النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء الثاني - ٤٧٥ - وَكَتَبُوا ((حَ) عَنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ فَقِيلَ: مِنْ ((صَحَّ) وَقِيلَ: ذَا انْفَرَدْ ٤٧٦- منَ الْحَديثِ ، أَوْ لِتَحْوِيلِ وَرَدْ أَوْ حَائل ، وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ ثم ذكر كتابة (ح) عند تكرار السند، فقال: فَقِيلَ: مِنْ ((صَحَّ) وَقِيلَ: ذَا انْفَرَدْ وَكَتَبُوا ((ح) عَنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ أَوْ حَائِل ، وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ مِنَ الْحَدِيثِ ، أَوْ لِتَحْوِيلِ وَرَدْ (وكتبوا) أي أهل الحديث في كل ما يريدون الجمع بين إسناديه أو أسانيده من الحديث، أو الكتاب، أو نحوهما (ح) أي لفظها مفعول به لـ ((كتبوا)). أي كتبوا حاء مفردة (عند) إرادة (تكرير سند) للحديث الواحد، أو نحوه، وهي في كتب المتأخرين أكثر، وفي صحيح مسلم أكثر منها في صحيح البخاري. ثم إنهم اختلفوا في هذه الحاء مما اختصرت؟ كما بين ذلك بقوله: (فقيل) إنها مختصرة (من) كلمة (صح) ولذا وجد بخط الحافِظِين: أبي عثمان الصابوني، وأبي مسلم عمر بن علي الليثي البخاري، والفقيه أبي سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الخليل الخليلي مكانها بدلاً عنها صح، فهذا يدل على أنها مختصرة منها، وحسن إثبات صح هنا لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يركب الإسناد الثاني على الأول، فيجعلا إسنادًا واحدًا، قاله ابن الصلاح(١) (وقيل ذا) أي لفظ ((ح)) مبتدأ خبره جملة قوله (انفرد) أي اختصر (من) كلمة (الحديث) أي هو رمز إلى قولهم: ((الحديث))، كما حكاه ابن الصلاح عن بعض أهل المغرب أنهم يقولون مكانها: الحديث (أو) لتنويع الخلاف، أي (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من روى الكتاب بروايات مختلفة جعل نسخته على رواية منها واعتبرها أصلاً، ثم يكتب ما زاد في الروايات الأخرى بالهامش، ويبين ما نقص في الروايات الأخرى عنها بعلامة يرمز بها إليها أو يسميها، أو يكتب بمداد آخر ويبين اصطلاحه في أول النسخة أو في آخرها. وتجد هذه الطرق كثيرة في الكتب المخطوطة الصحيحة. وتجد بيان اختلاف الروايات على أدقه في النسخة اليونينية من البخاري، وهي التي طبعت في بولاق بمصر بأمر المرحوم السلطان عبد الحميد ثم طبعت بمصر مرارًا على غرارها. ثم إن الناظم ذكر بعض الاختصارات التي يلجأ إليها المحدثون في نسخ الكتب، وهي ظاهرة. (١) علوم الحديث ص ٩٩ . ٤٢ وقيل: إنها إشارة (لتحويل) من إسناد إلى إسناد آخر، وجملة قوله (ورد) صفة لـ ((تحويل)) أي وارد في السند، أو الجار متعلق به، أي ورد الحاء لتحويل سند إلى آخر. مے وهذا محكي عن بعض فضلاء الأصفهانيين، كما ذكره ابن الصلاح(١) (أو) لتنويع الخلاف أيضًا، أي وقيل: إنها إشارة لـ (حائل) أي إلى لفظ حائل، الذي هو من حال بين الشيئين يحول: إذا حجز بينهما، لكونها حالت بين الإِسنادين، وهذا نقله ابن الصلاح عن الحافظ الرحال أبي محمد عبد القادر الرُّهاوي الحنبلي، قال: ولا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة، وأنكر كونها من الحديث وغيره، وأنه لم يعرف غيره عن مشايخه، وفيهم عدد كانوا حفاظ الحديث في وقتهم. قال السخاوي: ونحوه في كونها من حائل لكن مع النطق بذلك قول الدمياطي، وقد قرأ على بعض المغاربة، فصار كلما وصل إلى ((ح)) قال حاجز وهو في النطق بمعناها خاصة موافق لما حكاه ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه يقول الحديث كما مر (٢). ثم إن الأولى وفاقًا لابن الصلاح، والنووي أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها حا، ويمر، وإليه أشار بقوله (وقولها) أي النطق بها مبتدأ (لفظًا) مفعول مطلق لـ ((قول)) (أسد) أي أصوب خبر المبتدأ . يعني: أن التلفظ بها حاء مفردة كما كتبت عند الانتهاء إليها، والاستمرار في قراءة ما بعدها هو الأحسن، والأحوط من الوجوه المتقدمة، وإن كان غير متعين كما قاله السخاوي (٣). (تنبيه) قال السخاوي رحمه الله: ثم إنه لم يختلف من حكينا عنهم في كونها حاء مهملة، بل قال ابن كثير: إن بعضهم حكى الإجماع عليه، قال: ومن الناس من يتوهم أنها خاء معجمة، أي هو إسناد آخر، وهذا حكاه الدمياطي أيضًا، فقال: وبعض المحدثين يستعملها، بالخاء المعجمة، يريد بها آخر، أو خبراً، وزاد غيره: أو إشارة إلى الخروج من إسناد إلى إسناد؛ والظاهر كما قال بعض المتأخرين أن ذلك اجتهاد من أئمتنا في شأنها من حيث إنهم لم يتبين لهم فيها شيء من المتقدمين. (١) انظر المصدر السابق . (٢) فتح ج ٣ ص ١١٢ . (٣) المصدر السابق . '. الجزء الثاني - ٤٣ ٤٧٧- وَكَاتبُ التَّسْمِيعِ فَلْيُبَسْمِلِ وَيَذْكُرِ اسْمَ الشَّيْخِ (نَاسِبًا جَلِي) ٤٧٨- ثُمَّ يَسُوقُ (سَنّدًا وَمَثْنَا لِآَخِرِ، وَلَيَتَجَانَبْ وَهْنَا) قال الدمياطي: ويقال: إن أول من تكلم على هذا الحرف ابن الصلاح وهو ظاهر من صنيعه، لا سيما وقد صرح في أول المسألة بقوله: ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها. اهـ. كلام السخاوي(١). ثم ذكر مسألة كتابة التسميع، وهو المسمى بالطبقة، فقال: وَكَاتبُ التَّسْمِيعِ فَلْيُبَسْمِلٍ وَيَذْكُرِ اسْمَ الشَّيْخِ (نَاسِبًا جَلِي) (وكاتب التسميع) أي الطالب الذي يريد كتابة السماع، فـ((التسميع)) بمعنى ((السماع)) أي المسموع، إذ التسميع صفة للشيخ الذي يسمع الحديث، ومثل المسموع المقروء، و((كاتب)) مبتدأ خبره جملة قوله (فليبسمل) أي ليكتب البسملة استحبابًا في أول كتابه (ويذكر) بالجزم عطفًا على ما قبله (اسم الشيخ) الذي سمع منه الحديث، أو قرأ عليه كتابًا، أو جزءًا، ونحو ذلك، ولو قال: و «یکتب)) بدل و «یذکر)) لکان أولئ حال كونه (ناسيًا) أي عازيًا له إلى ما يوضحه، يقال: نسبته إلى أبيه نسبًا من باب طلب: عزوته إليه، كما في المصباح. والمراد أن يذكره بما يتضح به من نسب، وكنية، ولقب، ونسبة إلى قبيلة، أو بلدة، أو حرفة، أو مذهب. كما أشار إليه بقوله: (جلي) فعيل بمعنى مفعول حال من الشيخ، وقف عليه على لغة ربيعة، أي حال كونه جليًّا أي متضحا للناس بحیث لا يخفى، ولا يلتبس مع غيره. وصورة ذلك أن يكتب حدثنا أبو فلان فلان بن فلان الفلاني، ثم يسوق المسموع، أو المقروء على لفظه كما أشار إليه بقوله: ثُمَّ يَسُوقُ (سَنَدًا وَمَثْنَا لآخر، وَلَيَتَجَانَبْ وَهْنَا) (ثم) بعد كتابة البسملة، واسم الشیخ، ونسبه، و کنیته، ونحو ذلك (یسوق) أي یذکر (سندًا ومتنًا) لذلك المسموع (لآخر) أي إلى آخر السند والمتن على لفظه (وليتجانب) أي يتباعد كاتب السماع (وهنا) بفتح فسكون، أي ضعفًا في كتابة التسميع، بمعنى أنه لا (١) فتح ج ٣ ص ١١٣ . ٤٤ شِرْع الْفِيَة الشَّيُوطِيّ . ٤٧٩- وَيَكْتُبُ التَّارِيخَ مَعْ مَنْ سَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ ما ، وَأَبْتِدَاءٌ أَنْفَعُ ٤٨٠ - وَلَيَكُ مَوْثُوقًا، وَلَوْ بِخَطِّهِ لَّفْسِهِ، وَعَدُّهُمْ بِضَبْطِهِ ٤٨١ - أَوْ ثِقَة، وَالشَّيْخُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَصْحِيحِهِ، وَحَذْفُ بَعْضٍ حُظِلا يتساهل في ذلك، بل يتحرى في تفصيل الأفوات، وبيان السامع، والمسمع، والمسموع بعبارة بينة، وكتابة واضحة، وإنزال كل منزلته، وكذا عليه أن يكتب تاريخ السماع، كما ينبغي ذکر محله، وقارئه، کما أشار إليه بقوله : وَيَكْتُبُ التَّأرِيخَ مَعْ مَنْ سَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ ما ، وَابْتِدَاءَ أَنْفَعُ (ويكتب) كاتب التسميع ( التأريخ) بالهمزة ويخفف أي وقت السماع (مع) بسكون العين لغة في الفتح، أي مع كتابة (من سمعوا) أي الطلبة الذين سمعوا الحديث معه (في موضع ما) أي في أي مكان كان في أول الكتاب أو آخره، والجار متعلق بـ (کتب))، و((ما)» لتأكيد العموم (و) لكن كونه (ابتداء) أي في أول الكتاب قبل البسملة فوق سطرها (أنفع) من غيره . وحاصل المعنى: أنه إذا كتب التسميع ينبغي له أن يكتب تاريخ السماع، وإذا كانٍ معه غيره يكتب أسماءهم، وأنسابهم، من غير اختصار لما لا يتم كل منهم بدونه، فضلاً عن حذف أحد منهم، وكذا عدد مجالسه إن تعددت معينة، وتمييز المكملين، والمفوتين، والناعسين، والمتحدثين، والباحثين، والكاتبين، ونحو ذلك، ويكون ذلك في أي موضع من مواضع الكتاب بحيث لا يخفى، في أول الكتاب، أو أثنائه، أو آخره. ولكن كونه في أول ورقة من الكتاب أولى، وإن كان السماع في مجالس كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ، ويكتب في الذي يليه التسميع والتاريخ كما قاله الخطيب (١). وينبغي أن یکون الکاتب موثوقا به کما ذكره بقوله: لنَفْسِهِ، وَعَدُّهُمْ بِضَبْطِه وَلَيَكُ مَوْنُوقًا ، وَلَوْ بِخَطِّه تَصْحِيحه، وَحَذْفُ بَعْضِ حُظلا أَوْثِقَةِ ، وَالشَّهْخُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى (١) الجامع ج ١ ص ٢٦٨ . ٤٥ - الجزءالثاني (وليك) كاتب التسميع (موثوقًا) به أي غير مجهول الخط، بل يكون معروفًا خطه عند أصحاب الحديث (ولو) كان كتابة التسميع (بخطه لنفسه) إذا كان ثقة. وحاصل المعنى: أنه ينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به غير مجهول الخط، ولا بأس أن یکتب سماعه بخط نفسه إذا کان ثقة کما فعله الثقات، سواء كان معه غیره أم لا . ويكون اعتماده في السامعين وتمييز فواتهم على ضبط نفسه، كما كره بقوله: (وعدهم) جملة فعلية أي عد السامعين (بضبطه) أي ضبط نفسه، إن حضر جميع السماع (أو) بضبط (ثقة) غيره ممن حضر السماع. وحاصل المعنى: أنه إن حضر جميع التسميع ضبط أسماءهم بنفسه، وإن كان غير حاضر في بعضه أثبت ذلك معتمدًا على إخبار من يثق بخبره من حاضريه . ثم إنه لا يشترط في ذلك تصحیح الشیخ بخطه، کما أشار إليه بقوله: (والشيخ) المسمع، مبتدأ خبره جملة قوله (لم يحتج) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (إلى تصحيحه) أي كتابته على التسميع بأنه صحيح. وحاصل المعنى: أنه إذا كان التسميع بخط ثقة فلا يحتاج إلى كتابة الشيخ عليه بخطه بالتصحيح. وقد أخرج ابن الصلاح بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده: أنه قرأ ببغداد جزءًا على أبي أحمد الفرضي، وسأله خطه، لیکون حجة له، فقال له أبو أحمد : ((يا بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد، وتصدق فيما تقول، وتنقل، وإذا كان غير ذلك، فلو قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد، ماذا تقول لهم؟)). ثم عليه الحذر من حذف بعض السامعين لغرض كما أشار إليه بقوله : (وحذف بعض) من السامعين، أي عدم إثبات أسمائهم في كتابة التسميع، لأجل غرض فاسد، وهو مبتدأ خبره جملة قوله (حظلا) بالبناء للمفعول والألف للإِطلاق، أي منع. وحاصل المعنى: أن حذف أسماء بعض الحاضرين لغرض فاسد، كعداوة بينهما لا يجوز؛ لأن هذا ينافي الثقة والأمانة العلمية. ٤٦ تَرْجُ الفِّيَّة السّيُوطِىّ - ٤٨٢- وَمَنْ سَمَاعُ الْغَيْرِ فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ (أَوْ خُطَّ بِالرِّضَى بِهِ) ٤٨٣- نُلزمُهُ بِأَنْ يُعِيرَهُ، وَمَنْ بِغَيْرِ خَطِّ أَوْ رَضَاهُ فَلْيَُنّ ٤٨٤- ولُيُسْرِعِ الْمُعَارُ ثُمَّ يَنْقُلُ سَمَاعَهُ مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ يَحْصُلُ(*) ثم ذکر حکم من ثبت سماع غيره في کتابه أو نحوه بقوله: بِخَطِّهِ ( أَوْ خُطَّ بِالرِّضَا بِهِ ) وَمَنْ سَمَاعُ الْغَيْرِ فِي كِتَابِهِ بِغَيْرِ خَطِّ أَوْ رِضَاهُ فَلْيُسَنَ نُلزِمُهُ بِأَنْ يُعِيرَهُ، وَمَنْ سَمَاعَهُ مِنْ بَعْدِ عَرْضٍ يَحْصُلُ وِلُيُسْرِعِ الْمُعَارُ ثُمَّ يَنْقُلُ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بعد سماع الكتاب على الشيخ ينبغي كتابة ذلك على النسخة التي سمع فيها، ويبدأ بالتسمية لفظًا وخطًّا، ثم يكتب اسم شيخه ونسبه بإيضاح، ثم يسوق إسناد الشيخ إلى مؤلف الكتاب، وإذا كان يروي أحاديث عن شيخه - في غير كتاب مؤلف - فيذكر متن كل حديث عقيب إسناده، ويكتب تاريخ السماع وأسماء الحاضرين الذين سمعوا معه. والأحسن أن يكتب كل هذا في أول الكتاب، ولو كتبه في آخره فلا بأس به، وينبغي أن يكون كاتب السماع موثوقًا به، ولا بأس أن يكتب الشخص سماعه لنفسه بخطه . وإذا كتب الشيخ على السماع بخطه أن هذا صحيح كان جيدًا، كما نجده كثيرًا على النسخ العتيقة للمتقدمین، وإن لم يكتب فلا بأس إذا كان كاتب التسميع ثقة . نقل ابن الصلاح (ص ١٨٣): أن الحافظ ابن منده قرأ ببغداد جزءًا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه ليكون حجة له، فقال له أبو أحمد: ((يا بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحدٌ وتصدق فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟!)). ولا يجوز لكاتب السماع أن يسقط أسماء بعض الحاضرين لغرض فاسد، فإن هذا ينافي الثقة والأمانة. ويجب عليه أن يعير نسخته لمن يطلبها ممن كتب اسمه في السماع لينقل منها إذا كان اسمه كتب بخط صاحب النسخة أو برضاه، وأما إن كتب بغير رضاه وعلمه، فله الخيار في ذلك، وإعادتها إياه أفضل. وينبغي للمستعير أن يسرع بالنقل والمقابلة ثم يعيد الكتاب إلى صاحبه. نقل ابن الصلاح (ص ١٨٤) عن الزهري قال: ((إياك وغلول الكتب. قيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها)). ونقل: ((أن رجلاً ادعى على رجل بالكوفة سماعًا منعه إياه، فتحاكما إلى قاضيها حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه أعفیناك». = ٤٧ - الجُزْءُ الثّاني (ومن) موصولة مبتدأ، أي: الشخص الذي (سماع الغير) كلام إضافي، مبتدأ، خبره قوله: (في كتابة)، أو جزئه، أو نحوهما (بخطه) أي: خط صاحب الكتاب (أو خط) بالبناء للمفعول، أي: كتب سماع الغير في كتابه بخط غيره لكن (بالرضا به) أي: بسبب رضاه، أو مع رضاه بذلك، وجملة قوله: (نلزمه) خبر المبتدأ، أي: نلزم ذلك الشخص الذي في كتابه سماع الغير على الوجه المذكور (بأن يعيره) أي: يعير ذلك الكتاب لذلك الغیر، لیکتب منه، أو یقابل علیه، أو ينقل سماعه، أو يحدث منه. وحاصل المعنى: أن من ثبت في کتابه، أو نحوه سماع غیر، فأراد من كان اسمه في طبقة السماع أن يستعير ذلك الكتاب منه وجب عليه إعارة ذلك الكتاب إن كان بخطه، أو خط غيره لكن برضاه. (ومن) موصولة، أو شرطية مبتدأ، أي: من ثبت ذلك في كتابه (بغير خط) منه (أو) خط، لكن بغير (رضاه) أي: رضا صاحب الكتاب، وقوله: (فليسن) أي: يستحب أن يعيره، خبر المبتدأ، أو جواب الشرط . وحاصل المعنى: أنه إن كان ثبوت سماع الغير بغير رضاه استحب له الإعارة، وهذا الذي قلنا: من أنه يجب علیه إن کان بخطه، أو رضاه، ويستحب إذا لم یکن کذلك هو الراجح، الذي قاله أئمة مذاهبهم في زمانهم: منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي، ووجهه البلقيني بأنه من المصالح العامة . قال: وأصله إعارة الجدار لوضع جذوع الجار عليه، وقد ثبت ذلك في الصحيحين. وقال بوجوبه جمع من العلماء وهو أحد قولي الشافعي. فإذا كان يلزم الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى. اهـ(١). وخالف في المسألة بعضهم. = ونقل نحو ذلك عن إسماعيل بن إسحاق القاضي. قال أبو عبد الله الزبيري: ((لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه)». (١) محاسن الاصطلاح ص ٣٢٥. ٤٨ شِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوخِيّ - وبالجملة فلا ينبغي له كتمانه إياه، ومنعه منه، فقد قال وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب . وقال سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت ولا ینتفع به، أو تذهب کتبه. وقال الناظم: وقد ذم الله مانع العارية بقوله: ﴿وَيَمْتَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وإعارة الكتب أهم ماعون. قاله في التدريب (١) (و) إذا أعاره الكتاب فـ (ليسرع) ذلك (المعار) اسم مفعول من أعاره، أي: الذي أعطي العارية. يعني: أنه إذا أعاره صاحب الكتاب كتابه فلا يبطئ عليه به، بل يرده بعد انقضاء الحاجة. فقد قال الزهري رحمه الله: إياك وغلول الكتب، قيل: وما غلولها؟ قال: حبسها عن أصحابها (ثم) إذا نسخ الكتاب (ينقل سماعه)، أي: يثبته عليه (من بعد عرض) أي: مقابلة ذلك الكتاب (يحصل) أي: يوجد ذلك العرض، ووصف العرض بالحصول، إشارة إلى أنه لا بد أن يكون عرضًا صحيحًا متقنًا. وحاصل المعنى: أنه إذا نسخ المعار الکتاب لنفسه، وأراد أن يثبت سماعه علیه، فلا بد له من المقابلة، بل لا ينبغي إثبات سماع في كتاب مطلقًا، إلا بعد مقابلته، لئلا يغتر أحد به قبلها، إلا أن يبين في الإِثبات والنقل أن النسخة غير مقابلة . (تتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: ((مستند المنع)) إلى قوله: ((لا ذي خلل))، وقوله: ((أو همزة علامه))، وقوله: ((والكاف لم تبسط)) البيت، وقوله: ((والرضا))، وقوله: ((حتمًا))، وقوله: ((ويكتفي إن ثقة)) البيت، وقوله: ((أو من)) وقوله: ((أو زائدًا))، وقوله: ((أو أخنا)) البيت، وقوله: ((مع ثنا أو تفرد)) وقوله: ((سنداً ومتنًا)) البيت، وقوله: ((أو خط بالرضا به)) . ولما كان الباب المتقدم في كتابة الحديث وضبطه، وهما مطلوبان لأجل أن يثبت ما سمعه، ثم یرویه لغيره ناسب أن يتبعه بباب صفة روایة الحدیث، فلذا قال: (١) ج ٢ ص ٨٦ . ٤٩ الجُزءُ الثّاني - صفة رواية الحديث ٤٨٥ - وَمَنْ رَوَى مِنْ كُتُبٍ وَقَدْ عَرِي حفْظًا أَوَ السَّمَاعَ لَمَّا يَذْكُرِ ٤٨٦ - أَوْ غَابَ أَصْلٌ إِنْ يَكُ النَّغَيِيرُ يَنْدُرُ أَوْ أُمِّيِّ أَوْ ضَرِيرُ ٤٨٧ - يَضْبِطُهُمَا مُعْتَمَدٌ مَشْهُورُ فَكُلَّ هَذَا جَوَّزَ الْجُمْهُورُ صفة رواية الحديث أي هذا مبحث صفة رواية الحديث، وآدابها، وما يتعلق بها، وهو النوع الأربعون من أنواع علوم الحديث. وقد تقدم بيان كثير من ذلك في ضمن النوعين قبله، وغيرهما كألفاظ الأداء: حفْظًا أَو السَّمَاعَ لَمَّا يَذْكُرٍ وَمَنْ رَوَى مِنْ كُتُبٍ وَقَدْ عَرِي يَنْدُرُ أَوْ أُمِّيِّ أوْ ضَرِيرُ أَوْ غَابَ أَصْلٌ إِنْ يَكِّ الشَّغْيِيْرُ فَكُلَّ هَذَا جَوَّزَ الْجُمْهُورُ يَضْبِطُهُمَا مُعْتَمَدٌ مَشْهُورُ (ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ (روى) أي: أراد رواية حديث (من كتب) مصنفة فيه، متقنة مقابلة، مصونة، وقد صح عنده سماع ما تضمنته (وقد عري) كرضي: أي: خلا، وسكنت الياء للوزن (حفظًا) منصوب بنزع الخافض أي: منه، والجملة حال من الفاعل، أي: والحال أنه خالٍ من الحفظ لتلك الكتب، بحيث لم يذكر تفصيل أحاديثها حدیثًا حدیثًا . وحاصل المعنى: أن من أراد رواية حديثه لا يحفظه، أو كان يحفظه إلا أنه سيئ الحفظ معتمداً على كتبه (أو السماع) منصوب على المفعولية لـ ((يذكر)) مقدمًا (لما) نافية جازمة، أي: لم (يذكر) مجزوم بـ ((لما)) كسرت راؤه مراعاة للتقفية، والجملة عطف على قوله: «وقد عري)) أي أو حال كونه غير ذاكر سماع ذلك الحديث، أي: ولا عدمه. يعني: أنه أراد رواية حديث رآه في كتابه بخطه، أو بخط غيره ممن يثق به غير متذكر سماعه و عدمه . (أو) أراد رواية حديث، وقد (غاب) عنه (أصل) أي: كتابه الذي سمع منه، والجملة کسابقتها . ٥٠ شِ الفِيَّةُ السيوطى - يعني: أنه أراد أن يروي حديثًا من كتاب غاب عنه مدة بإعارة أو ضياع، أو سرقة، ولو طالت الغيبة، بشرط عدم التغيير، كما أشار إليه بقوله (إن يك التغيير) أي تبديل ذلك الأصل (يندر) أي يقل. يعني: أن الغالب على الظن سلامته منه، ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه ذلك غالبًا . (أو) أراد رواية حديث شخص (أمي) هو الذي لا يحسن الكتابة، قيل: نسبة إلى الأم، لأن الكتابة مكتسبة فهو على ما ولدته أمه من الجهل بالكتابة، وقيل: نسبة إلى أمة العرب، لأن أكثرهم كانوا أميين. أفاده الفيومي. فقوله: أمي فاعل لمحذوف، أي أراد، کما قدرناه، و کذا ضرير الآتي. (او) أراد رواية حديث شخص (ضرير) كأمير، الرجل الذاهب البصر جمعه أضراء. قاله في ((ق)) وشرحه، وجملة قوله (يضبطهما) صفة لـ ((أمي)) و((ضرير)) سكن طاؤه للوزن، والأصل يضبط لهما، ففيه حذف وإيصال. يعني: أنه يضبط للأمي والضرير ما سمعاه (معتمد) أي ثقة يعتمدان عليه، مرفوع على الفاعلية، وقوله (مشهور) صفة لـ ((معتمد)) وقوله (فكل هذا) مفعول مقدم لـ ((جوز)) أي كل ما ذكرناه من قوله: ومن روى من كتب، (جوز الجمهور) أي جوز الرواية به جل العلماء المحققين، والجملة جواب من، أو خبرها. وحاصل معنى الأبيات الثلاثة: أنه اختلف العلماء في هذه المسائل الأربع: الأولى: مسألة الاحتجاج بمن لا يحفظ حديثه، وإنما يحدث من كتبه معتمداً عليها. فذهب الجمهور إلى جواز الرواية بذلك وثبوت الحجة به، إذ كان قد ضبط سماعه، وقابل كتابه على الوجه المعتبر في ذلك، ولو غاب عنه الكتاب إذا كان الغالب عليه السلامة من التغيير، ولا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبًا، لأن الاعتماد في باب الرواية على غالب الظن. وذهب قوم إلى منع الاحتجاج بذلك، قالوا: لا حجة إلا فيما روى من حفظه وتذكره. روي ذلك عن أبي حنيفة، ومالك، وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي. الثانية: إذا وجد المحدث سماعه في كتابه بخطه، أو خط من يثق به، سواء الشيخ، أو غيره، فلا يخلو، إما أن يتذكره، أو لا، فإن تذكره جازت له روايته بلا خلاف، إن كان ٥١ الجزء الثاني - ٤٨٨- وَمَنْ رَوَى مِنْ غَيْرِ أَصْلِه بِأَنْ يَسْمَعَ فِيهَا الشَّيْخُ أَوْ يُسْمِعَ: لَنْ ٤٨٩- يُجَوِّزُوهُ، وَرَأَى أُيُوبُ جَوَزَهُ (وَفَصَّلَ الْخَطِيبُ: حافظًا له، وعلى المعتمد إن لم يكن حافظًا له، وإن لم يذكر سماعه، ولا عدمه ففيه الخلاف، والصحيح جواز الرواية، وعليه الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والأكثرون من أصحاب الشافعي، لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية مبني على التوسعة. وعن أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي: لا تجوز روايته له حتى يتذكر، وأما إذا ذكر السماع، ولكن لم يجد بذلك خطًّا، فقال السخاوي (١) رحمه الله: المعتمد الجواز. الثالثة: أنه إذا غاب عنه الكتاب وكان اعتماده عليه دون الحفظ، فذهب بعض أهل التشديد في الرواية إلى أنه لا تجوز الرواية منه، لغيبته عنه، وجواز التغيير فيه، والصواب الذي عليه الجمهور، كيحيى القطان، وفضيل بن ميسرة، وغيرهما من المحدثين كما حكاه عنهم الخطيب، وجنح هو إليه إذا كان الغالب على الظن من أمره سلامته من التغيير جازت الرواية منه، لاسيما إذا كان ممن لا يخفى عليه في الغالب إذا غير ذلك أو شيء منه، لأن باب الرواية مبني على غلبة الظن فإذا حصلت أجزأ. الرابعة: مسألة الأمي والضرير اللذين لا يحفظان حديثهما من فم من حدثهما، فالجمهور على صحة روايتهما إذا ضبط لهما سماعهما ثقة، وحفظًا كتابهما عن التغيير بحسب حالهما، ولو بثقة غيرهما إلى الأداء مع الاستعانة حين الأداء أيضًا بثقة في القراءة بحيث يغلب على الظن سلامته من الزيادة والنقص والتغيير ونحوها. ومنع من ذلك غير واحد من الأئمة كابن معين، وأحمد، جواز الإدخال عليهما ما لیس من سماعهما . ثم ذكر حكم من أراد رواية الحديث من نسخة ليس فيها سماعه، ولا هي مقابلة بنسخة سماعه غیر أنها سمعت علی شیخه، أو فيها سماع شيخه على شيخه، فقال: يَسْمَعَ فِيهَا الْشَّيْخُ أَوْ يُسْمِعَ: لَنْ وَمَنْ رَوَى مِنْ غَيْرِ أَصْلِهِ بِأَنْ جَوَازَهُ (وَفَصَّلَ الْخَطِيبُ: يُجَوَّرُوهُ، وَرَأَى أُـَـَوبُ (١) فتح ج ٣ ص ١٣٠ . ٥٢ شَرْجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِىّ _ ٤٩٠- إن اطْمَأَنَّ أَنَّهَا الْمَسْمُوعُ فَإِنْ يُجِزُهُ بُيَحِ الْمَجْمُوعُ (*) فَإِنْ يُجِزُهُ يُبَحِ الْمَجْمُوعُ إن اطْمَأَنَّ أَنَّهَا الْمَسْمُوعُ (ومن) موصولة مبتدأ خبره جملة ((لن یجوزوہ)) (روی) أي أراد الرواية (من) نسخة (غير أصله) أي سماعه، يعني: أنها ليست مما سمعها على شيخه، ولا هي مقابلة بها كما هو الأولى في ذلك (بأن يسمع فيها) الباء بمعنى مع، و((يسمع)) ثلاثي بفتح الياء، أي يسمع في تلك النسخة التي أراد الرواية عنها (الشيخ) الذي سمع هو عليه في نسخة خلافها على الشيخ الأعلى (أو يُسمع) من الإِسماع رباعيًّا، أي غيره، يعني أن الشيخ أسمع في تلك النسخة غير ذلك الشخص الذي أراد الرواية منها (لن يجوزوه) أي لم يجز هذا الفعل جمهور المحدثين، لأنه قد يكون في تلك النسخة زوائد ليست في نسخة سماعه. وحاصل المعنى: أنه إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة؛ به ولكن سمعت على شيخه، أو فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى، وكذا إذا كتبت عن شيخه، وسكنت نفسه إليها لم يجز الرواية منها عامة المحدثين، وقطع بها ابن الصباغ. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: تشدد قوم من علماء الحديث فأفرطوا: فمنهم من ذهب إلى أنه لا يجوز للراوي أن يروي إلا ما كان حافظًا له ولا يعتمد على كتابه، وتساهل آخرون فاستجازوا برواية ما سمعوه ولم يحفظوه من نسخ لم تقابل على أصولها. وهذان طرفا إفراط وتفريط. والصواب التوسط - وهو ما ذهب إليه الجمهور - فتجوز الرواية لمن سمع الحديث أو الكتاب من أصله الذي سمع فيه، وإن لم يكن حافظًا لما يرويه، ويروي أيضًا إذا كان سماعه مكتوبًا على كتابه ولكنه لا يتذكر أنه سمع الكتاب، وكذلك إذا كان أصله قد غاب عنه ثم عاد إذا كان الغالب على ظنه سلامته من التغيير غالبًا. وكذلك الأعمى والأمي إذا استعان أحدهما بشخص ثقة في ضبط سماعه وحفظ كتابه. وإذا روى من نسخة ليس فيها سماعه أو ليست مقابلة على أصله الذي فيه سماعه ولكن سمعت على شيخه الذي يروي عنه، أو كان فيها سماع شيخه على من يحدثهم عنه، أو كتبت عن شيخه واطمأنت نفسه إلى صحتها - : لم تجز له الرواية منها عند أكثر المحدثين. ورخص في ذلك أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرساني. وهو الصواب عندي؛ لأن العبرة في الرواية بالثقة واطمئنان النفس إلى صحة ما يروي. وذهب الخطيب إلى أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها عنه إذا سكنت نفسه على صحتها . وهذا في الحقيقة هو القول الذي قبله، وإن جعله الناظم غيره. وهذا كله إذا لم يكن للراوي إجازة عامة عن شيخه لمروياته أو لهذا الكتاب، فإن كانت له إجازة جاز له الرواية مطلقًا؛ لأنه إن كان في النسخة الأخرى زيادات فقد رواها عن شيخه بالإجازة. ٥٣ الجزءالثاني ٤٩١ - مَنْ كُتْبُهُ خلافَ حفظه يَجِدْ وَحِفْظَهُ مِنْهَا الْكِتَابَ يَعْتَمِدْ (ورأى أيوب) بن أبي تميمة، كيسان السختياني بفتح المهملة، أو كسرها بعدها معجمة ساكنة، ثم مثناة فوقية مكسورة، ثم تحتانية، وآخره نون، العنزي بزاي، أبو بكر، البصري، الفقيه، أحد الأئمة الأعلام، سيد الفقهاء، كان ثقة ثبتًا حجة جامعًا للعلم. ولد سنة ٦٦ وتوفي سنة ١٣١ هـ. (جوازه) مفعول ((رأى))، أي: صحة الرواية من تلك النسخة مطلقًا، يعني: أن أيوب جوز الرواية من النسخة المذكورة، وكذا محمد بن بكر البرساني. (وفصل) من التفصيل (الخطيب) الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وهو ابن ٧١ سنة، يعني: أنه حكم في هذه المسألة بالتفصيل قائلاً (إن اطمأن) أي: سكنت نفسه، يقال: اطمأن القلب: سكن، ولم يقلق، والاسم الطمأنينة (أنها) أي: تلك النسخة، أو الأحاديث التي فيها (المسموع) من الشيخ، و((أن)) ومعمولاها مجرور بحرف جر محذوف قياسًا، أي: اطمأن في سماعها من الشيخ، وجواب ((إن)) محذوف؛ أي جازت الرواية. يعني أنه إذا سكنت نفسه بأن تلك الأحاديث هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إن تيقن صحتها وسلامتها وإلا فلا. هذا كله إذا لم تكن له إجازة من الشيخ المسمع له، وإلا فتجوز له الرواية كما قال ابن الصلاح، وإليه أشار بقوله (فإن يجزه) أي: يجز الشيخ إياه رواية تلك النسخة، أو سائر مروياته، كما تقدم أنه لا غنى له في كل سماع عن الإجازة احتياطًا ليقع ما يسقط في السماع على وجه السهو وغيره من كلمة فأكثر مرويًّا بالإجازة (يبح المجموع) فعل مغير الصيغة ونائب فاعله، من الإباحة، وهو جواب إن، أي: يجز رواية مجموع ما في تلك النسخة مطلقًا . والحاصل: أنه إذا كانت له إجازة عامة من شيخه لمروياته، أو لهذه النسخة جازت له الرواية منها، وله أن يقول: حدثنا وأخبرنا، من غير بيان للإِجازة، والأمر قريب يتسامح بمثله. وإن كان في النسخة سماع شيخ شيخه فيحتاج أن يكون له إجازة عامة من شيخه، ومثلها لشيخه من شيخه. ثم بين حكم من تخالف حفظه مع كتابه، فقال: مَنْ كُتْبُهُ خِلافَ حِفْظِهِ يَجِدْ وَحِفْظَهُ مِنْهَا الْكِتَابَ يَعْتَمِدْ ٥٤ شِعَ الْفِيَّةُ الشَّيُوظِيّ - ٤٩٢- كَذَا مِنَ الشَّيْخِ وَشَكَّ، وَأَعْتَمَدْ حفْظًا إِذَا أَيْقَنَ، وَالْجَمْعُ أَسَدّ ٤٩٣ - كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظِ(*) وَفِي مَنْ يَرْوِ بِالْمَعْنَى خِلافٌ قَدْ قُفِي حِفْظًا إِذَا أَيْقَنَ ، وَالْجَمْعُ أَسَدّ كَذَا مِنَ الشَّيْخِ وَشَكَّ ، وَأَعْتَمَدْ كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حفْظ ... (من) موصولة، أو شرطية مبتدأ (كتبه) بضم فسكون، منصوب بنزع الخافض، أي: في كتبه (خلاف حفظه) مفعول مقدم لقوله (يجد) وهو صلة ((من))، أو فعل الشرط (وحفظه منها) مبتدأ وخبر، في محل نصب حال من فاعل يجد، أي والحال أن حفظ ذلك الشخص من تلك الكتب (الكتاب) مفعول مقدم لقوله (يعتمد) خبر ((من))، أو جوابها، يعني أنه يعتمد على كتابه دون حفظه (كذا) خبر لمحذوف، أي الحكم كائن كذا إذا كان حفظه (من) فم (الشيخ و) لكنه (شك) في حفظه (واعتمد) الراوي الذي تخالف حفظه مع كتابة (حفظًا) دون الكتاب (إذا أيقن) وتثبت في حفظه، ولم يتشكك فيه (و) لكن (الجمع) بين الحفظ والكتاب في حال الرواية، مبتدأ خبره قوله (أسد) أي: أصوب من الاقتصار على ما في الكتاب، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا، كما فعله الأئمة (كما) يستحسن الجمع له (إذا خالف) ـه (ذو حفظ) أي: شخص حافظ، متقن، فيقول: حفظي کذا، وقال فیه فلان كذا، أو قال فيه غيري كذا، ونحو ذلك كما فعله سفيان وغيره. وحاصل ما أشار إليه في هذه الأبيات: أنه إذا وجد الحافظ في كتابه خلاف ما يحفظه، وقلنا بالمعتمد من الاكتفاء في الرواية بكتابه المتقن المحفوظ عنده، ولو لم يكن حافظًا، نظر، فإن كان حفظه من الكتاب رجع إلى ما فيه، ولو اختلف المعنى، وإن كان حفظ من فم المحدث، أو من القراءة علیه اعتمد حفظه دون كتابه إذا لم يتشكك، أما مع الشك، أو سوء الحفظ فلا . والأحسن له حينئذٍ الجمع بينهما كما فعل همام، وقد روى حديث أنه قال: ((اشترى حلة بسبع وعشرين ناقة )) فقال: هكذا في حفظي، وفي كتابي ((ثوبين )) هذا مع عدم (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من حفظ حديثه من كتابه ثم وجد حين الرواية أن حفظه يخالف كتابه - : اعتمد الكتاب. وإذا حفظ من لفظ شيخه اعتمد على حفظه إذا أيقن به، واعتمد على كتابه إذا شك في الحفظ. والأحوط الجمع بينهما، فيقول: ((في حفظي كذا وفي كتابي كذا)) كما إذا خالفه غيره من الحفاظ الثقات فیقول: (حفظي کذا وقال فیه فلان كذا)). ٥٥ الجُزءُ الثاني - ٤٩٤- فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا الْعَارف ثَالثَُّهَا: يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ ٤٩٥- وَقيلَ : إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَرْ وَقِيلَ: إِنْ يَنْسَ، وَقِيلَ: إِنْ ذَكَرْ ٤٩٦ - وَقِيلَ: فِي الْمَوْقُوفِ وَاَمْنَعْهُ لَدَى (*) مُصَنَّفَ، وَمَا بِهِ (تُعُبِّداً) ٤٩٧ - وَقُلْ أَخيراً: ((أَوْ كَمَا قَالَ) وَمَا ( ※※ ) أَشْبَهَهُ، كَالشَّكِّ فيمَا أُبْهِمَا( التنافي بينهما إذا الحلة لا تسمي حلة إلا إذا كانت ثوبين من جنس واحد. وفعله أيضًا شعبة في حديث ابن مسعود في التشهد: ((ثم يصلي على النبي (وَلِّ)) وقال: هكذا في حفظي، وهو ساقط في كتابي. وفعله أيضًا يحيى بن سعيد، وأبو قلابة الرقاشي (١). وهكذا الحكم فيما إذا خالفه في حفظه بعض الحفاظ، فليقل: حفظي كذا وكذا، وقال فيه فلان، أو غير كذا وكذا ونحوه. فقد فعله شعبة في حديث ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض فقال: ((يتصدق بدينار أو نصف دينار)) قال شعبة: أما حفظي فمرفوع وزعم فلان وفلان أن الحکم لم یرفعه، فقيل له : يا أبا بسطام حدثنا بحفظك، ودعنا من فلان، وفلان، فقال: ما أحب أن عمري في الدنيا عمر نوح، وإني حدثت بهذا، وسكت عن هذا. وفعله سفيان، والفضل بن الحباب، وأبو معمر. ثم ذكر مسألة الرواية بالمعنى واختلاف العلماء فيها، فقال: مَنْ يَرْو بِالْمَعْنَى خلافٌ قَدْ قُفِي ........ وَفِي ثَالثُهَا: يَجُوزُ بِالْمُرَادِفَ فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوا لِلْعَارف وَقِيْلَ: إِنْ يَنْسَ، وَقِيلَ: إِنْ ذَكَّرَّ وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبَ عِلْمًا الْخَبَرْ مُّصَنَّف، وَمَاَ به تُعُبِّدَاً وَقَيلَ: فِي الْمَوْقُوَفِ وَامْنَعْهُ لَدَى أَشْبَهَهُ، كَّالشَّكَّ فِيمَا أُبْهِمَا وَقُلْ أَخِيَرًا أَوْ كَمَا قَالَ وَمَا (١) انظر الكفاية ص ٢٢٠، ٢٢١، وعلوم الحديث ص ١٨٩، والإرشاد للنووي ج ١ ص ٢٥٩ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: والمنع لدي. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها = ٥٦ يَشَرَج الفِيُ السُوطي = ومقاصدها، ولا خبيرًا بما يحيل معانيها، ولا بصيرًا بمقادير التفاوت بينها: لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه. هكذا نقل ابن الصلاح والنووي وغيرهما الاتفاق عليه. ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم. فمنعها أيضًا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول. وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبي ◌ِّم المرفوعة وأجازها فيما سواه. وهو قول مالك، رواه عنه البيهقي في المدخل وروى عنه أيضًا أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله عديم. وبه قال الخليل بن أحمد، واستدل له بحديث ((رُبَّ مبلغ أوعى من سامع)) فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه . وذهب بعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط. وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقادًا وإلى منعها إن أوجب عملاً. وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى؛ لأنه وجب عليه التبليغ وتحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر. وعكس بعضهم فأجازها لمن حفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه. والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري. وجزم القاضي أبو بكر بن العربي بأنه إنما يجوز لك للصحابة دون غيرهم. قال في أحكام القرآن (ج ١ ص ١٠): ((إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم. وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى. فإنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، إذا كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل. وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجًا من الأخبار بالجملة. والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة . الثاني: أنهم شاهدوا قول النبي علَّم وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله. ولیس من أخبر کمن عاین. ألا تراهم يقولون في كل حديث: أمر رسول الله عزّ ◌َلم بكذا، ونهى رسول الله عِد ◌َّم عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبراً صحيحاً ونقلاً لازمًا. وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه)). وقال ابن الصلاح (ص ١٨٩): ((ومنعه بعضهم في حديث رسول الله عز ◌َّم. وأجازه في غيره. والأصح جواز ذلك في الجميع إذا كان عالما بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنًى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ، ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريًا ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثيب بدله فيه لفظًا آخر بمعناه. فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ = ٥٧ الجزءالثاني - (وفي من يرو) الحديث، فـ ((من)) شرطية، ولذا جزم (يرو)) بها (بالمعنى) لا باللفظ الوارد، والجار الأول متعلق بـ (قفي))، والثاني متعلق بـ ((يروي)) وقوله (خلاف) مبتدأ، أي: اختلاف بين العلماء، وقوله (قد قفي) بالبناء للمفعول، أي: تبع، وبحث عنه، خبر لـ((خلاف))، أو الجار والمجرور الأول خبر مقدم، (وخلاف) مبتدأ مؤخر، وجملة ((قفي)) صفته . والمعنى: أن العلماء اختلفوا في جواز رواية الحديث بالمعنى على أقوال: الأول: ما ذکره بقوله: (فالأكثرون) من السلف، وأصحاب الحديث، وأرباب الفقه والأصول، وهو مبتدأ خبره جملة قوله: (جوزوا) ذلك (للعارف) أي: للشخص العارف بمدلولات الألفاظ، ومقاصدها، وما يحيل المعنى، والمحتمل من غيره، والمرادف منها، ولو كان غير صحابي سواء كان ذلك في المرفوع، أو في غيره، إذا قطع بأداء المعنى، لأن ذلك هو الذي تشهد به فليس يملك تغيير تصنيف غيره)) . ۔ واقرأ في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا للإمام الحافظ ابن حزم في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام - (ج ٢ ص ٨٦ - ٩٠). وقد استوفى الأقوال وأدلتها شيخنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله في كتابه ((توجيه النظر - (ص ٢٩٨ - ٣١٤). وبعد: «فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملاً، وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرًا، قال القاضي عياض: ((ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن، كما وقع للرواة قديمًا وحديثًا)). والمتتبع للأحاديث يجد أن الصحابة - أو أكثرهم - كانوا يروون بالمعنى ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيرًا منهم حرص على اللفظ النبوي، خصوصًا فيما يتعبد بلفظه، كالتشهد والصلاة وجوامع الكلم الرائعة، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك. وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وإن اختلفت ألفاظهم فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه، ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي عِيَّام وسمع ألفاظه. وأما من بعدهم فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع، ولذلك ذهب ابن مالك - النحوي الكبير - إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو، واتخذها شواهد كشواهد الشعر، وإن أبى ذلك أبو حيان رحمه الله، والحق ما اختاره ابن مالك. وأما الآن فلن ترى عالمًا يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى، إلا على وجه التحديث في المجالس، وما الاحتجاج وإیراد الأحاديث رواية فلا. ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث ((أو كما قال)) أو كلمة تؤدي هذا المعنى، احتياطا في الرواية، خشية أن يكون الحديث مرويًّا بالمعنى. وكذلك ينبغي له هذا إذا وقع في نفسه شك في لفظ ما يرويه ليبرأ من عهدته. ٥٨ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُعْطِيّ . أحوال الصحابة، والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، واستدل لذلك الشافعي بحديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه)) قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى، فكان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه. ويدل على ذلك أيضًا كما قال الخطيب: اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي وَل وللسامع بقوله أن ينقل معنى خبره بغير لفظه، وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله، وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به، وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان، وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان، لأنه لا يأمن الغلط، وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه، وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره، وأمره، ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه دون إيراد نفس لفظه، وصورته. وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأم دعوة الرسول گلاۉ إلی دینه، والعلم بأحكامه . وأما الحديث (١) الذي ذكره في التدريب استدلالاً على المسألة فهو حديث مضطرب لا يصح الاحتجاج به كما أوضحه السخاوي رحمه الله، بل ذكره الجوزقاني في الموضوعات. واحترز بقوله: للعارف، عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية ما سمعه بالمعنى بلا خلاف، لأنه لا يؤمن بتغييره من الخلل والتحريف. والقول الثاني: قول طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه لا تجوز الرواية إلا بلفظه المروي. وإليه ذهب ابن سیرین، وثعلب، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وروي عن ابن عمر، وإليه مال عياض قال: ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه (١) وهو ما رواه ابن منده والطبراني عن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك يزيد حرفًا أو ينقص حرفًا . فقال: ((إذا لم تحلوا حرامًا ولم تحرموا حلالاً، وأصبتم المعنى فلا بأس)). ٥٩ - الجزءالثاني يحسن كما وقع للرواة كثيرًا قديمًا وحديثًا. اهـ(١). وهذا القول هو المطوي في قوله: (ثالثها) أي: الأقوال المروية في المسألة، وهو للخطيب البغدادي، فـ ((ثالثها)) مبتدأ خبره جملة قوله (يجوز) ذلك (بالمرادف) فقط كإبدال قام ب(نهض))، وقال ب(تكلم))، واجلس بـ ((قعد))، ونحو ذلك. يعني: أنه يجوز إبدال لفظ بمرادفه مع بقاء التركيب وموقع الكلام، وإلا فلا؛ لأنه قد لا يوفي بالمقصود، وهذا معنى قول الحافظ في النزهة: وقيل إنما يجوز في المفردات، دون المركبات، فافهم. قال الخطيب: وهذا القول هو الذي نختاره مع شرط آخر، وهو أن يكون سامع لفظ النبي وَلّ عالماً بموضوع ذلك اللفظ في اللسان، وبأن رسول الله وَ لقر يريد به ما هو موضوع له، فإن علم تجوزه به واستعارته له لم يسغ له أن يروي اللفظ مجردًا دون ذكره ما عرفه من قصده وَّل ضرورة، غير مستدل عليه فإنه إن استدل به على أنه قصد به معنى من المعاني جاز عليه الغلط، والتقصير في الاستدلال، ووجب نقله له بلفظ الرسول وَلّ لينظر هو وغيره من العلماء فيه. اهـ(٢). والقول الرابع: ما أشار إليه بقوله (وقيل: إن أوجب) أي: أثبت وأفاد (علمًا) أي اعتقادًا (الخبر) أي: الحديث الذي يُروى بالمعنى، وهو فاعل ((أوجب))، وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: جازت الرواية بالمعنى. وحاصل المعنى: أنه تجوز الرواية بالمعنى إن كان موجب الحديث علمًا؛ لأن المعول على معناه دون لفظه، ولا تجوز إن كان موجبه عملاً، كحديث ((تحليلها التسليم، وتحريمها التكبير)) وحديث: ((خمس يُقُتلن في الحلّ والحرم)) .. والقول الخامس: ما أشار إليه بقوله: (وقيل: إن ينس) المحدث لفظ الحديث، ولكن بقي معناه مرتسمًا في ذهنه جازت له الرواية بالمعنى، لأنه تحمل اللفظ والمعنى معًا، فإذا عجز عن أحدهما لزمه أداء الآخر لمصلحة تحصيل الحكم، وإن لم ينس فلا؛ لأن في كلامه وَلّ من الفصاحة ما ليس في غيره. وهذا القول للماوردي من كبار الشافعية في كتابه ((الحاوي)). والقول السادس: عكس ما قبله، وهو ما أشار إليه بقوله: (١) انظر ((التدريب)) ج ٢ ص ٩٣ - ٩٦ . (٢) الكفاية ص ٣٠٠، ٣٠١ . ٦٠ شَرِجُ الْغِيُ الشَّيُظِي ... (وقيل: إن ذكر) المحدث لفظ الحديث جازت الرواية بالمعنى، لا إن نسيه؛ لأنه إذا ذكره یتمکن من التصرف فيه. والقول السابع: ما أشار إليه بقوله (وقيل) تجوز الرواية بالمعنى (في الموقوف) على الصحابي، أو غيره، لا في المرفوع إليه مَّد . حكاه ابن الصلاح عن بعضهم، ورواه البيهقي في ((المدخل)) عن مالك، وروي عنه أيضًا أنه كان يتحفظ من الباء والتاء في حديث رسول الله وَ ◌ّر. وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال ذلك أيضًا . واستدل له بقوله بَلّ: ((رُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع)) فإذا رواه بالمعنى فقد أزال عن موضعه معرفة ما فيه . وبقيت أقوال لم يذكرها في النظم نذكرها تتميمًا للفوائد، فنقول: الثامن: أنه يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، لظهور الخلل في لسانهم بخلاف الصحابة فهم أرباب اللسان، وأعلم الخلق بالكلام، حكاه الماوردي، والروياني في باب القضاء، بل جزمًا بأنه لا يجوز لغير الصحابة، وجعلا الخلاف في الصحابة دون غیرهم. التاسع: أنه لا يجوز لغير الصحابة والتابعين بخلاف من كان منهم، وبه جزم حفيد القاضي أبي بكر، قال: لأن الحديث إذا قيده الإسناد وجب أن لا يختلف لفظه فيدخله الكذب. العاشر: أنه لا يجوز في الرواية والتبليغ خاصة بخلاف الإفتاء والمناظرة. قاله ابن حزم في كتابه ((إحكام الأحكام)). ذكر هذه الأقوال الحافظ السخاوي رحمه الله(١). ثم إن هذا الخلاف كله في غير ما دُون في المصنفات، وأما ما فيها فلا يجوز تغييره كما أشار إليه بقوله: (وامنعه) أيها المحدث أي: ما ذكر من الرواية بالمعنى قطعًا (لدى) أي: عند النقل عن كتاب (مصنف) بفتح النون أي مؤلف، فلا يجوز التغيير لما فيه. وحاصل المعنى: أنه لا خلاف في منع الرواية بالمعنى لما تضمنته بطون الكتب؛ لأنه إنما رخص في ذلك لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك منتفٍ في الذي اشتملت عليه الكتب . (١) راجع فتح المغيث ج ٣ ص ١٣٧ - ١٤٥، والتدريب ج ٢ ص ٩٣ - ٩٧ .