النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
-
الجُزُءُ الأولُ
(وإن يقل) الشيخ عنده المناولة (هذا) الكتاب أوالحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني
أو نحوه (ثم لم يأذن) له في الرواية بل اقتصر على قوله المذكور (ففي صحتها) أي المناولة
الخالية عن الإذن، متعلق بـ ((يضم)) (خُلف) بالضم، أي اختلاف بين العلماء، مبتدأ خبره
جملة قوله (يُضم) بالبناء للمفعول، أي يجمع إلى الخلاف في الأنواع المتقدمة .
وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الشيخ : هذا الكتاب سماعي أو مجازي، أو نحو
ذلك، ولم يأذن له في الرواية، فقد اختلف فيه العلماء فقيل: تصح وتجوز الرواية بها،
حكاه الخطيب عن طائفة من العلماء.
وقال ابن الصلاح: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ، لما فيه من
المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية. اهـ (١).
ويدل عليه: حديث أمير السرية الذي تقدم كما قاله الناظم.
قال: وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤال، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب
لأرويه عنك، فناوله، ولم يصرح بالإِذن صحت، وجاز له أن يرويه. اهـ(٢).
وبالغ بعضهم فقال: إنها قريب من السماع إذا لم يأذن له في الرواية لاشتراكهما في
= السماع؛ لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع
والمستمع)). وهذه مبالغة.
قال النووي: ((والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة)).
ومن صور المناولة: أن يناول الشيخ الطالب كتابًا ويأذنه بروايته عنه ثم يأخذه منه من غير أن يقابله الطالب
على نسخته، وهذه أقل درجة من الصور السابقة، بل هي كالإجازة من غير مناولة، وحكمها حكمها، وتجوز
الرواية بها إن روى من أصل صحيح مساوٍ لأصل شيخه في الصحة.
ومنها أن يعرض الطالب على الشيخ الكتاب ويقول له: ((هذا من روايتك فناولنيه وأجز لي روايته)) فيجيبه
الشيخ من غير أن يتحقق صحة ما قاله. فإن كان الطالب ممن يوثق بخيره ومعرفته صحت الإجازة والمناولة
وإن كان لا يوثق به لم تصح. وإن علق الشيخ الإجازة على ظهور أنه من روايته: جازت الإجازة إذا تبين
أنه من مروياته. وأما المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله ويقول له ((هذا سماعي)) - ثم لم يأذن له بروايته
عنه: فإنها موضع خلاف. والذي أراه أنها أرجح مع الإجازة من غير مناولة؛ لأنه كأنه أخبره بسماعه
تفصيلاً حين أخبره به إجمالاً .
وأما إذا ناوله ولم يخبره بسماعه ولم يجزه بروايته - فهذه مناولة باطلة باتفاق، ولا تجوز الرواية بها أصلاً.
والله أعلم.
(١) علوم الحديث ص ١٩٤.
(٢) تدريب ج ٢ ص ٤٩ .
٤٤٢
شرح الفِيَّةُ السَّيَوِى
٤١١ - وَمَنْ يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُل:
(أَنْبَأَنِي)) ((نَاوَلَنِ)) ((أَجَازَ لِي))
٤١٢ - (أَطْلَقَ) أَوْ (أَبَاحَ)) أَوْ ((سَوَّغَ)) أَوْ
((أَذْنَ)) أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا
٤١٣ - ثَالثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورَدًا
(※)
((حَدَّثَنَا)) ((أَخْبَرَنَا)) مُقَيِّدَاً
٤١٤ - وَقيلَ : قَيِّدْ فِي مُجَاز قَصَرَاً
وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّراً( ** )
العلم بالمروي، وقيل: يصح العمل بها دون الرواية.
والأصح أنها باطلة لعدم التصريح بالإذن فيها، قاله السخاوي.
قلت: الذي يظهر لي أنها صحيحة على الوجه الذي قاله الناظم قريبًا (١).
ثم ذكر صيغ الأداء لمن تحمل بالإِجازة والمناولة، فقال:
(أَنْبَأَنِي) (نَاوَلَنِي)) ((أَجَازَ لِي)
وَمَنْ يُنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ:
((أَذْنَ) أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا
((أَطْلَقَ)) أوْ (أَبَاحَ) أَوْ((سَوَّغَ) أَوْ
(حَدَّثَنَا)) ((أَخْبَرَنَا)» مُقَيِّداً
ثَالثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورَدَا
وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّراً
وَقِيلَ : قَيِّدْ فِي مُجَاز قَصَرَاً
(ومن) شرطية (يناول أو يجز) بالبناء للمفعول، أي يناوله الشيخ مرويه، أو يجيزه له
(فليقل) جواب الشرط، أي عند أدائه (أنبأني) فلان، أو أنبأنا، في المناولة والإِجازة،
و(ناولني) فلان، أو ناولنا في المناولة، و(أجاز لي) أو أجازنا في الإِجازة المجردة عن المناولة أو
(أطلق) لي روايته عنه أو (أباح) لي وفي نسخة الشارح أطلقه، أو باح، والموافق لسائر الكتب
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذه الأبيات وما بعدها في الألفاظ التي يجوز لمن روى بالإجازة أن يقولها
عندما يحدث بما روى. وهي واضحة.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يعني أن بعض العلماء ذهب إلى أن الإجازة التي قصرت على الإجازة
فقط من غير مناولة يجب أن يقيد الراوي بها قوله ((حدثنا)) أو ((أخبرنا» ببيان أن ذلك بالإجازة. وأما الإجازة
مع المناولة فإنهم أجازوا فيها إطلاق التحديث والإخبار بدون تقييد. وأن بعض العلماء خص الإجازة بغير
مناوله بقوله: ((خبرنا)) بدون همزة وخص القراءة على الشيخ بقوله ((أخبرنا)) بالهمزة. قال العراقي: ((ولم
يخل من النزاع؛ لأن خبر وأخبر بمعنى واحد لغة واصطلاحًا)) وهو كما قال.
(١) وهو أنها إن كانت جوابًا لسؤال صحت، ولو لم يصرح بالإذن.
-
الجُزْءُ الأُولْ
٤٤٣
ما في نسخة المحقق، وهو ما هنا (أو سوغ) لي ، أي جوز لي روايته (أو أذن) في روايته .
(أو مشبه هذي) الألفاظ المذكورة، من كل عبارة مشعرة بالواقع، وفي نسخة الشارح
أو شبه هذي .
وحاصل المعنى: أن من تحمل الحديث بالمناولة أو الإجازة، يقول في الأداء: أنباني،
ناولني، أجاز لي، أو أطلق لي روايته، أو ما أشبه ذلك مما يبين الواقع.
وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فالصحيح منعه إلا مقيدًا، وإليه أشار بقوله (ورأوا) أي
العلماء (ثالثها) بالنصب مفعول أول لـ ((رأوا)) والضمير راجع إلى الأقوال، وقوله (مصححًا)
مفعول ثان له، أي رأى العلماء ثالث الأقوال محكومًا بصحته (أن) مصدرية (يوردا) بالبناء
للفاعل، أو المفعول والألف للإِطلاق، وقوله: (حدثنا أخبرنا) مفعول به، أو نائب فاعل
(مقيدًا) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو المفعول، أي حال كونه مقيدًا
هذين اللفظين، أو حال كون كل منهما مقيَّدًا بعبارة تبين الواقع في كيفية التحمل. وأن
وصلتها في تأويل المصدر بدل من ثالثها، أو خبر لمحذوف أي هو إيراد حدثنا. إلخ.
وحاصل المعنى: أن العلماء رأوا إيراد حدثنا وأخبرنا مقيدًا ببيان الواقع صحيحًا،
فيقول: حدثنا فلان إجازة أو مناولة، وأخبرنا فلان إجازة أو مناولة، أو نحو ذلك.
وحاصل المسألة: أنهم اختلفوا في إيراد حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، فجوزه
بعضهم، وحكي عن ابن جريج وجماعة من المتقدمين، وحكي أنه مذهب مالك، وأهل
المدينة، قيل: إنه مذهب عامة حفاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر.
والثاني: جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في المناولة، لا في الإجازة المجردة حكي ذلك
عن الزهري ومالك وغيرهما وهو اللائق بمذهب جميع من سبقت الحكاية عنهم أنهم
جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعًا، وإلى هذا أشار بقوله (وقيل) أي قال
بعضهم (قيد) أيها المحدث بعبارة تبين الواقع كما تقدم في (مجاز) بضم الميم مصدر ميمي
لأجاز، أي إجازة قصرًا عن المناولة يعني أنها إجازة مجردة، يقال: قصر عن الشيء،
قصورًا، من باب قعد، عجز عنه، وقصر السهم عن الهدف، إذا لم يبلغه، وقصر الشيء
بالضم، قصراً، كعنب: ضد طال. أفاده الفيومي.
وحاصل المعنى: أن بعضهم قال بوجوب التقييد في الإجازة المجردة عن المناولة فيقول:
حدثنا إجازة أو أخبرنا إجازة، وأما الإجازة مع المناولة، فلا تجب تقييدها.
قلت: وهذا القول لم يظهر لي وجه ذكره بعد قوله: ((ثالثها))؛ لأنه القول الثاني المطوي
٤٤٤
٠٠٠٬٬٠٠
شَرْعُ الفِرَةُ السَّيُوطِيّ
٤١٥ - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ ((لِي كَتَبْ))
((شَافَهَ)) وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ
٤١٦- في الاقْتِرَاحِ مُطلَقًا لا يَمْتَنِعْ
((أَخْبَرَ)) إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ (*
تحته فهو مكرر، لأن القول الأول هو الجواز مطلقًا، والثاني: جوازه في المناولة المقرونة
بالإِجازة ووجوب تقييده في الإِجازة المجردة فهذان هما المطويان في قوله: ثالثها، وهو
التقييد فيهما وهو الذي صححه، فليتأمل .
(وبعضهم) أي: بعض المحدثين، وهو الإمام أبو عمرو الأوزاعي، مبتدأ خبره جملة
قوله (يخصه) أي المجاز القاصر بمعنى الإِجازة (بـ ((خبراً))) بتشديد الباء ويعني : أن
الأوزاعي يخص الإِجازة بـ ((خبرنا)) بالتشديد ويجعل ((أخبرنا)) بالهمزة للقراءة.
قال العراقي: ولم يخل من النزاع من أن معنى خبر وأخبر واحد، في اللغة
والاصطلاح بل قيل: إن خبر أبلغ.
وكان للأوزاعي أيضًا في الرواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة: قلت له
في المناولة أقول فيها: حدثنا، فقال: إن كنت حدثتك فقل: حدثنا، فقلت: فما أقول؟
قال: قل: قال أبو عمرو، أو عن أبي عمرو. قال السخاوي رحمه الله(١) ولما استعمل
بعضهم لفظًا موهمًا في الإِجازة كتابة أو شفاهًا حيث يقول: أخبرنا شيخنا كتابة، أو أخبرنا
مشافهة، أو نحو ذلك بينه بقوله :
٥٠٠٠٠
(شَافَهَ) وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ
وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ (لِي كَتَبْ))
((أَخْبَرَ)) إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ
فِي ((الاقْتِرَاحِ)) مُطْلَقًّا لا يَمْتَنِعْ
(وبعضهم) أي: بعض المحدثين من المتأخرين يروي ما أجازه شيخه بالكتابة ((بنحو))
قوله لي كتب فلان، وأخبرني كتابة، أو في كتابة، ويروي في الإِجازة باللفظ (شافه) ني،
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الاقتراح كتاب لابن دقيق العيد في أصول الحديث. نقل عنه المؤلف في
التدريب (ص ١٤٥) أنه اختار فيه: أنه لا يجوز في الإجازة ((أخبرنا)) لا مطلقًا ولا مقيدًا، لبعد دلالة لفظ
الإجازة على الإخبار، إذ معناه في الوضع الإذن في الرواية.
قال: ((ولو سمع الإسناد من الشيخ وناوله الكتاب جاز له إطلاق (أخبرنا) لأنه صدق عليه أنه أخبره بالكتاب،
وإن كان إخبارًا إِجماليًّا فلا فرق بينه وبين التفصيلي)).
(١) فتح ج ٢ ص ٣١٣، ٣١٤ .
--
- الجُزْءُ الأولُ
٤٤٥
وأخبرنا مشافهة (وهو) أي: هذا الاستعمال موهم بصيغة اسم الفاعل، أي: موقع في
الوهم، أي: الغلط فليجتنب بالبناء للمفعول، أي: فليبتعد عنه، لما فيه من خطر الإِيهام.
وحاصل معنى البيت: أن بعض أهل الحديث، كالحاكم استعمل لفظًا موهمًا تجوزًا فيما
تحمله بالإجازة كتابة، ((أخبرنا فلان كتابة))، أو ((مكاتبة))، أو في ((كتابه))، أو ((كتب لي)»،
أو (( کتب إليّ).
وفيما أجازه بلفظه شفاهًا أخبرنا فلان ((مشافهة))، أو ((شافهني))، وحكي الشق الأول
عن أبي نعيم، كان يقول في الإجازة: حدثني فلان في كتابه، أخبرنا فلان في كتابه، ونحو
ذلك، وهذا الاستعمال كثير بين المتأخرين من بعد الخمسمائة، وهلم جرًّاً، قاله
السخاوي (١) .
وهذا الاستعمال ينبغي اجتنابه حذراً من الإِيهام، إذ لا يسلم من استعملها من
الإِيهام، وطرف من التدليس، أما المشافهة فتوهم مشافهة بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم
أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون. قاله العراقي.
لكن بعد أن صار اصطلاحً ارتفع هذا الإيهام بسبب العرف الخاص. أفاده الناظم (٢).
وقال الإِمام الفقيه الحافظ المجتهد تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع
القشيري المنفلوطي، صاحب التصانيف، الشهير بابن دقيق العيد، ولد في شعبان سنة ٦٢٥
ومات في صفر سنة ٧٠٢ هـ في كتابه المسمى بـ ((الاقتراح)) في بيان الاصطلاح ومعنى الاقتراح
في الأصل: مصدر اقترح الشيء: ابتدعه من غير مثال سبق، ومعناه هنا: أن هذا المؤلف
مقترح، أي: لا نظير له في بابه، فقوله ((في الاقتراح)) متعلق بـ(( قال)) كما قدرناه وجملة ((لا
يمتنع أخبر)) مقول له (مطلقًا) حال مقدم من ((أخبر)) أي حال كونه غير مقيد بشيء مما تقدم (لا
يمتنع أخبر) جملة من فعل وفاعل، فـ ((أخبر)) فاعل محكي لقصد لفظه، أي: إطلاق لفظ
((أخبرنا)) و((أخبرنا)) (إن) كان (إسناد جزء) مفعول مقدم لقوله (قد سمع) من الشيخ.
وحاصل معنى البيت: أن الإِمام أبا الفتح ابن دقيق العيد رحمه الله، قال في كتابه
((الاقتراح)): لا يمتنع إطلاق ((أخبرنا)) و((أخبرني)) غير مقيد إن سمع من الشيخ الإسناد
وناوله الكتاب، لأنه أخبره بالكتاب وإن كان جمليًّا فلا فرق بينه وبين التفصيل. اهـ (٣).
(١) فتح ج ٢ ص ٣١٢، ٣١٣.
(٢) تدريب ج ٢ ص ٥١، ٥٢ .
(٣) الاقتراح ص ٢٤ .
٤٤٦
شَرْجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوظِيّ -
٤١٧ - وَعَنْ)» وَ«أَنَّ) جَوَّدُوا فِيمَا يَشُكّ
سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ
ثم إن المتأخرين استحسنوا فيما إذا شك في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته
استعمال ((عن)) و ((أن)) وكذا في الإجازة، وإليه أشار بقوله:
وَعَنْ)) وَاأَنَّ) جَوَّدُوا فيمَا يَشُكّ
سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ
(وعن وأن) أي: استعمالها مبتدأ (١) خبره جملة قوله (جودوا) أي: جعله المتأخرون
جيدًا حسنًا (فيما) أي في أداء الحديث الذي يشك بالبناء للفاعل، أي: يرتاب فيه الراوي،
أو للمفعول وقوله (سماعه) مفعول به على الأول، ونائب فاعل على الثاني، أي: سماع
شیخه من شیخه .
وحاصل المعنى: أنه إذا شك الراوي في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته له فقد
استحسن المتأخرون استعمال ((عن)) و ((أن)) (و) جودوا أيضًا (في) أداء (المجاز) بالضم اسم
مفعول من أجاز، أي الحديث المجاز به.
يعني: أنهم استحسنوا أيضًا استعمال ((عن)) و((أن)) في أداء ما سمعه من شيخه الراوي
ذلك الشيخ عن شيخه بالإجازة، فيقول فيمن سمع شيخًا بإجازته عن شيخ: قرأت على
فلان عن فلان وقوله (مشترك) بصيغة اسم المفعول، خبر لمحذوف، أي: ما ذكر من ((عن))
و((أن)) مشترك بين السماع والإِجازة صادق عليهما .
فوائد:
الأولى: مسألة استعمال ((عن)) و((أن)) قد تقدم في المعنعن، وتقدم هناك أن استعمالهما
في الإجازة للمشارقة، وأما المغاربة فيستعملونهما معًا، فما هناك بيان لاصطلاح
المشارقة، وما هنا بيان لاصطلاح المغاربة.
وأيضًا ما تقدم لبيان أنه لا يخرج عن حكم الاتصال، وإعادته هنا لما فيه من الزيادة،
وليكون منضمًّاً لما يشبهه من الاصطلاح الخاص.
الثانية: قال ابن مالك: ومعنى ((عن)) في رويت عن فلان، وأنبأتك عن فلان المجاوزة،
لأن المروي والمنبأ به مجاوز لمن أخذ عنه. اهـ.
الثالثة: أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة والمناولة لا يزول بإباحة المجيز
ذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ في إجازاتهم لمن يجيزون إن شاء قال: حدثنا، وإن شاء
(١) ويحتمل أن يكونا مفعولين مقدمين لـ ((جودوا)).
٤٤٧
- الجُزْءُ الأولْ
٤١٨ - خَامسُهَا : كتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
٤١٩- يَكْتُبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَاً
فَهِِيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَسَيْثُ امْتَازَاً
ءِ
٤٢٠ - أَوْ لا، فَقيلَ لا تَصِحّ
وَالأَصَحّ صِحَّتُهَا ، بَلْ وَإِجَازَةٌ رَجَحْ
قال: أخبرنا لأن إياحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح(١).
ثم ذكر النوع الخامس من أنواع التحمل، وهو الكتابة. فقال:
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهِيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَاً
يَكْتَبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَاً
وَالأَصَحّ صِحَتْهَا ، بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ
أَوْ لا ، فَقِيلَ لا تَصِحّ
(خامسها) أي خامس وجوه التحمل مبتدأ خبره قوله (كتابة الشيخ) بشيء من مرویه،
حديثًا فأكثر، أو من تصنيفه، أو نظمه، ويرسله إلى الطالب مع ثقة، مؤتمن، بعد تحريره
بنفسه، أو بثقة معتمد، وشده وختمه، احتياطًا، ليحصل الأمن من توهم تغييره، وذلك
شرط إن لم يكن الحامل مؤتمنًا أفاده السخاوي(٢). (لمن يغيب) أي لشخص يغيب عن
مجلس الشيخ (أو يحضر) مجلسه سواء كانت الكتابة بنفسه، وهو أعلى (أو) غيره بأن
(يأذن) له (أن يكتب عنه) بالبناء للمفعول، أي: يكتب عن الشيخ.
يعني: أنه أمر من يكتب عنه لشخص غائب أو حاضر، سواء كان لضرورة أم لا ،
وسواء سئل في ذلك أم لا .
ويبدأ في الكتابة بنفسه اقتداء بالنبي ◌َّار، فيقول بعد البسملة: من فلان ابن فلان، إلى
فلان ابن فلان، فإن بدأ باسم المكتوب إليه فقد كرهه غير واحد من السلف، وكان أحمد
ابن حنبل رحمه الله يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه، وأما
هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيراً أو صغيراً تواضعًا، قاله السخاوي(٣).
ثم أشار إلى أنها على نوعين: الأول: ما اقترن بالإجازة، كما قال: (فمتى أجازا)
(١) انظر تدريب ج ٢ ص ٥٣ .
(٢) فتح ج ٣ ص ١ .
(٣) فتح ج ٣ ص ٢ .
٤٤٨
شَرْجُ الفِيَّة السّيُوطِيّ
بألف الإطلاق، أي الشيخ بخطه، أو بإذنه بقوله: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت
به إليك، أو نحو ذلك من العبارة، فقوله: متى شرطية جوابها جملة قوله (فهي كمن
ناول) أي الكتابة المقرونة بالإِجازة مُنزلة مَنْزلة من ناول كتابه للطالب مع الاقتران
بالإجازة كما أشار إليه بقوله (حيث امتازا) بألف الإطلاق، أي تميز هذا الفعل بسبب
اقترانه بالإجازة.
وحاصل المعنى: أنه إذا اقترنت الكتابة بالإِجازة فهي في القوة والصحة كالمناولة المقرونة
بالإِجازة، وعلى هذا مشى البخاري في صحيحه، إذ سوى بين المناولة والمكاتبة، فقال:
((باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان)).
ورجح قوم، منهم الخطيب المناولة عليها؛ لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة،
وهذا وإن كان مرجحًا، فالمكاتبة تترجح أيضًا بكون الكتابة لأجل الطالب.
ثم أشار إلى النوع الثاني، وهو مجرد الكتابة بقوله (أو لا) أي لم يجز الشيخ بأن جرد
الكتابة عن الإِجازة فـ (فيه) اختلاف بين العلماء على قولين: (قيل) إنها (لا تصح) كالمناولة
المجردة، وهو قول أبي الحسن الماوردي صاحب الحاوي، والسيف الآمدي، وأبي الحسن
ابن القطان، ولكن هذا القول غلط (والأصح) من القولين المشهور بين أهل الحديث
المتقدمين والمتأخرين، مبتدأ خبره قوله (صحتها) أي الكتابة المجردة عن الإجازة.
فحاصل المعنى: أن الكتابة المجردة اختلف فيها، فمنع الرواية بها قوم كما ذكرنا.
وأجاز كثيرون منهم: أيوب السختياني ومنصور بن المعتمر والليث بن سعد، وابن
أبي سبرة(١)، وغيرهم، وهو الأصح، قال القاضي عياض رحمه الله: لأن في نفس كتابه
إليه بخطه أو إجابته إلى ما طلبه عنه من ذلك؛ أقوى إذن، متى صح عنده أنه خطه و کتابه.
وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم: كتب إلي فلان قال :
حدثنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث، وعده في المسند بغير خلاف في
ذلك. قال البيهقي: وكتب النبي ◌َّل إلى عماله بالأحكام شاهدة لقولهم.
وبعضهم جعلها أقوى من الإِجازة، كما أشار إليه بقوله (بل وإجازة) بالنصب مفعول
(رجح) أي زاد قوة يقال: رجح الشيء رجوحًا، من باب قعد: إذا زاد وزنه، ويستعمل
(١) أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة العامري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: محمد، كان
عالمًا، وقال مصعب الزبيري: رموه بالوضع. مات سنة ١٦٢ هـ. أفاده في ((ت)).
٤٤٩
- الجُزُءُ الأُولَّ
٤٢١- وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ(*) أَنْ يَعْرِفَ خَطّ
كَاتبه، وَشَاهدًا بَعْضٌ شَرَطْ
متعديًا أيضًا أفاده في المصباح.
قلت: والمناسب هنا الثاني لتعديه إلى إجازة، يعني: أن الكتابة المجردة عن الإِجازة
تكون أقوى من الإِجازة بغير كتابة عند بعضهم، وهو أبو المظفر السمعاني.
قال السخاوي رحمه الله: وإلى ذلك صار جماعة من الأصوليين منهم إمام الحرمين،
وكأنه لما فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة، وإن توقف بعض المتأخرين
في ذلك لاستلزامه تقديم الكتابة على التصريح(١). ثم إنه لا تشترط البينة على أنه كتابه،
بل يكفي معرفة المكتوب إليه أنه خطه، كما أشار إليه بقوله :
وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطٌ كَاتِبِهِ، وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ
(ويكتفي المكتوب) إليه في الرواية بالكتابة (أن يعرف) بنفسه، قال السخاوي رحمه
الله: وكذا فيما يظهر بإخبار ثقة معتمد (خط كاتبه) بالنصب على المفعولية، وأن وصلتها
منصوب بنزع الخافض قياسًا (٢) أي يكتفي المكتوب إليه بمعرفة خط الكاتب، وإن لم تقم
بينة على ذلك، وهذا هو القول الراجح، واشترط بعضهم ذلك كما قال: وشاهدًا مفعول
مقدم لـ((شرط)) أي قيام بينة تشهد على ذلك الخط بالرؤية أو الإقرار (بعض) من العلماء
مبتدأ خبره قوله شرط يعني أن بعض العلماء شرط وجود بينة على ذلك الخط ؛ لأن الخط
يشبه الخط بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ومنهم الغزالي.
قال ابن الصلاح: إنه غير مرضي لندرة ذلك اللبس، فإن الظاهر أن خط الإنسان لا
يشتبه بغيره، والحكم للأغلب، وحاصله: أنه إن حصل الظن بأنه خط فلان جاز العمل،
وإن شك فلا. اهـ. مع اختصار (٣).
وقد ثبت أنه { چ# كان يبعث كتبه إلى عماله، فيعملون بها اعتماداً على معرفتها.
ثم ذكر صيغ الأداء في هذا النوع، فقال:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: المكتوب له.
(١) فتح ج ٣ ص ٧ .
(٢) كما قال ابن مالك في خلاصته:
وعد لازما بحرف جر
وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلاً وفي أنَّوأن يطرد
مع أمن لبس كعجبت أن يدو
(٣) علوم الحديث ص ١٩٧ .
٤٥٠
شَرِجُ الْفِيَّة الشَّيُوطِيّ
٤٢٢- ثُمَّ لِيَقُلْ ((حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي
كتَابَةً)) وَالْمُطْلقينَ وَهِّن (*)
مے
كتَابَةً)) وَالْمُطلقينَ وَهِّنِ
ثُمَّ لِيَقُلْ ((حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي
(ثم) إذا صححنا التحمل بالكتابة، وأراد المتحمل الأداء بها، فلا بد من تقييدها
فـ (ليقل) المكتوب إليه عند الأداء (حدثني) فلان أو (أخبرني) فلان (كتابة) أو مكاتبة، أو
كتب إلي فلان، قال: حدثنا فلان بكذا والمطلقين أي المستعملين لـ ((حدثني)))
و ((أخبرني))) على سبيل الإِطلاق من دون تقييد بالكتابة مفعول مقدم لقوله (وهن) أمر من
التوهين، أي احكم بضعف عملهم هذا.
وحاصل المعنى: أنهم اختلفوا في تقييد حدثني وأخبرني على أقوال:
الأول: للجمهور وهو وجوب التقييد، وهو اللائق بمذهب أهل التحري في الرواية،
والورع، والنزاهة .
قال الحاكم: الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقول فيما
كتب إليه المحدث من حديثه، ولم يشافهه بالإجازة: كتب إلي فلان، وكذا قال الخطيب:
كان جماعة من أئمة السلف يفعلونه .
الثاني: جواز الإطلاق، وهو مذهب الليث بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وغير واحد
من العلماء .
الثالث: جواز إطلاق أخبرنا دون حدثنا، وهو مذهب أبي سليمان الجوزقاني، كما
ذكره البيهقي في المدخل.
ثم ذكر القسم السادس من أنواع التحمل، وهو الإعلام فقال:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: النوع الخامس من أنواع الرواية: (المكاتبة) بأن يكتب الشيخ بعض حديثه لمن
حضر عنده أو لمن غاب عنه ويرسله إليه، وسواء كتبه بنفسه أو أمر غيره أن يكتبه ويكفي أن يعرف المكتوب له خط
الشيخ أو خط الكاتب عن الشيخ - ويشترط في هذا أن يعلم أن الكاتب ثقة - وشرط بعضهم في الرواية عن
الكتابة أن تثبت بالبيئة، وهذا قول غير صحيح، بل الثقة بالكتابة كافية، ولعلها أقوى من الشهود. ولا يشترط في
الكتابة أن تكون مقرونة بالإجازة على الصحيح الراجح المشهور عند أهل الحديث من المتقدمين والمتأخرين.
و کثیرًا ما يوجد في مساندیهم ومصنفاتهم قولهم: «کتب إلی فلان قال حدثنا فلان)).
والمكاتبة مع الإجازة أرجح من المناولة مع الإجازة، بل أرى أنها أرجح من السماع وأوثق، وأن المكاتبة بدون
إجازة أرجح من المناولة بالإجازة أو بدونها .
:
والراوي بالمكاتبة يقول ((حدثني)) أو ((أخبرني)) ولكن يقيدها بالمكاتبة، لأن إطلاقهما يوهم السماع، فيكون غير
صادق في روايته. وإذا شاء قال ((كتب إلي فلان)) أو نحوه مما يؤدي معناه.
٤٥١
- الجُزْءُ الأولُ
٤٢٣- السَّادسُ: الإعْلامُ، نَحْوُ («هَذَا
رِوَايَتِي)) مِنْ غَيْرِ إِذْن حَاذَى
٤٢٤- فَصَحَّحُوا الْغَاءَهُ، وَقيلَ : لا ،
وَأَنَّهُ يَرْوي وَلَوْ قَدْ حَظَلا (*)
رِوَايَتِي)) مِنْ غَيْرِ إِذْن حَاذَى
السَّادِسُ: الإِعْلامُ، نَحْوُ ((هَذَا
وَأَنَّهُ يَرْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلا
فَصَحَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ : لا ،
(السادس الإعلام) مبتدأ وخبره. يعني: أن سادس أنواع التحمل هو النوع المسمى
بالإعلام، وإنما آخر مع كونه صريحًا عن الكتابة التي هي الإعلام كناية، لما فيها من
التصريح بالإذن في أحد نوعيها، ثم عرفه بالمثال، فقال: وذلك (نحو) قوله (هذا) الحديث
(روايتي) عن فلان حال كونه (من غير إذن) للطالب، وجملة قوله (حاذی) أي قارن صفة
((إذن))، يقال: حاذيته محاذاة، وحذاء: أي وازيته، أي من غير إذن مقارن للإعلام.
وحاصل المعنى: أن سادس وجوه التحمل الإعلام ، وهو أن يعلم الشيخ الطالب بشيء
من مرويه، نحو قوله: هذا الحديث أرويه من فلان، ولكن ما قارن إعلامه الإذن في
روايته، فلم يقل: اروه عني، أو نحو ذلك.
ثم ذكر اختلاف العلماء في حكمه، فقال (فصححوا) أي طائفة من المحدثين وغيرهم
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: النوع السادس من أنواع الرواية: (الإعلام) بأن يخبر الشيخ بعض الرواة بأن
هذا الحديث أو الكتاب - مثلاً- من روايته، ولا يصحب هذا الإخبار إجازة له أو إذن بروايته. والذي اختاره
الناظم ونقل تصحيحه: أن الرواية بهذه الصفة لا تجوز، والقائلون بذلك قاسوه على (الشهادة على الشهادة)
فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته .
وقال كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين بجواز الرواية بالإعلام من غير إجازة، بل أجازوا الرواية به وإن
منع الشيخ الرواية بذلك، فلو قال الشيخ الراوي: ((هذه روايتي ولكن لا تروها عني، أو لا أجيزها لك)» جاز
له مع ذلك روایتها عنه.
قال القاضي عياض: ((وهذا صحيح لايقتضي النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه - لا لعلة ولا
لريبة -: لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه)) وأجاب القاضي عن القياس على الشهادة بأن:
(«هذا القياس غير صحيح، لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإذن في كل حال، والحديث عن
السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. وأيضًا: فالشهادة تفترق من الرواية في أكثر الوجوه)). والذي
اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح.
بل إن الرواية على هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذه شبه مناولة،
وفيها تعيين للمروي بالإشارة إليه، ولفظ الإجازة لن يكون - وحده- أقوى منها ولا مثلها، كما هو واضح.
٤٥٢
شَرِجُ الفِيَةُ السَّيُوظِيّ -
٤٢٥ - وَاَلْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي
وجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِيِ(*)
(إلغاءه) أي إبطال الإعلام المذكور .
يعني: أن بعض العلماء صححوا بطلان الإِعلام المجرد، فلا تجوز الرواية به وبه قطع
الغزالي، لأنه قد لا يجوز روایته مع كونه سمعه، خلل یعرفه فيه.
(وقيل لا) أي قال كثيرون، منهم ابن جريج، وعبيد الله العمري، وأصحابه المدنیون،
وطوائف من المحدثين والفقهاء والأصوليين، والظاهريين، لا يُلغى بل تجوز الرواية بها،
والحجة فيه القياس على الشهادة فيما إذا سمع المقر بشيء، وإن لم يأذن له، وقال عياض:
اعترافه له به وتصحيحه أنه من روايته، كتحديثه له بلفظه، أو قراءته عليه، وإن لم يجزه.
وزاد بعضهم على هذا، فقال: لو منعه من الرواية لا يضره ذلك، وإليه أشار بقوله
(وإنه) بكسر إن، أي الطالب الذي وقع له الإعلام المجرد (يروي) ذلك الحديث (ولو قد
حظلا) بالبناء للفاعل، أي منعه الشيخ من الرواية، أو المفعول، والألف إطلاقية فيهما، أي
منع منها، يعني: أنه يجوز له أن يروي بهذا الإعلام من دون إجازة، بل ولو منعه.
قال القاضي عياض: هذا صحيح لا يقتضي النظر سواه؛ لأن منعه لا لعلة ولا ريبة في
الحدیث لا يؤثر، لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه .
ثم ذكر السابع، والثامن من أنواع وجوه التحمل، وهما الوصية، والوجادة، فقال:
وِجَادَةٍ ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا غُفِي
وَاَلْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذان نوعان آخران من الرواية.
أما ثانيهما: وهو (الوجادة) فإنه على التحقيق ليس نوعًا من الرواية، وسنرجئ عليه لآخر الباب.
وأما الأول: وهو (الوصية) فهو: أن يوصي الشيخ عند سفره أو عند موته لشخص بكتاب يرويه عنه. وقد
أجاز ذلك بعض السلف.
قال ابن الصلاح (ص ١٦٧): ((وهذا بعيد جدًّا، وهو إما زلة عالم، أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل
الوجادة التي يأتي شرحها، إن شاء الله تعالى. وقد احتج بعضهم لذلك فشبهه بقسم الإعلام وقسم المناولة. ولا
يصح ذلك، فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الإعلام والمناولة مستندًا ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه هنا).
وهو يشير بذلك إلى احتجاج القاضي عياض لصحتها بأن في إعطاء الوصية للموصي له نوعًا من الأذن وشبها
من العرض والمناولة، وأنه قريب من الإعلام، وهذا النوع من الرواية نادر الوقوع، ولكنا نرى أن وقع صحت
الرواية به، لأنه نوع من الإجازة، إن لم يكن أقوى من الإجازة المجردة، لأنه إجازة من الموصي للموصي له
برواية شيء معين مع إعطائه إياه، ولا نرى وجهًا للتفرقة بينه وبين الإجازة، وهو في معناها، أو داخل تحت
تعريفها. كما يظهر ذلك بأدنى تأمل.
٤٥٣
- الجُزْءُ الأولُ
٤٢٦- وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ السَّنَّدْ :
نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدُ (*)
نَرَى وُجُوبَ عَمَلِ فِي الْمُعْتَمَدْ
وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ السَّندُ :
(والخلف) أي الاختلاف المذكور في الإعلام المجرد عن الإذن، فـ((ال)) للعهد الذكري
وهو مبتدأ، خبره جملة (يجري) أي يوجد، ويأتي في (وصية) أي وصية الشيخ عند موته،
أو سفره لشخص بكتاب يرويه ذلك الشيخ مقتصرًا عليها دون إجازة.
يعني: أن العلماء اختلفوا في هذه الوصية المجردة عن الإجازة، فجوز الرواية بها كثير
من المتقدمين، وعللها القاضي عياض بأن في دفعها له نوعًا من الإذن، وشبهًا من العرض
والمناولة .
وذهب النووي، وابن الصلاح: إلى عدم جواز الرواية بها، وتخطئة من قال بالجواز،
وقال السخاوي: البطلان هو الحق المتعين، لأن الوصية ليست بتحديث لا إجمالاً ولا
تفصيلاً، ولا تتضمن الإعلام، لا صريحًا ولا كناية(١).
(و) يجري الخلاف أيضًا (في وجادة) بالكسر: مصدر مولد لوجد يجد. قال المعافي
ابن زكرياء النهرواني: إنهم فرعوا قولهم: وجادة، فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير
سماع، ولا إجازة ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني
المختلفة . اهـ.
وقد بيَّن ابن الصلاح، والعراقي المصادر المختلفة هنا(٢)، ونقلته بتمامه في الشرح
الكبير.
والوجادة أن يقف الشخص على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر،
ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك عنه بسماع ولا إجازة. واختلف فيها أيضًا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: فى كل أنواع الرواية في الحديث - من السماع إلى الإجازة -: يجب على
الراوي العمل بما صح إسناده عنده من روايته من غير خلاف، وإن خالف في ذلك المقلدون المتأخرون،
وخلافهم لا عبرة به، لأنهم يقرون على أنفسهم بالتقليد، وبأنهم تركوا النظر والاستدلال، وتبعوا غيرهم.
وقد اختلف العلماء في الأنواع الأخيرة من الرواية- وهي: الإعلام والوصية والوجادة -: هل يجب العمل بما
صح إسناده من الحديث المروي بها؟
والصحيح أنه واجب كوجوبه في سائر الأنواع. أما الإعلام والوصية فقد قدمنا أنهما لا يقلان في القوة
والثبوت عن الإجازة. وأما الوجادة فسيأتي القول فيها.
(١) فتح ج ٣ ص ١٩، ٢٠ .
(٢) انظر التقييد والإيضاح ص ٢٠٠ .
٤٥٤
شَرِج ◌ُفِيَةُ السَّيُوطِيّ _-
٤٢٧ - يُقَالُ فِي وِجَادَة: ((وَجَدْتُّ
بِخَطَّهِ)) وإنْ تَخَلْ: ((ظَنَنْتُ))
إلا أن الخلاف فيها ضعيف جدًّا (والمنع) أي منع الرواية، مبتدأ خبره جملة ((قفي)) (فيهما)
أي الوصية والوجادة، متعلق بقوله (قفي) بالبناء للمفعول، أي اتبع، لأنه الأصح.
هذا في الراوية، وأما العمل بها فقد أشار إليه بقوله (وفي) هذه الأنواع الثلاثة أي
الإعلام والوصية، والوجادة، متعلق بـ ((نرى)) (إذا صح السند) في كل منها (نرى)
بالنون، أي نعتقد أيها المحدثون (وجوب عمل) مفعول به لـ((نرى))، يعني أنه يجب
العمل بها، وإن لم تجز روايتها بطريقتها، وهذا (في) القول (المعتمد) عليه، لأن العمل
یکفي فيه صحته في نفسه.
وحاصل المعنى: أنه إذا صح السند في هذه الثلاثة وجب العمل بها على القول
الراجح، أما العمل بالإعلام فقد ادعى عياض الاتفاق عليه، قاله في التدريب (١).
وأما العمل بالوصية فقال ابن أبي الدم: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي
معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا أولئ.
وأما العمل بالوجادة فروي عن الشافعي، ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض
المحققين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، قال النووي: وهو الصحيح الذي لا
يتجه في هذه الأزمان غيره. اهـ.
وخالف في ذلك بعضهم، ونقل عن معظم المحدثين، والفقهاء المالكيين، وغيرهم،
فقالوا: لا يجوز العمل بها.
وقد استدل للعمل بالوجادة الحافظ ابن كثير بحديث: ((أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟))
الحديث (٢)، وفيه، قال: ((قوم يأتون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بها )) قال البلقيني: وهو
استنباط حسن .
ثم ذكر كيفية الأداء في الوجادة، فقال:
يُقَالُ فِي وِجَادَة: ((وَجَدْتُ بِخَطِّه) وإنْ تَخَلْ: (ظَنَنْتُ)
(١) ج ٢ ص ٥٧ .
(٢) والحديث صححه السخاوي في فتح المغيث ج ٣ ص ٢٨ وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ج ٢ ص
١٠٢ وهو لا ينزل عن درجة الحسن، لشواهده. انظر مسند أحمد ٤/ ١٠٦ وسنن الدارمي ٢/ ٣٠٨
والطبراني في الكبير ٤/ ٢٦ ومستدرك الحاكم ٤/ ٨٥ وقال الحافظ في الفتح ٦/ ٧ بعد أن عزاه لأحمد
والدارمي والطبراني: إسناده حسن وقد صححه الحاكم.
٤٥٥
الجُزُءُ الأولُ
-
٤٢٨ - فِي غَيْرِ خَطٍّ: ((قَالَ) مَا لَمْ تَرْتَبِ
فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصَبِ
٤٢٩- وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَنَّى
بـ((عَنْ) يُدُلِّسْ أَوْبـ ((أَخْبَرْ)) رُدَّتَا (2)
فِي نُسْخَة تَحَرَّ فيه تُصَب
فِي غَيْرِ خَطٍّ: (قَالَ)) مَا لَمْ تَرْتَبِ
روي وقية
بـ (عَنْ)) يُدَلِّسْ أَوْ بـ (أَخْبَرْ)) رُدَّتَا
وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَنَى
(يقال في) أداء ما استفاده بـ ((وجادة))) بالكسر (وجدت) أو قرأت (بخطه) أي فلان أو
كتابه بخطه حدثنا فلان، ويسوق الإِسناد، والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، قال
النووي: هذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا، قال الناظم: وفي مسند أحمد كثير
من ذلك من رواية ابنه عنه بالوجادة.
هذا إذا وثق بأنه خطه، وإلا فأشار إليه بقوله (وأن تخل) بفتح الخاء وكسرها، أي
تظن، يقال: خال الرجل الشيء یخاله، من باب نال: إذا ظنه، وخاله یخیله، من باب
باع، لغة، وفي المضارع للمتكلم: إخال بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر
استعمالاً، وبنو أسد يفتحون على القياس أفاده الفيومي.
أي إذا شككت في كونه خطه فقل (ظننت) أنه خطه .
يعني: أنه إذا لم يثق بكونه خطه، فلا يجزم، بل يقول: ظننت أنه خطه أو وجدت
بخط، قيل : إنه خط فلان، أو قال لي فلان إنه خط فلان، أو ذکر کاتبه أنه فلان بن فلان،
ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالمستند في كونه خطه .
هذا كله في الخط، وأما غيره: فأشار إليه بقوله (في غير خط) خبر مقدم لقوله قال
لقصد لفظه، أي لفظ قال: مستعمل في غير الخط، أو الجار متعلق بقل محذوفًا، وقال:
مقول القول، أي قل: قال فلان في غير الخط .
وحاصل المعنى: أنك إذا وجدت حديثًا في مصنف لبعض من عاصرته، أو لا، فقل:
قال فلان كذا، ونحوه من ألفاظ الجزم، إذا جزمت بصحة النسخة، بأن قابلها المصنف، أو
ثقة غيره بالأصل، أو بفرع مقابل به، كما يأتي في محله، إن شاء الله تعالى، وأما إذا لم
تثق به فلا تجزم، كما أشار إليها بقوله: (ما) مصدرية ظرفية (لم ترتب) أي تشك (في نسخة)
لذلك الكتاب، فقوله: ما لم ترتب خبر لمحذوف، أي محل ما ذكر ما لم ترتب. إلخ.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ((تا)» هنا اسم إشارة.
٤٥٦
شَرْخ ◌ِلُُّ السَّيُوطِيّ
فأما إذا ارتبت فيها فـ (تحر فيه) أي اطلب الأحرى، أي الصواب في أداء ما ارتبت فيه.
يقال: تحريت في الأمرين: إذا طلبت أحرهما، أي أولاهما كما أفاده الفيومي.
وذلك بأن تقول: بلغني عن فلان أنه ذكر كذا أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني
وما أشبهها من العبارات التي لا تقتضي الجزم.
قال ابن الصلاح: فإن كان المطالع عالمًا فطنًا بحيث لا يخفى عليه في الغالب مواضع
الإسقاط، والسقط، أو ما أحيل عن جهته من غيرها، رجونا بأن يجوز له إطلاق اللفظ
الجازم فيما يحكيه من ذلك، قال: وإلى هذا فيما أحسب استروح كثير من المصنفين فيما
نقلوه من كتب الناس مع تسامح كثيرين في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من
غير تحر، ولا تثبت، فيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف معين، وينقل عنه من غير أن
يثق بصحة النسخة، قائلاً: قال فلان كذا، ونحو ذلك؛ والصواب ما تقدم. اهـ (١).
وقال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد، والتقييدات
ونحو ذلك، فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها، وعزوها إلى من هي له وإلا فلا
يجوز اعتمادها إلا لعالم متقن وربما تكون تلك الحواشي بخط شخص، وليست له، أو
بعضها له، وبعضها لغيره، فيشتبه ذلك على ناقله بحيث يعزو الكل لواحد. اهـ (٢).
ثم إن المروي بالوجادة المجردة منقطع، سواء وثقت بكونه خطه، أم لا وإليه أشار
بقوله (و کله منقطع) مبتدأ وخبر، أي کل ما روي بالوجادة، سواء وثق بكونه خطه أم لا ،
من باب المنقطع والمرسل، قال بعضهم: عده من التعليق أولى من المنقطع والمرسل(٣).
لكن الأول، أعني الذي وثق بأنه خطه فيه شوب اتصال لزيادة القوة بالوثوق بالخط .
ولما تساهل جماعة في إيراد ذلك بعن ونحوها، أشار إليه بقوله: (ومن) شرطية (أتى) في
ذلك متساهلاً (ب) صيغة عن أو نحوها، کقال، مکان وجدت، وقوله (یدلس) جواب
((من))، مجزوم وإن كان الأحسن رفعه لكون فعل الشرط ماضيًا، يعني من أدى ما وجده
بخط شخص بصيغة عن، ونحوها فهو مدلس تدليسًا قبيحًا، إذا كان يوهم بحيث سماعه
منه (أو) أتى مجازفًا (بأخبر) بسكون الراء للإِدغام الكبير في راء ردتا أي بقوله: أخبر
فلان، لما وجده بخطه، ومثله حدثنا، وقوله (ردتا) بالبناء للمفعول، وتاء التأنيث المتحركة
(١) علوم الحديث ص ٢٠٢ .
(٢) فتح ج ٣ ص ٢٩ .
(٣) ج ٣ ص ٢٩ .
٤٥٧
- الجُزْءُ الأولُ
٤٣٠- (فَإِنْ يَقُلْ : فَمُسْلِمٌ فِیهِ تُرَى
وجَادَةً، فَقُلْ: أَتَى مَنْ آخَرَاَ (*)
للروي، والألف للإِطلاق أي ترد روايته، وقال المحقق ابن شاكر: ((تا)) اسم إشارة،
وعليه، فقوله: ((رد)) فعل أمر، واسم الإشارة مفعوله، والأول أوضح، وقوله: أو بأخبر
عطف على قوله: بـ ((عن))، قوله: ردت: عطف على يدلس، وفيه العطف على معمولي
عاملین مختلفین، وفيه الخلاف المشهور.
وحاصل المعنى: أنه تساهل قوم فأتوا بلفظة قال، ونحوها مكان الوجادة، وهو تدليس
قبیح إذا کان یوهم سماعه بأن تعاصرا.
وذكر السخاوي من هذا النوع بهز بن حكيم، والحسن البصري، والحكم، وأبا سفيان
طلحة بن نافع، وغيرهم، وجازف قوم فقالوا: أخبرنا فلان، وحدثنا فلان في الوجادة
أيضًا، فردت روايتهم.
قال القاضي عياض: لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيه بذلك ولا عده معد
المسند. اهـ (١).
ثم إن بعض العلماء اعترض على مسلم صاحب الصحيح، حيث وجد في كتابه
بعض الأحاديث بالوجادة، فأشار الناظم إليه، والجواب عنه، فقال:
وجَادَةً، فَقُلْ: أَنَى مَنْ آخَرَاً
فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ فِيهِ تُرَى
(١) انظر فتح المغيث ج ٣ ص ٢٤ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الوجادة - بكسر الواو - مصدر ((وَجَدَ يَجِدُ» وهو مصدر مولد غير مسموع
من العرب.
قال ابن الصلاح (ص ١٦٧). ((روينا عن المعافي بن زكريا النهرواني: أن المولدين فرعوا قولهم (وجادة) فيما
أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة: من تفرق العرب بين مصادر (وجد) للتمييز
بين المعاني المختلفة. يعني قولهم: (وجد ضالته وجدانا) ومطلوبه (وجودًا) وفي الغضب (موجودة) وفي
الغني (وُجدا) وفي الحب (وَجدا).
والوجادة هي: أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها - سواء لقيه أو سمع منه أم لم يلقه أو لم يسمع منه -
أو أن يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفين -: ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن أصحابها،
بل يقول: ((وجدت بخط فلان)) إذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول: ((قال فلان)) أو نحو ذلك.
وفي مسند أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله ويقول فيها: ((وجدت بخط أبي في كتابه)) ثم يسوق
الحديث، ولم يستجز أن يرويها عن أبيه، وهو رواية كتبه وابنه وتلميذه، وخط أبيه معروف له، وكتبه
محفوظة عنده في خزائنه .
=
٤٥٨
شَرْعُ الفِرَّةُ السَّيُعْطِيّ ح.
= وقد تساهل بعض الرواة فروى ما وجده بخط من يعاصره أو بخط شيخه بقوله ((عن فلان)) قال ابن الصلاح
(ص ١٦٨): «وذلك تدلیس قبیح، إذا كان بحیث یوهم سماعه منه)).
وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله (وحدثنا فلان)) أو ((أخبرنا فلان)) وأنكر ذلك العلماء، ولم
يجزه أحد يعتمد عليه .
بل هو من الكذب الصريح، والراوي به يسقط عندنا عن درجة المقبولين، وترد روايته.
وقد اجترأ كثير من الكتب في عصرنا في مؤلفاتهم وفي الصحف والمجلات - فذهبوا ينقلون من كتب
السابقين من المؤرخين وغيرهم بلفظ التحديث، فيقول أحدهم ((حدثنا ابن خلدون)) ((حدثنا ابن قتيبة)) ((حدثنا
الطبري- وهو أقبح ما رأينا من أنواع النقل، فإن التحديث والإخبار ونحوهما من اصطلاحات المحدثين الرواة
بالسماع، وهي المطابقة للمعنى اللغوي في السماع، فنقلها إلى معنى آخر - هو النقل من الكتب إفساد
المصطلحات العلوم، وإيهام لمن لا يعلم بألفاظ صنعة ليس هؤلاء الكتاب من أهلها. ويخشى على من تجرأ
على مثل هذه العبارات أن ينتقل منها إلى الكذب البحث، والزور المجرد. عافانا الله.
وبعد: فإن الوجادة ليست نوعا من أنواع الرواية كما ترى، وإنما ذكرها العلماء في هذا الباب - إلحاقًا به -
لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها.
وأما العمل بها: فقد اختلف فيه قديمًا: فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكين وغيرهم -: أنه لا يجوز.
وحكى عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه. وقطع بعض المحققين من الشافعية وغيرهم بوجود
العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ، أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، أو
يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه، ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن يكون المؤلف ثقة
مأمونًا وأن یکون إسناد الخبر صحيحًا- حتى يجب العمل به.
وجزم ابن الصلاح (ص ١٦٩) بأن القول بوجوب العمل بالوجادة ((هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار
المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لا نسد باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها».
قال الناظم في التدريب (ص ١٤٩، ١٥٠): ((قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث (أي الخلق
أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون
وهم يأتيهم الوحي؟! قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟! قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال:
قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها) قال البلقيني: وهذا استنباط حسن.
قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير، ذكر ذلك في أوائل تفسيره، والحديث رواه الحسن بن
عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة، أوردتها في الأمالي، وفي
بعض ألفاظه: (بل قومٌ من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم
أجرًا) أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري. وفي لفظ للحاكم من حديث عمر:
(يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا).
وهذا الاستدلال الذي ذهب إليه ابن كثير في تفسيره (ج ١ ص ٧٤، ٧٥ طبعة المنار) وارتضاه البلقيني
والناظم -: فيه نظر. ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ وثقة المكلف
بأن ما وصل إلى علمه صحت نسبته إلى رسول الله عليهم .
=
٤٥٩
- الجُزْءُ الأول
(فإن يقل) بالبناء للمفعول، أي قال معترض (فمسلم) الإمام صاحب الصحيح، مبتدأ
على حذف مضاف أي صحيح مسلم، خبره قوله(فيه ترى) بالبناء للمفعول، وقوله:
(وجادة) نائب فاعله، ويحتمل أن يكون ترى بالبناء للفاعل أي ترى أيها المخاطب،
ووجادة بالنصب مفعوله (فقل) أيها المحدث مجيبًا عن هذا الاعتراض (أتى) ذلك الحديث
الذي قال فيه: وجدت (من) طريق (آخرا) بألف الإطلاق، أي روي موصولاً إلى من نسب
أنه وجد روايته في کتابه.
وحاصل معنى البيت: أنه انتقد على صحيح مسلم بعض الأحاديث التي رويت
بالوجادة؛ لأن حكم الوجادة منقطع لأنها ليست من الرواية، فأجاب الناظم تبعًا للرشيد
العطار: بأن مسلمًا رواها من طرق أخرى، موصولة إلى من ذكر أنه وجد روايتهم فزال
الإشكال، وأجاب الناظم أيضًا بجواب آخر، وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب
شیخه، لا في کتاب نفسه عن شيخه.
= والوجادة الجيدة التي يطمئن إليها قلب الناظر لا تقل في الثقة عن الإجازة بأنواعها لأن الإجازة على حقيقتها
- إنما هي وجادة معها إذن من الشيخ بالرواية. ولن تجد في هذه الأزمان من يروي شيئًا من الكتب بالسماع،
إنما هي إجازات كلها، إلا فيما ندر. والكتب الأصول الأمهات في السنة وغيرها - : تواترت روايتها إلى
مؤلفيها بالوجادة واختلاف الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها. ولا يتشكك في هذا إلا غافل عن دقة المعنى
في الرواية والوجادة، أو متعنت لا تقنعه حجة.
ثم إن الناظم أشار إلى اعتراض بعض العلماء على مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، فقد انتقدوا عليه
بعض أحاديث مروية بالوجادة، والوجادة - كما تقدم حكمها - منقطعة لأنها ليست من الرواية .
والذي ذكره الناظم في التدريب ورأيناه في صحيح مسلم ثلاثة أحاديث هي: حديث عائشة: ((تزوجني رسول
الله علىَّ لست سنين .. إلخ (صحيح مسلم ج ١ ص ٤٠١) وحديثها أيضًا: ((قالت: قال لي رسول الله
◌ِنَّا: ((إني لأعلم إذا كنت عني راضية)): (ج ٢ ص ٢٤٤) وحديثها أيضًا: ((إن كان رسول الله على لام ليتفقد
يقول: ((أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا)) (ج ٢ ص ٢٤٥) وكلها بهذا الإسناد: ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال:
وجدت في كتابي عن هشام عن أبيه عن عائشة)).
وقد أجاب الناظم هنا عن هذا النقد - تبعًا للرشيد العطار - بأن مسلمًا روى الأحاديث الثلاثة من طرق
أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي أسامة.
وهذا الجواب صحيح في ذاته، لأن مسلمًا رواها كذلك.
وأجاب في التدريب (ص ١٤٩) بجواب آخر وهو ((إن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتابه
عن شيخه، فتأمل- هذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا، لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثًا عن
شيخه كان على ثقة من أن أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه فيحتاط - تورعًا - ويذكر أنه
وجده في كتابه، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله.
٤٦٠
شَرْعُ الفِيُ السَّيُطِيّ
وارتضى المحقق ابن شاكر هذا الثاني، قال: لأن الراوي إذا وجد في کتاب نفسه حديثًا
عن شيخه، كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته، فينسى أنه سمعه منه فيحتاط
تورعًا، ويذكر أنه وجده في كتابه، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله. اهـ(١).
(تتمة): زيادات الناظم في هذا الباب: قوله: ((لنا ذكر))، وقوله: ((وبعضهم قال:
سمعت)). إلخ، وقوله: ((أو أسرع القارئ)) وقوله: ((وعليه العمل))، وقوله: ((وقيل:
أفضل من السماع والتساوي نقلا))، وقوله: ((وإنها دون السماع)). إلخ، وقوله: ((ونحو
ذا))، وقوله: ((فيهمله)) إلى آخر البيت الذي بعده، وقوله: ((وآخرون فضلوها))، وقوله:
((وإن يناول)) البيت، وقوله: ((في الاقتراح)) البيت وقوله: ((فإن يقل فمسلم)) البيت. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله وسلم وبارك على حبيبه وصفيه
محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك
وأتوب إليك.
(١) انظر تعليقة العلامة أحمد شاكر علي هذه الألفية ص ١٤٥ .