النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
- الجُزْءُ الثاني
٥٢٤ - وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْض بِالسَّنَدْ
مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ
٥٢٥- وَلْمَيْزُ أَوْلَى، وَلَّذِي يُعِيدُ
فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفيدُ(*)
المذكورة فالأحوط في روايتها تجديد ذكر الإِسناد عند كل حديث منها، لما في ذلك من
الاحتياط، ويوجد ذلك في كثير من الأصول القديمة، كما قاله ابن الصلاح، وهذا على
سبيل الندب، لا على الوجوب، كما قال (لا واجبًا) عطف على ((ندًّا)) أي: ليس ذلك
على سبيل الوجوب، خلافًا لمن زعمه من أهل التشديد.
(والبدء) مبتدأ، أي ابتداء الرواية (في أغلبه) أي أكثر الاستعمال، فالضمير راجع إلى
المفهوم من السياق، والجار متعلق بما قبله، أو خبر له (به) أي: الإسناد في أولها، أو أول
كل مجلس من سماعها، وهو خبر المبتدإ، أو متعلق به.
(وباق) من الأحاديث (أدرجوا) أي ذكروه مندرجًا مع ما قبله (مع) ذكر لفظه(وبه) أي:
وبالإِسناد المذكور، فقوله: (وباق) مبتدأ سوغه كونه موصوفًا بمحذوف، كما قدرناه، وخبره
جملة أدرجوا بتقدير رابط، ومع: مضاف، وبه مضاف إليه، لقصد لفظه كما قدرناه.
وحاصل المعنى: أن الأغلب، والأكثر في الاستعمال، أن يبدأ بالإسناد في أولها، أو
في أول كل مجلس من سماعها، ويدرج الباقي عليه بقوله في كل حديث بعد الحديث
الأول: وبه، أو وبالإسناد، ونحو ذلك.
ثم إن من سمع هكذا، هل يجوز له أن يفرد ما بعد الحديث الأول بالسند المذكور في
أوله؟ اختلف العلماء فيه: منهم من جوز، ومنهم من منع، وأشار إليه بقوله:
مُنْفَرِدًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُعْتَمَدْ
وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ
فِي آخِرِ الْكِتَابِ لا يُفيدُ
وَالْمَيْزُ أَوَلَى ، وَالَّذِيّيُعِيدُ
(وجاز مع) بسكون العين (ذا) أي: مع هذا الذي ذكرناه، من الاكتفاء بعد الأول بذکر
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا روى جزءًا أو صحيفة فيها أحاديث كثيرة إسنادها واحد - كصحيفة
همام بن منبه - ندب إعادة الإسناد في كل متن، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك، وهو غلو وتشديد.
وإذا لم يعد الإسناد فيكفي أن يذكره في أول الجزء أو في أول كل مجلس من مجالس السماع، ويقول مع
سائر الأحاديث ((وبالإسناد إلى فلان)) أو ((وبه إلى فلان)) وبعضهم يذكر الإسناد في أول الجزء ثم يعيده في
آخره، وهذا لا يفيد رفع الخلاف المتقدم، لأنه لا يكون متصلاً بكل حديث منها، وإنما يفيد التأكيد
والاحتياط، لئلا يشك أحد من الناس في أن بعض الأحاديث ليست بالإسناد الأول.
=

٨٢
شَرَجُ الفِيَةُ الشَّيُوطِيّ -
لفظة وبه، لمن سمع كذلك (ذكر بعض) بالرفع فاعل جاز، أي: بعض أحاديث تلك
النسخ، من أي مكان شاء (بالسند) المعطوف عليه (منفردًا) حال من بعض؛ لأن المضاف
مصدر يعمل عمل الفعل كما قال ابن مالك :
ولا تجز حالاً من المضاف له
إلا إذا اقتضى المضاف عمله
(على) القول (الأصح) من قولي العلماء (المعتمد) عليه، والجار متعلق بـ(( ذكر))، أو
خبر لمحذوف، أي هذا على الأصح، وهو قول الأكثر، ومنعه بعضهم (والميز أولى) مبتدأ
و خبر، أي تبیین صورة الحال أحسن مما ذكرناه کما يفعله مسلم رحمه الله .
(والذي يعيد) مبتدأ، أي: الراوي الذي يعيد الإِسناد (في آخر الكتاب) متعلق بما قبله،
أي: نهاية الكتاب، أو الجزء المشتمل على هذه النسخة، أو نحوها، وقوله: (لا يفيد) خبر
المبتدأ، أي: لا ينفع فعله في رفع الخلاف المذكور؛ لأنه لا يكون متصلاً بواحد منها، نعم
یفید تأکیداً، واحتياطًا .
وحاصل ما أشار إليه في هذين البيتين: أنه إذا سمع النسخ المذكورة، على الكيفية
المذكورة، بأن ذکر إسنادها في أولها، وأدرج الباقي مع ذكر «وبه» فأراد رواية حديث غير
الأول بإسناده جاز ذلك عند الأکثرین وهو الأصح.
ومنهم وكيع، وابن معين، والإسماعيلي؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو
بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.
ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإِسفرائيني، وبعض أهل الحديث؛ لأنه تدليس، فعلى
= وإذا أراد أن يروي حديثًا من أثناء الجزء أو الصحيفة فإنه يسوغ له - على الراجح- إفراده بالإسناد نفسه، وهذا
واضح جدًّا. وبعضهم يذكر الإسناد ومعه أول حديث في الصحيفة ثم يعطف عليه الحديث الذي يريد روايته. كما
فعل البخاري، قال في الطهارة: ((ثنا أبو اليمان أنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع
رسول الله ◌ِلَّم يقول: ((نحن الآخرون السابقون)) وقال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)). وبعضهم يذكر الإسناد
ويقول: ((فذكر أحاديث، منها)) ثم يأتي بالحديث الذي يريده. وقد فعل ذلك مسلم في صحيحه مرارًا كثيرة.
فائدة: صحيفة همام بن منبه صحيفة جيدة صحيحة الإسناد، رواها عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي
هريرة، وقد اتفق الشيخان البخاري ومسلم - على كثير من أحاديثها، وانفرد كل واحد منهما ببعض ما
فيها، وإسنادها واحد، ودرجة أحاديثها في الصحة درجة واحدة.
وهذا حجة لمن ذهب إلى أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح ولم يلتزما إخراج كل ما صح عندهما. وقد رواها
أحمد في مسنده عن عبد الرزاق (رقم ٨١٠٠ - ٨٢٣٥ ج ٢ ص ٣١٢ - ٣١٩) وروى منها ثلاثة أحاديث في
مواضع متفرقة.

٨٣
الجزء الثاني
-
٥٢٦- وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضٍ سَنَدْ
ثُمَّ يُتِمُّهُ: أَجِزْ، فَإِنْ يُرَدْ
٥٢٧- حینَذِ تَقْدِیمُ كُلِّهِ رَجَحْ
جَوَازُهُ، كَبَعْضِ مَتْنِ فِي الأَصَحّ
٥٢٨- وَأَبْنُ خُزَيْمَةَ يُقَدِّمُ السَّنَدْ
حَيْثُ مَقَالٌ، فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ (*)
هذا لابد من بيان كيفية التحمل في ذلك، وعلى القول الأول هو أحسن.
كما يفعله الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه في الرواية من نسخة همام، حيث
يقول: حدثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام، قال : هذا ما حدثنا أبو
هريرة، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَّل: ((إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة ... ))
الحديث، وهكذا في كل ما ينقله من تلك الصحيفة، وكذا فعله كثير من المؤلفين.
وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب فلا يفيد رفع الخلاف؛ لأنه لا يقع
متصلاً بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، وإجازة عامة، بالغة، من أعلى أنواعها، ويفيد
أيضًا سماع من لم يسمع الإِسناد أولاً .
ثم ذكر حکم تقديم المتن کله، أو بعضه على السند، فقال رحمه الله تعالى:
ثُمَّ يُتِمُّهُ: أَجِزْ، فَإِنْ يُرَدْ
وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَوْ بَعْضٍ سَنَدْ
جَوَازُهُ، كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحّ
حِينَذْ تَقْدِیمُ كُلِّهِ رَجَحْ
حَيْثُ مَقَالٌ، فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ
وَأَبْنُ خُزَيِّمَةَ يُقَدِّمُ السَّنَدْ
(وسابق) مبتدأ سوغه عمله في قوله (بالمتن) أي متن الحديث، يعني: أن من قدم متن
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: لا تعد: أصلها ((لا تتعد)» وحذف إحدى التاءين.
إذا روى أحد حديثًا وقدم المتن أولاً ثم ذكر إسناده، كأن يقول ((قال رسول الله عِد ◌َ يقام كذا)) ثم يقول: ((حدثنا
به فلان عن فلان)» إلخ، أو أخر بعض الإسناد، كأن يروي عن نافع عن ابن عمر حديثًا ثم يقول: ((حدثنا به
فلان)) إلى أن يصل إلى نافع -: فهذا جائز.
وقد وقع كثيراً عند الرواة. وإذا أراد من عنده الحديث بهذه الصفة أن يسوق الإسناد كله أولاً قبل المتن فهو
جائز على القول الصحيح، كجواز تقديم بعض المتن على بعض إذا لم يكن ذلك مؤثرًا على المعنى ونقل
الناظم في التدريب (ص ١٦٨) عن ابن حجر أنه قال: ((تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان
في السند من فيه مقال، فيبتدئ به ثم بعد الفراغ يذكر السند. وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير
ذلك الوجه لا يكون في حل منه. فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى)).

٨٤
شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُظِيّ -
الحدیث على سنده كله، كأن يقول: قال النبي ( # كذا، حدثنا به فلان، ويذكر سنده.
(أو) سابق بـ (بعض سند) مع المتن (ثم يتمه) أي: باقي السند، كأن يقول: روى عمرو
ابن دینار، عن جابر، عن النبي ټێ کذا، حدثنا فلان، ویسوق سنده إلى عمرو .
وقوله (أجز) أمر من الإِجازة، خبر المبتدإ على حذف مضاف، أي فعل سابق بالمتن.
إلخ. أجزه أيها المحدث أو يقدر المضاف قبل المفعول المقدر، أي سابق بالمتن. إلخ. أجز
فعله، فإنه سند متصل، وليس بمرسل.
ثم ذكر حكم من أراد أن يقدم السند بتمامه على المتن، مع كونه تحمله كذلك، فقال
(فإن يرد) بالبناء للمفعول (حينئذ) ولو قال: بعدئذٍ لكان أوضح، أي: بعد وقت تحمله
ذلك الحديث بتقديم المتن على السند، أو تقديم المتن مع بعض السند على بعضه (تقديم كله)
نائب فاعل يرد، أي كل السند على المتن كالعادة الغالبة المشهورة (رجح) جواب إن، يقال:
رجح الشيء يرجح، كنفع ينفع، ورجح رجوحًا، وكقعد قعودًا لغة: زاد وزنه. والمراد به
هنا زيادة القوة (جوازه) فاعل رجح أي: زاد قوة جوازه على منعه، لقوة دليله؛ لأنه لا
محذور فيه (كبعض متن) خبر لمحذوف، أي: هذا الجواز مشابه لجواز تقديم بعض متن على
بعض حيث يصح (في) القول (الأصح) ومقابل الأصح فيهما المنع، وهذا كما قال ابن
الصلاح بناء على جواز الرواية بالمعنى وعدمه.
وحاصل ما أشار إليه رحمه الله في هذه الأبيات الثلاثة: أنه إذا قدّم المحدث المتن، كقال
النبي ◌َ ◌ّ كذا، ثم ذكر الإسناد بعده، أو المتن مع بعض السند، كأن يقول: روى عمرو بن
دینار، عن جابر، عن رسول الله پټ كذا وكذا، أخبرنا به فلان ویسوق سنده إلى عمرو،
فهو سند متصل، فلو أراد من سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد، فجوزه بعض أهل الحديث
من المتقدمين، قال النووي: هو الصحيح(١).
وهذا كما قال ابن الصلاح (٢): كتقديم بعض المتن على بعض، فالخلاف في هذا
كالخلاف فيه، فإن الخطيب حكى فيه المنع بناء على منع الرواية بالمعنى، والجواز بناء على
جوازها، لكن نازع البلقيني (٣) ابن الصلاح فيه، فقال: وهذا التخريج ممنوع، والفرق أن
تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى الإخلال بالمقصود في العطف، وعود الضمير،
(١) الإرشاد ج ١ ص ٤٨٩ .
(٢) علوم الحديث ص ٢٠٦ ..
(٣) محاسن الاصطلاح ص ٣٥١.

٨٥
الجزءالثاني
-
٥٢٩ - وَلَوْ رَوَى بِسَنَد مَنْنًا وَقَدْ
جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٍ لَمْ يُعَدْ
٥٣٠- بَلْ قَالَ فيهِ (نَحْوَهُ، أَوْ ((مثْلَهُ)
لاَ تَرْوِ بِالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ
٥٣١- وَقِيلَ : جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِه
ذَا مَيْزَةٌ، وَقِيلَ : لا فِي (نَحْوِهِ))
ونحو ذلك، بخلاف تقديم السند كله، أو بعضه، فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على
الخلاف. انتهى.
ثم ذكر قاعدة لابن خزيمة في صحيحه حيث إنه يؤخر السند عن المتن إذا كان فيه
مقال، فليس لأحد أن يغير ذلك، ولو جازت الرواية بالمعنى فقال:
(وابن خزيمة) مبتدأ، خبره جملة يقدم، وهو الحافظ الكبير الثبت إمام الأئمة، أبو بكر
محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي، النيسابوري، وُلد سنة ثلاث
وعشرين ومائتين ومات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة عن نحو تسعين سنة .
وقوله: (يقدم) هكذا وقع في النسخ، وهو خطأ، والصواب يؤخر (السند) على المتن،
فيبتدئ أولاً بذكر المتن ثم بعد الفراغ منه يذكر السند (حيث) يوجد (مقال) أي: طعن في
ذلك السند (ف) إذا كان السبب الحامل له ذلك (اتبع) أيها المحدث صنيعه هذا (ولا تعد)
بحذف إحدى التاءين أي: لا تتعده، أي لا تتجاوز إلى خلافه، وإن جازت الرواية بالمعنى.
وحاصل معنى البيت: أن ابن خزيمة يقع له تقديم المتن على السند، إذا كان في السند من
فيه مقال، فيبتدئ بالمتن، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرح هو بأن من رواه على غير
ذلك الوجه لا يكون في حلٍ منه، فحينئذٍ ينبغي أن يمنع هذا، ولو جوزنا الرواية بالمعنى،
قاله في التدريب(١) نقلاً عن الحافظ ابن حجر.
(تنبيه): هذا البيت زائد على العراقي:
ثم ذكر حكم ما إذا قال الشيخ مثله أو نحوه فقال :
جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْن لَمْ يُعَدْ
وَلَوْ رَوَى بِسَنَد مَتْنَا وَقَدْ
لا تَرْو بِالثَّاني حَدِيثًا قَبْلَهُ
بَلْ قَالَ فِيهِ لنَّحْوَهُ) أَوْ ((مثْلَهُ)
ذَا مَيْزَةٌ ، وَقِيلَ : لا فِي (نَحْوِهِ))
وَقِيلَ: جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ
(١) ج ٢ ص ١١٢ .

٨٦
شِعُ الْفِيَّةُ الشَّيُظِىّ -
٥٣٢ - الْحَاكُمُ: اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى
وَمَثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا (*)
٥٣٣- وَاَلْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: مِثْلَ خَبَر
قَبْلُ وَمَسْئُهُ كَذَا، فَلَيَذْكُرِ ( ** )
وَمَثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا
الْحَاكِمُ: اخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى
قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا ، فَلَيَذْكُرٍ
وَاَلْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: مِثْلَ خَبَرِ
(ولو روی) الشيخ للراوي (بسند) أي مع ذكر سند (متنا) مفعول به لـ ((روى)) (و) الحال
أنه (قد جدد إسنادًا) للمتن، أي: ذكر إسنادًا آخر بعد الأول، ومتنه (ومتن) له (لم يعد)
بالبناء للمفعول، أي: والحال أن متن هذا الإسناد لم يذكر ثانيًا، إحالة على المتن الأول.
فالحال الأول من فاعل روى، والثاني من ((إسنادًا)) فهما متداخلان (بل قال) الشيخ
(فيه) أي: في هذا الإِسناد المجدد كلمة (نحوه) أي: نحو المتن السابق (أو) كلمة ((مثله)))
أي مثل المتن السابق، وقوله: (لا ترو) جواب لو. أي: لا تنقل أيها السامع على هذه
الكيفية (بالثاني) أي: بالإِسناد الثاني (حديثًا) مفعول ترو أي متنا (قبله) أي: قبل هذا
الإسناد، يعني: أنه لا يجوز لك أن تروي بالإسناد الثاني فقط المتن الأول، لعدم تيقن
تماثلهما في اللفظ، وفي قدر ما تفاوتا فيه.
هذا هو الأظهر، وهو قول شعبة، وعليه ابن الصلاح، والنووي، وابن دقيق العيد
(وقيل جاز) ذلك (إن يكن من يروه) أي: يروي ذلك المتن بالإسناد الثاني (ذا ميزة) بالفتح
مصدر ماز يميز، من باب باع: إذا عزل الشيء، وفصله، والتاء للمرة، وأما الميزة بالكسر
فهي التنقل كما في التاج ولا يناسب هنا.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: يعني.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا سمع الراوي حديثًا واحدًا بإسنادين، وكان لفظ الحديث مع الإسناد
الأول، وقيل في الثاني -نحوه- أو ((مثله)) -: فلا يجوز له أن يروي الحديث بالإسناد الثاني، لأنه لعله يخالفه
في بعض ألفاظه أو بالزيادة أو النقص، وأجاز ذلك بعضهم إذا كان الشيخ ضابطًا متحفظًا يذهب إلى تمييز
الألفاظ. وأجاز بعضهم ذلك فيما يقال فيه ((مثله))، ومنعه فيما يقال فيه: ((نحوه)) بناء على أن المثل إنما يكون
في اللفظ، ولذلك قال الحاكم: ((إن مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول: (مثله) أو
يقول: (نحوه) فلا يحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد ويحل أن يقول: (نحوه)
إذا كان على مثل معانيه)). والأحسن أن يذكر الإسناد الثاني ثم يقول: ((مثل)) أو نحو - حديث قبله، متنه
كذا- ثم يسوق المتن. وهذا كله بناء على القول بمنع الرواية بالمعنى وأما على القول بجوازها فكل ذلك جائز.

٨٧
- الجزءالثاني
والمعنى: أنه يجوز أن يروي المتن المتقدم بالسند الثاني إذا كان الراوي معروفًا بتمييز
الألفاظ وعد الحروف، وإلا لم يجز، وهو قول سفيان الثوري، وابن معين.
(وقيل: لا) يجوز ذلك في (نحوه) أي: فيما إذا قال الشيخ: نحوه، ويجوز في مثله،
وهذا التفصيل مروي عن ابن معين عملاً بظاهر اللفظين، إذ مثله يعطي التساوي في
اللفظ، بخلاف نحوه.
قال الخطيب: هذا الفرق بين مثله ونحوه يصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على
جوازها فلا فرق.
(الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله المشهور بابن البيع النيسابوري المتوفى سنة خمس
وأربعمائة عن أربع وثمانين سنة، مبتدأ محذوف الخبر أي: قائل، أو فاعل لمحذوف، أي:
قال الحاكم مفرقًا بين مثله ونحوه (اخصص) أيها الراوي مقول القول المقدر ((نحوه))) أي: هذا
اللفظ (بالمعنى) أي بما اتفقا في المعنى، لا فى اللفظ. (و) اخصص (مثله باللفظ) أي: بما اتفقا
في للفظ، ثم قال الناظم مستحسنًا قول الحاكم (فرق سنًّا) أي: هذا فرق مسنون، فـ (فرق)
خبر لمحذوف، وقوله: سنا بالبناء للمفعول، أيُ بَيِّنَ، أي هذا فرق مبين واضح لا خفاء فيه،
يقال: سن الله أحكامه للناس: بينَّها، وسن الله سنة: بيَّن طريقًا قويمًا، قاله في التاج، هذا هو
الموافق للوزن، وأما ما وقع في نسخة الشارح من قوله: فرق سنا، فلا يساعده الوزن، فتنبه .
وفي نسخة بدل ((سنا)) ((يعني)) بالبناء للمفعول، أي: يقصد، يقال: عنيته عنيًا وعنيت
به أيضًا، من باب رمى: قصدته، أفاده في المصباح.
والمعنى: أن هذا فرق يقصد لنفاسته، ونص عبارة الحاكم رحمه الله: يلزم الحديثي من
الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل
نحوه إذا كان بمعناه. اهـ (١).
(والوجه) أي: المختار في الأداء، قال في المصباح: الوجه: ما يتوجه إليه الإنسان من
عمل وغيره، وقولهم: الوجه أن يكون كذا جاز أن يكون من هذا، وجاز أن يكون بمعنى
القوي الظاهر أخذًا من قولهم: قدمت وجوه القوم: أي: ساداتهم. اهـ.
(أن يقول) في تأويل المصدر مبتدأ خبره ((الوجه))، ويجوز العكس، لكن الأول أولئ، لما أن
المنسبك من أن بمنزلة الضمير، فهو أعرف، كما بينه ابن هشام في المغني. يعني: أن الأداء القوي
(١) انظر التدريب ج ٢ ص ١١٣ .

٨٨
شَرِجُ الْفِيَة الشَّيُوطِيّ -
٥٣٤ - وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْله
((وَذَكَرَ الْحَديثَ)) أَوْ ((بِطُوله))
٥٣٥ - فَلا تُتمَّهُ، وَقِيلَ : جَازا
إِنْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ : إِنْ أَجَازا
الجلي الذي لا يلتبس على سامعه في رواية مثل هذا قول الراوي بعد إيراده السند (مثل خبر قبل)
بالنصب مفعول لمحذوف، أي: ذكر مثل حديث قبل، أي: قبل هذا الإِسناد والجملة مقول القول.
(ومتنه كذا) مبتدأ وخبر، عطف على مقول القول، أي: متن هذا السند الثاني كذا
(فلیذکر) ذلك المتن بتمامه.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا أراد رواية ما كان من قبيل ما تقدم فالأحسن له كما ذكره
الخطيب عن جماعة من أهل العلم أن يذكر إسناده ثم يقول مثل حديث قبله متنه كذا وكذا
ثم يسوقه، وكذا إذا قال نحوه، قال الخطيب: وهذا الذي أختاره(١) .
وإيضاح ما أشار إليه في هذه الأبيات الخمسة: أنه لو روئ المحدث حديثًا باسنادٍ ثم
أتبعه إسنادًا آخر، وحذف متنه إحالة على المتن الأول، وقال في آخره مثله، فأراد السامع
منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط؛ فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه سفيان
الثوري، وابن معين إذا كان الراوي متحفظًا ضابطًا مميزًا بين الألفاظ وإلا فلا .
وأما إذا قال: نحوه فأجازه الثوري، ومنعه شعبة، وابن معين، قال الخطيب: وفرق
ابن معين بين مثله ونحوه یصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق.
وقال الحاكم: يلزم الحديثي من الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه إلى آخر ما تقدم من
نص عبارته .
وقال الخطيب: وكان غير واحد من أهل العلم إذا روى مثل هذا يورد الإِسناد ويقول:
مثل حدیث قبله، متنه كذا وكذا، ثم يسوقه، قال: و کذلك إذا كان المحدث قد قال نحوه.
قال: وهذا الذي اختاره. اهـ.
ثم إن ما تقرر كله محله إذا ساق المحدث المتن بتمامه، وأما إذا روى بعضه، ثم أحال
الباقي، فأشار إلى حکمه، فقال:
((وَذَكَرَ الْحَديثَ)) أَوْ ((بطُوله))
وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْله
إِنْ يَعْرِفَا ، وَقِيلَ : إِنْ أَجَازا
فَلاَ تُتْمَّهُ، وَقَيلَ : جَازا
(١) الكفاية ٢١٢ .

٨٩
الجُزْءُ الثاني
-
٥٣٦ - وَقُلْ عَلَى الأَوَّل ((قَالَ وَذَكَرْ
حَديثَهُ وَهْوَ كَذَا)) وَاَتْتِ الْخَبَرْ (*).
حَديثَهُ وَهْوَ كَذَا)) وَاتْتِ الْخَبَرْ
وَقُلْ عَلَى الأَوَّل ((قَالَ وَذَكَرْ
(وإن ببعضه أتى) أي: أتى الشيخ ببعض الحديث بعد سوق السند بتمامه (وقوله) بالجر
عطف على بعض، أي: أتى بقوله في آخر ما اقتصره (وذكر الحديث) مقول القول (أو) أتى
بقوله (بطوله) أو قوله: ((الحديث)) بدون و((ذكر)) (فلا تتمه) أيها السامع على هذه الكيفية،
لأنه أولى بالمنع من المسألة السابقة في ((مثله)) و((نحوه)) فإنه إذا منع ثمة مع أنه ساق فيها
جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فلأن يمتنع هنا، ولم يسق إلا بعض الحديث من باب
أولى، وجزم بذلك جماعة: منهم الأستاذ أبو إسحاق.
(وقيل جازا) بألف الإطلاق، أي: جاز للسامع على هذه الكيفية أن يتمه (إن يعرفا)
أي المحدث والسامع الخبر بتمامه، وهذا القول: لأبي بكر الإسماعيلي، لكن البيان أولى.
(وقيل) جاز ذلك (إن أجازا) بألف الإطلاق، أي: أجاز الشيخ للسامع.
قلت: وهذا القول لم أجده في شيء من المراجع التي عندي وإنما غاية ما فيها قول ابن
الصلاح بعد حكايته كلام الإسماعيلي: وإذا جوزنا ذلك فالتحقيق فيه أنه بطريق الإجازة
فيما لم يذكره الشيخ إلى آخر ما يأتي في الخلاصة، وهذا لا يدل على أن هذا مخالف لما
قبله، بل هو بيان لكلام الإسماعيلي بأنهما إذا عرفا الخبر بتمامه يجوز للسامع إتمامه،
وتكون روايته بطريق الإِجازة الأکیدة، ولو قال بدل هذا البيت :
إِنْ يَعْرِفَا فَإِنَّهُ أَجَازَاً
فَلاَ تُتْمَّهُ وَقِيلَ جَازَاً
لكان أولى، أي: فإن هذا الشيخ أجاز له فروايته تكون بطريق الإِجازة.
(وقل) أيها السامع إذا أردت الإتمام (على الأول) أي: حال كونك جاريًا على القول
الأول، وهو المنع وجوبًا، وكذا على الثاني احتياطًا (قال) الشيخ (وذكر حديثه وهو) أي:
نص الحديث (كذا) أو تمامه كذا (وائت الخبر) أي: اذكر الخبر بنصه بأن تسوقه بتمامه .
فقوله: ((على الأول)) متعلق بـ((قل))، أو حال، ومقول قل: قال. إلخ، ومقول قال:
وذكر حديثه، وقوله: وهو كذا، ليس من تتمة مقول قال، وإنما هو من تتمة مقول قل،
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا اختصر الشيخ الحديث فأتى بأوله ثم قال: وذكر الحديث أو نحو ذلك -:
فإنه لا يسوغ للراوي أنه يتمه من رواية أخرى عن غير هذا الشيخ، والأصوب أن يذكر ما قاله الشيخ ثم يقول
((وهو هكذا)) أو ((تمامه كذا)) ثم يسوق الحديث. وأجاز بعضهم إتمامه إذا كان هو والشيخ يعرفان هذا الحديث،
أو كان الراوي سمعه من الشيخ قبل ذلك تمامًا. والقول الأخير لابن كثير، وهو قول صحيح.

٩٠
شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوظِى -
٥٣٧ - وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بِالنَّبِيِّ
رَسُولُهُ، وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ (*)
وقوله: (وائت الخبر) بيان لقوله، وهو كذا أي: سق الخبر بتمامه.
وفي نسخة: ((وهو كذا ائت بالخبر)) ومعناهما واحد.
وخلاصة ما أشار إليه في هذه الأبيات الثلاثة بإيضاح: أنه إذا ذكر الشيخ الإسناد
وبعض المتن، ثم قال: وذكر الحديث، ولم يتمه، أو قال بطوله، أو الحديث، وأضمر
وذكر فأراد السامع عنه روايته بكماله فهو أولى بالمنع من مسألة مثله ونحوه لأنه إذا منع
هناك مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فلأن يمنع هنا ولم يسق إلا
بعض الحديث من باب أولى، وبذلك جزم قوم، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني،
وأجازه الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث، قال: والبيان أولى.
وفصل ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك عن الشيخ في ذلك
المجلس أو غيره جاز، وإلا فلا .
ثم إن من أراد الإتمام فالبيان واجب عليه على الأول، وأحوط له على الثاني، وذلك أن
يقتصر على المذكور، ثم يقول: وذكر الحديث، وهو هكذا، أو تمامه كذا، ويسوقه بكماله.
قال ابن الصلاح بعد أن نقل كلام الإسماعيلي: إذا جوزنا ذلك فالتحقيق فيه أنه بطريق
الإجازة فيما لم يذكره الشيخ قال: لكنها إجازة أكيدة قوية من جهات عديدة، فجاز لهذا
مع كون أوله سماعًا إدراج الباقي عليه من غير إفراد بلفظ الإجازة.
ثم ذكر حكم إبدال الرسول بـ(( النبي))، وعكسه، فقال:
رَسُولُهُ، وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ
وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بـ(النَّبِيِّ)
(وجاز أن يبدل) بالبناء للمفعول (ب) لفظ (النبي رسوله) أي: هذا اللفظ وهو النائب
عن الفاعل (والعكس) مبتدأ خبره محذوف، أي: جاز، أو فاعل لمحذوف، أي: جاز
العکس، أو معطوف على فاعل جاز.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يجوز للراوي - على الراجح عندهم - أن يبدل أحد اللفظين من الآخر:
((النبي)) و((الرسول)) لأن المراد بهما واحد، وهو رسول الله عِ يم .
ومنع بعضهم ذلك، واستدل له بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم وفيه: ((ونبيك الذي أرسلت))
فأعاده البراء على النبي ◌ِ ◌ّم ليحفظه فقال فيه: ((ورسولك الذي أرسلت)) فقال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت))
وأجاب عنه العراقي بأنه لا دليل فيه، لأن ألفاظ الذكر توقيفية. والراجح عندي: اتباع ما سمعه الراوي من
شيخه، وأولى بالمنع تغيير ذلك في الكتب المؤلفة.

٩١
الجُزْءُ الثاني
-
٥٣٨ - وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَهْ
بَّنَ حَتْمًا، والْحَديثُ مَاتَرَهُ
(في القوي) متعلق بـ ((جاز))، أو خبر لمحذوف، أي: هذا كائن في القول القوي، وهو
قول حماد بن سلمة، وأحمد، والخطيب، في آخرين، وصوبه النووي، والعراقي،
وغيرهما.
ومقابله قول ابن الصلاح: إنه لا يجوز، وإن جازت الراوية بالمعنى، لاختلاف المعنى
في ((النبي)) و ((الرسول)).
وحاصل ما أشار إليه في هذا البيت أنه إذا وقع في الرواية ((عن النبي ◌َّر)) فهل للسامع
أن يقول: ((عن رسول الله وَّر)) وهكذا عكسه، قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز،
وإن جازت الرواية بالمعنى، فإن شرط ذلك أن لا يختلف المعنى، والمعنى في هذا مختلف،
وكان أحمد إذا كان في الكتاب ((النبي)) فقال المحدث: ((رسول الله)) ضرب وكتب(( رسول
الله)) قال الخطيب: هذا غير لازم، وإنما استحب اتباع اللفظ، وإلا فمذهبه الترخيص في
ذلك، وقد سأله ابنه صالح: يكون في الحديث ((رسول الله)) فيجعل ((النبي))؟ قال: أرجو
ألا يكون به بأس، وقال حماد بن سلمة لعفان وبهز لما جعلا يغيران ((النبي)) من ((رسول
الله)): أما أنتما فلا تفقهان أبدًا. قال العراقي: وقول ابن الصلاح: إن المعنى في هذا
مختلف لا يمنع جواز ذلك فإنه وإن اختلف معنى ((النبي)) و((الرسول)) فإنه لا يختلف في
نسبة ذلك القول لقائله بأي وصف وصفه إذا كان يعرف به .
وأما ما استدل به بعضهم على المنع بحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في
((الصحيح)) في الدعاء عند النوم وفيه: ((ونبيك الذي أرسلت)) فقال يستذكرهن:
((وبرسولك الذي أرسلت)) فقال: لا، و((نبيك الذي أرسلت)) فليس فيه دليل، لأن ألفاظ
الأذكار توقيفية، وربما كان في اللفظ سر لا يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين
في موضع واحد. وقال النووي: الصواب والله أعلم جوازه؛ لأنه لا يختلف به هنا معنى.
اهـ. كلام العراقي (١) وهو بحث نفيس جدًّا. والله أعلم.
ثم ذكر حكم السماع على نوع من الوهن، فقال:
وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَهْ بَيَّنَ حَتْمًا
(وسامع) مبتدأ (بالوهن) متعلق به، أي: بالضعف في سماعه (كالمذاكره) خبر
(١) شرح الألفية ج ٢ ص ١٩٤، ١٩٥ .

٩٢
شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ
٥٣٩- عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَوْ جُرِخْ
إِحْدَاهُمَا (*) فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِخْ
لمحذوف، أي: وذلك كالسماع في حال المذاكرة، وجملة قوله (بين) خبر المبتدأ، وقوله
(حتمًاً) أي: وجوبًا منصوب على الحال، أو مفعول مطلق.
وحاصل المعنى: أنه إذا سمع من الشيخ من حفظه في حال المذاكرة بيَّن وجوبًا بحكاية
الواقع، كأن يقول: حدثنا فلان مذاكرة، أو في المذاكرة، لأنهم يتساهلون في المذاكرة،
والحفظ خوَّان.
ولأن في إغفاله نوعًا من التدليس، وكان غير واحد من متقدمي العلماء يفعل ذلك،
وكان جماعة منهم يمنعون من أن يحمل عنهم في المذاكرة شيء، لما ذكرناه من التساهل،
وأدخل بالكاف في قوله: كالمذاكرة ما وقع فيه نوع تساهل، كأن سمع من غير أصل، أو
کان هو أو شیخه یتحدث، أو ینعس، أو ینسخ وقت الإسماع، أو کان سماعه، أو سماع
شيخه بقراءة لحَّان، أو مصحِّف، أو كتابة التسميع بخط من فيه نظر، ونحو ذلك ففي كل
هذه الأحوال بین، لما ذكرنا.
ثم إن ما ذكره من وجوب البيان هو ظاهر كلام ابن الصلاح (١)، لكن صرح الخطيب
بأنه مستحب(٢) .
ثم ذكر حكم ما إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين، أو أحدهما ثقة والآخر مجروح
فقال:
والحَدِيثُ مَا تَرَهْ
إِحْدَاهُمَا فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِخْ
عَنْ رَجُلَيْن ثقَتَيْنِ أَوْ جُرِخْ
(والحديث) مبتدأ (ما تره) ((ما)) شرطية، ولو عبر بـ(( إن)) لكان أوضح، أي: إن تر
الحديث حال كونه مرويًّا (عن رجلين ثقتين) كل منهما (أو جرح) بالبناء للمفعول (إحداهما)
أي أحد الرجلين، لكن أنثه للوزن، وتكلف الشارح بما لا طائل تحته كما قال ابن شاكر،
ولو قال بدل هذا البيت:
عن ثقَة وَضدّه أوَ وُثِّقَا. فَحَذفْ واحد أَجزُهُ مُطْلَقًا
٠٠٠
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كذا في كل النسخ، وهو لحن ألجأه إليه الوزن، فإنه يريد أن يقول
((أحدهما)) أي أحد الراويين. وقد حاول الشارح الترمسي التمحل لتصحيح هذا الحرف فلم يأت بطائل.
(١) علوم الحديث ص ٢١٠.
(٢) الجامع ج ٢ ص ٣٧ .

٩٣
الجُزْءُ الثّاني
-
٥٤٠- وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَديث عَنْ رَجُلْ
وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرِ ثُمَّ جَمَل
٥٤١- ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بلا
مَيْزِ أَجِزْ وَحَذْفُ شَخْصِ حُظِلا
٥٤٢- مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلاً
(*)
وَحَيْثُ جَرْعُ وَاحِدٍ لا تَقْبَلا(
أي سواء كان ثقة، أو مجروحًا، لكان أولى (فحذف واحد) مفعول مقدم لقوله:
((أبح)) أي حذف واحد من الرجلين (أبح) أيها المحدث، والجملة جواب الشرط، والجملة
خبر المبتدأ.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين، أو أحدهما ثقة والآخر مجروح
جاز حذف أحدهما، وذلك كحديث عن ثابت البناني، وأبان بن أبي عياش، عن أنس.
لكن الأولى ذكرهما، لاحتمال أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر، وحمل
لفظ أحدهما على الآخر، وإنما لم يحرم ذلك لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكر من
الاحتمال نادر بعيد، نعم محذور الحذف في الأول أقل من الثاني .
قال الخطيب: وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح من الإسناد
ويذكر الثقة، ثم يقول: وآخر كناية عن المجروح، وهذا القول لا فائدة فيه .
وقال بعضهم: بل فيه فائدة تكثير الطرق التي يرجح بها عند المعارضة، والإِشعار
بضعف المبهم. ثم ذكر حكم من أخذ عن شيخ بعض الحديث، وعن آخر بعضه بقوله :
وَيَعْضَهُ عَنْ آخَرِ ثُمَّ جَمَل
وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيث عَنْ رَجُلْ
مَيْزِ أَجَزْ وَحَذْفُ شَخْص حُظلا
ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بلا
وَحَيِّثُّ جَرْعُ وَاحِد لا تَقِّبَلا
مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من كان سماعه للحديث فيه بعض من الوهن والضعف -: فإنه يجب عليه .
أن يبينه حين الرواية، لأن في إغفال ذلك نوعًا من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل أو سمع بقراءة
مُصَحِّفٍ أو لحَانٍ، أو حصل ما يشغل شيخه وقت القراءة كحديث أو نوم أو نسخ أو نحو ذلك.
ومن الوهن أن يسمع الحديث حال المذاكرة، وهي أن يتذاكر أهل العلم فيما بينهم في مجالسهم ببعض
الأحاديث، فإنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية، لتيقنهم أنها لم يقصد بها السماع منهم
ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة، كابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة، وامتنع جماعة
من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، كأحمد بن حنبل، للتساهل في المذاكرة، ولأن الحفظ خوان. فمن =

٩٤
شَرْعُ الْفِيَّةُ السَّيُظِى ..
-
(ومن) موصولة، أو شرطية مبتدأ (روى) أي: نقل بسماع، أو غيره (بعض حديث عن
رجل) متعلق بـ((روى)) (وبعضه) عطف على ((بعض حديث)) أي بعض ذلك الحديث (عن
آخر) بالصرف للضرورة عطف على ((عن رجل)) عطف معمولين على معمولي عامل
واحد، وهو جائز بالإتفاق، أي: عن شيخ آخر (ثم جمل) بالجيم من باب قتل، أي جمع
(ذلك) الحديث المسموع على هذه الكيفية (عن ذين) متعلق بحال محذوف، أي حال كونه
راوياً عن هذين الرجلين (مبينًا) حال من الفاعل أيضًا، أي حال كونه مبينًا كون بعضه عن
أحدهما، وبعضه عن الآخر (بلا میز) بفتح فسکون، أي بلا تمییز لما سمعه من کل واحد
منهما. والجار متعلق بـ ((مبينًا)) أو حال، وجملة (أجز) خبر من، إن كانت موصولة،
وجوابها إن كانت شرطية على حذف مضاف، إما من المبتدأ، أو من الرابط المقدر، أي فعل
من روی أجزه، أو من روی أجز فعله.
وحاصل المعنى: أنه إذا سمع بعض حديث عن شيخ، وبعضه عن آخر، فروى جملته
عنهما مبينًا أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر جاز ولو لم یبین ما سمعه من كل
منهما بالتعیین.
(وحذف شخص) مبتدأ، أي إسقاط واحد من هذين الرجلين، وقوله (حظلاً) بالبناء
للمفعول، والألف إطلاقية، أي منع، خبر المبتدأ.
(مجرحًا) خبر مقدم لقوله (يكون) ذلك المحذوف (أو معدًَّا) عطف على الخبر،
وهمزة التسوية مقدرة، والجملة في تأويل المصدر مبتدأ، حذف خبره، أي كونه مجروحًا
أو معدلاً سواء في منع حذفه، بل يجب ذكرهما مبينًا أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن
الآخر.
= سمع فيها فليقل إذا روى: ((حدثنا فلان في المذاكرة)) أو ما يقارب هذا. وإذا كان الحديث واردًا عن رجلين
ثقتين أو عن ثقة وضعيف فالأولى أن يذكرهما معًا لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر. فإن
اقتصر على أحدهما جاز، لأن الظاهر اتفاق الروايتين، والاحتمال المذكور نادر. وأما إذا كان الحديث بعضه
عن رجل وبعضه عن رجل آخر من غير أن تميز رواية كل واحد منهما فلا يجوز حذف أحدهما، سواء كان
ثقة أم مجروحًا، لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه قطعًا. ويكون الحديث كله ضعيفًا إذا كان أحدهما
مجروحًا، لأن كل جزء من الحديث يحتمل أن يكون من رواية المجروح، وأما إذا كانا ثقتين فإنه حجة، لأنه
انتقال من ثقة إلى ثقة. ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري قال: ((حدثني عروة
وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة- قال: ((وكل قد حدثني
طائفة من حديثها ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض))- ثم ذكر الحديث.

٩٥
-
الجزءالثاني
وحاصل المعنى: أن حذف أحد هذين الرجلين ممنوع سواء كان مجروحًا أو ثقة، بل
یجب ذکرهما جمیعًا مبينًا أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، وكذا لا يجوز ذكرهما
ساكتًا عن ذلك.
(وحيث جرح واحد) برفع جرح على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي موجود، يعني
أنه حيث جرح واحد منهما (لن تقبلا) أيها المحدث ذلك الحديث، هكذا نسخة ابن شاكر
بلا الناهية، وعليها فالألف بدل من نون التوكيد، وفي نسخة الشارح لن تقبلا، فالفعل
عليها مبني للمفعول، والألف للإطلاق، أي لن تقبل الرواية.
والمعنى: أنه إذا كان أحدهما مجروحًا لا يحتج بذلك الحديث، لأنه ما من جزء منه إلا
ويجوز أن یکون عن ذلك المجروح.
وحاصل معنى الأبيات الثلاثة: أنه إذا كان الحديث وارداً عن رجلين ثقتين، أو عن ثقة
وضعيف، فالأولى أن يذكرهما معًا لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر،
فإن اقتصر على أحدهما جاز؛ لأن الظاهر اتفاق الروايتين، والاحتمال المذكور نادر.
وأما إذا كان الحديث بعضه عن رجل، وبعضه عن آخر من غير أن تميز رواية كل منهما
فلا يجوز حذف أحدهما، سواء كان ثقةً أم مجروحًا، لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه
قطعًا، ويكون الحديث كله ضعيفًا إذا كان أحدهما مجروحًا لأن كل جزء من الحديث
يحتمل أن يكون من رواية المجروح.
وأما إذا كانا ثقتين فإنه حجة لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة.
ومن أمثلته حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري، قال: حدثني عروة،
وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة،
قال: وكل قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى
لحديث بعضهم من بعض، ثم ذكر الحديث.
(تتمة)): الزيادات في هذا الباب قوله: ((وفصل الخطيب إن اطمأن أنها المسموع)).
وقوله: ((وما به تعبدا)). وقوله: واللغات، وقوله: ((ثالثها ترك كليهما)). وقوله: ((وفصلا
مختلف بمستقل وبلا))، وقوله : ((والترك جائزًاً رأوا))، وقوله: ((في الأصح وابن خزيمة)).
البيت، وقوله الحاكم ((اخصص)). البيت: وقوله: ((أو بطوله)).
ولما أنهى صفة رواية الحديث أتبعها بذكر آداب المحدث لمناسبة ظاهرة بينهما فقال:

٩٦
شَرْعُ الفِيدُ السَّيُوطِيّ -
آداب المحدث
٥٤٣ - (وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثْرِ)
فَصَحِّحِ النَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ
٥٤٤ - قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى
نَشْرِ الْحَدِيثِ(*) ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى
٥٤٥ - مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَيْخًا أَوْ حَدَثْ
وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثّ
٥٤٦ - (ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إلَّى
أَعْلَىَ فِي الإِسْنَادِ إِذَا مَا جَهلا ( ** ))
آداب المحدث
أي هذا مبحث آداب المحدث، وهو النوع الحادي والأربعون من أنواع علوم الحديث؛
والآداب جمع أدب محرکة، وهو : ملكة تعصم من قامت به عما یشینه.
وقيل: تعلم رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، وقيل: هو يقع على كل رياضة محمودة
يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقيل: هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، أو
الأخذ، أو الوقوف مع المستحسنات، أو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، أفاده في التاج.
والمحدث المراد به هنا: ما يشمل كُلاَّ من الحافظ، والمحدث، والمسند الآتي بيانها
قريبًا، والمراد الآداب التي تطلب عند إرادة الرواية، ومع الطالب، وفي الرواية،
والإملاء، وما يفعله المستملي، وغير ذلك مما لم يتقدم، وقدمت على آداب الطالب
لكونها أشرف، ولمناسبتها لأكثر فروع صفة الرواية والأداء.
فَصَحِّحِ النَّةَ ثُمَّ طَهِّرٍ
(وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثْرِ)
نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى
قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدَ حَرْصًا عَلَّى
وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثّ
مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَبَّخًا أَوْ حَدَثْ
أَعْلَىَ فِي الإِسْنَادِ(١) إِذَا مَا جَهلا
ابْنُ دَّقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى
(١) قوله: في (الاسناد) بحذف الياء من (في) ونقل حركة همزة الإسناد إلى اللام للوزن.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: لأنه من التبليغ الواجب على كل عالم، للحديث الصحيح: ((بلغوا عني،
ليبلغ الشاهد الغائب».
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلفوا في السن التي يحسن أن يتصدى فيها لإسماع الحديث، والصحيح
الراجح: أنه لا يقيد بشيء، وإنما من رأى أنه أهل للتحديث واحتاج الناس إلى ما عنده -: أدى الأمانة كما =

٩٧
الجُزْءُ الثاني
(وأشرف العلوم علم الأثر) مبتدأ وخبر، أي أفضل العلوم المدونة على الإطلاق:
علم الحديث، والمراد بالأثر ما يشمل المرفوع، والموقوف، أي هو من أشرفها، وعبارة
ابن الصلاح: علم الحديث علم شريف، وذلك؛ لأنه وصلة إلى البحث عن تصحيح
أقوال النبي ◌َّ، وأفعاله، والذب عن أن ينسب إليه ما لم يقله، ولأن سائر العلوم
محتاجة إلیه .
(فصحح النية) الفاء فصيحية، أي فإذا كان الحديث من أشرف العلوم فصحح أيها
المحدث نيتك في حال التحديث، فـ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (١) .
(ثم) بعد تصحيحك النية (طهر قلبًا) لك (من) أعراض (الدنيا) لأن تبليغ العلم من
وظائف الأنبياء، فكما لا يطلبون هم أجراً على التبليغ إلا من الله تعالى، فكذلك من قام
مقامهم ينبغي له الاقتداء بهم.
(وزد) أيها المحدث على ما تقدم (حرصًا) أي شدة اهتمام (على نشر الحديث) لقوله
وَ له: ((بلغوا عني))، الحديث، وقوله: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) رواهما الشيخان. ثم
إنهم اختلفوا في السن الذي يحسن أن يتصدى للتحديث فيه، فقيل خمسون؛ لأنها انتهاء
الكهولة، ومجتمع الأشد، ولا ينكر في الأربعين لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال.
والصحيح أنه يحدث إذا احتيج إليه في أي سنَّ كان، وإليه أشار بقوله: (ثم من)
شرطية (يحتج) بالبناء للمفعول (إلى ما) أي إلى الحديث الذي ثبت (عنده) وقوله (حدث)
جواب الشرط، أي تصدى للتحديث، سواء كان (شيخًا) وهو من استبانت فيه السن،
وظهر عليه الشيب، أو من خمسين أو إحدى وخمسين، إلى آخر عمره، أو إلى الثمانين،
وله جموع كثيرة ذكرها في ((ق )) .
(أو حدث) عطف على شيخ إلا أنه وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، وهو الحديث
السن، أي الفتى.
وحاصل المعنى: أن من احتيج إلى ما عنده من الحديث جلس له في أي سن كان فإن
كثيرًا من السلف تصدوا لذلك في حداثة سنهم، ولم ينكر عليهم ذلك.
= سمع، شيخًا كان أو شابًّا، وإذا علم أن غيره أرجح منه أحال الطالبين عليه، اعترافًا بالفضل لصاحبه، ونصيحة
واجبة في العلم لطالبيه. وكذلك إذا كان غيره أعلى منه إسنادًا، وذهب ابن دقيق العيد إلى أنه لا يرشد على
صاحب الإسناد العالي إذا كان جاهلاً بالعلم، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب خللاً. وهذا قيد صحيح.
(١) طرف من حديث أخرجه الشيخان وغيرهما .

٩٨
٥٤٧ - وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى
فَلَيْسَ كُرْهًا أَوْ خلافَ الأَوْلَى
٥٤٨- (هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ
عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ
٥٤٩ - وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبَاعُ
يَكَادُ فِيهِ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ
(ورد) المحدث من طلب أن يحدثه بجزء أو نحوه (للأرجح) أي إلى الشخص الأرجح
منه، لكونه أعلى إسنادًا منه فيه، أو متصل السماع بالنسبة إليه، أو لغير ذلك من
المرجحات، حال كونه (ناصحًا) لذلك الطالب، فإن ((الدين النصيحة)) (١) (وحث) أي حث
الطالب على لزوم الأرجح.
وحاصل المعنى: أنه إذا سئل المحدث بجزء، أو كتاب أن يقرأ عليه، وهو يعلم أن غيره
في بلدته، أو غيرها أرجح في روايته منه بكونه أعلى منه إسنادًا، أو غيره من المرجحات
ينبغي له أن يدل السائل على ذلك الشخص نصيحة في العلم.
(و) الإِمام أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي (ابن دقيق العيد) فاعل لمحذوف، أو
مبتدأ محذوف الخبر، أي قال، أو قائل (لا ترشد) أيها المحدث من طلب منك أن تحدثه
(إلى) من كان (أعلى) منك (في الإسناد) فقط (إذا ما) زائدة (جهلاً) الألف للإطلاق، أي
إذا كان جاهلاً.
وحاصل المعنى: أن ابن دقيق العيد قال: إنما ينبغي الإِرشاد إلى الأرجح إذا استويا فيما
عدا الصفة المرجحة، وإلا بأن يكون الأعلى إسنادًا عاميًّا، والأنزل عارفًا ضابطًا فقد
يتوقف في الإرشاد إلیه، لأنه قد یکون في الرواية عنه ما يوجب خللاً.
ثم ذکر حکم من یحدث بحضرة من هو أعلى منه، فقال:
فَلَيْسَ كُرْهًا أَوْ خلافَ الأَوْلَى
وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى
عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ
(هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ
يَكَادُ فِيهَ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ
وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبَاعُ
(ومن) شرطية (يحدث) أي يتصد للتحديث (و) الحال أنه (هناك) أي بحضرته، أو في
بلدته. وهو خبر مقدم لقوله (أولی) أي شخص أحق بالتحدیث منه، لسنه، أو علمه، أو
(١) طرف من حديث أخرجه مسلم في صحيحه .

-
الجُزءُ الثاني
٩٩
علو سنده، أو غير ذلك، من المرجحات (فليس) اسم ليس ضمير يعود إلى المفهوم من
يحدث، أي تحديثه (كُرهًا) أي مكروها، والجملة جواب من (أو) بمعنى الواو (خلاف
الأولى) أي وليس خلاف الأولى، و(هذا) القول (هو الأرجح) لقوة دليله (والصواب)
لاستقامة مدر که. ثم ذکر دلیله بقوله:
(عهد النبي) منصوب على الظرفية متعلق بـ((حدث))، أو منصوب بنزع الخافض، أي
في زمن النبي ◌َّر، وفي بلده (حدث)، وأفتى (الصحاب) بالكسر، جمع صاحب،
كجائع، وجياع، أي أن الصحابة رضي الله عنهم حدثوا في وقت رسول الله مَّل، وفي
بلده، كما في الحديث الصحيح: ((إن ابني كان عسيفًا)) الحديث، وفيه: فسألت أهل العلم
فقد استنبط منه العلماء أنهم كانوا يفتون في عهده، وفي بلده، وروي أن منهم الخلفاء
الأربعة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت رضي
الله عنهم، کما يأتي ذلك في قوله:
وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْف ايْ عَهْدَ النَّبِيْ، زَيْدٌ، مُعَاذٌ، وَأُبَيْ
(وفي) عهد (الصحاب حدث الأتباع) جمع تبع بمعنى تابعي، كسبب وأسباب، أي أن
التابعين رحمهم الله حدثوا في زمن الصحابة رضي الله عنهم.
روى البيهقي بسند صحيح في المدخل، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لسعيد
ابن جبير: حدث، قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أو ليس من نعم الله عليك أن تحدث
وأنا شاهد فإن أخطات علمتك؟
(يكاد) أي يقرب (فيه) أي في جواز التحديث المذكور (أن يرى) بالبناء للمفعول ونائب
الفاعل قوله (الإجماع) أي إجماع العلماء، وأن وصلتها اسم يكاد، والجار والمجرور،
خبرها(١) مقدمًا.
وإنما قال: يكاد لأن بعض العلماء كره ذلك.
قال ابن الصلاح: لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، وكان
إبراهيم، والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء، وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه
من المحدثين من هو أولى منه، لسنه، أو غير ذلك. وقال ابن معين: إذا حدثت في بلد فيه
(١) وكون خبر كان غير مضارع قليل، كعسى، قال ابن مالك:
كَانَ كَادَ وَعَسَى لِكَنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لَهَذَيْنٍ خَبَرْ
:

١٠٠
شَرْعُ الفِيَةُ السَّيُوطِىّ
٥٥٠- وَهْوَ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا مَا انْفَرَدَاً
فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدَا)
٥٥١- ومَنْ عَلَى الْحَدِيث تخليطًا يَخَفْ
لِهَرَمٍ أَوْ لِعَمّى وَالضَّعْف: كَفَّ (*)
مثل أبي مسهر فيجب للحيتي أن تحلق. وعنه أيضًا: إن الذي يحدث بالبلدة، وفيها من هو
أولی بالتحدیث منه فهو أحمق.
ثم ذكر أن التحدیث فرض عین إذا کان في البلد محدث ليس معه غيره، وفرض كفاية
إذا كانوا جماعة، فقال:
وَهْوَ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا مَا انْفَرَدَا فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدًا)
(وهو) أي التحديث (على العين) أي مفروض على كل أحد (إذا ما) ((ما)) زائدة بعد
إذا (انفردا) بألف إطلاق، أي هو فرض عين على من انفرد في بلد بأن لا يكون فيه أهل له
سواه، وهو (فرض كفاية) يسقط الحرج عن الباقين بفعل البعض كما هو شأن فروض
الكفاية (إذا تعددا) بألف الإطلاق أيضًا، أي کثر المتأهلون له.
وحاصل معنى البيت: أن التحديث فرض عين على من انفرد في بلدة، فلو امتنع أثم،
وفرض كفاية إذا كانوا جماعة مشتركين في السماع، فلو امتنع بعضهم لم يأثم.
ثم ذكر حكم من خاف التخليط في الحديث، فقال:
وَمَنْ عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطًا يَخَفْ
لِهَرَمٍ أَوْ لِعَمَّى وَالضَّعْف: كَفّ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ينبغي للمحدث أن يمسك عن الرواية والتحديث إذا دخل في السن وخشي
التخليط، أو مرض أو عمي أو خرف، أو نحو ذلك مما يؤثر على الثقة برواياته، لئلا يأخذ عنه الناس ما لم
يطمئن إلى صحته، وقد يكون ذلك جرحًا فيه، بل لعله يؤثر على روايته قبل أن يحدث له ما حدث، عند
من لم يعرف تاريخ ضعفه .
وحدد بعضهم السن التي يمتنع فيها عن التحديث بالثمانين.
والصحيح: أنه لا تحديد، وأنه يختلف باختلاف الناس.
قال الناظم في التدريب (ص ١٧١): ((فإن يكن ثابت العقل مجتمع الرأي فلا بأس، فقد حدث بعدها - أي
بعد الثمانين - أنس وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى في آخرين.
ومن التابعين: شريح القاضي ومجاهد والشعبي في آخرين، ومن أتباعهم مالك والليث وابن عيينة.
وقال مالك: إنما يخرف الكذابون.
وحدث بعد المائة من الصحابة حكيم بن حزام.
ومن التابعين شريك النمري.
وممن بعدهم الحسن بن عرفة وأبو القاسم البغوي والقاضي أبو الطيب الطبري والسلفي وغيرهم)).