النص المفهرس

صفحات 1-20

مُوْظِى
ي
فِى عِلُمُ الْحَدِيثِ
الْمُسَتَّى
إسْعَافُ ذوي الوظر
بِشَّرْح ◌َظْم الدُّرِفِ عِلْم الأثر
شَرْح
رَاجِي عَفُوْرَبِّهِالْكِرِيْمِ
محمّد بْ الشيخ العلامة
عَلِيَ بْ آَمُ بْ مُوسَى الإِشْيُوي الواويّ
المدرّسُ بَارِالحَدِيثِ الخَيْرِيَّةِبَلَّةِ المَكَرَّمَةِ
عَفَا اللَّهُعَنْهُ وَعَنُ وَالِدَيْهِ
يتضحيح وَشَرخ العَلَّمِ الشَّيخ
أحمد محمد شَارِ
الجزء الثاني
دَارُ الأَثَارِ
لِلنشِرِ وَالتّوزيع

كه
بِشْرِاللَّهُ الرَّحْمَنِ الَّحِيمْ
ربنا تقبّلْ مِنّ إِلَكَ انْتَ الّجميع العَمَلِيم
حُقُوق الطَّع ◌َفُوظة
الطّبْعَةِإِلأَوْلى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
رقم الإيداع: ٢٠٠٨/١٣٥٧٢
الترقيم الدولي: 0 - 55 - 6211 -977
دَارُ الأَثَارِ
لِلنشْرِ وَالتّوزيع
٢٨ ش منشية التحرير جِبْهِ السّويس عَين ◌َمِ الشرقية - القاهرة-ج .م.ع
ت وَفاکس : ٢٦٤٢٢٣٢٣
ت: ٢٦٣٦٣٧٨٦
ي

٣
الجُزءُ الثّاني
-
بِسْبِهِالرَّحْمِ الْحَمِ
كتابة الحديث وضبطه
٤٣١ - كتَابَةُ الْحَديث فيه اخْتُلفَا
ثُمَّالَجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى
٤٣٢- (مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ :
((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّيَ)) فَالْخُلْفُ نُمِي
٤٣٣- فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالوقفِ
وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ
٤٣٤- من اختلاط بالقُرآنِ فَانْتَسَخْ
ے
لأَمْنِه، وَقِيلَ : ذَا لِمَنْ نَسَخْ
٤٣٥ - الكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ ، وَقِيلَ: بَلَّ
م(*)
لَآَمِنْ نِسْيَانَهُ، لا ذِي خَلَلْ)
بِسِلهِالرَّحْمِ الْحِيَمِ
كتابة الحديث وضبطه
أي هذا مبحث كتابة الحديث، وضبطه بالشكل، ونحوه، وما أُلحق بذلك من الخط
الدقيق، والرمز، الدارة، وغير ذلك.
وهو النوع التاسع والثلاثون من أنواع علوم الحديث، والمناسبة بينه وبين الباب السابق
واضحة؛ لأن من تحمل الحديث بنوع من الأنواع السابقة يحتاج إلى كتابته، وضبطه،
فیناسب ذكره بعده.
ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى
كتَابَةُ الْحَديث فيه اخْتُلفَا
((لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ) فَالْخُلْفُ نُمِي
(مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ :
وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْف
فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْف
لأَمْنِه ، وَقِيلَ : ذَا لِمَنْ نَسَخْ
من اخْتلاط بالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ
لَآَمِنْ نِسْيَانَهُ، لا ذِي خَلَلْ)
الَكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ ، وَقِيلَ : بَلْ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلف الصحابة قديمًا في جواز كتابة الأحاديث، فكرهها بعضهم، =

٤
(كتابة الحديث) مبتدأ، خبره جملة قوله: (فيه اختلفا) بالبناء للمفعول، والألف
للإطلاق، والمعنى: أن كتابة الحديث والعلم اختلف فيه العلماء من السلف: الصحابة،
والتابعین، عملاً وتركًا .
فكرهها للتحريم غير واحد، فمن الصحابة: ابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت،
وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، ومن التابعين: الشعبي، والنخعي، بل أمروا
= لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله عزّ ◌َّم قال: ((لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن ومن كتب عني شيئًا غير
القرآن فليمحه)) رواه مسلم في صحيحه. وأكثر الصحابة على جواز الكتابة، وهو القول الصحيح.
وقد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد بأجوبة: فبعضهم أعله بأنه موقوف عليه، وهذا غير جيد، فإن
الحديث صحيح.
وأجاب غيره بأن المنع هو من كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة خوف اختلاطهما على غير العارف
في أول الإسلام.
وأجاب آخرون بأن النهي عن ذلك خاص بمن وثق بحفظه خوف اتكاله على الكتابة، وإن لم يثق بحفظه فله
أن يكتب.
وكل هذه إجابات ليست قوية.
والجواب الصحيح: أن النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة، فقد روى البخاري ومسلم: أن أبا
شاهِ اليَمَني التمس من رسول الله عزّلم أن يكتب له شيئًا سمعه من خطبته عام فتح مكة فقال: ((اكتبوا لأبي
شاه) وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((قلت يا رسول الله، إني
أسمع منك الشيء، فأكتبه؟ قال: نعم، قال: في الغضب والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقًّا».
وروى البخاري عن أبي هريرة قال ((ليس أحد من أصحاب رسول الله ◌ِّم أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من
عبد الله بن عمرو، فإنه یکتب ولا أكتب)).
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: ((كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله عن بلم فيسمع منه الحديث
فيعجبه، ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله عزّ م، فقال: ((استعن بيمينك))، وأومأ بيده إلى الخط)).
وهذه الأحاديث مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها: كل
هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين
خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن، وحديث أبي شاه في أواخر حياة النبي ◌ِّم، وكذلك إخبار أبي هريرة
- وهو متأخر الإسلام - أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبد الله كان
يكتب بعد إسلام أبي هريرة، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرًا عن هذه الأحاديث في الإذن
والجواز: لعرف ذلك عند الصحابة يقينًا صريحًا. ثم جاء إجماع الإمة القطعي بعد قرينة قاطعة على أن
الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول. رضي
الله عنهم أجمعين.
وقد قال ابن الصلاح (ص ١٧١): ((ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته،
ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة)) ولقد صدق.

٥
الجُزءُ الثاني
بحفظه عنهم كما حفظوه حفظًا .
وأجازها بالقول، أو بالفعل غير واحد من الفريقين، فمن الصحابة: عمر، وعلي،
وابنه الحسن، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، وكذا ابن
عمر أيضًا في قول، ومن التابعين: قتادة، وعمر بن عبد العزيز، بل حكاه عياض عن أكثر
الفریقین.
· وقال غير واحد منهما كما صح: ((قيدوا العلم بالكتاب)) بل رُوي رفعه، ولا يصح(١).
وقال أنس: كتب العلم فريضة. قاله السخاوي(٢) .
وقال البلقيني: وفي المسألة مذهب ثالث، وهو الكتابة والمحو بعد الحفظ. اهـ (٣).
(ثم) بعد هذا الخلاف كله (الجواز) للكتابة (بعد) أي بعد الخلاف المذكور بين الصحابة
والتابعين (إجماعًا) حال من ((الجواز))، أي: حال كونه مجمعًا عليه، وقوله (وفى) فعل
ماضٍ، أي تم، يقال: وفي الشيء يفي: إذا تم، فهو وافٍ فقوله: ((الجواز) مبتدأ، خبره
جملة (وفئ)). الظرف متعلق بـ ((وفی)).
وحاصل المعنى: أن الخلاف المذكور زال، فصار في المتأخرين جواز الكتابة أمراً مجمعًا
عليه .
قال ابن الصلاح: ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة.
ثم ذكر مستند المانعين بقوله: (مستند المنع) الدليل الذي اعتمد عليه المانعون من كتابة
الحديث، مبتدأ خبره قوله: (حديث مسلم) أي: الحديث الذي أخرجه مسلم بسنده في
((صحيحه))، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: (لا تكتبوا عني) بفتح
الياء للوزن، وإن كان لغة في النثر أيضًا، إلا أن الغالب السكون، وتمام الحديث: ((شيئًا
سوى القرآن، ومن كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه))، وفي رواية: ((أنه استأذن النبي
﴾﴾ في کتب الحدیث، فلم یأذن له)).
وأما مستند الإباحة فکثیر .
منه: قوله ◌َير: ((اكتبوا لأبي شاه)) متفق عليه، يعني به: خطبة حجة الوداع.
ومنه: حديث: ((ايتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابًا )) الحديث رواه البخاري.
(١) وقد صححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه. انظر ج ٥ السلسلة الصحيحة ص ٤١ - ٤٤ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٣٠ - ٣٢ .
(٣) محاسن الاصطلاح ص ٣٠٢.

٦
شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوظِيّ
ومنه: ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((كنت أكتب
كل شيء سمعته من رسول الله ◌َ طير)) وذكر الحديث، وفيه: أنه ذكر للنبي ێ، فقال له:
(اكتب)) وفي لفظ: قلت: يا رسول الله ي أكتب ما أسمعه منك في الغضب والرضا؟
فقال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقًّا)»(١) وكانت تسمى صحيفته تلك الصادقة، رواه ابن سعد
وغيره، كما ذكره الصنعاني، وغير ذلك من الدلائل الواضحة الكثيرة.
ولما كان بين حديث مسلم، والأحاديث الدالة على الإباحة تعارض، احتاج العلماء إلى
التوفيق بينهما، فاختلفوا فيه، كما أشار إلى ذلك بقوله: (فالخلف) بالضم، أي: الاختلاف
بين العلماء في هذا الحديث لمعارضته الأحاديث الدالة على الجواز كالأحاديث المذكورة،
فـ((الخلف)) مبتدأ خبره جملة قوله: (نُمى) بالبناء للمفعول، أي نسب إليهم. يعني أنهم
اختلفوا في التوفيق (فبعضهم) أي بعض المختلفين (أعله) أي: حديث مسلم الدال على المنع
(بالوقف) أي: بأنه موقوف على أبي سعيد، يعني: أن بعض العلماء حكموا بأن لحديث أبي
سعيد علة، وهي كونه موقوفًا على أبي سعيد، وبه جزم البخاري وغيره.
(وآخرون) من المختلفين أيضًا (عللوا بالخوف) أي: جعلوا علة النهي عن الكتابة في
حديث أبي سعيد الخوف (من اختلاط القران) بتخفيف الهمزة بنقل حركتها إلى ما قبلها،
وهو جائز في النثر، وبه قرئ في السبعة، يعني: أنهم جعلوا علة النهي لأجل خوف اختلاط
الحديث بالقرآن، وهذا يدل على أن النهي كان في حين نزول القرآن، فلما انقطع نزوله
نسخ. كما قال (فانتسخ) أي: صار النهي منسوخًا (لأمنه) أي: أمن الاختلاط المذكور.
وحاصل المعنى: أن سبب النهي كان خوف اختلاط القرآن بغيره، فلما زالت العلة
بسبب انقطاع نزول القرآن صار منسوخًا، لزوال الموجب (وقيل: ذا) أي: نهي الكتابة (لمن
نسخ الكل) بالنصب على المفعولية أي: كتب القرآن والحديث معًا (في صحيفة) واحدة،
فإنهم كانوا يسمعون تأويل الآية، فربما كتبوه معها، فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه.
قال الحافظ: ولعل من ذلك: ما قرئ شاذًّا في قوله: ﴿مَا لَبِثُوا﴾ حولاً ﴿فِي الْعَذَابِ
الْمُهینِ﴾ [ سبأ: ١٤]. اهـ.
وحاصل المعنى: أن النهي المذكور مختصّ بمن جمع القرآن وغيره في صحيفة واحدة،
وأما غيره فلا للأحاديث الدالة على وجود الكتابة منه واله ومن الصحابة بأمره (وقيل: بل)
(١) حديث صحيح، انظر صحيح أبي داود للشيخ الألباني ج ٢ رقم ٣٠٩٩.

٧
الجُزءُ الثّاني
-
٤٣٦- ثُمَّ عَلَى كَاتِبِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ
٠
للضَّبْطِ بِالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ (*)
٤٣٧- وَقِيلَ : شَكْلُ كُلِّه لذي ابْتِدَاً
( ** )
وَفِي سُمّى مَحَلٌّ لَبْسٍ أُكِّدَاً
النهي عن الكتابة كائن (لآمن نسيانه) بالنصب على المفعولية لـ ((آمن))، أي: لشخص يأمن
النسيان(لا) لاذي خلل) أي: صاحب نقص في حفظه.
وحاصل المعنى: أن النهي لمن أمن من النسيان بعد الحفظ، ووثق بحفظه، وخيف
اتكاله على الخط، إذا كتب، والإذن لمن خيف نسيانه، فيكون النهي مخصوصًا.
والحاصل: أن الذي استقر عليه الإجماع بعد الاختلاف هو الاستحباب، وقال
الحافظ: لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
وقال الذهبي: إنه يتعين في المائة الثالثة، وهلم جرًا ويتحتم. اهـ.
ولكن لا ينبغي الاقتصار عليه حتى لا يصير له تصور، ولا يحفظ شيئًا، فقد قال
الخليل [من الرجز]:
ما العلم إلا ما حواه الصدر
ليس بعلم ما حوى القمطر
وقال آخر [من البسيط]:
وبئس مستودع العلم القراطيس
استودع العلم قرطاسًا فضيعه
ثم ذكر مسألة العناية بكتابة الحدیث، فقال :
للضَّبْطِ بالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ
ثُمَّ عَلَى كَاتِبِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ
وَفِي سُمِّى مَحَلِّ لَبْسِ أُكْدَاً
وَقِيلَ : شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاً
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قال ابن الصلاح (ص ١٧١) ((على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى
ضبطه ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رَوَوَه شكلاً ونقطا يؤمن معها
الالتباس. وكثيرًا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيقظه ، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان
وأول ناس أول الناس. وإعجام المكتوب يمنع مع استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. ثم لا ينبغي أن يعتني
بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من قال: (إنما يُشْكَلُ ما يشْكِلُ).
وقد كان الأولون يكتبون بغير نقط ولا شكل، ثم لم تبين الخطأ في قراءة المكتوب لضعف القوة في معرفة
العربية: كان النقط، ثم كان الشكل.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي ينبغي ضبط الأعلام التي تكون محل لبس؛ لأنها لا تدرك بالمعنى،
ولا يمكن الاستدلال على صحتها بما قبلها ولا بعدها.
=

٨
شِرْع ◌َُّةُ السَّيُوطِيّ -
(ثم) بعد أن عرفنا رفع الخلاف السابق، واستقرار الإجماع اللاحق، على جواز
الكتابة يتأكد (على كاتبه) أي الحديث (صرف) أي رد (الهمم)، جمع همة بالكسر: أول
العزم. وقد تطلق على العزم القوي، فيقال: له همة عالية. أفاده الفيومي.
قلت: والمعنى الثاني هو المقصود هنا.
يعني: أنه يتأكد على كاتب الحديث رد همته القوية. ثم ظاهر عبارته يفيد الوجوب،
وهو الذي تفيده عبارة ابن خلاد، وعياض، وصرح به الماوردي، لكن في حق من يحفظ
العلم بالخط، ويحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب المتأكد، أفاده السخاوي(١)
(للضبط) متعلق بـ ((صرف))، أي: ضبط ما يحصله بخطه، أو بخط غيره من مرويه وغيره
من كتب العلوم النافعة، ضبطًا يؤمن معه اللبس (بالنقط) متعلق بـ ((الضبط))، يعني: أن
ذلك الضبط يكون بنقط الحروف، وهو مصدر نقطت الكتاب، من باب قتل، والنقطة
بالضم اسم للفعل، والجمع نقط مثل غرفة وغرف، والنقطة بالفتح: المرة، أفاده الفيومي.
وفي ((ق)) وشرحه نقط الحرف ونقطه تنقيطًا، أي بالتخفيف، والتشديد: أعجمه،
والاسم النقطة بالضم، وهو رأس الخط .
والمعنى: أنه يضبط الحرف الذي يستعجم، أي يستبهم بإغفاله بحيث يصير فيه عجمة،
فيزيل ذلك بإعجامه، فيميز الخاء المعجمة عن الحاء المهملة، والذال المعجمة عن الدال المهملة،
كحديث ((عليكم بمثل حصى الخذف)) (٢) فيعجم كلاً من الخاء والذال بالنقط، وكالنقيع بالنون،
والبقيع بالباء، وما أشبه ذلك، وإن لم يتقيد بذلك كثير من المتقدمين اتكالاً على حفظهم.
فعن الثوري: الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة .
وقال بعض الأدباء: رُبَّ علم لم تعجم فضوله، استعجم محصوله. وعن الأوزاعي،
عن ثابت بن معبد: نور الكتاب الإِعجام (و) يضبطه أيضًا بـ (شكل) أي وضع حركات (ما)
أي الحرف الذي (عجم) أي: استبهم، يقال: شكلت الكتاب شكلاً، من باب قتل:
أعلمته بعلامات الإعراب. يعني: الفتحة، والضمة، والكسرة، والسكون، وأشكلته
بالألف لغة، أفاده الفيومي .
= قال أبو إسحق النجيرمي - بالنون المفتوحة ثم الجيم -: ((أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله
القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه)).
(١) فتح ج ٣ ص ٤٠ .
(٢) أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد .

٩
-
الجُزْءُ الثاني
وقال أيضًا: استعجم الكلام علينا: مثل استبهم، وأعجمت الحرف بالألف: أزلت
عجمته بما يميزه عن غيره بنقط وشكل، فالهمزة للسلب، وأعجمته: خلاف أعربته،
وأعجمت الباب: أقفلته. اهـ.
قلت: لم أجد في كتب اللغة التي بين يدي عجم ثلاثيًّا بمعنى استبهم، وإنما هو
استعجم، ولعل الناظم اضطره الوزن إلى أن يستعمل الثلاثي، ولو قال بدل هذا البيت:
بالنقط والشكل يزول الوهم
وليضبط الكاتب ما يستعجم
لكان أولى. والله أعلم.
قال ابن الصلاح: إعجام المكتوب یمنع من استعجامه، وشكله یمنع من إشكاله. قال:
وكثيراً ما يعتمد الواثق على ذهنه، وذلك وخيم العاقبة (١)، فإن الإنسان معرض للنسيان،
وأول ناسٍ أول الناس (٢). اهـ (٣).
ثم إن ما ذكر من الشكل للمشكل فقط، فقد نقل أن أهل العلم يكرهون الإعجام
والإِعراب إلا في الملتبس، إذ لا يحتاج إليهما في غيره، وقيل: ينبغي شكل الكل
للمبتدئ، وإليه أشار بقوله: (وقيل شكل كله) مبتدأ خبره قوله (الذي ابتدا) أي: شكل
المشكل وغيره مستحسن للمبتدئ، وفي نسخة الشارح ((يُشْكَل)) بصيغة المضارع، فتسكن
لامه للوزن .
وحاصل المعنى: أنه يستحسن شكل الكل للمبتدئ، غير المتبحر في العلم، قال
القاضي عياض: وهو الصواب؛ لأنه لا يميز ما يشكل مما لا يشكل ولا صواب وجه إعراب
الكلمة من خطئه . اهـ (٤).
وقال العراقي: وربما ظن أن الشيء غير مشكل لوضوحه وهو في الحقيقة محل نظر
يحتاج إلى ضبط، وقد وقع بين العلماء خلاف في مسائل مرتبة على إعراب الحديث،
كحديث: ((ذكاة الجنين ذكاة)) أمه فاستدل به الجمهور على أنه لا تجب ذكاة الجنين بناء على
(١) أي غير محمود العاقبة .
(٢) قال ابو الفتح البستي -، وكان يكثر التجنيس في شعره - (من البسيط):
يا أفضل الناس إفضالاً على الناس
نسيت وعدك والنسيان مغتفر
وأكثر الناس إحسانًا إلى الناس
فاعذر فأول ناس أول الناس
اهـ . فتح المغيث ج ٣ ص ٤٣ .
(٣) علوم الحديث ص ٨٨ - ٨٩ .
(٤) الإلماع ص ١٥٠ .

١٠
شَرْجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِىّ -
٤٣٨- وَاَضْبُطُهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي
مُقَطِّعًا حُرُونَهُ للَّاشي (*)
رفع ((ذكاة أمه))، ورجح الحنفية النصب على التشبيه، أي: يذكى مثل ذكاة أمه. اهـ (١).
(وفي سمى) متعلق بـ((أُكِّدًا))، وهو لغة في الاسم؛ لأن فيها ثماني عشرة لغة، جمعها
ابن مالك في بيت بقوله :
سم سمة واسم سماة كذا سمى
سماء بتثليث لأول كلها
(محل لبس) بالجر صفة لـ ((سمى))، أي: موضع التباس على قارئه (أكدا) بالبناء
للمفعول، والألف للإطلاق، أي: أكد شكل ما يلتبس من الأسماء.
وحاصل المعنى: أن العلماء من المحدثين وغيرهم أكدوا في ضبط ما يلتبس من
الأسماء، لا سيما الأسماء الأعجمية، والقبائل الغريبة، لقلة التمييز فيها، بخلاف
الإِعراب، ولذا قال بعضهم: إنها أولى الأشياء بالضبط؛ لأنها لا يدخلها قياس، ولا
قبلها، ولا بعدها شيء يدل عليها، ثم ذكر محل الضبط فقال:
مُقَطِّعًا حُرُوفَهُ لِلنَّاشِي
وَضْبِطُهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي
(واضبطه) أي: المشكل من الأسماء، والألفاظ (في الأصل) أي نفس الكتاب (و) اكتبه أيضًا
(في الحواشي) أي: هامش الكتاب قبالته، حسبما جرى عليه رسم جماعة من أهل الضبط؛ لأن
جمعهما أبلغ في الإبانة، والبعد من الالتباس، بخلاف الاقتصار على أولهما، فإنه ربما داخله
لفظ، أو شُكل لغيره مما فوقه، أو تحته، فيحصل الالتباس، لا سيما عند دقة الخط، وضيق الأسطر
قاله ابن الصلاح، تبعًا لعياض (مقطعًا) اسم فاعل، أو مفعول حال من الفاعل، أو المفعول
(حروفه) مفعول به لـ «مقطعًا»، أو نائب فاعله، أي: حال كونك مقطعًا حروف ذلك المشكل، أو
حال كون حروف ذلك المشكل مقطعة (للناشي) أي: للمبتدئ الذي لا يميز الحروف، أي: لأجل
أن تظهر وتتضح له، قال في القاموس: الناشئ الغلام، والجارية، جاوزا حد الصغر. اهـ.
وإنما خص المبتدئ؛ لأنه أشد حاجة إلى البيان من غيره.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يحسن في الكلمات المشكلة التي يخشى تصحيفها أو الخطأ فيها: أن
يضبطها الكاتب في الأصل ثم يكتبها في الحاشية مرة أخرى بحروف واضحة، أو يفرق حروفها حرفًا حرفًا
ويضبط كلاًّ منها، لأن بعض الحروف الموصولة يشتبه بغيره.
قال ابن دقيق العيد: ((من عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيغرقوا حروف الكلمة في الحاشية
ویضبطوها حرفًا حرفًا».
وقد رأينا ذلك في كثير من المخطوطات العتيقة .
(١) انظر التدريب ج ٢ ص ٦٦ .

١١
- الجزءالثاني
٤٣٩ - وَاَلْخَطَّ حَقِّقْ لا تُعَلَّقْ تَمْشُقَ(*)
وَلَا - بلا مَعْذرَةَ - تُدَقِّقِ ( ** )
٠٠
وحاصل معنى البيت: اضبط أيها المحدث المشكل في نفس الكتاب واكتبه أيضًا في
الحاشية قبالته مع تقطيع الحروف فإن هذا أنفع، وذلك لأنه يظهر شكل الحرف بكتابته مفرداً
في بعض الحروف، كالنون، والياء التحتانية، بخلاف ما إذا كتبت مجتمعة، والحرف
المذكور في أولها، أو وسطها، أفاده السخاوي(١) .
ثم ذكر ما ينبغي أن يتنبه له الكاتب في كتابه، وهو تحقيق الخط، فقال:
وَالْخَطَّ حَقِّقْ لا تُعَلِّقْ تَمْشُقِ وَلا - بلا مَعْذِرَةَ - تُدَقِّق
(والخط) مفعول مقدم لقوله: (حقق) أمر من التحقيق، يقال: حققت العقدة، إذا
أحکمت شدها، أفاده في ((التاج)).
والمعنى: أحكم خطك أيها المحدث بتبيين حروفه، فلا تخلط ما لا يستحق الخلط، ولا
تفرق ما لا يستحق التفريق، كما بينه(٢) بقوله: (لا تعلق) نهي من التعليق، وهو فيما قيل:
خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، وإذهاب أسنان ما ينبغي إقامة أسنانه، وطمس ما ينبغي
إظهار بياضه، قاله السخاوي ولا (تمشق) نهي من المشق، يقال: مشقت الكتاب مشقًا من
باب قتل: أسرعت في فعله، قاله في ((المصباح)).
وقال السخاوي: المشق - بفتح أوله وإسكان ثانيه-، وهو خفة اليد وإرسالها، مع بعثرة
الحروف، وعدم إقامة الأسنان، فأفاد أن بين التعليق والمشق عمومًا وخصوصًا وجهيًّا،
يجتمعان في عدم إقامة الأسنان، ويختص التعليق بخلط الحروف وضمها، والمشق
ببعثرتها وإيضاحها بدون القانون المألوف (٣).
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: التعليق: خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها.
والمشق - بفتح الميم -: سرعة الكتابة .
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كره العلماء الكتابة بالخط الدقيق من غير عذر؛ لأنه قد تشتبه فيه
الحروف، وكثيراً ما تصعب قراءته.
قال حنبل بن إسحاق - ابن عم الإمام أحمد -: ((رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطًّا دقيقًا، فقال: لا
تفعل، أحوج ما تكون إليه يخونك- يعني: أن شدة حاجته إليه عندما يدخل في السن ويحتاج إلى القراءة
فيه للطلاب أو لنفسه، ثم لا يقوى بصره على تبين الحروف الدقيقة. وهذه حكمة جيدة.
(١) فتح ج ٣ ص ٤٦ .
(٢) فقوله: لا تعلق على آخر البيت، توضيح لمعنى حقق.
(٣) انظر الفتح ج ٣ ص ٤٩ .

١٢
شَرِجُ الْفَيُ الشَّيُوطِيّ -
٤٤٠ - وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهْ
بنَقْطَهَا أَوْ كَتْبِ حَرْف أَسْفَلَهْ
٤٤١ - أَوْ هَمْزَةَ أَوْ فَوْقَهَا قُلَامَهْ
أَوْ فَتْحَة (أَوْ هَمْزَةَ عَلامَهْ)
(ولا بلا معذرة) أي: دون عذر متعلق بـ (تدقق) أي: لا ترقق خطك من غير عذر.
وصرح النووي وغيره: بأنه مكروه، أي: كراهة تنزيه؛ لأنه لا ينتفع به من في نظره
ضعف، بل ربما یعیش الکاتب نفسه حتى یضعف بصره.
وقد قال الإِمام أحمد لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل، وقد رآه يكتب خطًّا
دقيقًا: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه، رواه الخطيب في ((جامعه)) (١).
وعن أبي حكيمة، قال: كنا نكتب المصاحف بالكوفة، فيمر علينا علي بن أبي طالب
فيقوم علينا، فيقول: ((أجل قلمك)) قال: فقططت منه، ثم كتبت فقال: ((هكذا نوروا ما
نور الله عز وجل)) رواه الخطيب أيضًا (٢).
احترز بقوله: ((بلا معذرة)) عما إذا كان لعذر، كأن لا يكون في الورق سعة، أو كان
الكاتب رحَّالاً، يحتاج إلى تدقيق الخط، ليخف عليه حمل كتابه، أو لفقره بأن لا يجد
الثمن، أو يجده ولا يجد الورق.
ولما بين ضبط الحروف المعجمة، شرع يبين ضبط المهملة منها، فقال:
بنَقْطَهَا أَوْ كَتْب حَرْف أَسْفَلَهُ
وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهُ
أَوْ فَسَتْحَة (أَوَ هَمْزَةَ عَلامَهْ)
أَوْ هَمْزَةَ أَوْ فَوْقَهَا قُلامَهْ
(وينبغي) أي: يندب ندبًا مؤكدًا، لا يحسن تركه، وهيّ من الأفعال التي لا تتصرف
فلا يقال: انبغي، خلافًا لبعضهم وحُكي عن الكسائي أنه سمعه من العرب، أفاده الفيومي
(ضبط الحروف المهملة) كالدال، والراء، والصاد، والطاء، والعين، ونحوها إلا الحاء،
ولم يستثنها كما استثناها العراقي لوضوحها؛ لأنها لو جعلت تحتها نقطة لالتبست بالجيم،
فترك العلامة لها علامة .
ثم اختلف في كيفية ضبطها على ستة أقوال: أشار إلى الأول بقوله: (بنقطها) بما فوق
الحروف المعجمة المشاكلة لها، فيجعل تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والعين،
(١) الجامع ج ١ ص ٢٦١ .
(٢) الجامع ج ١ ص ٢٦١ .

١٣
-
الجُزءُ الثاني
النقط التي فوق نظائرها - هذا قول بعضهم.
وأشار إلى الثاني بقوله: (أو) لتنويع الخلاف، أي قال بعضهم: يميزها بـ (كتب حرف)
بفتح الكاف وسكون التاء بمعنى كتابة حرف (أسفله) أي: تحت الحرف المهمل، بأن يجعل
تحته حرف صغير مثله، قال في ((التدريب)): ويتعين ذلك في الحاء المهملة .
قال القاضي: وعليه عمل أهل المشرق والأندلس.
وأشار إلى الثالث بقوله (أو) لتنويع الخلاف أيضًا، أي قال بعضهم: يميزها بكتابة
(همزة) بالجر عطفًا على ((حرف)) أي بكتب همزة أسفله. وأشار إلى الرابع بقوله (أو)
للتنويع أيضًا، أي قال بعضهم: يميزها (فوقها) أي الحروف المهملة المذكورة (قلامه) بالجر
عطفًا على المجرور قبله، أي بكتب قلامة، وهي بالضم: ما سقط من الظفر، كما في
((المختار))، أي: بكتابة علامة كقلامة الظفر، مثل الهلال مضطجعة على قفاها، لتكون
فرجتها إلى فوق، ولأجل ذلك فقد مثلت بالقلامة، إذ المشاهد في خط كثيرين لا يشابهها
من كل وجه، بل هي منجمعة من أسفلها هكذا (٧) قاله السخاوي (١).
وأشار إلى الخامس بقوله: (أو) للتنويع أيضًا، أي قال بعضهم: يميزها بكتب (فتحة) فوقها،
أي: خط صغير يشبه فتحة، وليس بفتحة حقيقة، ولا يفطن له كثيرون، لكونه خفيًّا غير شائع،
ولذا اشتبه على بعضهم حيث توهمه فتحة لذلك الحرف، فقرأ رضوان بفتح الراء، وليست
الفتحة إلا علامة الإهمال، وذلك موجود في كثير من الكتب القديمة، قاله ابن الصلاح.
وأشار إلى السادس بقوله: (أو همزة) أي قال بعضهم: يميزها بكتب همزة فوقها.
وحاصل معنى البيتين: أنه ينبغي الاعتناء بتمييز الحروف المهملة عن المعجمة بعلامات
ذكر منها ستة: قيل: بنقطها تحتها بالنقط الذي فوق نظائرها، وقيل: بكتابة حرف صغير
مثلها تحتها، وقيل: بكتابة علامة كقلامة الظفر فوقها، وقيل: بكتابة همزة فوقها، وقيل :
بكتابة خط صغير كفتحة فوقها، وقيل: كهمزة فوقها.
وبقي سابع: وهو أن يكتب ما يدل على الضبط بألفاظ كاملة دالة عليه، كما نقل عن
بعضهم أنه كتب في حديث أبي الحوراء تحته حور عين خوفًا من أن يصحف بأبي الجوزاء
بالجيم والزاي، أفاده السخاوي (٢).
(١) فتح ج ٣ ص ٥٥ - ٥٦ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٥٧ .

١٤
شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِيّ -
٤٤٢ - وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّين قيلَ: صَفًّا
وَقِيلَ - كَالشِّينِ -: أَثَافِي (*) تُلْفَى (*)
٤٤٣ - (وَالْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافٌ ◌ُتْبَا
فِي بَطْنِهَا ، وَاَللامُ لامَا صَحِبًا
ولما اختلف في نقط السين من تحت ذكره بقوله :
وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّين قيلَ: صَفًّا وَقِيلَ - كَالشِّنِ - أَنَافي تُلفَى
(والنقط) الكائن (تحت السين) المهملة (قيل صفًّا)، أي يجعلَ مبسوطًا صفًّا واحدًا،
فـ(النقط)) مبتدأ خبره جملةُ قيل: صفًا، (وقيل) يجعل كالشين، أي: مثل نقطها أثافي جمع
أثفية بضم الهمزة وتكسر، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الفاء وتشديد الياء: وهو ما يُوضع عليه
القدر، والياء في الأثافي مشددة، وتخفف، أفاده في المختار. وقوله: كالشين متعلق بقوله:
(تلفى) بالبناء للمفعول، أي توجد، أو حال من النقط، وقوله: ((أثافي)) مفعول ثانٍ مقدم عليه.
وحاصل المعنى: أن النقط التي تميز بها السين المهملة اختلف في كيفية كتابتها، فقيل:
تجعل صفًّا واحدًا مبسوطة، لئلا يلزم ازدحام النقطة أو النقطتين مع ما يحاذيها من السطر
الذي يليها، فيظلم، بل ربما يحصل به لبس، وقيل: كصورة النقط التي فوق الشين مثل
الأثافي، قال السخاوي: لكن الأنسب والأبعد عن اللبس قلبها فتكون النقطتان المحاذيتان
للمعجمة من فوق محاذيتين للمهملة من أسفل. اهـ(١).
ولما لم يتعرض أحد من أهل هذا الفن للكاف واللام مع أن أصحاب التصانيف في
الخط ذكروهما أراد الناظم أن يبين ذلك تتميمًا للفائدة، فقال:
فِي بَطْنِهَا، وَاللامُ لامَّا صَحِبًا
وَلْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافٌ كُتِبَا
(١) فتح ج ٣ ص ٥٦ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أثافي جمع أثفة، وهي ما يوضع عليه القدر، شبه بها نقط الشين الموضوعة
هكذا ( .. ) لقرب الشكل.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان إهمالها، كما تعرف المعجمة بالنقط؛ لأن بعض القراء
قد يتصحف عليه الحرف المهمل فيظنه معجمًا وأن الكاتب نسي نقطه. وطرق البيان كثيرة: فمنهم من يضع تحت الحرف
المهمل مثل النقط الذي فوق المعجم المشابه له، كالسين، يضع تحتها ثلاث نقط، إما صفًا واحدًا هكذا( ... ) وإما مثل نقط
الشين المعجمة، ومنهم من يكتب الحرف نفسه بخط صغير تحت الحرف المهمل، مثل (ح) تحت الحاء، و (س) تحت
السين، وهكذا. ومنهم من يكتب همزة صغيرة تحت الحرف أو فوقه. ومنهم من يضع خطًّا أفقيًّا فوق الحرف هكذا (-)
ومنهم من يضع فوقه رسمًا أفقيًّا كقلامة الظفر هكذا (ب). وتجد هذه العلامات كثيرًا في الخطوط القديمة الأثرية.
( **** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الكاف تكتب برسمين: أحدهما هكذا ( حـ) وهو واضح، والثاني شبه =
٠
.

١٥
الجُزءُ الثاني
-
٤٤٤ - وَالرَّمْزَ بَيِّنْ وَسوَاهُ أَفْضَلُ
وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يُفْصَلُ
(والكاف) مبتدأ خبره جملة فكاف كتبًا (لم تبسط) حال من الكاف على رأي، أي
حال كونها غير مبسوطة فـ(كاف) مبتدأ، والفاء زائدة (كتبا) بالبناء للمفعول وألف
الإطلاق (في بطنها) متعلق بـ(( كتب))، أي: كتب في بطن الكاف كافًا صغيرة، والمعنى: أن
الكاف إذا لم تكتب مبسوطة تكتب في بطنها كاف صغيرة، لئلا تشتبه باللام.
وذلك لأن الكاف تكتب برسمين: أحدهما، هكذا (كـ)، وهذه لا تحتاج إلى مميز
لوضوحها، والثاني: شبه اللام فهذه تحتاج إلى مميز، فتكتب فيها كاف صغيرة، أو هي همزة،
هكذا (ك) (واللام) مبتدأ خبره جملة قوله : (لامًا) مفعول مقدم لقوله: (صحبا) بالبناء للفاعل،
والألف للإِطلاق، أي: تصحب اللام لامًا في بطنها، أي: كلمة ((لام)) في وسطها، يعني:
هذه الكلمة بحروفها الثلاثة لا صورة (ل) ويوجد ذلك كثيراً في خط الأدباء هكذا (ل لام).
ولم يتكلم على الهاء آخر الكلمة، والهمزة المكسورة، وبيِّنْهما في التدريب، فقال:
والهاء آخر الكلمة يكتب عليها هاء مشقوقة تميزها من هاء التأنيث التي في الصفات
ونحوها، والهمزة المكسورة هل تكتب فوق الألف والكسرة أسفلها، أو كلاهما أسفل
اصطلاحات للكتاب والثاني أوضح. اهـ(١).
ثم تكلم على ما يصطلح عليه الشخص لنفسه من الرموز، فقال:
وَالرَّمْزَ بَيِّنْ وَسِوَاهُ أَفْضَلُ
(والرمز) مفعول مقدم لقوله (بين) فعل أمر من التبيين، أي: وضح الرمز الذي تجعله
لنفسك اصطلاحًا في أول الكتاب أو آخره، لئلا يقع غيرك في حيرة فهم مرادك.
والحاصل: أنه لا بأس أن يصطلح الإنسان إذا كثر اختلاف الروايات في أحاديثه، أو
كثرت الكتب التي ينقل منها في كتابه على رموز اختصارًا، لكن عليه أن يبين ذلك في كتابه
لئلا یصعب على غيره فهم مراده، ومع كونه لا بأس به، فعدم الرمز أولى، كما قال
(وسواه) أي غيره، وهو عدم الرمز، مبتدأ خبره قوله (أفضل) أي: أولی، فیکتب عند كل
= اللام، فهذه تكتب فيها كاف صغيرة، وهي المعروفة في أكثر الكتابات الآن (ك)، وقد يظن من لا خبرة له أن ما في
بطنها همزة وهو وهم، بل هي كاف. وأما اللام فإن بعضهم يميزها بكتابة كلمة ((لام)) في وسطها بحرف صغير.
وأرى أنه ينبغي أيضًا كتابة الهمزات في الحروف المهموزة، وأن تكون التي في أول الكلمة فوق الألف إن
كانت مفتوحة، وتحتها إن كانت مكسورة، وأكثر الكاتبين يختارون وضع الهمزة فوق الألف مطلقًا، مفتوحة
أو مكسورة، ولكن الذي اخترناه أولى وأوضح.
(١) تدريب ج ٢ ص ٦٩ .

١٦
تَرْجُ الفَِّةُ الشَّيُوطِيّ -
٤٤٥- بِدَارَةَ، وَعِنْدَ عَرْضٍ تُعْجَمُ (*)
وَكَرِهُوا فَصْلَ مُضَافٍ يُوهِمُ ( ** )
راوٍ كتاب اسمه بكماله مختصراً بدون زائد على التعريف به، فلا يقول في الفربري مثلاً:
أبو عبد الله محمد بن يوسف، بل يختصر على الفربري، أو نحوه.
ثم بين الدارة التي تجعل للفصل بين الحديثين، فقال:
. وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يُفْصَلُ
بِدَارَةَ ، وَعِنْدَ عَرْض تُعْجَمُ
(وبين كل أثرين) أي: حديثين متعلق بـ (يفصل) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، أي يميز
استحبابًا (بـ) وضع (دارة) أي: حلقة منفرجة، أو مطبقة، والدارة: هي الدائرة، وهي ما
أحاط بالشيء كما تفيده عبارة ((ق)) .
والحاصل: أنه يميز بين الأحاديث بوضع الدائرة، لئلا يحصل التداخل بأن يدخل عجز
الأول في صدر الثاني، أو العكس، إذا تجردت المتون عن الأسانيد، وعن صحابيها،
كأحاديث ((الشهاب))، و((النجم))، وغيرها.
وكذلك يفصل بين الحديث، وبين ما يكتبه بآخره من إيضاح لغريب، وشرح معنى
ونحوه .
و كذا يفعل في التراجم ورؤوس المسائل.
(وعند) تمام (عرض) للكتاب على الشيخ (تعجم) أي: تنقط تلك الدارة بنقطة في
وسطها .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا جعل الكاتب لنفسه اصطلاحًا خاصًّا، أو كان يكتب تبعًا لاصطلاح
معروف من قبل، بالرمز إلى كتب معينة أو أعلام مخصوصة، كالمعروف عند المحدثين، من الرمز للبخاري
(خ) ولمسلم (م) إلخ: فينبغي له أن يبين هذا الرمز في أول كتابه أو في آخره، لئلا يختلط على القارئ. ولو
عدل عن الرمز وأوضح الأسماء كاملة كان أحسن جدًّا.
ثم إن المتقدمين كانوا يفصلون بين كل حديثين أو أثرين بدائرة هكذا(٥)، وعند عرض النسخة ومقابلتها على
الأصل أو على الشيخ يضع نقطة في الدائرة التي تلي الحديث المقابل ليعرف ما قابله مما بقي عليه، وهو
اصطلاح جيد .
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي كرهوا فصل المضاف عن المضاف إليه بكتابة الأول في سطر ثم الثاني
في السطر الآخر، كما يكتب ((عبد الله)) مثلاً، فإنه إذا كتب لفظ الجلالة في أول السطر الثاني وجاء بعده
اسم أو وصف كان موهمًا سوء الأدب. وهذا مرجعه ومُرجع أمثاله - مما يوهم في القراءة - إلى ذوق
الکاتب وحس تقديره لما يكتب .

١٧
- الجزءالثاني
٤٤٦ - وَأَكْتُبْ ثَنَاءَ الله وَالَّسْلِيمَا
مَعَ الصَّلاةِ (وَالرِّضَى) تَعْظِيمَا
وحاصل المعنى: أنه يغفل تلك الدارة عن العلامة حتى يعرض الكتاب، ويقابله
بالأصل، أو نحوه، فإذا عارضه ينقط في الدارة التي تلي الحديث المقابل نقطة، أو يخط
وسطها خطًّا حتى لا يكون بعد في شك، هل عارضه أو سها، فتجاوزه لا سيما حين
يخالف فيه .
ثم بين حكم المضاف والمضاف إليه في الكتابة، فقال :
وَكَرِهُوا فَصْلَ مُضَاف يُوهِمُ
و (كرهوا) أهل الحديث في الكتابة (فصل مضاف) عن المضاف إليه، وقوله: (يوهم)
صفة لـ ((فصل))، أي: يوقع الوهم في معنى غير لائق.
وحاصل المعنى: أن العلماء كرهوا فصل المضاف عن المضاف إليه في الخط بكتابة الأول
في سطر، ثم الثاني في سطر آخر، إذا كان يوهم معنى غير لائق، مثل عبد الله،
وعبد الرحمن ابن فلان، فلا يكتب ((عبد)) آخر السطر، واسم ((الله)) مع ابن فلان أو السطر
الآخر، احترازًا عن قبح الصورة، وإن كان غير مقصود، وکـ ((رسول)) من رسول الله فلا
يكتب ((رسول)) في آخر سطر، واسم ((الله)) مع الصلاة في أول سطر آخر.
وكذا غير المضاف والمضاف إليه مما يستبشع كقوله: الله ربي لا أشرك به شيئًا، فلا يكتب
((لا)) في سطر، و((أشرك به)) في سطر آخر، وهذا كله كراهة تنزيه، وأوجبه بعضهم.
ولا شك في تأكده إذا كان التعبيد آخر الصفحة اليسرى، والاسم الكريم وما بعده في
أول الصفحة اليمنى، فإن الناظر إذا رآه كذلك، ربما لم يقلب الورقة، ويبتدئ بقراءته
کذلك بدون تأمل.
وإنما قيد بقوله: ((يوهم))؛ لأنه إذا لم يوهم معنى غير لائق فلا بأس به، بأن لم يكن بعد
اسم الله مثلاً ما ينافيه، بأن يكون آخر الكتاب، أو الحديث، أو يكون بعده شيء ملائم له
غير منافٍ، كقول البخاري في آخر الجامع: سبحان الله العظيم، ومع هذا فجمعهما في
سطر واحد أولى .
ثم ذكر ما يستحسن عند الكتابة، وهو الثناء على الله سبحانه، والصلاة والسلام على
النبي ◌َّ حيث كتب اسمهما، وكذا الترضي عن الصحابة، فقال:
مَعَ الصَّلاةِ (وَالرِّضَا) تَعْظِيمَا
وَأَكْتُبْ ثَنَاءَ اللهِ وَالتَّسْلِيمَا

١٨
شَرْعُ الفِيُالشَّيُطِىّ
(واكتب) أيها الكاتب للحديث، وغيره على وجه الاستحباب المتأكد (ثناء الله)
سبحانه كلما مر ذكره، كعز وجل، أو تبارك وتعالى، أو نحوهما إجلالاً له سبحانه؛ لأنه
یحب الحمد .
ففي حديث الأسود بن سريع(١) رضي الله عنه كما أخرجه البخاري في الأدب المفرد
وأحمد وغيرهما أنه أتى النبي وسلم فقال: قد مدحت ربي بمحامد ومدح، وإياك فقال: ((أما
إن ربك يحب الحمد)) وفي لفظ ((المدح))(٢) الحديث قاله السخاوي(٣).
(و) كذا اكتب (التسليما مع الصلاة) على النبي ودليل كلما مر ذكره، تعظيمًا وتنويها
بشأنه الشريف، وأداء لبعض حقه؛ لأنه الواسطة في نيل الدرجات عند الله سبحانه بما أتى
به من عند الله من نعمة دين الإسلام، فوجب مكافأته بقدر المستطاع، وهو الدعاء له فقد
أخرج أحمد وغيره بسندهم عن ابن عمر مرفوعًا: ((من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم
تجدوا ما تکافئوه به فادعوا الله حتى تروا أنكم قد کافأتموه ) قال النووي: حديث صحيح.
وقد صرح بوجوب الصلاة عليه # كلما ذكر اسمه جمع من العلماء وأوجبها بعضهم
في الصلاة.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه
وَال* قال: ((إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)).
قال ابن حبان: في هذا الخبر بيان صريح على أن أولى الناس برسول الله مَله يوم
القيامة، أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم.
وقال أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها، لأنه لا يعرف لعصابة
من العلماء من الصلاة على رسول الله وَ ﴾ أكثر مما يعرف لهؤلاء نسخًا وذكرًا.
وأما ما رُوي في ثواب كتابة الصلاة عليه چ فليس بثابت مرفوعًا، فلا نشتغل به.
(والرضا) أي: اكتب الترضي عن الصحابة رضي الله عنهم، ومثله الترحم على
العلماء، وقوله: (تعظيمًا) مفعول لأجله، أي: اكتب كل ما ذكر لأجل تعظيمهم، أو حال
مما ذکر، أي: حال کونك معظمًا لهم.
وقال النووي رحمه الله: ولا يستعمل عز وجل، ونحوه في النبي ◌َّل، وإن كان عزيزًاً
(١) بفتح السين، التميمي السعدي، صحابي نزل البصرة، ومات أيام الجمل، وقيل: سنة ٤٢ هـ. اهـ. (ت)).
(٢) ضعيف أخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم . انظر ضعيف الجامع الصغير. ص ١٧٤ .
(٣) فتح ج ٣ ص ٦٥ ، ٦٦ .

١٩
الجُزءُ الثاني
٤٤٧- وَلَا تَكُنْ تَرْمُزُهَا أَوْ تُفْرد
وَلَوْ خَلَا الأَصْلُ، خلافَ أَحْمَد(*)
جليلاً، ولا الصلاة والسلام في الصحابة استقلالاً، ويجوز تبعًا. اهـ (١).
ثم إن كتابة ما ذكر يكون بالتمام، ولا ينبغي الاختصار بالرمز، وإليه أشار بقوله :
وَلَا تَكُنْ تَرْمُزُهَا أَوْ تُفْرد
(ولا تكن) أيها المحدث (ترمزها) من بابي قتل، وضرب، وأصله: الإِشارة والإِيماء
بالشفتين، والحاجب، كما في ((المختار))، لكن المراد هنا الاختصار في الصلاة والسلام
على رسول الله ميلي ونحوها في الخط على حرف أو حرفين وأكثر، فتكون منقوصة
صورة، كما يفعله الكسائي، والجهلة من أبناء العجم غالبًا، وعوام الطلبة، فيكتبون بدلاً
عن حَلّر ((ص)) أو ((صلم)) أو ((صلعم))، فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة -
على ما قيل - خلاف الأولى(٢).
وصرح ابن الصلاح والنووي بالكراهة. قلت: لا أرى له دليلاً، وكذا يكره إفراد
أحدهما عن الآخر، کما أشار إليه بقوله:
(أو تفرد) عطف على ((تكن» مجزوم، وكسرت داله للروي و ((أو )» بمعنى الواو، أي:
ولا تفرد أحدهما عن الآخر، فإنه مكروه، صرح به النووي رحمه الله متمسكًا بورود
الأمر بهما في الآية معًا، وخص ابن الجزري الكراهية بما وقع في كتب رواه الخلف عن
السلف؛ لأن الاقتصار على بعضه خلاف الرواية، قال: فإن ذكر رجل النبي وَلال فقال:
((اللهم صلِّ عليه)) مثلاً، فلا أحسب أنهم أرادوا أن ذلك یکره. اهـ.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ينبغي أن يكتب أيضًا الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله عن يم
والترضي والترحم على الصحابة والعلماء السابقين، ولا يرمز إلى ذلك بل يكتبه كاملاً، فإن بعض الناس
يرمز إلى الصلاة مثلاً (صلعم) أو (ص) وبعضهم يرمز إلى الترضي (رض)، وهذا اختصار غير جيد.
وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الناسخ يتبع الأصل الذي ينسخ منه، فإن كان فيه ذلك كتبه. وإلا لم يكتبه،
وفي كل الأحوال يتلفظ الكاتب بذلك حين الكتابة، فيصلي نطقًا وخطًّا إذا كانت في الأصل صلاة، ونطقًا
فقط إذا لم تكن.
وهذا هو القول المختار عندي، محافظة على الأصول الصحيحة لكتب السنة وغيرها، وكذلك أختاره في طبع
آثار المتقدمین، وبه أعمل إن شاء الله .
(١) قلت: الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً مشهور، قد بسطت الكلام فيه في غير هذا المحل،
والراجح عندي عدم الكراهة لعدم الحجة على المنع . والله أعلم .
(٢) لكن فيه نظر، لما قدمنا قريبًا من أنه لم يصح في ذلك شيء .

٢٠
شَرْجُ القَيُّ الشَّيُوطِيّ
٤٤٨- ثُمَّ عَلَيْه حَتْمًا (الْمُقَابَلَهْ)
بِأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِ أَصْلِ قَابَلَهْ
وقال الحافظ: إن كان فاعل أحدهما يقتصر على الصلاة دائمًا فيكره من جهة الإخلال
بالأمر بالإكثار منهما، والترغيب فيهما، وإن كان يصلي تارة، ويسلم أخرى من غير
إخلال بواحدة منهما فلم أقف على دليل يقتضي كراهته، ولكنه خلاف الأولى إذ الجمع
بينهما مستحب . اهـ.
قلت: ما قاله الحافظ رحمه الله هو الراجح عندي. والله أعلم.
ثم إن كتابة ما ذكر لا يتقيد بوجوده في الكتاب المنقول منه؛ لأنه ثناء ودعاء، وإليه
أشار بقوله :
وَلَوْ خَلَا الأَصْلُ، خلافَ أَحْمَد
٠٠
(ولو خلا الأصل) المنقول منه، لعدم التقيد به في ذلك، فإنه ثناء ودعاء تثبته أنت، لا
كلام ترويه عن غيرك (خلاف) الإمام (أحمد) بن حنبل رحمه الله تعالى، فـ ((خلاف))،
حال(١) من فاعل ((اكتب)) أي: اكتب ذلك كله مخالفًا لأحمد، أو من محذوف، أي:
قلت هذا مخالفًا له، فإنه رحمه الله یکتب کثیرًا اسم النبي ◌َلآل بدون ذلك، ذكره الخطيب،
ولعله كما قال ابن الصلاح: يرى التقيد في ذلك بالرواية، لالتزامه اقتفاءها، فحيث لم
يجدها في أصل شيخه، وعز عليه اتصالها في جميع من فوقه من الرواة، لا يكتبها تورعًا
من الزيادة، كمنعه إبدال ((النبي)) بـ ((الرسول))، وإن لم يختلف المعنى. قال الخطيب:
بلغني أنه كان يصلي نطقًا (٢) .
ثم ذكر مسألة مقابلة الكتاب، فقال :
بِأَصْلِهِ أَوْ فَرْعٍ أَصْلِ قَابَلَهُ
ثُمَّ عَلَيْهِ حَثْمًا الْمُقَابَلَهُ
(ثم) بعد أن يكتب ويتم المقصود (عليه) أي الكاتب نفسه، أو نائبة (حتمًا) أي: وجوبًا،
كما صرح به الخطيب، وكذا عياض، وقال ابن الصلاح: لا غنى لمجلس الإملاء عن العرض،
والجار والمجرور خبر مقدم لقوله : (المقابله) أي: مقابلة كتابه، تقول: قابلت الكتاب قبالاً،
ومقابلة: أي جعلته قبالته أي جعلته قبالته، وصيرت في أحدهما كل ما في الآخر، ويقال لها
(١) قوله: حال . أي على قلة من مجيء الحال مصدراً معرفة إذ الغالب مجيء الحال مصدرًا نكرة كما قال ابن
مالك :
ومصدر منكر حالا يقع
(٢) انظر فتح المغيث ج ٣ ص ٨٦ - ٨٩ .
بكثرة كبغتـة زيد طلع