النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الجُزْءُ الثاني
-
٤٤٩- وَخَيْرُهَا مَعْ شَيْخِهِ إِذْ يَسْمَعُ
وَقَالَ قَوْمٌ: مَعَ نَفْسٍ أَنْفَعُ
أيضًا: المعارضة، يقال: عارضت بالكتاب الكتاب: أي : جعلت ما في أحدها مثل ما في
الآخر، مأخوذ من عارضت بالثوب إذا أعطيته، وأخذت ثوبًا غيره، أفاده السخاوي(١) .
(بأصله) متعلق بـ(( المقابلة))، أي: بالكتاب الذي أخذه عن شيخه بسائر وجوه الأخذ
الصحيحة، وكذا بأصل أصل الشيخ الذي أخذ الطالب عنه المقابل به أصله (أو) المقابلة
بـ(فرع أصل) أي: كتاب منقول من أصل الشيخ (قابله) صاحبه بأصل الشيخ، والجملة
صفة لـ((فرع))، أو حال منه، يعني: أنه تكفي المقابلة بفرع مقابل على أصل الشيخ مقابلة
معتبرة موثوقًا بها، أو بفرع مقابل كذلك على فرع ولو كَثُرَ العدد بينهما، إذ الغرض
المطلوب أن يكون كتاب الطالب مطابقًا لأصل مرويه وهو كتاب شيخه، فسواء حصل
بواسطة فأكثر، أو بدونها .
ثم إن التقييد في الأصل بكونه قد قوبل الأصل عليه لابد منه، وإلا فلو كان الشيخ
شيخه عدة أصول قوبل أصل شيخه بأحدها لا تكفي المقابلة بغيره لاحتمال أن يكون فيه
زيادة أو نقص، فیکون قد أتى بما لم يروه شیخه له، أو حذف شيئًا مما رواه له شيخه، كما
أشار إليه ابن دقيق العيد رحمه الله.
ومما قيل في المقابلة قول بعضهم: من كتب ولم يقابل، كمن غزا ولم يقاتل، وقول
بعضهم: اكتب، وقابل، وإلا فألق في المزابل.
وعن يحيى بن أبي كثير: أنه قال: مثل الذي يكتب ولا يعارض، مثل الذي يقضي
حاجته، ولا يستنجى بالماء .
وعن الأخفش قال: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج
أعجميًّا.
وقال السخاوي: والظاهر أن محل الوجوب حيث لم يثق بصحة كتابته، أو نسخته،
أما من عرف بالاستقراء ندور السقط والتحريف منه فلا. اهـ(٢). ولما اختلفوا في كيفية
المقابلة ذكره بقوله:
وَقَالَ قَوْمٌ : مَعَ نَفْسِ أَنْفَعُ
وَخَيْرُهَا مَعْ شَيْخِهِ إِذْ يَسْمَعُ
(١) فتح ج ٣ ص ٧٤ - ٧٥ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٧٧ .

٢٢
شَرِجَ الْفِيَّةُ السَّيُوظِيّ -
٤٥٠ - وَقِيلَ: هَذَا وَاجبٌ، (وَيُكْتَفَى
إِنْ ثِقَةٌ قَابَلَهُ فِي الْمُقْتَفَى)
إِنْ ثِقَةٌ قَابَلَهُ فِي الْمُقْنَفَى)
وَقِيلَ : هَذَا وَاجبٌ، (وَيُكْتَفَى
(وخيرها) أي المقابلة، مبتدأ خبره قوله: (مع شيخه) على كتابه بمباشرة الطالب بنفسه
(إذ يسمع) الطالب من الشيخ، أو عليه، أو يقرأ، لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياط
والإتقان من الجانبين، أي: إن كان كل واحد منهما أهلاً لذلك، فإن لم تجتمع هذه
الأوصاف نقص من مرتبته بقدر ما فاته منها، قاله ابن الصلاح(١).
وقيد ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) الخيرية بتمكن الطالب مع ذلك مع التثبت في
القراءة، أو السماع، وإلا فتقديم العرض حينئذٍ أولئ.
قال: بل أقول: إنه أولئ مطلقًا؛ لأنه إذا قوبل أولا كان حالة السماع أيسر، وأيضًا فإن وقع
إشكال كشف عنه، وضبط، فقرئ على الصحة، وكم من جزء قُرئ بغتة، فوقع فيه أغاليط،
وتصحیفات لم یتبین صوابها إلا بعد الفراغ، فأصلحت، وربما كان ذلك على خلاف ما وقعت
القراءة عليه، وكان كذبًا إن قال: قرأت لأنه لم يقرأ على ذلك الوجه. اهـ(٢).
والحاصل: أن أفضل المقابلة أن يمسك هو وشيخه كتابيهما حالة التسميع، وما لم يكن
کذلك فهو أنقص رتبة .
وقال بعضهم: أفضلها مع نفسه وإليه أشار بقوله: (وقال قوم) من المحدثين، وهو أبو
الفضل محمد بن أحمد الهروي الحافظ، عديم النظير في العلوم، خصوصًا في حفظ
الحديث، وهو أول من سنّ بهراة تخريج الفوائد، وشرح حال الرجال، والتصحيح، مات
سنة ٤١٣ هـ (٣) .
المقابلة (مع نفس) أي نفس الطالب يعني حرفًا حرفًا (أنفع) من المقابلة مع شيخه.
والحاصل: أن أبا الفضل قال : أصدق المعارضة مع نفسه، أي لكون ذلك حينئذٍ لم
يقلد غيره ولم يجعل بينه وبين كتاب شيخه واسطة، وهو بذلك على ثقة ويقين من
مطابقتهما، وأوجب ذلك بعضهم كما أشار إليه بقوله: (وقيل: هذا) المذكور من المقابلة مع
نفسه(واجب) فلا تصح مقابلته مع أحد سوی نفسه.
(١) علوم الحديث ص ١٦٩ .
(٢) الاقتراح ص ٢٩٢ - ٢٩٣ .
(٣) طبقات الحفاظ ص ٤١٣.

٢٣
- الجُزْءُ الثاني
٤٥١ - وَنَظَرُ السَّامِعِ مِنْهُ يُنْدَبُ
فِي نُسْخَة ، وَأَبْنُ مَعين: يَجِبُ
ء
يعني: أن بعضهم أوجب المقابلة مع نفسه فلا يقلد غيره، لكنه مردود. قال ابن
الصلاح: إنه مذهب متروك، وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة في عصرنا، والقول
الأول أولى(١). قال السخاوي: لا سيما والفكر يتشعب بالنظر في النسختين بخلاف
الأول.
والحق كما قال ابن دقيق العيد: أن ذلك يختلف باختلاف الناس، فرُبَّ من عادته عدم
السهو عند نظره فيهما، فهذا مقابلته بنفسه أولى، ورُبَّ من عادته السهو فهذا مقابلته مع
غيره أولى (٢) .
ثم إن الصحيح أنه لا يشترط المقابلة بنفسه، بل يكفي مقابلة ثقة غيره، وإليه أشار
بقوله: (ويكتفي) بالبناء للمفعول أي يكتفي بالمقابلة (إن) شرطية (ثقة قابله) أي: إن قابل
الكتاب ثقة غيره (في المقتفى) أي القول المختار.
وحاصل المعنى: أنه لا يشترط في صحة السماع مقابلة الشخص بنفسه، بل تكفي مقابلة
ثقة، أي: وقت كان، حال القراءة أو بعدها، وهذا هو الصواب الذي قاله الجمهور.
فِي نُسْخَةٍ ، وَأَبْنُ مَعين: يَجِبُ
وَنَظَرُ السَّامِعِ مِنْهُ يُنْدَبُ
(ونظر السامع) أي: الشخص الذي يسمع الحديث، وهو مبتدأ، خبره جملة يندب
(منه) أي: من الشيخ متعلق بـ ((السامع)) وفي نسخة الشارح معه وهو قريب من معنى الأول
(يندب) بالبناء للمفعول أي: يستحب (في نسخة) متعلق بـ((نظر))، يعني: أنه ينظر في
نسخة إما له، أو لمن حضر من السامعين، أو الشيخ.
والحاصل: أنه يستحب أن ينظر الطالب حين سماع الحديث في نسخة من الكتاب
المسموع؛ لأنه أضبط وأجدر أن يفهم معه ما يستمع، لوصول المقروء إلى قلبه؛ من طريقي
السمع والبصر، كما أن الناظر في الكتاب إذا تلفظ به يكون أثبت في قلبه؛ لأنه يصل إليه من
طريقين، ويتأكد النظر إذا أراد السامع النقل منها، لكونه حينئذٍ كأنه قد تولى العرض بنفسه.
ثم إن كونه مستحبًّا هو الذي صرح به الخطيب (٣)، وهو الصواب، وهو الصواب
الذي قاله الجمهور، وقال ابن معين: يجب ذلك، وإليه أشار بقوله (وابن معين) مبتدأ خبره
(١) علوم الحديث ص ١٦٩ .
(٢) الاقتراح ص ٢٩٦ - ٢٩٧، والفتح المغيث ج ٣ ص ٨٠ .
(٣) الكفاية ص ٢٣٨ .

٢٤
شِعُ الْفُِّ الشَّيُوَطِيّ
٤٥٢ - إنْ لَمْ يُقَابِلْ جَازَ أَنْ يَرْوِيَ إِنْ
يَنْسَخْ مِنَ اصْلِ ضَابِطٌ ثُمَّ لُيُبنْ
محذوف تقديره ((قائل))، وهو الإمام أبو زكريا يحيى بن معين بن عون الغطفاني،
مولاهم، البغدادي، ثقة، حافظ، مشهور إمام الجرح والتعديل، مات سنة ٢٣٣ هـ.
بالمدينة، وله بضع وسبعون سنة، وقوله: (يجب) مقول للخبر المقدر.
والمعنى: أن ابن معين قال: يجب النظر المذكور.
وذلك أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب، والمحدث يقرأ، أيجوز له أن يحدث بذلك
عنه؟ فقال: أما عندي فلا، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم. اهـ(١).
لكن ابن الصلاح قال: إن هذا من مذاهب المتشددين في الرواية، والصحيح عدم
اشتراطه، وصحة السماع، ولو لم ينظر أصلاً في الكتاب حالة السماع (٢).
ثم إنه تجوز له الرواية، وإن لم يقابل إذا كان منقولاً من أصل معتمد، وكان الناقل
ضابطًا قليل السقط، لكن يبين حال الرواية ذلك، وإليه أشار بقوله:
إِنْ لَمْ يُقَابِلْ جَازَ أَنْ يَرْوِيَ إِنْ
يَنْسَخْ مِنَ اصْلِ ضَابِطٌ ثُمَّ لُيُبِنْ
(إن) شرطية (لم يقابل) كتابه بالأصل ونحوه (جاز) له (أن يروي) منه، والحالة هذه
على ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني، وأبو بكر الإسماعيلي، والبرقاني،
والخطيب، لكن بشروط ثلاثة أشار إلى الأول بقوله: (إن) شرطية أيضًا (ينسخ) ذلك الفرع
(من اصل) بنقل حركة الهمزة إلى نون ((من)) ووصلها للوزن، أي: يكتبه من أصل معتمد
(ضابط) بالرفع فاعل ((ينسخ)) أي: ناقل متقن بحيث لا يكون سقيم النقل، كثير السقط (ثم
ليبن) مضارع أبان، أي: يظهر للناس عند الرواية أنه لم يعارضه.
وحاصل المعنى: أنه يجوز له أن يروي بدون مقابلة بالأصل، ونحوه بشروط ثلاثة عند
من ذكرنا من الأئمة:
الأول: أن يكون الناقل للنسخة صحيح النقل، قليل السقط.
الثاني: أن ينقله من الأصل.
الثالث: أن یبین حال الرواية أنه لم يقابله .
ذكر هذا الشرط فقط الإسماعيلي، وذكره مع الثاني الخطيب، والأول ابن الصلاح (٢).
(١) انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص ٢٣٨.
(٢) علوم الحديث ص ١٦٩ .
(٣) انظر التدريب ج ٢ ص ٧٦ .

٢٥
- الجُزْءُ الثّاني
٤٥٣ - وُكُلُّ ذَا مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ (*)
وَسَاقطًا خَرِّجْ لَهُ بِالْفَصْلِ
ومنع الرواية بدون مقابلة وإن اجتمعت الشروط القاضي عياض رحمه الله (١).
وكل ما ذكرنا يشترط أيضًا في كتاب شيخه، كما أشار إليه بقوله:
وُكُلُّ ذَا مُعْتَبَرٌ فِي الأَصْلِ
(وكل ذا) أي المذكور من المقابلة وما يتعلق بها، وهو مبتدأ خبره قوله: (معتبر في
الأصل) أي الكتاب المنقول منه، وهو كتاب شيخه، يعني: أن المقابلة المذكورة هنا معتبرة
أيضًا في كتاب الشيخ، فلا بد فيها منها .
قال ابن الصلاح رحمه الله: ثم إنه ينبغي أن يراعي في كتاب شيخه بالنسبة إلى من فوقه
مثل ما ذكرنا أن يراعيه من كتابه، ولا يكون كطائفة من الطلبة، إذا رأوا سماع شيخ لكتاب
قرؤوه عليه من أي نسخة اتفقت. اهـ(٢).
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بعد إتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه أو على أصل آخر
مقابل أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة. وهذا لتصحيح المنسوخ خشية سقوط شيء منه أو وقوع خطأ في
النقل. قال عروة بن الزبير لابنه هشام: ((كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا. قال: لم تكتب)).
قال الأخفش: ((إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض: خرج أعجميًّا)).
ويقابل الكاتب نسخة على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب - إن أمكن-، وهو أحسن - أو مع
شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: ((أصدق المعارضة مع
نفسك))، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، فقال: ((اصدق المعارضة مع نفسك))، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه
فقال: ((لا تصح مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره)).
وأرى أن هذا يختلف باختلاف الظروف والأشخاص، وكثير من الناس يتقنون المقابلة وحدهم ويطمئنون إليها أكثر
من المقابلة مع غيرهم. وإذا لم يتمكن الكاتب من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره ممن يثق به .
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها، فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في
نسخته. وذهب ابن معين إلى اشتراط ذلك، فقد سُئِل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن
يحدث بذلك، فقال: ((أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم)).
قال النووي: ((والصواب)) الذي قاله الجمهور ((أنه لا يشترط)).
أما إذا لم يعارض الراوي كتابه الأصل: فذهب القاضي عياض وغيره إلى أنه لا يجوز له الرواية عند عدم المقابلة.
والصواب: الجواز إذا كان ناقل الكتاب ضابطًا صحيح النقل قليل السقط، وينبغي أن يبين حين الرواية أنه لم
يقابل على الأصل المنقول منه، كما كان يفعل أبو بكر البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: ((أخبرنا
فلان ولم أعارض بالأصل)). ثم إن الشروط التي سبقت في تصحيح نسخة الراوي ومقابلتها بأصلها إلخ -:
تعتبر أيضًا في الأل المنقول عنه، لئلا يقابل نسخته على أصل غير موثوق به ولا مقابل على ما نقل منه.
(١) الإلماع ص ١٥٩ .
(٢) علوم الحديث ص ٩٣ - ٩٤ .

٢٦
شَرِجُ الْفُُّ السَّيُوطِى : -
٤٥٤- مُنْعَطَفًا، وَقِيلَ: مَوْصُولاً إِلَى
(*)
يُمْنَى بِغَيْرٍ طَرْفِ سَطْرٍ وَاعْتَلَى(
٤٥٥ - وَبَعْدَهُ ((صَحَ)) وَقِيلَ: زِدْ ((رَجَعْ))
وَقِيلَ: كَرِّرْ كِلِمَةً، لَكِنْ مُنِعْ
ثم ذكر كيفية تخريج الساقط فقال:
وَسَاقطًا خَرِّجْ لَهُ بِالْفَصْلِ
يُمْنَى بِغَيْر طَرْفِ سَطَرْ وَاعْتَلَىَ
مُنْعَطفًا، وَقِيلَ : مَوْصُولاً إِلَى
وَقِيلَ : كَرِّرْ كَلَمَةً ، لكنْ مُنِعْ
وَبَعْدَهُ((صَحِّ) وَقِيلَ: زِدْ (رَجَعْ))
(وساقطا) مفعول لفعل محذوف على الاشتغال، أي: خرج شيئًا ساقطًا من الكتاب،
ويسمى اللحق بفتح اللام، والحاء المهملة يسمى بذلك عند أهل الحديث والكتابة، أخذًا
من الإِلحاق، أو من الزيادة فإنه يطلق على كلٌّ منهما لغة، قاله في ((التدريب))(١).
وقال السخاوي رحمه الله: والأصل في هذا الباب قول زيد بن ثابت في نزول قوله
تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الصَّرَرِ﴾ بعد نزول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]،
كما في سنن أبي داود فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في
كتف. اهـ (٢).
(خرج) أمر من التخريج (له) اللام زائدة، أي: خرج ذلك الساقط بالفصل أي: الخط
الفاصل بين الكلمتين اللتين بينهما الساقط، حال كونه (منعطفًا) إلى فوق السطر؛ لأن
يخط من موضوع سقوطه من السطر خطًّا صاعداً إلى فوق، ثم يعطفه بين السطرين عطفة
يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق هكذا (٦) إلى اليمين، أو هكذا إلى اليسار.
ويبدأ فيها بكتبه اللحق مقابلاً للخط المنعطف هذا هو المختار في التخريج.
وقيل: يمد العطفة إلى أول اللحق وإليه أشار بقوله : (وقيل) يكتب الفاصل (موصولا)
أي بأول اللحق، يعني: أنه يمد العطفة من موضع السقوط حتى تلتحق بأول اللحق،
واختاره الرامهر مزي(٣)، لما فيه من مزيد البيان، لكنه كما قال ابن الصلاح غير مرضي (٤)،
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: وعلا.
(١) ج ٢ ص ٧٦ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٨٦ .
(٣) المحدث الفاصل ص ٦٠٦ .
(٤) علوم الحديث ص ١٧٢ .

٢٧
- الجزء الثاني
بل هو كما قال عياض: تسخيم للكتاب(١)، وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات.
قال العراقي: إلا أن لا يكون مقابله خالية، ويكتب اللحق في موضع آخر، فيتعين حينئذٍ
جر الخط إليه، أو يكتب قبالته، يتلوه كذا وكذا، في الموضع الفلاني، ونحو ذلك، لزوال
اللبس(٢)، (إلى يمنى) متعلق بـ ((موصول)) أي موصولاً إلى الجهة اليمنى من الحاشية إن اتسعت
له، لاحتمال طرو سقط آخر في بقية السطر فيخرج إلى جهة اليسار، فلو خرج للأولى إلى
اليسار، ثم ظهر سقط آخر، فإن خرج إلى اليسار أيضًا اشتبه موضع هذا بموضع ذاك، وإن
خرج للثاني إلى اليمين تقابل طرفا التخريجين، وربما التقيا، فيظن أنه ضرب على ثانيهما. قاله
في التدريب (٣) (بغير طرف سطر) خبر لمحذوف، أي: هذا كائن بغير طرف سطر.
والطرف، بفتح الطاء وسكون الراء: منتهى كل شيء. اهـ. (ق)، والمراد هنا آخر
السطر. والسطر بفتح فسكون، ويحرك: الخط والكتابة. قاله في ((ق)) أيضًا لكن الضبط
الأول هو المتعين هنا للوزن.
وحاصل المعنى: أنه يخرج الساقط إلى جهة اليمنى بشكل زواية قائمة هكذا ٢ إلى
اليمين هذا إذا لم يكن الساقط في آخر السطر، وإلا فيخرجه إلى جهة الشمال للأمن حينئذٍ
من النقص بعده ولیکون متصلاً بالأصل.
قال العراقي: نعم إن ضاق ما بعد آخر السطر لقرب الكتابة من طرف الورق، أو
لضيقه بالتجليد، بأن يكون السقط في الصفحة اليمنى فلا بأس حينئذٍ بالتخريج إلى جهة
اليمنى. اهـ (٤).
(واعتلى) أي: کتب الساقط صاعدًا إلى أعلى الورقة من أي جهة كان، لا نازلاً على
أسفلها، لاحتمال وقوع سقط آخر فيه، أو بعده، فلا يجد له مقابله موضعًا لو كتب الأول
إلى أسفل.
وموضع الجملة نصب على الحال(٥)، أي: حال كونه معتليًا (وبعده) أي: بعد انتهاء
الساقط، والظرف خبر مقدم لقوله: ((صح)) مبتدأ لقصد لفظه، أي: لفظ: ((صح )) كائن
(١) التسخيم: التسويد، فعطف التسويد للتفسير .
(٢) شرح الألفية ج ٢ ص ١٤١ .
(٣) ج ٢ ص ٧٧ .
(٤) شرح الألفية ج ٢ ص ١٤١ .
(٥) ولا يحتاج إلى تقدير قد على مذهب الكوفيين، وهو الظاهر .

٢٨
..
شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِىّ -
٤٥٦ - وَخَرِّجَنْ لِغَيْرِ أَصْلِ مِنْ وَسَطْ
وَقِيلَ: ضَبِّبْ خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ (*)
بعد الساقط الملحق في الحاشية .
وحاصل المعنى: أنه إذا انتهى اللحق يكتب في آخره كلمة (صح) فقط، إشارة إلى
انتهائه، وثبوته في الأصل، وتكون صغيرة لئلا تشتبه مع ألفاظ اللحق.
(وقيل زد) أيها الكاتب على ((صح))، لفظ ((رجع)) يعني: أن بعضهم كما حكاه
عیاض قال: یکتب ((صح)) مع ((رجع))، أو يقتصر على ((رجع))، وبعضهم يكتب ((انتهى
اللحق))، قال عياض: والصواب ((صح))(١) (وقيل كرر كلمة) بسكون اللام مع فتح الكاف
وكسرها كما تقدم، مخفف كلمة بكسر اللام، أي: أعد الكلمة المتصلة بداخل الكتاب.
وحاصل المعنى: أنك تكرر الكلمة التي اتصلت باللحق داخل الكتاب بأن تكتبها
بالهامش أيضًا ليدل على أن الكلام منتظم، لكن هذا القول غير مرضي، كما قال (لكن
منع) بالبناء للمفعول، أي رُدَّ هذا القول؛ لأنه تطويل موهم، فقد يجيء في الكلام ما هو
مكرر مرتين، أو ثلاثًا، لمعنى صحيح، فإذا كررنا الحرف لم نأمن أن يوافق ما يتكرر
حقیقة، أو یشکل أمره، فیوجب ارتیابًا وزيادة إشكال.
وهذا كله في تخريج الساقط، وأما ما يكتب من غير أن يكون ساقطًا فقد ذكره بقوله:
وَقِيلَ: ضَبِّبْ خَوْفَ لَبْسِ مَا سَقَطْ
وَخَرِّجَنْ لِغَيْرِ أَصْلِ مِنْ وَسَطْ
(١) الإلماع ص ١٦٢ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا سقط من الناسخ بعض الكلمات وأراد أن يكتبها في نسخته فالأصوب
أن يضع في موضع السقط - بين الكلمتين - خطًا رأسيًّا ثم يعطفه بين السطرين بخط أفقي صغير إلى الجهة
التي سيكتب فيها ما سقط منه، فيكون بشكل زاوية قائمة هكذا - إلى اليمين، أو هكذا - إلى اليسار.
واختار بعضهم أن يطيل الخط الأفقي حتى يصل إلى ما يكتبه، وهو رأي غير جيد؛ لأن فيه تشويهًا لشكل
الكتاب، ويزداد هذا التشويه إذا كثرت التصحيحات، ثم يكتب ما سقط منه ويكتب بجواره كلمة ((صح))-
وكلمة ((رجع)) والاكتفاء بالأولى أحسن وأولى.
وذهب بعضهم إلى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب الكتاب، ولكن هذا غير مقبول، لئلا
يظن القارئ أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفي الصلب مكررة في الأصل، وهو إيهام قبيح.
واما إذا أراد أن يكتب شيئًا بحاشية الكتاب على سبيل الشرح أو نحوه - ولا يكون إتمامًا لسقط من الأصل -
فيحسن أن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها فتكون العلامة فوقها، ليفرق بين
التصحيح وبين الحاشية .
واختار القاضي عياض أن يضبب فوق الكلمة. وفي عصورنا هذه نضع الأرقام للحواشي كما ترى في هذا الكتاب.

٢٩
الجُزْءُ الثّاني
٤٥٧ - مَّا صَحَّ فِي نَقْلِ وَمَعْنِّى وَهْوَ فِي
مَعْرِضٍ شَكِّ(صَحَ) فَوْقَهُ قُفِي
٤٥٨- أَوْ صَحَّ نَقْلاً وَهْوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ
ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَدّ
(وخرجن) أمر من التخريج، و((النون)) نون التوكيد الخفيفة، ومفعول محذوف، أي
العلامة (لغير أصل) أي لأجل كتابة شيء غير أصل من شرح، أو فائدة، أو تنبيه على
غلط، أو اختلاف رواية، أو نسخة، أو نحو ذلك (من وسط) أي وسط الكلمة التي تشرح
أو ينبه على ما فيها .
وحاصل المعنى: أن ما يكتب في الحاشية من غير الأصل كالأشياء المذكورة تخرج له
العلامة استحبابًا من وسط الكلمة المخرج لأجلها، لا بين الكلمتين، ليفارق التخريج
الساقط .
وقال القاضي عياض: الأولى أنه لا يخرج له خطا، بل ضب عليه (١)، كما أشار إليه
بقوله (وقيل ضبب) أي اجعل على الحرف المخرج عليه ضبة، أو نحوها تدل عليه،
والضبة: صاد ممدودة هكذا ((ص)) وسيأتي بيانها (خوف لبس ما سقط) أي لأجل خوف
الالتباس بما سقط من أصل الكتاب.
والمعنى: أن بعضهم قال: لا تكتب علامة التخريج المتقدمة، لئلا يلتبس غير الساقط
بالساقط، إذا اتحدت العلامتان، بل يجعل على الحرف ضبة، أو نحوها تدل عليه.
لکن رد علیه بأن ذلك اصطلح به لغير ذلك، کما یأتي قريبًا، فخوف اللبس حاصل
أيضًا، بل هو فيه أقرب، لافتراق صورتي التخريج، في الأولى باختصاص الساقط بقدر
زائد، وهو الإشارة في آخره بما يدل على أنه من الأصل.
ثم إن من شأن المتقنين الحذاق الاعتناء بالتصحيح، والتضبيب، والتمريض، كما بين
ذلك بقوله:
مَعْرِضِ شَكِّ(صَحَ) فَوْقَهُ قُفِي
مَا صَحَّ فِي نَقْلٍ وَمَعْنَّى وَهُوَ فِي
ضَبِّبَ وَمَّرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَّدّ
أَوْ صَحَّ نَقْلاً وَهَوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ
(ما) مبتدأ، أي الكلام الذي (صح في نقل) أي رواية (ومعنى) أي فيما يعني ويقصد
منه (و) الحال (هو) أي الكلام الصحيح فيهما (في معرض شك) أي محل عروضه، أي
(١) الإلماع ص ١٦٤.

٣٠
شَرْع الْفِيَةُ الشَّيُوخِىّ
ظهوره، يقال: قلت في معرض كذا وزان مسجد، أي في موضع ظهوره، أفاده الفيومي
(صح) أي هذا اللفظ، مبتدأ لقصد لفظه، خبره جملة قوله: «قفي)) (فوقه) أي فوق ما هو
معرض للشك متعلق بقوله (قفي) أي تبع، بمعنى كتب، وجملة المبتدأ والخبر خبر ((ما)).
وحاصل معنى البيت: أنه إذا وجد كلام صحيح معنى ورواية، وهو عرضة للشك في
صحته، أو الخلاف فيه: كتب فوقه كلمة ((صح)) تامة كبيرة، أو صغيرة، وهو أحسن،
إشارة بها إلى أنه لم يغفل عنه وأنه قد ضبطه وصح على ذلك الوجه، لئلا يبادر الواقف ممن
لم يتأمل إلى تخطئته، وهذا هو الأشهر والأحسن.
ويكفي كتابتها في الحاشية مثلاً، لا بجانبه، لئلا يلتبس (أو صح نقلاً) أي من حيث
النقل والرواية (وهو في المعنى) أي من جهة المعنى (فسد) بأن يكون غير جائز من حيث
العربية، أو شاذًّا عند جمهور أهلها، أو مصحفًا، أو ناقصًا لكلمة، فأكثر، أو مقدماً، أو
مؤخراً، أو نحو ذلك (ضبب) أمر من التضبيب (ومرّض) أمر من التمريض ..
والتضبيب والتمريض شيء واحد فسره بقوله (فوقه) أي فوق ما ذكر مما صح نقلاً
وفسد معنى، خبر مقدم لقوله (صاد) أي كائنة فوقه صاد، وجملة وقوله: (تمد) بالبناء
للمفعول صفة لـ ((صاد)) أي صاد ممدودة، والجملة بيان لمعنى التضبيب.
وحاصل معنى البيت: أن ما صح نقلاً، ولكن في معناه فساد كتب فوقه علامة
التضبيب، وتسمى أيضا التمريض وهي صاد ممدودة هكذا (صـ) وهي مهملة مختصرة من
((صح))، ويجوز أن تكون ضادًا معجمة مختصرة من ((ضبة))، ولا تخلط بالممرض، لئلا
تلتبس بخط الضرب الآتي لا سيما عند صغر فتحتها، قاله السخاوي(١) .
وفرق بين الصحيح والسقيم حيث كتب على الأول حرف كامل لتمامه، وعلى الثاني
حرف ناقص، ليدل نقصه على اختلاف الكلمة، قاله في ((التدريب))(٢).
وقال السخاوي: إنما كانت نصف ((صح)) إشارة إلى أن الصحة لم تكمل في ذلك المحل
مع صحة نقله وروايته كذلك، وتنبيهًا له لمن ينظر فيه على أنه متثبت في نقله غير غافل،
وإنما اختص التمريض بهذه الصورة فيما يظهر، لعدم تحتم الخطأ في المعلم عليه، بل لعل
غيره ممن يقف عليه يخرج له وجهًا صحيحًا، كما وقع لابن مالك في كثير من روايات
((الصحيح))، أو يظهر له هو بعد في توجيه صحته ما لم يظهر له الآن فيسهل عليه تكميلها
(١) فتح ج ٣ ص ٩٣ .
(٢) ج ٢ ص ٧٩ .

٣١
- الجزء الثاني
٤٥٩- كَذَكَ فِي الْقَطْعِ وَفِي الإِرْسَالِ
وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ فِ اتِّصَالِ
٤٦٠- لعَطَفِ أَسْمَاء بِصَادٍ بَيْنَهُمْ
وَاخْتَصَرَ النَّصْحِيحَ فِيهَا بَعْضُهُمْ (*)
((صح)) التي هي علامة لمعرض الشك. اهـ(١).
والضبة مأخوذة من ضبة القدح التي تجعل لما يكون به من كسر، أو خلل، ولا يقال:
إن ضبة القدح للجبر، وهذه ليست كذلك؛ لأن التشبيه وقع من حيث إن كلاً وُضع على
ما فيه خلل.
وإما مأخوذة من ضبة الباب، لكون الحرف مقفلاً لا يتجه لقراءته كما أن الضبة يقفل
بها .
قال التبريزي: ويجوز أن تكون إشارة إلى صورة ضبة ليوافق صورتها معناها. أفاده
السخاوي(٢) .
ثم إن هذه الضبة تستعمل أيضًا في موضع الانقطاع، أو الإرسال، كما بين ذلك
بقوله:
وَبَعْضُهُمْ أَكَّدَ فِي اتِّصَالِ
كَذَاكَ فِي الْقَطْعِ وَفِي الإِرْسَالِ
وَاخْتَصَرَ النَّصْحِيحَ فِيهَا بَعْضُهُمْ
لَعَطْفِ أَسْمَاءٍ بِصَادِ بَيْنَهُمْ
(كذاك) أي مثل ما تقدم من كتابة صاد ممدودة على ما صح نقلاً، واختل معنى توضع .
هذه العلامة (في) موضع (القطع) أي محل انقطاع السند (وفي) موضع (الإرسال) منه،
فقوله: كذاك، وفي القطع، يتعلقان بتوضع، أو تكتب المقدر.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من شأن المتقنين في النسخ والكتابة أن يضعوا علامات توضح ما يخشى
إبهامه: فإذا وجد كلام صحيح معنى ورواية وهو عرضة للشك في صحته أو الخلاف فيه: كتب فوقه
(صح). وإذا وجد ما صح نقله وكان معناه خطأ وضع فوقه علامة التضبيب - وتسمى أيضًا ((التمريض)) -
وهي ضاد ممدودة هكذا ((صـ)) ولكن لا يلصقها بالكلام، لئلا يظن أنه إلغاء له وضرب عليه.
وكذلك توضع هذه العلامة على موضع الإرسال أو القطع في الإسناد، وكذلك فوق أسماء الرواة المعطوفة
نحو (فلان وفلان)) لئلا يتوهم الناظر أن العطف خطأ وأن الأصل ((فلان عن فلان)).
والأحسن في الإرسالُ والقطع والعطف ونحوها: وضع علامة التصحيح، كما هو ظاهر. وفيما كان خطأ في
المعنى أن يكتب فوقه أو بجواره كلمة ((كذا)) وهو المستعمل كثيرًا في هذه العصور.
(١) فتح ج ٣ ص ٩٣ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٩٤ ، ٩٥ .

٣٢
شَرِجُ الفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ -
٤٦١- وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ فَامْحُ أَوْ
حُكَّ أَوِ اضْرِبْ، وَهْوَ أَوْلَى، وَرَأَوْا
٤٦٢- وَصْلاً لَهَذَا الْخَطِّ بِالْمَضْرُوبِ
وَقِيلَ : بَلْ يُفْصَلُ مِنْ مَكْتُوبٍ
٤٦٣- مُنْعَطفًا مِنْ طَرْفَيْهِ أَوْ كَتبْ
صِفْراً بِجَانِبَيْهِ أَوْ هُمَا أَصبْ
وحاصل المعنى: أنه إذا وقع في الإسناد انقطاع، أو إرسال، فمن عادتهم تضبيب
موضع الانقطاع والإرسال، وهو من قبيل ما تقدم ذكره من التضبيب على الكلام الناقص.
ومما تستعمل فيه العلامة المذكورة عند بعض العلماء الأسماء المتعاطفة إشارة إلى تأكيد
صحته كما بين ذلك بقوله: (وبعضهم أكد) مبتدأ وخبر، أي أن بعض المحدثين كتب
العلامة المذكورة تأكيدًا (في) حال (اتصال) للسند أي عدم انقطاع أو إرسال خلاف المسألة
المتقدمة (لعطف أسماء) أي عند عطف أسماء الرواة بعضهم على بعض، مثل ما يقال:
حدثنا فلان، وفلان، وفلان فاللام للتوقيت، كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ﴾[ الإسراء: ٧٨]، أي عند دلوكها؛ أي زوالها.
وحاصل المعنى: أن بعض المحدثين كما يوجد في بعض الأصول القديمة في الإسناد
الجامع لجماعة من الرواة في طبقة متعاطفين يكتب علامة تشبه الضبة فيما بين أسمائهم،
تأكيدًا للعطف، خوفًا من أن يجعل غير الخبير مكان الواو ((عن)). ويتوهم من لا خبرة له
أنها ضبة، وليس كذلك، فينبغي التنبه لذلك(١) .
واستعمل بعضهم الصاد اختصاراً من صح كما نبه عليه بقوله: (واختصر التصحيح) أي
كتب علامة التصحيح وهو لفظة (صح)) (فيها) أي الصاد المذكورة (بعضهم) فاعل ((اختصر)).
وحاصل المعنى: أن بعض المحدثين ربما اختصر ((صح)) التي هي علامة التصحيح بالصاد
المذكورة فيكتب هكذا ((ص)) فيوهم كونها تضبيبًا وليس كذلك، فينبغي التفطن له.
ثم ذكر مسألة إبطال الزائد فقال :
حُكَّ أَوَ اضْرَبْ، وَهْوَ أَوْلَىُ، وَرَأَوْا
وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ فَامْحُ أَوْ
وَقِيلَ : بَلْ يُفَصَلُ مَنَّ مَكْتُوبَ .
وَصْلاً لَهَذَا الْخَطِّ بِالْمَضْرُوبِ
صِفْرًا بِجَانِبَيْهِ أَوْ هُمَا أَصِبَّ
مُنْعَطِفًا مِنْ طَرْفَيْهِ أَوْ كَتبُ
(١) انظر علوم الحديث ص ١٧٦، والإرشاد للنووي ١/ ٣٤٠، وفتح المغيث للعراقي ٣/ ٣٤.

٣٣
- الجزءالثاني
٤٦٤ - بنصْف دَارَة فَإنْ تَكَرَّراً
زِيَادَةُ الأَسْطُرْ سِمْهَا أَوْ عَرَاَ
بنصْف دَارَة
(وما) اسم موصول مفعول مقدم، أو مبتدأ خبره جملة الطلب بعده، أي الذي (يزيد
في الكتاب) مما ليس منه، أو كتب على غير وجهه، فأبطله بأحد أمور، مما سلكه العلماء،
وهو إما المحو المشار إليه بقوله: (فامح) أيها الكاتب، والمحو: هو الإزالة بدون سلخ حيث
أمكن، بأن تكون الكتابة في لوح، أو رق أو ورق صقيل جدًّا، أو في حال طراوة المكتوب
وأمن نفوذ الحبر بحيث يسود القرطاس.
وهو إما بالإصبع، أو بخرقة، أو لعقه، وعن إبراهيم النخعي كان يقول: من المروءة
أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد(١)، أي لدلالته على الاشتغال بالتحصيل.
ثم ذكر الطريق الثاني وهو الحك بقوله: (أو حك) أيها الكاتب، أمر من حك الشيء،
من باب قتل: قشره، وأزاله.
وأشار بالحك، ويعبر عنه بالبشر بفتح فسكون إلى الرفق بالقرطاس، ويقال له أيضًا:
الكشط، بفتح فسكون بالكاف والقاف، وهو سلخ القرطاس بالسكين، ونحوها. تقول:
كشطت البعير كشطًا: إذا نزعت جلده، وكشطت الجل عن ظهر الفرس، والغطاء عن
الشيء: إذا كشفت عنه، أفاده السخاوي(٢) .
ثم ذكر الطريق الثالث، وهو الضرب بقوله: (أو اضرب) على الزائد (وهو) أي
الضرب المفهوم من اضرب (أولى) أي أحسن من المحو والحك.
وعن بعضهم قال: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا يبشر
شيء، لأن ما يبشر منه ربما يصح في رواية أخرى، وقد يسمع الكتاب مرة أخرى على
شيخ آخر، يكون ما بشر من رواية هذا صحيحًا في رواية الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن
يبشر، بخلاف ما إذا خط عليه وأوقفه من رواية الأول، وصح عند الآخر اكتفى بعلامة
الآخر عليه بصحته، أفاده في ((التدريب))(٣) .
وقال بعضهم: الحك تهمة حيث يتردد الواقف عليه أكان الكشط لكتابة شيء بدله ثم
لم يتيسر أو لا؟
(١) علوم الحديث ص ١٧٩ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٩٦ .
(٣) ج ٢ ص ٨٠ .

٣٤
شَرْعَ الِيَةُ الشَّيُوطِي
ثم إنهم اختلفوا في كيفية الضرب على خمسة أقوال أشار إلى الأول بقوله: (ورأوا)
أي أكثر الضابطين كما نقله عياض عنهم (١) (وصلا لهذا الخط) أي المضروب (بالمضروب)
علیه، وهو الزائد بحیث یکون مختلطًا به .
وحاصل المعنى: أن أكثر العلماء قالوا في كيفية الضرب: يخط فوق المضروب عليه
خطًّا بينًا دالاً على إبطاله باختلاطه به، ولا يطمسه، بل يكون ممكن القراءة، ويسمى هذا
الضرب عند المغاربة الشق، بفتح المعجمة وتشديد القاف من الشق وهو الصدع، أو شق
العصا، وهو التفريق، كأنه فرق بين الزائد وما قبله وما بعده من الثابت بالضرب.
وقيل: هو النشقة بفتح النون والمعجّمة، من نشق الظبر في حبالته: علق فيها، فكأنه
أبطل حركة الكلمة وإعمالها بجعلها في وثاق يمنعها من التصرف. أفاده في
((التدريب))(٢) .
ثم ذكر القول الثاني في الضرب، فقال: (وقيل) لا يخلط الخط المذكور بالمضروب
عليه (بل يفصل) بالبناء للمفعول (من مكتوب) وهو الزائد المضروب عليه.
وحاصل المعنى: أنه لا يخلط خط الضرب بالمضروب عليه، بل يجعل فوقه منفصلاً
عنه، حال كونه (منعطفًا من طرفيه) أي على طرفي المكتوب الزائد، ويحتمل أن يعود
الضمير إلى الخط المضروب، أي حال كون ذلك الخط منعطفًا من جهة طرفيه على
المضروب عليه بحيث يكون كالنون المقلوبة هكذا ٢٦ .
ثم أشار إلى الثالث بقوله: (أو) لتنويع الخلاف، أي قال بعضهم: (كتب) بصيغة
المعلوم، وفاعله ضمير يعود إلى المفهوم من السياق، أي من أراد إبطال الزائد، وقوله:
(صفرًا) مفعوله: أي كتب مريد إبطال الزائد صفرًا بجانبيه، وهي دائرة صغيرة، وهي
بكسر الصاد كما تفيده عبارة (التاج)).
وهذا القول: حكاه عياض(٣) عن بعض الأشياخ المحسنين لكتبهم، قال: وسميت
بذلك لخلو ما أشير إليه بها عن الصحة، كتسمية الحساب لها بذلك، لخلو موضعها من
عدد. قاله السخاوي(٤) .
(١) الإلماع ص ١٧١ .
(٢) ج ٢ ص ٨١ .
(٣) الإلماع ص ١٧١ .
(٤) فتح ج ٣ ص ١٠٠، ١٠١.

٣٥
- الجزءالثاني
٤٦٥- وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ ((لا)) (أَوْ ((منْ)) عَلَى
أَوَّلِهِ (أَوْ ((زَائِدًا))) ثُمَّ(إِلَى))
(بجانبيه) أي جانبي الزائد إن اتسع المحل، ولم يلتبس بالدائرة التي تجعل فصلاً بين
الحديثين، ونحو ذلك، وإلا فأعلى الزائد كالخط المتقدم.
ثم أشار إلى الرابع بقوله: (أو) لتنويع الخلاف أيضًا، أي قال بعضهم: (هما) أي
الجانبان، مبتدأ خبره قوله (أصب) هما ، أمر من الإصابة، أي أصب الجانبين من الزائد
(بنصف دارة) أي كالهلال هكذا ( ).
والدارة لغة في الدائرة، جمعها دارات، سُمِّيت به لاستدارتها أفاده الفيومي.
هذا كله فيما إذا كان الزائد في سطر واحد، فأما إذا تكررت الأسطر، فقد بينه بقوله:
زِيَادَةُ الأَسْطُرِ سمْهَا أَوْ عَرَاً
فَإِنْ تَكَرَّراً
أَوَّلَهُ (أَوْ ((زَائِدًا ) )) ثُمَّ((إِلَى))
وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ (لا)) (أَوْ ((مِنْ))) عَلَى
(فإن تكررا) بألف الإطلاق، فعل ماضٍ وفاعله قوله (زيادة الأسطر) أي إن كثر الزائد
المضروب عليه بأن كان فوق سطر (سمها) جواب الشرط بتقدير الفاء، أي فسمها، أمر من
وسم يسم، كوعد يعد، أي فعلم عليها كلها، والضمير المنصوب عائد على ((الأسطر)).
حاصل المعنى: أنه إذا تكررت الأسطر فعلم على أول كل سطر وآخره لما فيه من زيادة
البيان والإيضاح.
(أو عرا) أي خلا عن العلامة، وأصل عرى عري، كرضي خفف بفتح عين الكلمة،
وهي لغة طيئ يقولون في فعل المكسور العين إذا كان معتل اللام بالياء: فعل يفعل بفتح
العين في الماضي والمضارع للتخفيف، كبقي وفني، وأما عرا يعرو، كغزا يغزو، فهو بمعنى
((نزل))، ولا يناسب هنا.
وفاعله ضمير يعود إلى المتكرر المفهوم من ((تكرر))، أي عري المتكرر عن العلامة في
كل سطر اكتفاء بما في أول الزائد وآخره، وفيه عطف الجملة الخبرية على الإنشائية وهو
جائز عند بعضهم .
وحاصل المعنى: أنه إذا كثرت سطور الزائد فاجعل علامة الإبطال في أول كل سطر
وآخره للبيان إن شئت، أو لا تكرر العلامة، بل اكتف بها في أول الزائد وآخره، وإن
كثرت السطور، حكاه القاضي عياض رحمه الله عن بعضهم(١) .
(١) الإلماع ص ١٧١ .

٣٦
شَرْج ◌ُِّ الشَّيُظِى .
٤٦٦ - وَإَنْ يَكُ الضَّرْبُ عَلَى مُحَرَّر
فَالثَّانِيَ اضْرِبْ فِي ابْتِدَاءِ الأَسْطُرِ
٤٦٧ - وَفِي الأَخِيرِ: أَوَّلاً أَوْ وُزِّعَا
وَاَلْوَصْفَ وَالْمِضَافَ صِلْ لا تَقْطَعَا
ثم ذكر الخامس بقوله:
(وبعضهم) أي العلماء (يكتب) علامة لإبطال الزائد كلمة ((لا)) النافية أو كلمة ((من)) الجارة
(على أوله) أي الزائدة (أو) يكتب زائدًا أي لفظه ((زائد)) (ثم) يكتب كلمة ((إلى)) الجارة في آخره.
وحاصل المعنى: أن بعضهم يكتب لإبطال الزائد ((لا)) النافية، أو من الجارة، أو كلمة
((زائد))، وفي آخره كلمة ((إلى)) الجارة، إشارة إلى أن هذا القدر زائد على أصل الكتاب.
قال السخاوي رحمه الله: وذلك - والله أعلم - فيما يجوزون أن نفیه أو إثباته غير متفق
عليه في سائر الروايات، ولذا يضاف إليه في بعض الأصول الرمز لمن وقع عنده، أو نفي
عنه من الرواة، وقد يقتصر على الرمز لكن حيث يكون الزائد كلمة، أو نحوها (١).
وقد قال ابن الصلاح تبعًا لعياض: إن مثل هذه العلامة تحسن فيما ثبت في رواية وسقط
من أخرى(٢).
ثم إن هذا كله فيما إذا كان الزائد غیر مکرر، وأما إذا كان مكرراً، فقد ذكره بقوله :
فَالثَّانِيَ اضْرِبْ فِي ابْتِدَاءِ الأَسْطُرِ
وَإِنْ يَكُ الضَّرْبُ عَلَى مُكَرَّر
وَاَلْوَصْفَ وَالْمَضَافَ صَلْ لَا تَقْطَعَا
وَفِي الأَخِيرِ : أَوَّلاً أَوْ وُزِّعَاً
(وإن يك) مضارع کان حذفت نونها، كما قال ابن مالك رحمه الله :
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْنُزِمْ
وإنما حذفها مع أن شرط الحذف أن لا يليها ساكن؛ لضرورة الوزن.
(الضرب) الذي يجعل علامة لإبطال الزائد، وهو اسم يك، وخبرها قوله: (على
مكرر) أي على زائد مكرر، مرتين فأكثر (فالثاني) مفعول مقدم لقوله: (اضرب) أيها المريد
لإبطال الزائد، يعني أنك تضرب على الزائد الثاني إن كان (في ابتداء الأسطر) متعلق
بـ(اضرب)) أي في أول السطر(و) اضرب فيما إذا كان المكرر (في الأخير) أي آخر السطر
(أولاً) أي أول المكررين مثلا، صونًا لأوائل السطور، وأواخراها عن الطمس.
(١) فتح ج ٣ ص ١٠٠ .
(٢) الإلماع ص ١٧١، علوم الحديث ص ٩٧ .

٣٧
- الجزءالثاني
٤٦٨- وَحَيْثُ لا وَوَقَعَا في الأَثْنَا:
قَوْلانِ: ثَان، أَوْ: قَليلٌ حُسْنَا (*)
فقوله: ((في الأخير)) عطف على قوله: ((في ابتداء))، وقوله: ((أولا)) عطف على الثاني،
عطف معمولين على معمولي عامل واحد، هو جائز بالاتفاق.
(أو وزعا) بالبناء للمفعول من التوزيع، أي قسم المكرران بين سطرين بأن اتفق
أحدهما في آخر السطر والآخر في أوله.
فـ ((أو)) بمعنى الواو، و((وزعا)) بتقدير حرف مصدري عطف على ((الأخير)).
وحاصل المعنى: أنك تضرب أول المكررين في حال وقوع التكرار في آخر السطر،
وفي حال وقوعه موزعًا على سطرين، بأن وقع أحدهما آخر السطر، ووقع الآخر أول
السطر الذي يليه .
هذا كله فيما إذا لم يكن مثل الموصوف مع الصفة، أو المضاف مع المضاف إليه، وأما إذا كان
كذلك، فأشار إلى حكمه بقوله: (والوصف والمضاف ) مبتدأ، أو مفعول مقدم لقوله(صل) كلا
منهما بالموصوف والمضاف إليه، (ولا تقطعا) كلا منهما، والألف بدل من نون التوكيد.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان المكرر المضاف والمضاف إليه، أو الموصوف والصفة، ونحو
ذلك روعي اتصالهما، ولا يراعى أول السطر ولا آخره، فلا يضرب على المكرر بينهما،
بل على الأول في المضاف والموصوف، والآخر في المضاف إليه والصفة، لأن ذلك مضطر
إليه للفهم، فمراعاته أولى من مراعاة تحسين الصورة في الخط .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا غلط الكاتب فزاد في كتابته شيئًا: فإما أن يمحوه إن كان قابلاً للمحو،
أو يكشطه بالسكين ونحوها، وهذا عمل غير جيد، والأصوب: أن يضرب عليه بخط يخطه عليه مختلطًا
بأوائل كلماته ولا يطمسها، وبعضهم يخط فوقه خطًّا منعطفًا عليه من جانبيه هكذا - أو يضع الزيادة بين
صفرين مجوفين هكذاه ٥، أو بين نصفي دائرة وكل هذا موهم.
وإذا كان الزائد كثيرًا فالأحسن أن يكتب فوقه في أوله كلمة ((لا)) أو ((من)) أو ((زائد)) وفي آخره فوقه أيضًا
كلمة ((إلى)) ليعرف القارئ الزيادة بالضبط من غير أن يشتبه فيها. وتجد هذا كثيرًا في الكتب المخطوطة القديمة
التي عني أصحابها بصحتها ومقابلتها .
وإذا كانت الزيادة بتكرار كلمة واحدة مرتين:
فقيل: يضرب على الثانية مطلقًا .
وقيل بالتفصيل: فيضرب عليها إن كانتا في أول السطر أو وسطه، ويضرب على الأولى إن كانتا في آخر
السطر أو كانت الأولى في آخره والثانية في أول السطر التالي، مع ملاحظة أن لا يفصل بين الوصف
والموصوف ولا بين المضاف والمضاف إليه، وإن كانتا في وسط السطر أبقى أحسنهما صورة وأوضحهما .

٣٨
شَرِجُ الْفِيَّةُ التَّبُوطِي -
٤٦٩ - وَذُو الرِّوَيَاتِ يَضُمُ الزَّائِدَةُ
مُؤَصِّلاً كِتَابَهُ بِوَاحِدَهْ
٤٧٠ - مُلْحِقَ مَا زَادَ بِهَامِش وَمَا
يُتْقُصُ مِنْهَا فَعَلَيْه أَعْلَمَا
٤٧١ - مَسَمِّبًا أَوْ رَامزًا مُبَيِّنَا
أَوْذَا وَذَا بِحُمْرَةٍ وَبَيَّنَا
(وحيث لا) يكون المكرر نحو الوصف والمضاف (و) الحال أنه قد (وقعا) بألف
الإطلاق، أي المكرر (في الأثنا) أي وسط السطور، لا في أولها، ولا في آخرها (قولان)
مبتدأ، خبره الظرف قبله، أي قولان للعلماء كائنان حيث لا يكون المكرر من نحو ما ذكر.
الأول: أنه يضرب (ثان) أي ثاني المكرر، لأنه الذي كتب خطأ، والخطأ أولى بالإبطال.
والثاني: ما أشار إليه بقوله (أو) یضرب (قليل حسنًا) وإن كان أولاً، دون كثير الحسن،
وإن کان ثانیًا .
يعني أن بعضهم قال: يضرب على قليل الحسن، سواء كان أولاً، أو ثانيًا، لأن الكتاب
علامة لما يقرأ فأولى الحرفين بالإبقاء أدلهما عليه، وأجودهما صورة.
ثم ذكر مسألة كيفية جمع الروايات لمن كان عنده روايات مختلفة، فقال:
مُؤَصِّلاً كِتَابَهُ بِوَاحِدَهُ
وَذُو الرِّوَيَاتِ يَضُمُّ الزَائِدَهُ
يَنْقُصُ مِنْهَا فَعَلَيْهَ أَعْلَّمَا
مُلْحقَ مَا زَادَ بِهَامِشَ وَمَا
أَوْذَا وَذَاَ بحُمْرَةَ وَبَيَّنَا
مُسَمِّبًا أَوْ رَامَزًا سُّبَيِّنَا
(وذو) أي صاحب (الروايات) المختلفة، فـ ((ذو)) مبتدأ خبره جملة قوّل (يضم) بالبناء
للفاعل (الزائدة) من الرواية، حال کونه (مؤصلاً کتابه) أي بانیا کتابه (بواحده) أي على
رواية واحدة، هي أساس الروايات الأخرى، يقال: أصلته تأصيلاً: جعلت له أصلاً ثابتًا،
یینی علیه، قاله في ((المصباح))، فكأنه جعل رواية من تلك الروايات کالأساس الثابت،
وبقية تلك الروايات كالبناء المتفرع.
حال كونه (ملحق ما زاد) من الروايات الأخرى (بهامش)، أي حاشية كتابه، قال في
((ق)) الهامش: حاشية الكتاب مولد. اهـ.
ويقال له: الطُّرة أيضًا. كما قاله في ((التاج)) (وما) موصولة، مبتدأ، أي الذي (بنقص
منها) أي الروايات (فعليه أعلما) بألف الإطلاق، وبناء الفعل للفاعل، والفاء زائدة، أي كتب

٣٩
الجُزْءُ الثّاني
-
٤٧٢ - وَكَتَبُوا ((حَدَّثَنَا)) (ثَنَا)) ((وَنَا))
وَدَثَنَا)) ثُمَّ ((أَنَا)) ((أَخْبَرَنَا))
٤٧٣ - أَوْ ((أَرَنَا)) أَوْ ((أَبَنَا)) (أو ((أَخَنَا))
(حَدَّثَنِي)) قِسْهَا عَلَى ((حَدَّثَنَا)))
عليه علامة، حال كونه (مسميًا) صاحب تلك الروايات باسمه، أو بما يغني عنه (أو رامزًاً) أي
مشيراً إليه بحرف أو أكثر من اسمه حال كونه (مبينا) ذلك الرمز في أول الكتاب، أو في آخره
كما تقدم (أو) أعلم (ذا) أي الزائد من الرواية (و) أعلم أيضًا (ذا) أي الناقص منها (بحمرة) أو
نحوها من المداد المخالفة للكتاب (و) الحال أنه قد (بينا) ذلك في أوله أو آخره كما مر.
وحاصل ما أشار إليه: أنه إذا كان الكتاب مرويًّا بروايات متنوعات يقع في بعضها
اختلاف، وأراد أن يجمع بينها في نسخة واحدة ينبغي له أن يبني الكتاب أولاً على رواية
واحدة، ثم إذا خالف ما في الرواية الأخرى بزيادة، أو نقص، أو إبدال لفظ بلفظ، أو
حركة إعرابية، أو نحوها اعتنى به، إما بكتابة ما زاد، أو أُبدل، أو اختلف إعرابه في
الحاشية، أو بين السطور، إن اتسع مع كتابة اسم راويها معها، أو بالإشارة إليه بالرمز إليه
أيضًا، وإما بكتابة الزائد ونحوه في الرواية الأخرى بحمرة أو نحوها من الألوان المخالفة
للمداد المکتوب بها الأصل، وما نقص حوق عليه بحمرة أو نحوها .
ولكنه يوضح مراده بأن يقول: رمزت لفلان بكذا، وأشرت لفلان بالحمرة، أو
نحوها، بأول كل مجلد، أو آخره، ولا يعتمد على حفظه في ذلك، فربما ينسى ما اصطلح
عليه، لطول العهد، ويوقع غيره في حيرة من مراده بذلك.
ولما جرت عادة أهل الحديث باختصار بعض ألفاظ الأداء في الخط، دون النطق، بين
ذلك، فمنها: حدثنا، وأخبرنا كما قال:
وَكَتَبُوا ((حَدَّثَنَا)) (ثَنَا)) ((وَنَا))
وَ دَثَّنَا)) ثُمَّ(( أَنَا)) ((أَخْبَرَنَا))
((حَدَّثَنِي)) قِسْهَا عَلَى ((حَدَّثَنَا)))
أَوْ (أَرَنَا)) أَوْ ((أَبَنَا)) (أو ((أَخَنَا))
(وكتبوا) أي أهل الحديث ومن تبعهم اختصاراً في الخط على الرمز (حدثنا) أي هذا
اللفظ بحیث شاع ذلك وظهر حتى لا يكاد يلتبس، ولا يحتاج الواقف عليه، كالذي قبله
إلى بيان، وهم في ذلك مختلفون، فمنهم: من يقتصر منها على (ثنا) أي الحروف الثلاثة
الأخيرة (و) منهم من يحذف أول الثلاثة أيضًا ويقتصر على (نا) الضمير فقط (و) منهم من
يقتصر على (دثنا) فيترك منها الحاء فقط .

٤٠
شَرِجُ الْفِيَة السَّيُوخِيّ -
٤٧٤ - وَقَالَ)) ((قَافًا)» (مَعْ (ثَنَا)) أَوْ تُفْرَدُ)
وَحَذْفُهَا فِي الْخَطِّ أَصْلاً أَجْوَدُ
(ثم) بمعنى الواو، أي واختصروا أيضًا كلمة أخرى، فكتب بعضهم (أنا) مختصراً كلمة
(أخبرنا) فحذف الخاء واللذين بعدها، وهي أصول الكلمة (أو) يضم إلى الضمير الراء فيقتصر
على (أرنا أو) يقتصر على ترك الخاء والراء فقط، فيكتب (أبنا) وهذا غير مستحسن للخوف
من اشتباهها بأنبأنا وإن لم يصطلحوا على اختصارها (أو) يقتصر على ما عدا الموحدة والراء،
فيكتب (أخنا) وجد هذا في خط بعض المغاربة، ولكن لم يشتهر. هذا كله في المذكر المتصل
بضمير الجمع، وأما المؤنث المتصل بالجمع، وكذا ((أنبأنا))، و((أنبأني))، و((أخبرني))، فلا
يختصرونه، وأما حدثني المتصل بياء المتكلم فيختصرونها كما قال: (حدثني قسها على حدثنا)
فـ ((حدثني)): أي هذه الكلمة مبتدأ خبره جملة ((قسها على حدثنا))، أي مثلها بها أيها المحدث
في الاختصار لها، فتكتب ((ثنى)) أو ((دثني)) بحذف الحاء والدال أو بحذف الحاء فقط.
ومما اختصروا أيضًا كلمة قال وإليه أشار بقوله:
وَحَذْفُهَا فِي الْخَطِّ أَصْلاً أَجْوَدُ
وَقَالَ) («قَافًا)» (مَعْ «ثَنَا)) أَوْ تُفْرَدُ )
(و) كتبوا لفظ (قال) اختصاراً (قافا) مجموعة (مع ثنا) أي تكتب معها هكذا ((قئنا))،
(أو تفرد) القاف عنها فتكتب هكذا ((ق ثنا))، والأول كما قال السخاوي (١) منقول عن
بعضهم، كالدمياطي، قيل: إنه تفرد بذلك، وكتب بخطه في صحيح مسلم كذلك حتى
توهم بعض من رآها كذلك أنها الواو الفاصلة بين الإِسنادين وليس كذلك (وحذفها) أي
حذف ((قال))، مبتدأ (في الخط) أي الكتابة، دون النطق، متعلق بـ ((حذف)) (أصلا) أي
رأسًا من غير رمز إليها (أجود) أي أحسن من كتابتها رمزًا، وهو خبر المبتدأ.
وحاصل معنى البيت: أنه جرت عادة المحدثين بحذف كلمة قال في أثناء الإسناد خطًّا،
والرمز إليها بكتابة ((ق)) فبعضھم یجمعها مع أداة التحدیث فیکتب قٹنا یرید قال: حدثنا،
وقد توهم بعض من رآها كذلك أنها الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، وليس كذلك (٢).
وبعضهم يفردها فيكتب هكذا (ق ثنا) وكل هذا اصطلاح متروك، بل الأجود حذفها
خطًّا أصلاً، ولكن لابد من النطق بها كما يأتي في قوله:
وقال في الإسناد قلها نطقًا ..... إلخ.
(١) فتح ج ٣ ص ١٠٨ .
(٢) هكذا ذكر في التدريب، وفتح المغيث أن التوهم في هذه الحالة، والذي يظهر أنه في الحالة الثانية، أعني فيما
إذا كتبت مفردة هكذا: ق ثنا، لا فيما إذا كتبت متصلة هكذا: قئنا، فهي أبعد من الالتباس بالواو؛ فتأمل .