النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ الجُزُءُ الأولُ - ٣٦١ - وَفِي الأَدَا قِيلَ ((قَرَأْتُ) أَوْقُرِي)) ثُمَّالَّذِي فِي أَوَّلَ إِنْ تَذْكُرٍ ٣٦٢ - مُقَيَّدًا قرَاءَةً لا مُطْلَقًا وَلَا ((سَمِعْتُ، أَبَدًا فِي الْمُتْتَقَّى ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلِ إِنْ تَذْكُرٍ. وَفِي الأَدَا قِيلَ ((قَرَأْتُ) أَوْ قُرِي)) وَلَا ((سَمِعْتُ)) أَبَدًّا فِي الْمُنْتَقَى مُقَبَّدًا قِرَاءَةً لا مُطْلَقًا (وفي الأدا) بالقصر للضرورة، أي أداء ما تحمله بالقراءة متعلق بـ (قيل) أي قال الراوي، ولو عبر بـ ((قال)) لكان أنسب (قرأت) على فلان، إن قرأ بنفسه (أو) قال (قري) بالبناء للمفعول، وتخفيف الهمزة على فلان، إن قرأ، لكن يصرح الحال بقوله: وأنا أسمع، فأقر به، للأمن من التدليس. قال ابن الصلاح: وهذا سائغ من غير إشكال (ثم) يلي (الذي) تقدم (في أول) أي القسم الأول، وهو السماع من التحديث، والإخبار، والإنباء، وغيرها (إن) شرطية (تذكر) أيها المحدث، وكسرت راؤه للروي (مقيدًا) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو المفعول المقدر (قراءة) منصوب بنزع الخافض، أي بقراءة وقوله (لا مطلقًا) كضبط مقيداً وإعرابه. وحاصل المعنى: أنه يلي قرأت وقرئ ما تقدم من صيغ الأداء في القسم الأول، لكن بشرط أن يكون مقيداً بالقراءة نحو حدثنا فلان بقراءتي عليه، أو قراءة عليه وأنا أسمع، أو أخبرنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه، أو أنبأنا، أو نبأنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه، أو قال لنا فلان بقراءتي، أو قراءة علیه، أو نحو ذلك. وتقول في الشعر: أنشدنا قراءة عليه. ولا يطلقه كحدثني فلان، أو حدثنا، أو أخبرني، أو أنبأني إلخ. وأما سمعت فلا يجوز ذكرها مطلقًا، كما ذكره بقوله (ولا) تقل سمعت فلانًا يقول: كذا أبداً أي مطلقًا، يعني سواء قيدته بقراءة، أو لا (في المنتقى) أي في القول المختار الذي صححه القاضي أبو بكر الباقلاني، واستبعد ابن أبي الدم(١) الخلاف، وقال: ينبغي الجزم بعدم الجواز؛ لأن سمعت صريحة في السماع لفظًا . (١) إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم الهمداني الحموي شهاب الدين، أبو إسحاق (٥٨٣ - ٦٤٢) مؤرخ بحاث من علماء الشافعية . ١ هـ معجم الأعلام ص ١٥ . ٤٠٢ شَرْع الْفِيَّةُ الشَّيَوِيّ ٣٦٣ - وَالْمُرْتَضَى الثَّالثُ فِي الإِخْبَارِ يُطْلَقُ لا النَّحْديثُ فِي الأَعْصَارِ (*) وصرح أحمد بن صالح المصري بعدم جوازها أيضًا، ومثله عن غيره، ومقابل الأصح: ما حكي عن مالك، والسفيانين من تجويزهم سمعت أيضاً . ثم ذكر الخلاف في إطلاق حدثنا وأخبرنا في أداء ما تحمله بالقراءة فقال: وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ يُطْلَقُ لا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ (و) القول (المرتضى) عند العلماء المحققين مبتدأ (الثالث) من الأقوال صفة (((المرتضى)) أو بدل منه (في الإخبار) بكسر الهمزة متعلق بـ((المرتضى))، أو بـ ((الثالث))، أو حال من أحدهما، وجملة يطلق بالرفع خبر المبتدأ، أي يجوز إطلاقه، وهو مما حذف منه الحرف المصدري: أي أن يطلق، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ﴾ [ الروم : ٢٤ ] (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الراوي إذا قرأ على شيخه وأراد أن يروي عنه فلا يجوز له أبدًا - على الصحيح المختار - أن يقول: ((سمعت)) لأنه لم يسمع من شيخه، فيكون غير صادق في قوله هذا، وإنما الأحسن أن يقول: ((قرأت على فلان وهو يسمع)) إن كان قرأ بنفسه، أو: ((قرئ على فلان وهو يسمع وأنا أسمع) إن كان القارئ غيره، أو نحو هذا مما يؤدي هذا المعنى. وله أيضًا أن يقول: ((حدثنا فلان بقراءتي عليه)) أو ((قراءة عليه)) و ((أخبرنا» كذلك. واختلف في جواز الرواية في هذا بقوله ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) بالإطلاق - من غير أن يصرح بالقراءة على المروي عنه -: فمنعه بعضهم وأجازه آخرون، بل حكاه القاضي عياض عن الأكثرين. والصحيح المختار عند المتأخرين من الحفاظ إجازة قوله: ((أخبرنا)) ومنع قوله: ((حدثنا)). ومن كان يقول به النسائي، وهو مروي عن ابن جريج والأوزاعي، وأول من فعله بمصر عبد الله بن وهب. قال ابن الصلاح (ص ١٤٣ - ١٤٤): ((الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف. وخير ما يقال فيه: إنه اصطلاح منهم، وأرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خصص النوع الأول بقول (حدثنا) لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. والله أعلم. ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي - أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان -: أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري صحيح البخاري، وكان يقول له في كل حديث (حدثكم الفربري)، فما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب له، وقال له في جميعه: (أخبركم الفربري). والله أعلم)) . وهذا تكلف شدید من أبي حاتم الهروي رحمه الله . ٤٠٣ - الجُزْءُ الأُولُ وحاصل المعنى: أن القول المختار في أخبرنا من الأقوال الثلاثة جواز إطلاقه فيما تحمله بالعرض (لا التحديث) نائب فاعل لمحذوف، أي لا يطلق التحديث، أي ما تصرف منه، ولا يعطف على الضمير في يطلق لعدم الفصل، وقيل: يجوز في الشعر، يعني أنه لا يجوز إطلاق حدثنا ونحوها في أداء ما تحمله بالعرض (في الأعصار) جمع عصر أي: في جميع أعصار، أي أزمان المحدثين حيث شاع بينهم، واصطلحوا عليه فجعلوا أخبرنا قائمًا مقام قوله: أنا قرأته، لا أنه لفظ لي به، والجار متعلق بـ(( يطلق)). وحاصل معنى البيت: أنهم اختلفوا في إطلاق حدثنا، وأخبرنا في القراءة على ثلاثة مذاهب : (الأول): المنع، فلا يجوز إطلاق حدثنا، ولا أخبرنا في القراءة وهو مذهب ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم، قال الخطيب: وهو مذهب خلق كثير من أصحاب الحديث. (والثاني): جواز إطلاقها، فيجوز فيما قرئ على الشيخ أن يقول: حدثنا، وأخبرنا من غير أن يصرح بالقراءة وهو مذهب الزهري، وأبي حنيفة، وصاحبيه، ومالك، والثوري، وابن عيينة، ويحيي القطان، والبخاري، وجماعة من المحدثين، ومعظم الحجازيين، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبي عاصم النبيل، ووهب بن جرير، وثعلب، والطحاوي، وغيرهم، وهذان القولان هما المطويان في قوله: والمرتضى الثالث إلخ. (الثالث): منع الإطلاق في ((حدثنا)) وجوازه في ((أخبرنا)) وهذا هو القول المختار كما أشار إليه الناظم، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، وقيل: إنه مذهب أكثر المحدثين، عزاه لهم محمد بن الحسن التميمي الجوهري في كتاب الإنصاف، قال: فإنَّ ((أخبرنا)) علم يقوم مقام قائله: أنا قرأته عليه، لا أنه لفظ به لي . وروي عن ابن جريج، والأوزاعي، وابن وهب، وروي عن النسائي أيضًا. وقال ابن الصلاح: وصار الفرق بينهما هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج له من حيث اللغة فيه عناء، وتكلف، وخير ما يقال فيه: إنه اصطلاح منهم، ٤٠٤ شَرْجُ الفَِّةُ الشَّيُوَظِيّ _- ٣٦٤- وَسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَد ((حَدَّثَنِي)) وَقَارِئْ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي)) ٠ أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خصص النوع الأول بـ ((حدثنا)) لقوة إشعاره بالنطق . والمشافهة. اهـ (١). وقال السخاوي: واستشهد له بعض الأئمة بأنه لو حلف أن من أخبره بکذا فهو حر، ولا نية له، فأخبره بذلك بعض أرقائه بكتاب، أو رسول، أو كلام عتق بخلاف ما لو قال: من حدثني بكذا، فإنه لا يعتق إلا إن شافهه، زاد بعضهم: والإِشارة مثل الخبر. وقال ابن دقيق العيد: حدثنا يعني في العرض بعيد من الوضع اللغوي، بخلاف أنبأنا فهو صالح لما حدَّث به الشيخ، ولما قرئ عليه، فأقر به، فلفظ الإخبار أعم من التحديث، فكل تحديث إخبار، ولا ينعكس(٢). (فائدة): قول الراوي ((أخبرنا سماعًا)) أو قراءة هو من باب قولهم: أتيته سعيًا، وكلمته مشافهة، وللنحاة فيه مذاهب. ((أحدهما): وهو رأي سيبويه أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالاً، كما وقع المصدر موقعه نعتًا في زيد عدل، وأنه لا يستعمل منها إلا ما سمع، ولا يقاس، فعلى هذا استعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع، لعدم نطق العرب بذلك. ((الثاني)): وهو للمبرد أنها ليست أحوالاً، بل مفعولات لفعل مضمر من لفظها، وذلك المضمر هو الحال، وأنه يقال في كل ما دل عليه الفعل المتقدم، وعلى هذا تخرج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في تذكرته يقتضي أن ((أخبرنا سماعًا)) مسموع، و((أخبرنا قراءة)) لم يسمع، وأنه يقاس على الأول على هذا القول. (الثالث)»: وهو للزجاج قال بقول سیبویه، فلا يضمر لكنه مقیس . (الرابع)): وهو للسيرافي قال: هو من باب: جلست قعودًا منصوب بالظاهر مصدرًاً معنويًا. اهـ. تدريب (٣). ثم ذكر كيفية الأداء من حيث الإفراد، والجمع، فقال: وَقَارِئْ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي)) وَاَسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدِ ((حَدَّثَنِي)) (١) علوم الحديث ص ١٧٠ . (٢) انظر فتح المغيث ج ٢ ص (١٧٨، ١٧٩). (٣) ج ٢ ص (١٨، ١٩). ٤٠٥ - الجُزْءُ الأولُ ٣٦٥- وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةٌ ((حَدَّثَنَا)) وَإِنْ سَمِعْتَ قَارئًا ((أَخْبَرَنَا)) ٣٦٦- وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ أَوْمَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّ (*) وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِثًا (أَخْبَرَنَ)) وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةَ ((حَدَّثَنَا)) أَوْمَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّ وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ (واستحسنوا) أي كافة العلماء، كما عزاه الخطيب إليهم (لمفرد) أي: لمن سمع من شيخه، وهو منفرد أن يقول في الأداء: (حدثني) مفعول به لـ((استحسنوا)) محكي، يعني أنهم استحسنوا لمن سمع وحده أن يقول في الأداء: حدثني فلان بالإفراد، (و) استحسنوا لـ (قارئ بنفسه) على الشيخ، وليس معه غيره أن يقول في الأداء (أخبرني) فلان بالإفراد، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور . يعني أن العلماء استحسنوا للقارئ بنفسه منفردًا أن يقول: أخبرني فلان بالإفراد وإن شرطية (يحدِّث) الشيخ جملة أي: جماعة من الطلبة اثنين فأكثر استحسنوا أن يقول في الأداء (حدثنا) فلان بالجمع (وإن سمعت) أيها الطالب (قارئًا) يقرأ على (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قال الحاكم: ((الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري -: أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظًا وليس معه أحد (حدثني فلان)، وما يأخذه من المحدث لفظًا ومعه غيره (حدثنا فلان)، وما قرأ على المحدث بنفسه (أخبرني فلان) وما قرئ على المحدث وهو حاضر (أخبرنا فلان) -. نقله ابن الصلاح (ص ١٤٥) ثم قال: ((وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما. وهو حسن رائق. فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل (حدثنا أو أخبرنا) أو من قبيل (حدثني أو أخبرني) لتردده أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره: فيحتمل أن نقول: ليقل (حدثني أو أخبرني)؛ لأن عدم غيره هو الأصل. ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام عن شيخه يحيى بن سعيد القطان الإمام فيما إذا شك أن الشيخ قال (حدثني فلان) أو قال (حدثنا فلان): أنه يقول (حدثنا). وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول (حدثنا)، وهو عندي يتوجه بأن (حدثني) أكمل مرتبة، و (حدثنا) أنقص مرتبة، فليقتصر - إذا شك - على الناقص؛ لأن عدم الزائد هو الأصل، وهذا لطيف .... ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب وليس بواجب، حكاه الخطيب عن أهل العلم كافة. فجائز إذا سمع وحده أن يقول (حدثنا) أو نحوه، لجواز ذلك للواحد في كلام العرب. وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول (حدثني) لأن المحدث حدثه وحدث غيره، وبهذا تعرف معنى هذه الأبيات. ٤٠٦ شَرْع الْفِيَّةُ السَّيُوخِيّ : - الشيخ فقل (أخبرنا) فلان بالجمع أيضًا . وحاصل معنى البيتين: أن العلماء استحسنوا التمييز بين أحوال التحمل بتمييز ألفاظ الأداء . فإذا كان الراوي سمع وحده من لفظ الشيخ قال: حدثني بالإفراد، وإن كان معه غيره قال : حدثنا بالجمع . وإن قرأ عليه بنفسه قال: أخبرني، سواء كان معه غيره أم لا، كما قال العراقي، وقال ابن دقیق العید: إن کان معه غيره قال أخبرنا. قال الناظم: والأول أولى، ليتميز ما قرأه بنفسه وما سمعه بقراءة غيره. اهـ. وإن سمع بقراءة غيره قال: أخبرنا . قال الحاكم: وهو الذي أختاره، وعهدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري، ورواه الترمذي في العلل عن عبد الله بن وهب، ورواه البيهقي في المدخل عن سعيد بن أبي مريم، وقال: عليه أدركت مشايخنا، وهو قول الشافعي، وأحمد، وقال ابن الصلاح: وهو حسن لائق. ثم إن هذا كله فيما إذا تحقق صورة الحال في التحمل، وأما إذا شك فقد ذكره بقوله (وحيث شك) بالبناء للمفعول، أي شك الراوي، والظرف متعلق بـ ((وحد)) في (سماع) للحديث بقراءة غيره، أم بقراءة نفسه هو (أو) شك في (عدد) أي وجود عدد من الطلاب واحدًا أو أكثر (أو) شك فيما (يقول الشيخ) من الصيغ هل هو ((حدثنا))، أو ((أخبرنا))، أو ((حدثني)) أو ((أخبرني)) (وحد) أيها الراوي عند الأداء في هذه الصور كلها، أي ائت بالإِفراد، فتقول: حدثني فلان، أو أخبرني وهذا (في) القول (الأسد) أي الأرجح والأصوب. وحاصل معنى البيت: أن الراوي إن شك في حال التحمل هل سمع بقراءة غيره، أو قرأ بنفسه، أو سمع لفظ الشيخ منفردًا، أو مع غيره، أو شك في هل قال الشيخ: ((حدثنا))، أو ((حدثني))، أو ((أخبرنا)) أو ((أخبرني))، فالأرجح أن يقول ((حدثني))، أو أخبرني بالإفراد، لأنه المتيقن وغيره مشكوك فيه. وحكى الخطيب عن البرقاني أنه كان يقول فيما إذا شك في القراءة بنفسه: قرأنا، وهو حسن، لأن إفراد الضمير يقتضي قراءته بنفسه وجمعه يمكن حمله على قراءة بعض من ٤٠٧ - الجُزْءُ الأُولُ ٣٦٧ - وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّفَ وَلا مِنْ لَفْظِ شَيْخِ فَـارِق أَنْ يُبْدَلا ٣٦٨ - ((أَخْبَرَ) بِالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى (*) يَجُوزُ إِنْ سَوَّى، وَقِيلَ: حُظلا حضر السماع، فإنه لو تحقق أن الذي قرأ غيره لا بأس أن يقول: قرأنا. أفاده العراقي. ومقابل الأرجح ما نقل عن يحيى بن سعيد القطان فيما إذا شك في لفظ شيخه هل قال: ((حدثني))، أو ((حدثنا))، أنه يقول ((حدثنا)) بالجمع، لأن ((حدثني)) أكمل مرتبة، فيقتصر في حال الشك على الناقص. قال ابن الصلاح: وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول : حدثنا . اهـ. واختار البيهقي في هذه المسألة أن يوحد. (تنبيه): كل ما تقدم من التفاصيل ليس على سبيل الوجوب عندهم، بل من باب الاستحباب كما صرح بذلك الخطيب للتمييز بين أحوال التحمل. فلو سمع وحده، وأدى الجمع جاز، كالعكس، لأن في كلام العرب يقال: فعلنا، وإن كان وحده. ثم ذكر التقيد بألفاظ الكتب المصنفة، والشيوخ، وعدم جواز التبديل، فقال : مِنْ لَفْظِ شَيْخِ فَارِقٍ أَنْ يُبْدَلا وَلَمْ يُجَوَّزْ مِنْ مُصَنَّف وَلَا يَجُوزُّ إِنْ سَوَّى ، وَقِيلَ: حُظلا ((أَخْبَرَ) بالتَّحْدِيثِ أَوْ عَكْسٌ، بَلَى (ولم يجوز) من التجويز بالبناء للمفعول ونائب الفاعل قوله أن يبدلا من مصنف بفتح / (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم: ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) أو نحو ذلك: بغيره، وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ، لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما، ولأن التغيير في ذاته ينافي الأمانة في النقل. وأما إذا روى الراوي حديثًا عن أحد الشيوخ - وهذا في غير الكتب المؤلفة - فإن كان الشيخ ممن يرى التفرقة: الإخبار والتحديث فإنه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما من الآخر. وإن كان الشيخ ممن يرى التسوية بينهما جاز للراوي ذلك؛ لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. هكذا قال بعضهم. وقال آخرون بمنعه مطلقًا، وهو الحق؛ لأن هذا العمل ينافي الدقة في الرواية، ولذلك قال أحمد بن حنبل - فيما نقله عنه ابن الصلاح (ص ١٤٦): ((اتبع لفظ الشيخ في قوله: حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا، ولا تعده)). وقول الناظم ((حظل)) يعني: منع. ٤٠٨ شَرْجُ لُّيُ الشَّيُوطِيّ .. النون، أي كتاب مؤلف من الجوامع، والسنن، والمسانيد، ونحوها (ولا) يجوز أيضًا (من لفظ شيخ فارق) بين ((حدثنا)) وأخبرنا (أن) مصدرية (يبدلا) بالبناء للمفعول والألف للإِطلاق، ونائب الفاعل قوله: ((أخبر))، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، وأخبر مفعوله، أي أن يبدل الراوي لفظ (أخبر بالتحدیث) أي بما اشتقت منه، كأن يقول حدثنا (أو) يبدل عكس وهو ((حدثنا)) بـ ((أخبرنا)). وحاصل المعنى: أنه لا يجوز إبدال ((أخبرنا)) بـ ((حدثنا))، أو عكسه في الكتب المؤلفة المبوبة، أو المسندة، أو غيرها. قال أبو عمرو بن الصلاح: ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ما قيل فيه أخبرنا بـ ((حدثنا)) ونحو ذلك، وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف وتفصيل سبق، لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينهما، ولو وجدت في ذلك إسنادًا عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما، فإقامتك أحدهما مقام الآخر من باب تجويز الرواية بالمعنى، وذلك وإن كان فيه خلاف معروف، فالذي نراه الامتناع من إجراء مثله في إبدال ما وضع في الكتب المصنفة، والمجاميع المجموعة. قال: وما ذكره الخطيب من إجراء ذلك الخلاف في هذا فمحمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف. اهـ (١). ونازع بعضهم في هذا فقال إذا كانت الرواية بالمعنى تجوز في الألفاظ النبوية، ففي صيغ الرواية في صورة علم تسوية الراوي بينهما من باب أولى. اهـ. قلت: وهو وجيه عندي. وكذلك ألفاظ الشيخ لا يجوز فيها الإبدال إذا كان الشيخ ممن يرى التفرقة بين الألفاظ، وإن كان لا یرئ ذلك فلا بأس كما ذكره بقوله (بلی يجوز) إبدال حدثنا بـ ((أخبرنا)) والعكس (إن سوى) الشيخ بين الألفاظ، يعني أنه إذا سمع الحديث من لفظ شيخ يرى التسویة بین حدثنا وأخبرنا فله الإبدال إن قلنا بالرواية بالمعنى، إلا فلا . ونقل المنع عن أحمد رحمه الله وإليه أشار بقوله (وقيل حظلا) بالبناء للمفعول، وألف الإِطلاق، أي منع الإبدال مطلقًا . (١) علوم الحديث ص ١٧٤ . ٤٠٩ - الجُزْءُ الأولْ ٣٦٩- إِذَا قَرَا وَلَمْ يُقِرَّالْمُسْمَعُ لَفْظًا: كَفَى ، وَقِيلَ : لَيْسَ يَنْفَعُ ٣٧٠- ثَالِثُهَا: يَعْمَلْ أَوْ يَرْويه بـ ((قَدْ قَرَأْتُ)) أَوْ ((قُرِي عَلَيْه)(*) قال الإمام أحمد: اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا، وحدثني، وسمعت، وأخبرنا ومشى على ذلك في مسنده وغيره من تصانيفه، فيقول مثلاً: فلان وفلان كلاهما عن فلان قال أولهما: حدثنا وقال ثانيهما: أنبأنا. وفعله مسلم في صحيحه أيضاً. ثم ذكر الخلاف فيما إذا قرأ على الشيخ، فسكت، هل يكفي ذلك في الرواية عنه، أم لا؟ فقال : إِذَا قَرَا وَلَمْ يُقْرَّ الْمُسْمَعُ لَفْظًا: كَفَى ، وَقِيلَ : لَيْسَ يَنْفَعُ بـ (قَدْ قَرَأَتُ) أَوْ قُرِي عَلَيْهِ)) ثَالثُهَا: يَعْمَلْ أَوْ يَرْويه (إذا قرأ) بإبدال الهمزة ألفًا للتخفيف، أي الطالب الحديث على شيخ متيقظ عارف غير مكره، وفي نسخة المحقق قري بالبناء للمفعول، والمعنى متقارب. (و) لكن بعد القراءة (لم يقر) بذلك الحديث (المسمع) بصيغة اسم المفعول، أي الشيخ الذي يسمعه الطالب، أي ولم ينكر، ففيه اكتفاء، نظير قوله تعالى: ﴿تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [ النحل: ٨١]، أي والبرد (لفظًا) أي لم يقر بلفظه بأن يقول: نعم، وكذا ما أشبهه، كأن يومئ برأسه، أو يشير بأصبعه، وغلب على ظن القارئ أن سكوته إجابة (كفى) جواب إذا أي كفى ذلك في صحة السماع، وجواز الرواية بنحو أخبرنا فلان اكتفاء بالقرائن الظاهرة، (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وكان الشيخ ساكتًا مصغيًا إليه فاهمًا ما يقرأ عليه غير منكر له: فذلك كافٍ في صحة الرواية، وللراوي أن يرويه عنه رواية صحيحة، ولا يشترط أن يقول الشيخ بلفظه ما يدل على أنه يقر هذه القراءة؛ لأن سكوته على هذا الوجه نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ، اكتفاء بالقرائن الظاهرة، وهو مذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء وهو الصحيح. وذهب بعض أهل الظاهر وغيرهم إلى أن إقرار الشيخ نطقًا: شرط في صحة الرواية، وممن قال بهذا أبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر بن الصباغ من فقهاء الشافعية، قال أبو نصر: ((ليس له أن يقول (حدثني أو أخبرني) وله أن يعمل بما قرئ عليه، وإذا أراد روايته عنه قال (قرأت عليه أو قرئ عليه وهو يسمع). والصحيح القول الأول كما قلنا. ومن هذا البيان يظهر لك خطأ الناظم في جعله قول أبي نصر الصباغ قولاً ثالثًا، إذ إنه هو نفس القول باشتراط إقرار الشيخ نطقًا، وإنما بيَّن الصباغ كيف يروي الراوي مما قرأه على الشيخ إذا لم يقره نطقًا . ٤١٠ شَرِجُ الْفِيَُّالسَّيُوخطيّ - وهذا قول الجمهور (وقيل): (ليس ينفع) ذلك السكوت، بل لابد من إقراره به نطقًا وهذا لقوم من الظاهرية، وبعض أهل الحديث. (ثالثها) أي الأقوال في هذه المسألة أنه (يعمل) بذلك الحديث(أو) بمعنى الواو (يرويه) أي ذلك الحديث إذا أراد روايته (بـ) قوله (قد قرأت) الحديث الفلاني على فلان إن قرأ بنفسه أو (قري) بتخفيف الهمزة عليه أي الشيخ إن قرأ غيره، وهو يسمع ولا يقول: حدثني ولا أخبرني. وحاصل المعنى: أنه إذا قرأ القارئ على الشيخ، وسكت الشيخ على ذلك غير منكر له مع إصغائه وفهمه، ولم يقر باللفظ بقوله: نعم، وما أشبه ذلك، ففيه ثلاثة مذاهب : الأول: مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين والنظار كما قال القاضي عياض، وهو الصحيح، صحة السماع، وجواز الرواية بنحو أخبرنا لأنه لا يصح من ذي دين إقرار على الخطأ في مثل هذا، فلا معنى للتقرير بعده. قال السخاوي: وهذه المسألة مما استثني من أصل الشافعي رحمه الله حيث قال: لا ينسب إلى ساكت قول. وحينئذٍ فيؤدي بألفاظ العرض كلها، حتى حدثني وأخبرني كما حكى تجويزه فيهما عن الفقهاء والمحدثين الآمدي، وصححه ابن الحاجب، بل حكي عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. اهـ(١). الثاني: اشتراط صريح النطق به، وهو قول لبعض الشافعية، وبعض الظاهرية، ونقله الخطيب عن بعض أهل الحديث، وحكاه غيره عن جماعة من المشارقة. الثالث: مذهب ابن الصباغ من المشترطين للنطق به، قال: يعمل، ويرويه قائلاً: قرأت عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع، ولا يقول: حدثني ولا أخبرني، وصححه الغزالي، والآمدي، وحكاه عن المتكلمين بل جزم صاحب المحصول بأنه لا يقولهما، وكذا سمعت ولو أشار برأسه، أو إصبعه للإقرار به ولم يتلفظ . قال العراقي: وفيه نظر، أي لأن الإشارة تقوم مقام العبارة في الإعلام بذلك، فتجري عليها الأحكام. ثم ذكر مسألة منهج الشيخ الطالب أن يروى عنه أخص قومًا من غير شك، فقال: (١) فتح ج ٢ ص (١٨٤، ١٨٥). ٤١١ - الجُزْءُ الأولُ ٣٧١ - وَلَيَرْو مَا يَسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَعْ الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْراً، أَوْ رَجَعْ ٣٧٢- مِنْ غَيْرٍ شَكٍّ، وَالسَّمَاعُ فِي الأَصَحّ ثَالِفُهَا مِنْ نَاسِخِ يَفْسِهَمُ: صَحّ ٣٧٣ - رَبِعُهَا: يَقُولُ ((قَدْ حَضَّرْتُ وَلَا يَقُلْ ((حُدِّثْتُ)) أَوْ (أُخْبِرْتُ)(*) الشَّيْخُ، أَوْ خَصَّصَ غَيْرًا، أَوْ رَجَعْ وَلَيَرْو مَا يَسْمَعُهُ وَلَوْ مَنَعْ ثَالثُهَا مِنْ نَاسِخِ يَفْهَمُ: صَحّ مِنْ غَيْرٍ شَكٍّ، وَالسَّمَاعُ فِي الأَصَحّ وَلَا يَقُلْ ((حُدِّثْتُ) أَوْ (أُخْبِرْتُ) رَبِعُهَا: يَقُولُ ((قَدْ حَضَرْتُ (وليرو) من سمع شيخًا يحدث (ما يسمعه) من الأحاديث لفظًا (ولو منع الشيخ) (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كل من سمع من شيخ رواية فله أن يرويها عنه، سواء أقصده الشيخ بالتسميع أم لم يقصده، وكذلك إذا منعه من الرواية عنه، كأن قال له: لا تروه عني- أو ((لا آذن لك في الرواية عني - أو نحو ذلك، وكذلك إذا رجع الشيخ عن حديثه، بأن قال له رجعت عن إخبارك- أو رجعت عن اعتمادي إياك فلا تروه عني-؛ لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من الشيخ وصحة نقله عنه، فلا يؤثر في ذلك تخصيص الشيخ بعض الرواة دون بعض، أو نهيه عن روايته عنه، لأنه لا يملك أن يرفع الواقع من أنه حدث الراوي وأن الراوي سمع منه. وظاهر أن رجوع الشيخ لا يمنع من الرواية إذا كان مع إقراره بصحة روايته. وأما إذا كان هذا على معنى شكه فيما حدث، أو على معنى ظهور أنه أخطأ فيما روى -: فهذا يؤثر في روايته، ويجب على الراوي أن يمتنع من رواية ما رجع عن شيخه، أو يذكر الرواية ورجوع الشيخ عنها، ليظهر للناظر ما فيها من العلة القادحة. وإذا كان الراوي - حين السماع - يكتب ما يسمع، أو كان الشيخ مشغولاً بالكتابة أو غيرها حال القراءة، ففي ذلك أقوال: الأول المنع من الرواية مطلقًا، والثاني الجواز، والثالث - وهو الأصح - الجواز إذا كان يفهم ما يسمع، أو كان الشيخ المشغول بالكتابة مثلاً - فاهمًا ما يقرأ عليه؛ لأن العبرة في الرواية بمعرفة ما يحدث به، فالشيخ يعرف حديثه الذي يقرأ عليه، والراوي يعرف ما يأخذ عن شيخه. وقد وقع للحافظ الدارقطني: ((أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءًا كان معه، إسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثًا، فعدت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومستنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس منه!)). القول الرابع: أن الراوي يقول: ((حدثت أو أخبرت)) ولا يقول ((حدثني)) ولا ((أخبرني)). والثالث هو الأصح كما تقدم . ٤١٢ شَرْجُ الفِيُ السُّوظِيّ السامع من رواية ذلك، بأن قال له، لا لعلة، أو ريبة في المسموع، أو إبداء مستند سوى المنع اليابس: لا ترو عني، أو ما أذنت لك في روايته عني، ونحو ذلك (أو خصص) الشيخ بالرواية (غيرًا) أي غير ذلك السامع (أو رجع) عن حديثه صريحًا، أو كناية (من غير شك) في سماعه، أو نحو ذلك. وحاصل المعنى: أنه إذا سمع حديثًا من شيخ جاز أن يرويه، ولو منعه عن روايته كان صرح بذلك غير واحد من الأئمة، لأنه قد حدثه وهو شيء لا يرجع فيه، فلا يؤثر المنع. وكذا لا يضر تخصيصه لواحد فأكثر بالسماع إذا سمع هو، سواء علم الشیخ به، أو لم يعلم من باب أولى، بل ولو صرح فقال: أخبركم، ولا أخبر فلانًا لا يضره، ولكن لا يحسن في الأداء أن يقول: حدثني ونحوها مما يدل على أن الشيخ رواه له. وكذا لا يضره رجوعه من الحديث سواءً كان الرجوع صريحًا بأن قال: رجعت، ونحوها مما لا ينفي أنه من حديثه أو كناية. إلا أن يكون رجوعه لشك في سماعه، أو نحو ذلك، فحينئذٍ لا يرويه عنه، وكذا إذا قال : أخطأت فیما حدثت به أو زدت فليس له أن یرویه عنه. ثم ذكر الاختلاف في جواز السماع، والإسماع حالة النسخ، وكذا الكلام ونحوه، فقال (والسماع) أي سماع الحديث، وكذا إسماعه، مبتدأ خبره جملة صح (في الأصح) من الأقوال المروية في هذه المسألة، متعلق بـ((صح)) وقوله (ثالثها) بالجر بدل من الأصح، أو بالرفع خبر لمحذوف، أي هو، والجملة معترضة، أي ثالث الأقوال من ناسخ أي کاتب، حال من السماع، وجملة يفهم صفة ناسخ، أي كاتب مميز للألفاظ المقروءة فضلاً عن معناها (صح) أي السماع منه، أو عليه (رابعها) أي الأقوال في المسألة أنه (يقول) في الأداء (قد حضرت) عند فلان حين حدث بكذا، أو قرئ عليه كذا (ولا) ناهية (يقل: حدثت أو أخبرت) ببناء الفعلين للمفعول، أي لا يقل في الأداء: حدثني فلان، ولا أخبرني. وحاصل المعنى: أن العلماء اختلفوا في صحة السماع من ناسخ ينسخ حال القراءة، مسمعًا كان، أو سامعًا على أقوال: الأول: المنع مطلقًا، وعليه إبراهيم الحربي، والأستاذ أبو إسحاق الإِسفرائيني، وأبو أحمد بن عدي في آخرين، لأن الاشتغال بالنسخ مخل بالسماع. والثاني: الجواز مطلقًا، وعليه الحافظ موسى بن هارون الحمال، وآخرون، وعزاه بعضهم للجمهور، وهذان القولان هما المطویان في قوله ثالثها . ٤١٣ - الجُزْءُ الأولْ ٣٧٤- وَاَلْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا (أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ) أَوْ إِنْ هَيْنَمَا ٣٧٥- أَوْ بُعدَ السَّامِعُ، لَكِنْ يُعْفَى عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى ٣٧٦- وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِيْزَ الْمُسْمِعُ جَبْرًا لِذَا وَكُلِّ نَقْص يَقَعُ (*). والثالث: التفصيل فإن كان السماع من ناسخ لا يمتنع مع نسخه فهم ما قرئ صح، وإلا بأن يمتنع معه فهم ما يقرأ حتى يكون الواصل إلى سمعه كأنه صوت غفل(١) لا يصح. وقد حضر الدار قطني مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءًا كان معه، وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ کم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، قال الدار قطني: أملي ثمانية عشر حديثًا، فعدت الأحاديث فوجدت کما قال، ثم قال: الحديث الأول عن فلان، عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان، ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث، ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فعجب الناس منه، قاله ابن الصلاح، وإلى ذلك أشار العراقي في ألفيته حيث قال: إِمْلاَءَ إِسْمَاعِيلَ عَدًّا وَسَرَدْ كَمَا جَرَى لِلدَّارَقُطْنِي حَيْثُ عَدّ والرابع: قول من قال: إنه يقول في الأداء حضرت، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، ومحكي عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي (٢) أحد أئمة الشافعية بخراسان، فإنه سئل عمن يكتب في السماع فقال: يقول: حضرت ولا يقل: حدثنا، ولا أخبرنا. ثم ذكر مسألة ما إذا تحدث الشيخ، أو السامع، أو أسرع القارئ أو أخفى صوته، أو نحو ذلك، فقال : أَوْ أَسْرَعَ الْقَارِئُ أَوْ إِنْ هَيْنَمَا وَالْخُلْفُ يَجْرِي حَيْثُمَا تَكَلَّمَا: عَنْ كِلْمَةٍ وَكِلْمَتَيْنِ تَخْفَى أوْ بُعْدَ السَّامِعُ ، لَكِنْ يُعْفَى جَبْرًا لِذَاً وَكُلِّ نَقْصَّ يَقَعُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيزَّ الْمُسْمِعُ (١) وزن قفل، أي: لا يعلم. (٢) هو أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري الشافعي المعروف بالصبغي ٢٥٨ - ٣٤٢ هـ. ا هـ. معجم الأعلام ص ٣١ . والصبغي: بكسر، فسكون: نسبة إلى الصبغ، كالصباغ . اهـ . لب ج ٢ ص ٦٩ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وكذلك الخلاف السابق يجري فيما إذا تكلم السامع أو الشيخ، أو أسرع = ٤١٤ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِىّ - (والخلف) بالضم، أي الاختلاف المذكور في مسألة النسخ، مبتدأ خبره قوله (يجري حيثما تكلما) الشيخ أو السامع وقت التحديث (أو أسرع القارئ) أي أفرط القارئ في الإِسراع بحيث يخفي بعض الكلام على السامع. (أو أن) شرطية (هينما) أي أخفى صوته والهينمة بفتح الهاء وسكون الياء وفتح النون: الصوت الخفي، كما في ((ق)) وقال أبو عبيدة: الكلام الخفي، وقال الأزهري: الصوت، وهو شبه قراءة غير بينة. قاله في التاج (أو بعد السامع) عن القارئ، أو كان في سمعه، أو المسمع بعض ثقل، أو عرض نعاس خفيف بحيث يفوت سماع البعض (لكن) مع ذلك (يعفي) بالبناء للمفعول، أي يغتفر (عن) قدر يسير، نحو (كلمة أو كلمتين) بكسر أولهما وفتحه مع سكون الثاني لغة في الكلمة بفتح فكسر، وقوله (تخفى) بالبناء للفاعل صفة لـ«كلمة». وحاصل معنى البيت: أن الخلاف المذكور في المسألة السابقة يجري فيما إذا تحدث الشيخ، أو السامع، أو أفرط القارئ على الإسراع بحيث يخفى على السامع بعض الكلام، أو أخفى صوته، أو بُعد السامع بحيث لا يفهم المقروء. لكن الظاهر أنه يعفى عن القدر اليسير الذي لا يخل عدم سماعه بفهم الباقي نحو الكلمة والكلمتين. لكن الأحسن للشيخ أن يزيد الإجازة جبراً للخلل المذكور كما ذكره بقوله : (ويستحب أن) مصدرية (يجيز) الشيخ (المسمع) بصيغة اسم الفاعل، أي الذي يسمع الحديث للطلبة، أو اسم المفعول أي الذي يسمعه القارئ الكتاب (جبرًا لذا) أي لأجل جبر الخلل المذكور (و) جبراً لـ (كل نقص يقع) أي يحصل في حال السماع، كأن يغلط القارئ ويغفل الشيخ، أو بالعكس. = القارئ، أو هينم - يعني أخفي صوته - أو كان السامع بعيدًا ففاته بعض الكلمات. ولكن خفاء كلمة أو كلمتين أو ثلاث يعفى عنه. قال صالح بن أحمد بن حنبل: ((قلت لأبي: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا ولا يفهم عنه، ترى أن يُروى ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا». والأحوط أن يجيز الشيخ لجميع السامعين رواية الكتاب الذي سمعوه منه، جبراً لما يحصل في السماع من نقص أو غلط أو غير ذلك. قال الفقيه أبو عبد الله بن عتاب الأندلسي: ((لا غنّ في السماع عن الإجازة؛ لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إن كان القارئ ويغفل السامع، فينجبر له ما فاته بالإجازة- نقله ابن الصلاح (ص ١٤٩) ثم قال: ((هذا الذي ذكرناه تحقیق حسن)). ٤١٥ الجُزُءُ الأُولُ - ٣٧٧- وَجَازَ أَنْ يَرْويَ عَنْ مُمْليه مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيه ٣٧٨- للأَقْدَمِينَ، (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) وَأَبْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ وحاصل المعنى: أنه يستحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية الكتاب، أو الجزء، أو الحديث الذي سمعوه، وإن شمله اسم السماع لأجل أن ينجبر ما ذكر من الكلام، أو الإسراع، أو الهينمة، أو بعد السامع، وكذا كل خلل يقع في السماع، كغلط القارئ ونحوه، فينجبر ما فات بالإِجازة. ولذا قال أبو عبد الله محمد بن عتاب الأندلسي: لا غنى في السماع عن الإِجازة، لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إن كان هو القارئ، ويغفل السامعون، فينجبر ذلك بالإجازة. اهـ(١). ولو أخر الناظم مسألة الإجازة عن ما بعدها لكان أولى إلا أنه تبع في ذلك ابن الصلاح، وغيره. ثم ذكر مسألة من سمع الحديث من المستملي، هل يرويه عن المملي، أم لا؟ فقال: مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْليه وَجَازَ أَنْ يَرْويَ عَنْ مُمْليه وَأَبْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظِّلُ للأَقْدَمينَ، (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) (وَجَازِ أَنَ) مصدرية (يروي) الراوي (عن ممليه) أي الشيخ الذي أملى الحديث عليه (ما) مفعول يروي (بلَّغ) بتشديد اللام (السامع) مفعول مقدم على الفاعل (مستمليه) فاعل مؤخر لـ (بلغ)). ومعنى البيت: أنه إذا عظم مجلس الإملاء، فاتخذ الشيخ مستمليًا يبلغ عنه، فمن سمع من المستملي حديثًا جاز أن يروي ذلك الحديث عن المملي عند جماعة من المتقدمين وغيرهم، كما أشار إليه بقوله (للأقدمين) متعلق بـ ((جاز)) (وعليه العمل) مبتدأ وخبر، أي على هذا المذهب جرى عمل أكابر المحدثين الذين كان يعظم الجمع في مجالسهم جدًّا، ويجتمع فيها الفئام من الناس بحيث يبلغ عددهم ألوفًا مؤلفة، فإنه يبلغ عنهم المستملي، ثم يروي عنهم من سمع منه (و) أبو عمرو عثمان (ابن الصلاح) مبتدأ خبره جملة (قال: هذا يحظل) بالبناء للمفعول، أي الذي ذكر من جواز رواية من سمع من المستملي عن المملي ممنوع، لما فيه من التساهل. (١) انظر تدريب ج ٢ ص ٢٦ . ٤١٦ شَرِيعُ الْفِيَةُ السَّيُوْظِىّ - ٣٧٩- وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ كَلَمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ (*) وحاصل المسألة: أنه إذا عظم المجلس، فاتخذ المحدث مستمليًا، فبلغ عنه، فهل من سمع من ذلك المستملي يروي عن المملي ويقول: حدثنا فلان، يعني المملي أم لا؟ فيه قولان: ((الأول)): ذهب جمع من المتقدمين وغيرهم إلى جوازه، منهم: ابن عيينة، وإبراهيم النخعي، وحماد بن زيد، وقال العراقي: وهو الذي جرى عليه العمل، لأن المستملي في حكم القارئ على المملي، ويعرض حديثه عليه. ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملي لفظ المستملي، كالقارئ عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك، أو لبعض الألفاظ من المستملي كما فعله ابن خزيمة، وغيره بأن يقول: أنا بتبليغ فلان. وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن سمرة، سمعت النبي وَلا يقول: ((يكون اثنا عشر أميرًا)) فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي، فقال: كلهم من قريش، وقد أخرجه مسلم عنه كاملاً من غير من أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه. ذكره في التدريب(١) . القول الثاني: أنه لا يجوز ذلك. قال النووي: وهو الصواب الذي عليه المحققون، وقال ابن الصلاح: والأول تساهل بعيد، وكذا حكم من لم يفهم كلمة أو نحوها فاستفهم من المستملي، أو رفيقه كما ذكره، بقوله : وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ كَلَمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ (١) ج ٢ ص ٢٧ . ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: كان بعض الشيوخ الكبار من المحدثين يقصدهم الطالبون ويحرصون على الرواية عنهم فيعظم الجمع في مجالسهم جدًّا حتى يصعب على الشيخ إسماع كل الحاضرين، فكان لكل واحد من هؤلاء شخص - أو أكثر - يسمع باقي المجلس، ويسمى هذا ((مستمليًا)). فإذا كان الراوي لم يسمع لفظ الشيخ وسمعه من المستملي وكان الشيخ يسمع ما يمليه مستمليه: فلا خلاف في جواز الرواية عن الشيخ لأنه يكون من باب الرواية بالقراءة على الشيخ. وأما إن كان الشيخ لا يسمع ما يقوله المستملي، فقد اختلف في ذلك: فذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز للراوي أن يرويه عن الشيخ. وقال غيرهم: لا يجوز ذلك، بل على الراوي أن يبين أنه سمعه من المستملي. وهذا القول رجحه ابن الصلاح. وقال النووي: إنه الصواب الذي عليه المحققون . والقول الأول - بالجواز - هو الراجح عندي. ونقل الناظم هنا وفي التدريب أنه هو الذي عليه العمل . = ٤١٧ الجُزُءُ الأولُ - ٣٨٠- ثَالثُهَا: إجَازَةٌ، وَاخْتُلفَا فَقَيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا ٣٨١- وَقِيلَ: لا يَرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَلُ وَقِيلَ : عَكْسُهُ، (وَقِيلَ: أَفْضَلُ ٣٨٢ - مِنَ السَّمَاعِ، وَالنَّسَاوِي نُقِلا) وَلَحَقُّ : أَنْ يَرْوَىَ بِهَا وَيَعْمَلا ٣٨٣ - (وَإِنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ وَسْتَوَيَا لَدَى أُنَاسٍ للخَلَفْ) (والخلف) أي الاختلاف المذكور (يجري) أيضًا (في) السامع (الذي لا يفهم كلمة) أو أكثر (فمنه) أي المستملي وكذا من رفيقه (قد يستفهم) أي يطلب فهمها. وحاصل المعنى: أنهم اختلفوا في صحة رواية ما استفهمه السامع من الألفاظ اليسيرة من المستملي، أو من بعض الحاضرين، فجوزه بعضهم، ومنهم: الإِمام أحمد، ومنعه آخرون منهم: أبو نعيم الفضل بن دكين، وزائدة بن قدامة، وحكي عن أبي حنيفة، وعن خلف بن سالم المخرمي قال: سمعت ابن عيينة، يقول: ((نا)) عمرو بن دينار يريد حدثنا فإذا قيل له: قل حدثنا عمرو، قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله: حدثنا ثلاثة أحرف، لکثرة الزحام، وهيح دث. ثم ذكر القسم الثالث من أقسام التحمل الثمانية، فقال: فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا ثَالثُهَا : إِجَازَةٌ ، وَاخْتُلُفَا وَقَيلَ : عَكْسُهُ، وَقِيلَ : أَفْضَلُ وَقَيلَ: لا ◌َيَّرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَّلُ وَاَلَحَقُّ : أَنْ يَرْوَى بِهَا وَيَعْمَلا مِنَ السَّمَاعِ ، وَالتَّسَاوِي نُقْلا وَاسْتَوَيَا لَدَى أُنَّاسَ الْخَلَفُ وَإِنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ = لأن المستملي يسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدًّا أن يحكي عن شيخه - وهو حاضر في جمع كبير - غير ما حدث به الشيخ، ولئن فعل ليردنَّ عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله. وهذا واضح جدًّا. وهذا الخلاف أيضًا فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض الحاضرين. قال الأعمش: ((كنا نجلس إلى إبراهيم فتتسع الحلقة فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضًا عما قال، ثم يروونه وما سمعوه منه، وعن حماد بن زيد: ((أنه سأله رجل في مثل ذلك. فقال: يا أبا إسماعيل! كيف قلت؟ فقال: استفهم ممن يليك)). ٤١٨ شَرْع الْفِيَّة الشَّيُوظِي (ثالثها إجازة) مبتدأ وخبره، أي ثالث أقسام التحمل ما يسمى بإجازة، مصدر أجاره. قال السخاوي: وترد في كلام العرب للعبور، والانتقال، والإباحة، القسيمة للوجوب، والامتناع، وعليه ينطبق الاصطلاح، فإنها إذن في الرواية لفظًا، أو كتابة، يفيد الإِخبار الإجمالي عرفًا . وقال القطب القسطلاني: إنها مشتقة من التجوز وهو التعدي فكأنه عدی روايته حتى أوصلها للراوي عنه . وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الحجاج: إن اشتقاقها من المجاز، فكأن القراءة والسماع هو الحقيقة وما عداه مجاز، والأصل الحقيقة، والمجاز حمل عليه، ويقع أجزت متعديًا بنفسه، وبحرف الجر كما سيأتي في لفظ الإجازة وشرطها. اهـ. كلام السخاوي (١). وأركانها أربعة: المجيز، والمجاز له، والمجاز به، والصيغة. وسيأتي أنها أنواع. ثم ذكر حكمها، فقال (واختلفا) بالبناء للمفعول، وألف الإطلاق، أي اختلف العلماء في جواز الرواية بها على أقوال (فقيل لا يروي) بالبناء للفاعل، أو المفعول (بها) أي الإجازة، وهو قول جماعة من المحدثين كشعبة، قال: لو جازت الإِجازة لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبي نصر الوائلي، وأبي الشيخ الأصفهاني، والفقهاء: كالقاضي حسين، والماوردي، وأبي بكر الخجندي الشافعي، وأبي طاهر الدباس الحنفي . وعنهم أن من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع، فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي. وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة. وقيل: إن كان المجيز والمجاز عالمين بالكتاب جاز، وإلا فلا، واختاره أبو بكر الرازي الحنفي. (و) لكن هذا القول (ضعفا) بالبناء للمفعول، وألف الإطلاق، أي نسب إلى الضعف لما سيأتي. (١) فتح ج ٢ ص ٢١٤، ٢١٥. ٤١٩ - الجُزْءُ الأولُ (وقيل لا يروي) بها بالضبط المتقدم، أي لا تجوز الرواية بالإجازة (ولكن يعمل) بالضبط المذكور أيضًا أي لكن يجوز العمل بها، وهذا القول منقول عن الأوزاعي (وقيل عكسه) أي عكس القول المذكور، وهو جواز الرواية دون العمل، کالمرسل، وهو لبعض الظاهرية ومن تابعهم، قال ابن الصلاح: وهذا باطل، لأنه ليس في الإِجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها ولا في الثقة به بخلاف المرسل فلا إخبار فيه ألبتة، وسبقه إليه الخطيب. (وقيل) إنها (أفضل من السماع) مطلقًا، وهو اختيار بعض المحققين، ونقل عن أحمد ابن ميسرة المالكي أنه قال: إنها على وجهها خير من السماع الرديء (والتساوي نقلا) مبتدأ وخبر، أي كون الإجازة والسماع سواء في الرتبة منقول عن بعضهم. وكان عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد يقول: الإِجازة عندي، وعند أبي، وجدي، كالسماع (والحق) أي القول الصحيح الذي قاله المحققون، وهو مبتدأ خبره قوله (أن يروي بها ويعملا) بالبناء للمفعول، أو الفاعل فيهما أي جواز الرواية والعمل بها، وهو قول الأكثرين من العلماء المحدثين، وغيرهم، واستقر عليه العمل، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك. (وإنها) أي الإِجازة (دون السماع) رتبة (للسلف) أي عندهم، فجملة أن معطوفة على مقول القول، أي قيل: إنها دون السماع ... إلخ فهمزة إن مكسورة (واستويا) أي السماع والإِجازة (لدى أناس) أي عندهم (الخلف) بدل من أناس، وفي نسخة للخلف باللام الجارة، وهو بدل أيضًا من الظرف، وهو قول العلامة الطوفي، قال: إنها في عصر السلف دون السماع، وفي عصر الخلف مساوية له، والحاصل أن مسألة الإِجازة فيها مذاهب. الأول: وهو الذي قاله الجمهور من الطوائف، واستقر عليه العمل جواز الرواية والعمل بها وهو الصحيح، قال الخطيب: احتج بعض أهل العلم لذلك بحديث: ((أن النبي ◌َ ل كتب سورة براءة في صحيفة، ودفعها لأبي بكر، ثم بعث عليًّا، فأخذها منه، ولم يقرأها عليه، ولا هو أيضًا حتى وصل مكة، ففتحها، وقرأها على الناس)). الثاني: المنع، وهو مذهب جماعة من الطوائف كما تقدم. الثالث: أنها لا يعمل بها مع جواز التحديث بها، وهو مذهب بعض الظاهرية . ١ ٤٢٠ شَرْجُ أَلْفِيَّة الشَّيُوطِىّ - ٣٨٤ - عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ أَوْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ الرابع: عكس هذا القول، وهو العمل دون التحديث، وهو مذهب الأوزاعي. الخامس: أن الإجازة أفضل من السماع. السادس: أنهما متساويان في الرتبة. السابع: التفصيل ففي عصر السلف السماع أولى، وأما بعد أن دونت الدواوين، وجمعت السنن، واشتهرت فلا فرق بينهما، أي فهما مستويان، وهذا القول للطوفي. (فائدة): قول المحدثين: أجزت لك أن تروي عني بشروطها، المراد بالشروط هو المبين في قول الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، حيث قال في منظومته دليل السالك: ثُمَّ الْمُرَاجَعَةُ فيمَا أَعْضَلاَ وَهُوَ التَّثَبُّتُ بِمَا قَدْ أَشْكَلا لاَ غَيْر مَنْ حَقَّقَهُ وَحَرَّرَةُ مَعَ مَشَابِخِ العُلُومِ المهَرَه مَا كَانَ بِالنَّقْلِ يُرَى مُحَصَّلاً ثُمَّ الرَّجُوعُ فِي الحَوَادِثِ إِلَى إِلَّ مَعَ التَّحْقِيقِ لِلأَشْيَاءِ وَعَدَمُ الْجَوَابِ فِي اسْتِفْتَاءِ ١٠ هـ. ثم إن الإِجازة تسعة أنواع ذكرها بالترتيب، فأشار إلى الأول بقوله: عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ أَوْذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ (عين) المجيز (ما) أي الحديث، أو الكتاب الذي (أجازه) للطالب (و) عين (المجاز له) من الطلبة، فقوله: عين إلخ في محل نصب حال من المجيز المعلوم من المقام يعني : أن الحق جواز الرواية والعمل بها حال كون المجيز معينًا المجاز به إلخ. وحاصل المعنى: أن النوع الأول هو أن يعين المجاز به والمجاز له، كأن يقول: أجزتك البخاري، أو ما تضمنه ثبتي، أو ما اشتملت عليه فهرستي (١) والمجاز عارف بما اشتملت عليه، وكذا إذا أدخله خزانة كتبه، وقال: ارو جميع هذه الكتب عني، فإنها مسموعاتي من الشيوخ المكتوبة عنهم، أو أحاله على ترجمتها، ونبهه على طرق أوائلها، وهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة؛ لأنها أعلى من هذا. ثم ذكر الثاني، وهو التعميم في المجاز به مع تعيين المجاز له بقوله (أو) عين (ذا) أي المجاز له (و) الحال أن (ما أجازه) أي الذي أجاز له من الحديث أو الكتاب مثلاً (قد (١) الفهرست بالتاء وصلاً ووفقًا لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب. اهـ.