتقدم غير مرة (للصحاب) بالكسر جمع صاحب، والمراد به الصحابي،
فيفرد ما لهم من الأحاديث واحدًا فواحدًا، وإن اختلفت أنواعها، كمسند الإمام أحمد،
وغيره، والقصد منها تدوين الحديث مطلقًا ليحفظ لفظه، وليستنبط منه الحكم في الجملة،
ثم إن ترتيبهم مختلف، فمنهم من يرتب على السابقين في الإِسلام، وإليه أشار بقوله:
(يبدأ) الضمير يرجع إلى ((قوم)) أفرده باعتبار لفظه، والجملة حال من قوم، أي حال
كونه بادئًا (بالأسبق) في الإِسلام، فيقدم العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم
المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم مسلمة الفتح، ثم أصاغر الأسنان، کالسائب بن يزيد،
وأبي الطفيل، ثم بالنساء مقدمًا أمهات المؤمنين، قال الخطيب: وهي أحب إلينا، وقال ابن
الصلاح: إنها أحسن، ومنهم من يرتب على القبائل، وإليه أشار بقوله:
(أو) يبدأ (بالأقرب) منهم (إلى النبي) بتخفيف الياء للوزن مَلآ نسبًا، فيقدم بني هاشم،
ثم الأقرب فالأقرب. ومنهم من يرتب على حروف المعجم، وإليه أشار بقوله:
(أو الحروف) المعجمة مفعول مقدم لـ (يجتبي) أي يختارها على ما تقدم ليرتب عليها
أسماء الصحابة، بأن يجعل أبي بن كعب، وأسامة في الهمزة كما فعل الطبراني في معجمه
الكبير، ثم الضياء في مختاراته التي لم تكمل، وهذا أسهل تناولاً .
ثم ذكر أحسن أنواع التصنيف، فقال:
(وخيره) مبتدأ، أي أحسن التصنيف في الطريقتين المتقدمتين، أو غيرهما (معلل) خبر
المبتدأ، أي أحسن المصنف ما ذكر فيه علل الحديث، سواء كان على الأبواب، كما فعل ابن
أبي حاتم، أو المسانيد كما فعل يعقوب بن شيبة، ولم يتم.
وذلك بأن يجمع في كل متن طرقه، واختلاف الرواة فيه بحيث يتضح إرسال ما يكون
متصلاً، أو وقف ما یکون مرفوعًا، أو غير ذلك.
وإنما كان أحسن من غيره لأن علم علل الحديث أجل أنواع علوم الحديث، حتى قال
ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست
عندي. ثم ذكر الأطراف بقوله (وقد رأوا) أي ذهب أهل الحديث إلى (أن يجمع) المصنف
(الأطراف) جمع طرف بفتح الراء، أي طرف الحديث الدال على بقيته، ويجمع أسانيده،
إما مستوعباً أو مقيدًا بكتب مخصوصة، كما فعل أبو العباس أحمد بن ثابت في أطراف
الخمسة، والمزي في أطراف الكتب الستة، والحافظ في الكتب العشرة.
ثم إنه يجوز في الأطراف الاكتفاء ببعض الحدیث وإن لم يفد .

١٤٠
شَرْجُ الْفِيَّة الشَّيُوطِيّ -
٦٠٦ - وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُّ الْآثَارِ
كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَاري (*)
(أو) يجمع (شيوخًا) بضم الشين وتكسر جمع شيخ، أي أحاديث شيوخ، كل شيخ
بانفراده، كما فعل الإسماعيلي في حديث الأعمش، والنسائي في حديث فضيل بن
عياض، والطبراني في حديث محمد بن جحادة. قال عثمان الدارمي: يقال: من لم
يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: الثوري، وشعبة، ومالك، وحماد
ابن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين.
قال السخاوي: وهذا غير جمع الراوي شيوخ نفسه كالطبراني في معجمه الأوسط
المرتب على حروف المعجم في شيوخه، وكذا له المعجم الصغير لكنه يقتصر غالبًا على
حديث في كل شيخ. اهـ (١).
(او) يجمع (أبوابًا) من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام وغيرها، فيفردها
بالتأليف بحيث يصير ذلك الباب كتابًا مفردًا، كرؤية الله، والإِخلاص والطهور والقراءة
خلف الإمام، ورفع اليدين، وغيرها.
(او) يجمع (تراجمًا) جمع ترجمة، أي أسانيد معينة، كمالك، عن نافع، عن ابن
عمر، وسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة .
(أو) يجمع (طرقًا) جميع طريق، أي سند، أي يجمع أسانيد كثيرة لحديث واحد، كطرق
حديث قبض العلم وطرق حديث ((طلب العلم فريضة)) وطرق حديث: ((من كذب علي)).
(واحذر) أيها المصنف (من الإخراج)، أي إخراج مصنفك إلى الناس (قبل الانتقا) أي
تهذيبه، وتحريره، وتكرير نظرك فيه، ولا يضرك فيه كثرة اللحاق، فقد قال الشافعي رضي
الله عنه: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق، وإصلاح، فاشهد له بالصحة. وقال بعضهم: لا
يضيء الكتاب حتى يظلم.
ثم ذكر اختلاف العلماء في قراءة الحديث، هل يثاب فيها بمجردها أم لا؟ فقال:
٠
كَقَارِئِ الْقُرْآنِ : خُلْفٌ جَارِي
وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: في هذا المكان من هامش الأصل بخط المؤلف ما نصه: ((الحمد لله، ثم بلغ
سماعًا علي، كتب مؤلفه عفا الله عنه آمين)) .
(١) فتح ج ٣ ص ٣٢٦، ٣٢٧ .